ذكريات بيشمركه في جبال كوردستان / الحلقة السابعة / نادر دوغاتي‎

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

البيشمركة في حالة حدوث عملية عسكرية . او وقعنا في كمين عسكري من قبل الجندرمة . اولهما عدم معرفتنا بطوبوغرافية المنطقة . وفي حالة حدوث اي حادث يجب ان لايتبعثر المفرزة . والشيء الثاني هو كان هناك أمر بعدم اطلاق النار على القوات الجندرمة والقوات العسكرية التركية الاخرى الا في حالة الدفاع عن النفس . او الوقوع في كمين مفاجيء . وفي حالة الرمي الاجباري محاولة عدم تصويب الهدف اي قتل الجندرمة . بل قدر الامكان التخلص من المعركة دون خسائر وذالك لسببين :
اولا : في اي مكان داخل الاراضي التركية يحدث عملية عسكرية ويقتل احد الجندرمة يبني في نفس المكان مركز شرطة ( قره قول جندرمة ) أو نقطة عسكرية وهذا كان يعيق عمل مفرزة الطريق . حيث كان طرق التي تسلكها المفرزة داخل كردستان تركيا طرق محدودة ومعدودة وصعبة .
ثانيا : ليس كان الهدف الرئيسي للبيشمركه الحكومة التركية بل النظام الدكتاتوري الصدامي في العراقي . وكنا نستخدم الاراضي التركية فقط للوصول الى العالم الخارجي وجلب المساعدات فقط .

لم ينتهي واجبنا في المقر المؤقت لمفرزة الطريق في اعالي الجبال القريبة من قضاء شرنق بل كلفنا الحزب بايصال بريد مستعجل الى مقر الحزب الديمقراطي في كلي صناة . كنا ثلاثة بيشمركه رفيق ابو وسن الفيلي ورفيق مهند وانا ( كاتب السطور ) . المسافة التي قطعناها بعدة ايام بلياليها يجب ان نقطعها في العودة بيومين فقط وناخذ اقصر طريق حتى لو تكون خطرة فما هي الواجب لا نعلم بل ورقة ملفوفة بالتيب وعلينا تنفيذ الواجب وايصالها الى مقر الحزب الديمقراطي في كلي صناة .
لم اتذكر بالضبط في اليوم الثاني او الثالث صباحا وصلنا الى جبل مسيطر على نهر الهيزل ويفصله عن حدود قضاء زاخو نهر الهيزل وجبل ثانِ . هنا رأينا احد القرويين مع اثنان من أولاده ( يدق الجش ) . فسألناه عما إذا كان مركز الشرطة ( قره قول جندرمة ) الموجود على نهر الهيزل فيها جندرمة ام لاء . لانه قبل فترة كانت مهجورة . وهذا هو طريقنا الوحيد . فلم يجاوبنا القروي خوفاً . فقط قال لنا انا لم اعرفكم . ولم انطق بكلام . وحاولنا اقناعه لكن بدون جدوى .
في هذا الصباح تركنا القروي ونزلنا من سفح الجبل على نهر الهيزل . الطريق الوحيد الذي يوصلنا الى كلي صناة . بينما كانت الجندرمة تراقبنا بالناضور ونصبوا كمين لنا في الجهة المقابلة .
نزلنا على نهر الهيزل كان تقريبا الساعة الثانية عشرة ظهراً . كان رفاقي البيشمركه الاثنان ماهرين في السباحة ونهر الهيزل قوي الجريان ولولا مهارة مهند في السباحة لاخذني مجرى النهر الى تجنيد المقابر الجماعية في بحيرة سد الموصل وتحرمون من هذه السطور المتواضعة .

عبرنا الجهة الثانية للنهر وأخذنا أستراحة قصيرة وفتحنا جعباتنا لنتناول قليلا من الغداء حيث لايخلو جعابنا من جبن المثلثات والمعلبات وخبز تنور . لكن للاسف المنطقة خطرة و نحن مستعجلين ولايمكن عمل الشاي . بل شرح لنا ابو وسن الدليل في معرفة المنطقة . بأن هناك طريقين لعبور الجبل الى منطقة كلي صناة . طريق سهل وغير متعب لكن احتمالات وضع كمائن الجندرمة مئة بالمئة . وطريق ثان صعب وحاد جداً لكن أمين ولا يستطيع الجندرمة وضع الكمائن . والمسافة من النهر الى القمة تقريباً اربعة ساعات مشياً على الاقدام . ومن القمة الى كلي صناة تقريباً ساعة واحدة مشياً .
إذن قررنا سلك الطريق الصعب الامين . وبعد اجتياز المناطق الصعبة ووصولنا الى منطصف الجبل قررنا اخذ استراحة قصيرة وجلسنا وبين كل واحد مسافة تقريباً عشرون متر . ولم نرى الا وأن نزل في الجهة المقابلة لنا مفرزة متكونة من عشرون شخص من الجندرمة وكان يفصل بيننا وبينهم وادي بعرض تقريبا خمسون متر فقط .
واخذوا الجندرمة مواقعهم فوراً وقامو بالرمي علينا ونحن مقابلهم على الطريق وسرعان مااتجهنا يسارا لكي نصبح مقابلهم ونستطيع مقاومتهم . وفي هذا الاثناء جرح رفيق مهند بثلاثة طلقات واخذت موضعا على يمينه وفي هذه الاثناء عبر ابو وسن بسرعة الى الجهه المقابله للعدو حتى نكون مسيطرين في حالة تطويقهم لنا ونادانا بان نلتحق به وفعلا استطعنا الوصول الى الجهة الثانية لنكون مقابل العدو . وقال ابو وسن يجب عليك الصعود الى القمة ونحن سناتي من بعدك لان في قمة الجبل موضع عسكري لنصب كمائن الجندرمة يجب ان نوصل اليها قبل العدو .
صعدت باتجاه القمة مسرعا والصعود كان حاد وخلفي ابو وسن مصطحبا رفيقنا المجروح بهدوء وقبل وصولي الى القمة حيث المسافة اكثر من ساعة ونصف رأينا جاءة قوة اخرى من الجندرمة معززة بطائرة هليكوبتر عسكرية ووصلو الى نفس النقطة التي جرح فيها مهند ومنها سحبوا الى مواقعهم . وصلت الى القمة وفعلا كان هناك مواضع عسكرية . واخذ ت احد المواضع المسيطر وانتظرت جماعتي الى قبل الغروب بقليل ولم يوصلو اليية وانا ليس لدية معرفة بدلالة المنطقة والنقطة الدالة التي اانا فيها .
قبل الغروب ناديت عدة مرات جماعتي عما اذا قريبين علية فلم اسمع الرد . هل ضيعوا الطريق . ؟ كلا لااعتقد لانه ابو وسن هو دليل المنطقة وهو الذي ارسلني الى القمة . ؟ ماذا حدث . رأيت بأم عيني أنسحاب الجندرمة .
فكرت قليلا الاراضي التركية في خلفي والعراقية امامي إذن يجب أن اتجه جنوباً . اتجهت جنوباً . اصتدمت بقطعٍ صخري على نهر الهيزل عمقه مئات الامتار . رجعت الى موقعي واتجهت شرقا وبعد مسافة رأيت طريقأ وعليها علبة فارغة لسيكاير ( بغداد ). وقلت بالتأكيد هذه طريق عراقي تركي الى أن وصلت الى قمة رأيت في الجهة المقابلة ربية عسكرية وأرى على جدارها جنود عراقيين . يفصل بيننا وادي عميق يعتبر هذا الوادي الحدود العراقية التركية ونهايته في عين ماء كلي صناة . سلكت هذا الطريق وقبل الوصول ال كلى صناة رأيت عين ماء واخذت تحت أشجار السبيندار أستراحة قليلة تحت العين وهنا ظلمت الدنيا .
وبعد قليل سمعت صوت رفاقي ووصلو الى نفس العين ففرحت كثيراً . ولم يستطيع الوصول الى القمة لان جرح مهند كان قوية والجبل حاد جدا واخذو طريق صفح ( برواري ) . مهند كان بطلا وقوياً ومسيطر على اعصابه لحين وصوله الى العين . وهنا طلب مهند قليل من الماء لكن رفضنا وقلنا له لايمكن اعطاء الماء للمجروح لكن قمنا بغطس منديل بالماء ومسح بها فم مهند .
يجب ان نوصل الى مقر الحزب الديمقراطي في صناة بسرعة عما اذى لديهم طبيب لان وضع مهند يتجه نحوى الاسوء والمسافة قصيرة حوالي نصف ساعة باقي الى صناة .
واصلت المسير الى ان وصلت الى مقر صناة . وشرحت الموقف للمسؤل وسألت عما اذا لديهم طبيب او دواب لنقل جريحنا الى المقر . فكان المقر مؤقت وجديد وليس لديهم لاطبيب ولا دواب حتى ارزاقهم كان قد انتهى وليس لديهم عدا الخبز اي شيئ . وبعد قليل وصل ابو وسن ومهند ايضا .
ونقول لذكريات التاريخ بان عشانا ذالك اليوم كان خبز يابس غطسناه في ماء العين ووضعنا عليه قليل من السكر وعدا الخبز لايوجد اي اكل في مقر الحزب الديمقراطي ذالك اليوم . واليوم نفس الحزب يقود حكومة بشرف .
ما الحل لايمكن دون تداوى جراحات مهند . اذن يجب ايصال الخبر الى المقر الرئيسي في كلي كوماتا . اخذت استراحة نوم الى الساعة الثالثة صباحا وبعدها اتجهت نحوى كلى كوماتا الذي يبعد حوالي (10) عشرة ساعات عن صناة مشيا. وفور وصولي ارسلنا مفرزة مع طبيب وارزاق الى صناة وتم معالجة جروح البيشمركه البطل مهند . لكن اليوم الشعب العراقي كله مجروح فهل من طبيب يداوي جروحاته .
........... يتبع

24 / 1 / 2007 / المانيا

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة