( ذكريات بيشمركه في جبال كوردستان ) الحلقة الثالثة...نادر دوغاتي‎

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

كانت جبال كوردستان الصديق الوحيد للحزب الشيوعي عندما يتعرض لهجمات شرسة من قبل الصداميين والبعثعفلقيين وكلما تعرضوا الى نكسة نتيجة بسبب السياسات والقرارات الخاطئة لقيادة الحزب أنذاك . ولم يستفيد الشيوعيون من تجربة الانقلاب الأسود في شباط 1963 . بل صافحوا العفالقة عام 1973 ودخلو معهم في الجبهة الوطنية ( الكارتونية ) بقاعدة كبيرة تعد بمئات الالاف من الرفاق وخرج منها بنكسة 1978 حتى أصبح عددهم لا يتعدى بضع مئات . واصبحنا أي منطمات الحزب ضحية القرارات الخاطئة والتجارب الفاشلة . وفي عام 1978 كنت في مرحلة الدراسة المتوسطة عندما بدأ البعثيون حملتهم الشنعاء على منظمات الحزب الشيوعي عنده كنا اربعة زملاء في بيت للإيجار في قصبة تللسقف وفي احد الايام لم أرى إلا نفسي لوحدي وقد ترك زملائي الدراسة والبيت الى جهة مجهولة أثر الملاحقات والمضايقات البعثية المتكرره لنا . حاولت ان التحق بزملائي لكن دون جدوى وكنت أنذاك في الرابعة عشرة من عمري . وبعد فترة قصيرة سمعت التحاق زملائي مع مجموعة من شباب قريتنا عن طريق اربيل ( هه ولير) بجبال كوردستان والالتحاق بصفوف البيشمركه واختيار الكفاح المسلح ( حرب العصابات ) كاسلوب وحيد لمقارعة صديق الامس وعدو اليوم

انقطعت اخبار زملائي الى صيف 1980 وذات يوم وفي هذه الفترة أبلغني احد أقربائي بان في بيتهم ضيف يرغب بلقاءي . فعندما ذهبت الى البيت رايت زميلي في الدراسة ورفيقي ناظم ختاري وبهيئة وقيافة بيشمه ركه وعلى يمينه بندقية كلاشينكوف . و تعانقنا بحرارة وكدت لم اصدق المشهد حيث رايت صديقي بعد غياب دام فترة سنتان تقريباً و كان ذلك في تموز عام 1980 قبل أن تبدأ الحرب العراقية الايرانية .

وبعد نقاش طويل طلبت منه الالتحاق فقال لي انتظر فترة معينة نحن الان مجموعة صغيرة 

في الجبال ويصعب علينا الحركة الا في الليل وعلى كل قمة من جبال كوردستان هناك موقع او قلعة عسكرية للعدو يجب ان نعيد تنظيماتنا في الداخل اولا . وبالرغم من عنجهية وشراسة نظام البعث لم نكن نبالي بالمخاطر وبدأت الحرب العراقي الايرانية فحزمت أمري وقررت الإلتحاق دون وداع الاهل والاصدقاء أو تبليغهم خشية عدم موافقتهم لأنني كنت في السادسة عشر من عمري فقط . و كان لقاءنا الاخير وموعد انطلاقنا للالتحاق بصفوف البيشمركه بتاريخ 10 / 10 / 1980 الساعة السادسة ليلا .

في هذه اليلة التاريخية بالنسبة لي أعددت كل أشيائي فحضرت بدلتي الكوردية وطعام يكفي لمسيرة يومان على الاقل من معلبات وخبز وصرت أنتظر موعدي على أحر من جمر بعد الغروب في كند ( تلال ) دوغاتا . لم أودع أحدا لا أهلي ولا أصدقائي لأنهم لو عرفوا بأمري لما سمحوا لي بالالتحاق بصفوف البيشمركه . في الواقع كانت لحظات صعبة جدا . أن تترك أعز ما لديك من أهل وأصدقاء بدون وداع . بل جئت انظر اليهم جميعا ً نظرات وداعية في قلبي وتركتهم بصمت .
اتذكر أول بيت دخلت فيه مع البيشمركه كان في ( زوم )* كانيا باسكا و لم أكن احمل السلاح وعندما جلسنا نظرت ربة البيت نحوي وكانت ملابسي لازالت نظيفة وقالت لي . ياولدي هل انت مسجون لدى البيشمركة . ؟

قلت : لا يا خاله فأنا ملتحق جديد .

فقالت : وكم عمرك ياولدي .؟

قلت : 16 عام يا خاله .

فقالت :في حالة حصول معركة ورمي النار الا تخاف يا ولدي .

فضحكت وقلت لا ياخاله المسألة أبعد من هذا حيث هناك نظام دكتاتوري شوفيني يستخدم العنف ضد الشعب ويجب مكافحته بالعنف الثوري المسلح .

في الليل كنا نتحرك . والنهار نختبأ في الغابات الكثيفة بالاشجار في الجبال . استلمت بندقية كلاشنكوف قديمة وثقيلة جداً مع خمسة مخازن عتاد ورمانتين يدوية وحربة وزمزمية ماء وجعبة للطعام والمستلزمات اليومية .

اتجهنا نحو ده شت الموصل لأجل تنفيذ أول عملية عسكرية في عمق الده شت وكان الهدف ضرب مقر حزب البعثعفلقي في قصبة تللسقف ( 30كم ) شمال الموصل .

كان ذلك في بداية ثورة كولان التحررية اي في النصف الثاني من عقد سبعينات القرن الماضي كان لوجود البيشمه ركه في الجبال حتى دون عمليات عسكرية أهمية كبيرة في هذا الظرف الصعب وكان لأصغر عملية عسكرية أيضا اهمية إعلامية قصوى ،الى ان تحولت العمليات العسكرية شياً فشيئا إلى ضرب الربايا ومقرات الحزب الفاشي العفلقي وثم ضرب مقرات الافواج والالوية العسكرية وأختطاف عناصر حزب البعثعفلقي والجيش اللاشعبي والجحوش وانتهت اخيرا بفتح جبهات عريضة لمقارعة فلول النظام الفاشي العفلقي والدفاع عن القرى المناطق المحررة والتي كانت تحوي عوائل ومقرات قوات البيشمركة .

في أول مغامرة توجهت المفرزة بكامل عددها الى عمق ده شت الموصل في وادي ( ره قسى )2 ليلة 18- 19 /اكتوبر/1980و كان ذلك تحديا كبيرا لجبروت السلطة وهي في أكثر أوقاتها قوة . وكلفت مجموعة بطلة من المفرزة متكونة من ( 7 ) من البيشمه ركه للقيام بتنفيذ عملية عسكرية في قصبة تللسقف بعد أن وردت إلينا معلومات حول تجمع لكوادر حزب البعث في مقرهم بالقصبة ، فتوجهت هذه المجموعة إلى التلال الواقعة بين قرية دوغات وسريشكة مسافة ( 6 كم ) شمال الهدف المنشود تمهيدا للوصول إليه في الليل وفي الموعد المحدد لهذا التجمع الذي كان عبارة عن اجتماع لهؤلاء الكوادر ،فانتظرت هذه المجموعة في النهار مختبأة في هذه المنطقة وقبل المغرب وفي ليلة 19 -20 | 10/1980 توجهت نحو قصبة تللسقف لضرب المقر وكانت هذه أول عملية عسكرية أراد البيشمه ركه أن يقولوا لصدام المجرم ها نحن لن نموت بل ستموت أنت وسيندحر نظامك العفن إلى الأبد . ولهذا لم تحاول المجموعة تجاوز ما كان مرسوما لها من قبل قيادة المفرزة وهو الإعلان عن قدرة البيشمه ركه الوصول إلى أية منطقة يريدون ، وإلا فكان بإمكانهم أسر مجموعة من البعثيين كانوا في حراسة متقدمة لهذا المقر،

تقدم خمسة من البشمركة الابطال عبر الوادي الى مسافة قريبة من المقر المذكور وبقى إثنان منهم لتغطية إنسحابهم على الشارع الرئيسي ( موصل – القوش ) .

استطاعت المجموعة الاولى إصابة المقر المذكور بصاروخ ( أر بي جي 7 ) عبر شباك إحدى الغرف وبعد الضرب لم يحدث اي رد فعل او اطلاق نار من المقر بل التزموا الصمت وذكر الأبطال البيشمه ركة بأنه بعد إصابة المقر أردنا أن نرى ولو شخص واحد يرد علينا فلم نجد ونحن كذالك لم نريد ان نرمي عشوائياً خوفاً من اصابة المدنيين المتجولين في المنطقة القريبة من المقر المذكور .

انسحبت المجموعة بسلام وحققت هدفها المنشود واستطاعت اللحاق بالمجموعة الأساسية في وادي ره قسى في تمام الساعة الثانية عشر ليلا حيث كانت بانتظار عودة الرفاق من العملية بسلام وكانت قد أعدت لهم لحما مشويا حصلوا عليه من قطيع أحد الرعاة الذي تورط ووقع في فخ البيشمركة فبقي محبوسا لديهم بشكل اضطراري طوال النهار حيث لم يكن من الممكن إخلاء سبيله خوفا من أية أخبارية قد تصل إلى العدو ونحن في عمق الدشت والنظام في عز قوته . فواصلنا المسير إلى جبل (زوهيرا ) حيث المحطة الاخيرة في حلقتنا لهذا اليوم .....

يتبع



نادر دوغاتي

www.doxata .com






( ابو ماجد ) أمر أول مفرزة بيشمركة للحزب الشيوعي استشهد في جبال كوردستان وانفل اكثر من اربعون شخصاً من اقرباءه متكونة من ستة عوائل . ( وادي ره قسى ) يقع في سهل الموصل حوالي 40كم شمال المدينة .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة