ثورة ايلول التحررية مهد الثورات الكوردية المعاصرة ... نادر دوغاتي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

لكل ثورة تحررية نظريتها الثورية، التي تتلاءم مع طبيعة ومتطلبات المرحلة التي انطلقت من أجلها وعلى اسسها المبدئية الرصينة، وإن قادتها العباقرة، ورجالاتها العظام، الذين خططوا لهذه الثورة او تلك، إنما يمتلكون القناعة الكاملة، والفهم الواعي لنصرة قضية شعبهم. وإن إندلاع الثورات الشعبية يأتي دائما كرد فعل للعنف الرجعي، والسياسة الشوفينية التي تنتهجها السلطات الحاكمة المستبدة، التي تصادر الحقوق الدستورية والقومية المشروعة لشعوبهم المضطهدة، بالإضافة إلى سلب حرياتهم ونهب خيراتهم .

ثورة 14تموز 1958 بزعامة عبد الكريم قاسم، ونجاحها في بناء الجمهورية الفتية الاولى في العراق، كانت أملا لكل العراقيين، الذين سارعوا بالإجماع إلى تأييدها ومباركتها، وكان زعيم الشعب الكوردي الخالد مصطفى بارزاني من أوائل القادة الذين هنأوا قاسم والضباط الأحرار الذين شاركوه وجميع أبناء الشعب العراقي بنجاح تلك الثورة الجماهيرية في الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية، وعلى أثرها عاد البارزاني من منفاه ( الاتحاد السوفيتي السابق ) ليشارك فرحة الشعب العراقي ويساهم في بناء الدولة الجديدة التي أطلق عليها إسم الجمهورية العراقية، لتكون عراقا للعرب والكورد وكافة الأطياف والمكونات القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية. إستقبل البارزاني في بغداد استقبال القادة العظماء من قبل كافة فئات الشعب العراقي، وفي اليوم الثاني استقبل من قبل الزعيم عبدالكريم قاسم، وكانت الفرحة تعم جميع أنحاء العراق، وإبتهج الكل بسقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية الاولى، لينعم الجميع تحت رايتها بالعيش الرغيد والحرية والسلام والتعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب العراقي دون تميز.

إلا أن هذه الفرحة لم تدم طويلا، حيث تفاقمت الخلافات بين قادة الثورة حول رسم سياسة وهوية الدولة الجديدة بين الفكر الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه الزعيم قاسم في بداية الامر، والفكر القومي الشوفيني بقيادة عبد السلام عارف وبدعم من جمال عبد الناصر، وارجح قاسم بأن احداث الموصل وكركوك من صنع القوميين وبدعم مباشر من الناصريين، تفرد قاسم بالسلطة والقرارات وتخلى عن نهجه الوطني وحبه للشعب، وضرب القوى الديمقراطية التي كانت بمثابة العمود الفقري للزعيم ولجمهوريته الفتية، وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي وبقية القوى الديمقراطية الوطنية العراقية .

اندلعت ثورة ايلول التحررية بزعامة البارزاني الخالد (19611975)، كرد فعل للسياسة الفردية لعبد الكريم قاسم وإنحرافه عن النهج الديمقراطي الشعبي للثورة، وسيطرة القوى القومية والشوفينية على زمام الامور في الجمهورية الفتية من خلف الستار، وهذا ما أربك العملية السياسية وعمل على تغيير مسارها الشعبي الثوري الى حكم فردي استبدادي، تحولت نعمة الإنجازات التي تحققت في بداية الثورة للشعب الى نقمة، وتم مصادرة الحريات الثقافية والسياسية، حيث امتلئت السجون بالمناضلين من الشخصيات الوطنية والديمقراطية التي كانت تسهر على حماية الشعب وتدافع عن تطلعاته .

حاول البارزاني ولمرات عديدة اقناع قاسم بمواقفه المساند للثورة والجمهورية الفتية، وخاصة في لقائهم الاخير في بداية عام 1961 لكن دون جدوى، وعلى أثرها عاد البارزاني الى كوردستان ( بارزان)، وبدأت حكومة قاسم بملاحقة واعتقال اعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني واغلاق جريدته الرسمية ( خه بات ) ومقر الحزب في بغداد، والأنكى من هذا كله قام باستغلال الخلافات العشائرية والقبلية في البيت الكوردي، حيث قام بتسليح بعض رؤساء العشائرالكوردية ( الجحوش )، وخلق الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والادارية في كوردستان، ثم بدأ في 11 ايلول 1961 بالقيام بحملة عسكرية واسعة شاركت فيها الطائرات الحربية وكانت تتقدمها افواج الجحوش التي شكلها قاسم لشق وحدة الصف الكوردي وضربها ببعضها. هاجمت تلك القوات مجتمعة ومن محاور مختلفة مدن وقرى كوردستان، وبشكل خاص قرى منطقة بارزان معقل الثورة والثوار وقادتها العظام.

هكذا بدأت وإنطلقت ثورة ايلول، بنضال أبناء شعبنا الكوردي وسواعد البيشمركة الأبطال، وفكر قادتها العظام، ولم تنطفئ شعلتها إلا بعد اربعة عشرة عاماً وبعد أن حيكت ضد الثورة الكوردية اكبر مؤامرة خيانة دولية في الجزائر، سميت بإتفاقية الجزائر السيئة الصيت سنة 1975 والتي نصت على منح إيران جزء من شط العرب مقابل قطع المساعدات عن الحركة التحررية الكوردية في كوردستان الجنوبية، حيث باع صدام ارضه وعرضه لإيران مقابل اسكات الكورد عن المطالبة بحقوقهم المشروعة . نعم اصاب ثورة الكورد بنكسة سياسية، لكن لم تنته ولم تتوقف مسيرتها الثورية والعسكرية، بل واصل الثوار الابطال ( البيشمه ركه )، بإشعال فتيل ثورة كولان في 26 . 05 . 1976 كإمتداد لثورة ايلول، التي كانت مهدا للثورات الكوردية وستبقى الى ان ترسى سفينتها على بر الامان وتتكلل بحق تقرير المصير. .

ثورة ايلول اصبحت مدرسة لايستغنى عن تجاربها وتراثها في مسيرة البارزاني الخالد والحركة التحررية الكوردية بشكل عام، ثورة ايلول كانت ثورة الكورد جميعاً من شرق كوردستان الى غربها ومن شمالها الى جنوبها وبكل طبقات الشعب وفئاته واديانه ومذاهبه، ومن أعظم إنجازات ثورة ايلول التحررية إتفاقية 11 اذار 1970 والاعتراف الرسمي للحكومة العراقية بحقوق الكورد ومنح الحكم الذاتي لكوردستان .

ثورة ايلول علمتنا الكثير من الدروس، كما لقنت العدو دروساً كثيرة، نتمنى من حكام العراق اليوم الذين وصلوا إلى سدة الحكم، الإستفادة من تجارب ثورة ايلول ونضال البيشمركة الأبطال، ويتعلموا منها درساً واحداً، إلا وهو إن جميع حكام العراق المستبدين على رقاب الشعب، والذين أفرغوا حقدهم الشوفيني على الشعب الكوردي وأنكروا وجوده وحقه في الحياة الحرة الكريمة، وساقوا حملاتهم العسكرية ضد هذا الشعب الأبي المناضل، إبتداءً من الزعيم قاسم، ومن بعده عبدالسلام، وإنتهاءً بصدام وعلي الكيمياوي، الذين لطخوا اياديهم بالدماء البريئة لشعب كوردستان قد نالوا جزائهم، وذهبوا دون اثر وبنهاية سوداوية، .

ولن يعم السلام في العراق دون الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي، والاقرار بحقه في تقرير مصيره. والاعتراف التام عن قناعه بانه هنالك منطقة جغرافية اسمها كوردستان، يعيش عليها الشعب الكوردي الاصيل، لهم لغتهم الكوردية العريقة، إنهم ليسوا عرباً ولا تركاً ولا عجماً، بل قوم آري، اصحاب تاريخ وحضارة، امة انجبت قادة عظام وشعب جبار لابد ان تبحر سفينتهم يوماً الى بر الامان، ويتمكنوا من بناء دولتهم الكوردية على ارض كوردستان ..

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا نهاية كل حكام العراق مأساوية ومصيرهم مجهول .؟

تحية إجلال وإكبار بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسون لثورة اَيلول العظيمة، الى البيشمه ركه الابطال وشهداء الثورة الابرار وفي مقدمتهم البارزاني الخالد .


نادر دوغاتي

naderdoxati@hotmail.com

10 ايلول 2012


 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة