ذكريات بيشمه ركه في جبال كوردستان ... ( الحلقة 9 )‎

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

معركة سوار وسبيندارا وقمة برئاشى – صيف عام 1984
في الصباح الباكرتركت موقع الدوشكه المخصص لحماية المقر الرئيسي من الطائرات المعادية التي لاتفتىء عن زيارة مواقعنا بين فترة واخرى بعد انتهاء نوبتي الليلية لياخذ رفيقا اخر دوره في الاستطلاع والحماية , كان الموقع يقتعد السفح الجنوبي لجبل كاره ومقر مراني شمالا حيث تسحرك المناظر الخلابة في ساعات الغسق ... قبل ان انتهي من اعداد الفطور والشاي سمعت صوت الشهيد ابو نصير يستعجلنا للحظور الى باحة المقر, كان علينا ان نجهز انفسنا باسرع وقت بالعدة القتالية الكاملة للالتحاق بساحة المعركة الواقعه تحديدا في جنوب غرب جبل كاره في المنطقة الواقعه بين سرسنك وسواره توكه وبالتحديد بين قرى سبيندارى وقمة برئاشي في برواري السفلى .
كان هجوما كبيرا من قبل الجيش تسبقه قوات كثيرة من الجحوش , تقابله قواتنا المشكلة من مفرزة الحزب الديمقراطي الكوردستاني منظمة الشهيد محمود الايزيدي يقودها البيشمركه ميرزا كورو ومفرزة الحزب الشيوعي العراقي يقودها البيشمركه صباح الملقب بابو ليلى ومفرزة صديق زاويتي مسؤول منظمة شهيد علي عبو و توءازرهم القوات الشعبية من القرى القريبة (به ركري ملي )..

كنا ثلاثة عشر من البيشمركه , تهياءنا للانطلاق بعد تحزمنا بالعتاد والمواد الضرورية اضافة الى كميات اظافية من العتاد والارزاق لرفاقنا وهم في غمار المعركة منذ الصباح الباكر يواجهون هجوما شرسا , كانت تجربة القتال في مواجه جبهويه شيء نادرا بالنسبة لنا تعودنا على ازعاج العدو في حرب عصابات لايعرف لنا فيها اتجاه, نفاجئه من حيث لايعلم ونفر من وجهه في ساعات صحوته لكن ايماننا بالقضية وشدة باسنا والشجاعة الممزوجة بالتجربة والخبرة والحياة الصعبة كانت تدفعنا دوما الى الامام .
اذكر انني كنت اصغر المقاتلين سنا وكان سلاحي عفاروف ( رشاش متوسط و ثقيل الوزن ) اضافة الى رمانتين يدويتين وحربة وزمزمية ماء وجعبة الظهر نضع فيه اكل ومستلزمات يومية والعتاد الاحتياطي .. 

المعركة تدور رحاها على سلسلتين جبليتين متقابلتين في برواري السفلى , كانت وجهتنا الجبل الغربي المطل على قرية اسبندارى والمشرف على وادي اشوا وطريق سوارتوكه سبيندارا لتمتد السلسة الى جنوب قرية برئاش وخوربيني حيث تكمن قواتنا لمنع تقدم العدو الى مقراتنا في سيدره ومراني
الواقعة الى الشرق من موقع المعركة ولمسافة ثلاث ساعات سيرا على الاقدام .
من الجانب الاخر الاف من الجيش والمرتزقة يتقدمون يتجهون من محاور وادي اشوا وسوارتوكا تسندهم المدفعية والراجمات من المواقع الخلفية والطائرات تسبقهم بضرب المواقع المتقدمه والخلفية لقواتنا وتحديد الاحداثيات للمدفعية .
وصلت حضيرتنا الى قرية سبيندارى لنلتقي بالنساء والاطفال يلازمون السكينه ويترقبون احوال المعركه باحاسيس من القلق وعيون يملاها الامل .. استقبلونا في هذا الصباح وارتفعت معنوياتهم بروْيتنا .. نسمع دعائهم وكلماتهم المليئه بالحب .. استقبلتنا امراة عجوز بشجاعة المراة الكوردية المضحية وسالتنا ان كنا بحاجة الى وجبة طعام او شيئا نشربه .. شكرناها وشددنا على ايدهم .. تركناهم وهم يهلهلون لنا بالنصر .. 


اقل من ساعة امامنا صعود جبلي لنكون بين البيشمركه .. في القمه كنا نسمع ازيز الرصاص وصليل المدافع كانت مسافة قصيرة تفصلنا عن ارض المعركة , في هذه المسافه اكتشفنا من قبل رصد العدو , سمعنا ازيز الطائرات وعلى عجل اتخذنا اماكن عكس اتجاه الطيران نحتمي بالمنخفظات والحجارة , كان البيشمركه ناظم ختاري في مكان مكشوف في الجهه المقابله لاتجاه الطائرات واذكر حينها ان البيشمركه فائز الحراقي
كان على يميني ونبهني لانادي على ناظم بان يغير موقعه , دقائق بعد وصول ناظم الى جهتنا وصلت طائرتان عسكريتان لتنزل حمولتها في اماكن متفرقه من موقعنا ومن الصدف ان احدى الصواريخ اصابت الشجره التي كان ناظم يحتمي خلفها قبل تغير مكانه.. ومن خلال دورة الطيران تحركنا بسرعة لتغير الموقع عكس الاتجاه بعدها استقبلتنا المدفعية بعد اخذها الاحداثيات من الطائرات .. خرجنا سالمين بعد هدوء عاصفة الموت تلك وصلنا الى قواتنا بصعوبة بالغة نتيجة قصف المدافع والراجيمات على طريقنا المؤدي الى قواتنا التي كانت تسيطرمن القمة المسيطره على كلي اشوا كجبهة امامية للمعركة وبسلسلة طولها حوالي خمس كيلومترات ..شاركنا في المعركة الى الساعة العاشرة ليلا وبقوات قليلة لم تتجاوز مع المساندة الشعبية المائتي شخص مقابل الالاف من القوة العسكرية وقوات الجحوش .
عن بدايات المعركة كان يروي لنا البطل ميرزا كورو أنذاك في استراحة قصيرة قائلا : 

كنا في قرية اسبيندارى عندما وصلنا الخبر من تنظيماتنا في الداخل , من ان الجيش والجحوش تتحشد وبقوات كبيرة في مناطق سوارتوكة وزاويته وسرسنك استعدادا لهجوم كبير على منطقتي سيده ره و مراني ,بعد منتصف الليل تهيئنا وبمساعدة من شباب قرية سبيندارى الابطال بتوزيع كمائن عديدة على السلاسل والمرتفات الجبلية وخاصة قمة برئاشي كموقع استرتتيجي لوقف التقدم وبلغنا كافة القرى القريبة للدخول في حالة طوارىء والتحاق الشباب القادرين على المعركة بصفوفنا .. التحقت وقبل بدء المعركه بقوتنا مفرزة صباح القوشي من قوات البيشمركه الشيوعين وكذلك منظمة الشهيد علي عبو بقيادة صديق سعدي زاويتي ليخوضوا المعركة جنبا الى جنب مع المقاتلين الشعبين من قرى سبينداري وسواري وخوربيني وبرئاشي وباي بايكى وكانيا باسكا وستكرك وخرابية وميمه دل . بكل قوة وشجاعة ليسيطروا من بدايات المعركه على السلسلة الجبلية لجبل كارة شمالا والشارع الاسفلتي الممتد على محاذاة السلسلة وجنوبا الى قرية برئاش وخوربيني. 
في الهجوم الاولي ومع بدايات الفجر تقريبا الرابعة صباحا دارت بيننا معركة شرسة تكبد العدو فيها خسائر كبيرة من القتلى والجرحى مما اجبر على الانسحاب ليتخذ مواقع خلفية بعيدا عن نيران اسلحتنا . كنا نسمع بعضنا ولقصر المسافة كثيرا ملكنا نسمعهم كلاما يترك في نفوسهم جروحا اتخمن من الجراح التي تتركها رصاصاتنا في اجسامهم كنا نناديهم : ياجحوش البعث نهايتكم قريبة , وصلتم الى هنا ولاكنكم لن تعودو الا واعلام البث تغطي جثثكم .. ايها الخونه ياعداء الكورد وكردستان وكنا بعدها نرشقهم بوابل من الرصاص ... وكانوا هم يانادوننا .. سلموا انفسكن ياعملاء ايران وامريكا ...
وكان البيشمركه البطل احمد شه يهلهل بوفوهة الدوشكة مع رفيقه بيبو شيخكي عدد العفاروف الذين قطعوا طريق على المرتزقة من اشوى وطازيك والشارع العام الى سبيندار في حين كان الهاون 60 ملم يعمل فعله ضد المدرعات بيد ميرزا كورو ودرويش داكي.
البيشمركه نجيم محمد يونس وشمدين كرسافي وجمال امينكي وسلو عمروولاتي رشو وشاكر كولاني كانوا يمطروهم بصواريخ القاذفات .
ومن سبيندارى الابطال الشجعان في المعركة الاولى محمد كريمة وعبد العزيز سبينداري ووعلي زه لى واخرين من شبابهم الشجعان نعتذر عن نسيان اسمائهم. ألقنوا المرتزقة دروس لن ينسوها أبداً حيث تشابكنا في معركة وجهاً لوجه سمحنا لهم بالتقدم الى أن وصلوا بالقرب منا وفاجئناهم بأزيز الرصاص ورشقات الدوشكة وصواريخ القاذفات والهاونات مع هلاهل البيشمركه الابطال ... قتلنا منهم الكثيرين وفر الاخرين يولون الادبار ويصرخون الى اصاحابهم طالبين النجده منهم. 

بعد ساعتين اعاد العدو هجومه وبمساندة كثيفة من المدفعية والطائرات مما دفعنا الى الانسحاب المنظم من الخط الاول وقمة برئاشي لمسافة قصيرة وفي اماكن محصنة في ( قمة سبيادى وميركا دولى وبركا سه ري ) ومقابل جبل كاره في ( طازيكا وكلي أشوى والشارع العام بين سواره توكه وسبيندارى ) لنستمر منها في مقاومة تقدم العدو الى الساعة العاشرة ليلا ......
اكثر ماكانت تزعجنا وترهبنا هي طلعات الطائرات المستمرة .. مما كنا نضطر حاملي الرشاشات والقاذفات الى الانسحاب في حالة فتح النيران عليها حرصا على عدم كشف مواقعنا من قبل الخط الامامي للعدو ... وقد افلح الشهيد البطل دلير هويري في احدى رمياته
من خلال قاذفة ار بي جي 7 من اصابة احدى الطائرات لتولي الادبار الى المواقع الخلفية يعلوها دخان كثيف , علمنا فيما بعد من هبوطها الاضطراري في منطقة سميل.

كما لعب بيبو شيخكي بسلاحه الرشاش دور فعالا ليرعب العدو برشقات متواصلة كانت تجبره الى التوقف والاختفاء في القمة المقابلة لكلي أشوا .....


ابو ليلى لدغته افعى اثناء القتال دون ان يخبرنا الا بعد انتهاء المعركه وقال حينها :
ماذا سيفعل بي سم افعى وجسمي كله سموم , عالجه طبيب المفرزة في سبيندارى .
لم تكن المعركة تختلي من مشادات كلامية بيننا وبين الجحوش , كنا نسمع اصوات بعضنا البعض , كنا نناديهم : ان كنتم جائعين تعالوا فقد احضرنا لكم كميات كافية من الشعير والتبن ... ليجيبوا : ماذا تفعلون في هذه الجبال الموحشه تعالوا سلموا انفسكم واملوا معداتكم الخاوية بلحم الدجاج المشوي والكباب والصمون الحار .. كان البيشمركه عيسى طازيكي يسكتهم بصاروخ مدفع عيار 57 ملم .
في لحظات الاستراحة القصيره وخلف الساتر الامامي كنا نلتم حول بعضنا بدون ارادتنا انه الحس الانساني للتالف والاجتماع ساعات الشده ناسين بذلك اصول المعركه, نتبادل اوجه الحديث ولفافات التبغ , او من ياكل وصلة خبز مع الماء,كنا اكثر من سبعة اشخاص عندما نبهنا البشمركه البطل ميرزا كورو :
اها خوش صيد تجتمعون هكذا والقنابل تسقط هنا وهناك ... والغريب انه لم يكمل كلامه حتى سقطت احدى القذائف بالقرب منا لنتفرق دون ارادتنا كل الى مكان منفرد ننظر الى مكان القذيفة وجنوننا بذلك التجمع المخالف لاصول القتال .


في تلك الاستراحة شدني منظر ( الخالة امينة )* حسدتها على شجاعتها وعزمها الذي لايكل , هذه الانسانة الرائعة, كان توزع على البيشمركه حنان الامومة الذي نفتقده مثلما توزع علينا الاكل والشرب والعتاد الذي تجلبه من قرية سبيندارى طوال ساعات المعركة
فتاة سبيندارية ثانية يانعة بملامح قاسية ووجه جميل لم يرى من الحياة الى عواء الذئاب البشرية وصليل المدافع ورائحة الموت .. شابة تدفعك الى المضي قدما الى وجه الموت من اجل النصر من اجل الحرية أنها ترافق والدها وتجلب الاكل والشرب والعتاد للبيشمركه .
مثلما كانت الخالة امينة كانت كل من البيشمركه فاتن والبيشمركه عشتار تقاتلان الى جانبنا في مفرزة صباح القوشي ليكسروا طوق المراة التقليدية, حاملين السلاح يقاتلون بشجاعة الفرسان ويطلقون النيران من اجل الحرية ... حرية الانسان .. حرية المراة في الحياة .


قررنا الانسحاب بناء على اوامر قيادة المعركة , الحرب الجبهوية لم تكن في صالحنا . كنا سندفع شهداء كثيرين لو استمرينا بالقتال , كانوا يعروفون مواقعنا والقصف المدفعي لم يتوقف والطائرات المقاتلة السريعه والسمتية تنفذ سمومها فوق روءوسنا .. انسحبنا كانت الساعة الحادية عشر ليلا تقريبا وذهبنا الى قرية سبيندارى لتناول وجبة العشاء بالرغم من أن القرية خسرت أربعة من شبابها شهداء دافعوا بكل شرف عن أرضهم وعرضهم في معركة بطولية سجلت في تاريخ الحركة الكوردية بأحرف من ذهب الا أنهم أستقبلونا أستقبال الكرام والابطال وكانو يقولون لنا بأنكم رفعتم الرأس بأن تقاوموا يوم كامل امام هذا الهجوم الكبير . وبعدها أنسحبنا الى خطوط خلفية ومخفية في سلسلة مرتفعة بين وديان سوارى وسبيندارى , متخذين مواقع دفاعية جديدة لحماية المقرات بين قطع صخرية وكثافة الاشجار في الوقت الذي كانت الطائرات تحوم فوق المنطقة لليوم الثاني على التوالي بحثاً عن مواقع البيشمركه الابطال الذين قاوموا أكثر من ثمانية عشرة ساعة جبروت أكبر قوة عسكرية ولأبشع نظام همجي دكتاتوري .
رغم شراسة المعركة الا ان خسائرنا كانت أربعة شهداء أبطال وهم كل من ( نظيف سبينداري وحجي حسن وحسن سفاقا واسماعيل حجي حميد ) و جريح واحد وهوالبطل عمر قدشي مسؤول منظمة شورش الذي كان يقود مجموعته من مقر سيدره , فيما اعطى العدوالكثير من الخسائر والجرحى .
وصل الجحوش والجيش قرية سبيندارى في اليوم الثاني من المعركة وعملوا فيها ماعملوا احرقوا بيوت واكواخ في القرية... كانت الخالة امينة تطفيء النارالملتهب و تهدء من خوف الاطفال وتشد من عزيمة النساء عندما أسالها احد الصعالكه من الجحوش لماذا تساعدون البيشمركه اجابته ببسالة .
لأنكم جحوش البعث وتحرقون بيوتنا وهم بيشمركه كوردستان ويدافعون عنا .




المانيا – بليفيلد – 23-6-2007


( الخالة أمينة )*: أم اسماعيل من عائلة المناظل محمد كريمة من قرية سبيندارى أستشهد زوجها في ثورة ايلول وكانت تسمى بـ ( خالة البيشمركه ) لحبها ومساعدتها الدائم للبيشمركه

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة