( ذكريات بيشمركه في جبال كوردستان )- الحلقة الثانية...نادر دوغاتي‎

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الحياة اليومية العادية للبيشمركه :
في الصباح الباكر واحياناً من الفجر وحسب ظروف المنطقة وبُعدها عن العدو كانت تنسحب مفرزة البيشمركه من القرية و تتوجه الى احد الوديان في الجبال التي غالبا ما تتواجد فيها عيون المياه او مياه الانهر الجارية وتتوزع المفرزة الى مجاميع ثنائية اُو ثلاثية وتوضع حراسات نظامية على اعلى قمة جبل تسيطر على المنطقة . وكان دائماً حارس المفرزة يحمل معه السلاح المتوسط مثلاً (عفاروف - بي كي سي – ديمتروف ) لحماية المفرزة وكذالك الناظور لمتابعة المناطق المحيطة به وخاصة اتجاهات العدو . وفي المناطق الغير الأمنة والقريبة من العدو كنا نضع أكثر من حرس واحد . كان في جعبة كل بيشمركه على الدوام كتب سياسية وثقافية متنوعة كانوا يتداولون بينهم بشكل اسبوعي وأكثر الكتب تدوالا كانت تلك التي تتحدث عن حرب العصابات وعن حركات التحرر العالمية وقصص وروايات الثوار والكتب الفلسفية واتذكر اسماء بعض الكتب على سبيل مثال لا الحصر - خطوة الى الامام خطوتان الى الوراء . و الثورة في الثورة والدفاع عن الثورية وروايات مكسيم كوركي وتولستوي و قصص عن جيفارا الثائر ورواية بافل ...الخ بالاضافة الى أدبيات الاحزاب الكوردستانية وكنا نقرأ ونناقش هذه الكتب وكنا نحصل عليها من البيشمركه الذين يلتحقون بنا من خارج العراق . ودائماً من الصباح الى بعد الظهر كنا في قيافة كاملة وعلى استعداد لاي طارء يحدث ومتوزعين تحت الاشجار ملتهين في القراءة او مناقشة بعض المسائل السياسية ...الخ وفي الفترة الصباحة اذا كانت المنطقة غير أمنة وقريبة عن العدو أومنطقة مشبوهة لم نكن نشعل االنيران مثلا لعمل الشاي والاكل لان الدخان المتصاعد من نيران الحطب كان يكشف الموقع التي نتواجد فيه وتحسباً من ملاحقة الطائرات العسكرية لنا كنا نشعل النيران عادة بعد الظهر أو المساء . وكانت تجري سوالف ونقاشات سياسية طيبة مع وجبات الغداء وبالرغم من ان اعتمادنا الغذائي الكلي كان على سكان ريف كوردستان لكننا في الشهر الواحد مرتين على الأقل كنا نشتري خروفا أو ماعز لتعويض الفيتامينات في الجسم وأغلب الاحيان كان يتوزع اللحم على شكل قطع صغيره فمثلا المفرزة المتكونة من ثلاثون بيشمركه يتوزع اللحم الى ثلاثون حصة وبالتساوي وكل واحد يتحمل مسئولية شوي حصته وفي بعض الأحيان يجري طبخه معاً في قدر كبير إذا كنا قريبين على قرية أمنة واحياناً كنا نصيد الحيوانات البرية وفي هذه الحالة يكون الأكل كثيرا.
في المساء كنا نتهيأ وننتظر أمر قيادة المفرزة ( المسؤل العسكري والسياسي والاداري ) حول وجهتنا القادمة والمنطقة أوالقرية التي سنتوجه إليها . وعندما كنا نتحرك دائماً كنا نسير كل اثنان معا وبين كل إثنين مسافة عشرون متر وثم تتحدد المسافة وفق وضع المنطقة وخطورتها
وفي حالة عبور نهر معين كنا نعبر أيضاً مجموعات صغيرة تحسباً لأي طارئ . او في حالة عبور منطقة جغرافية الى منطقة اخرى مثلا من منطقة جبل كاره الى جبل متين او عبور الشارع الدولى الى المقرات الخلفية ( كوماتا او كلي زيوه ) كانت المفرزة ترسل مجموعة استطلاعية لترصد الشوارع الرئيسية ومراقبة كمائن الجيش وفي المساء او الليل عندما كنا نتحرك كان آمر المفرزة دائماً في الامام مع اثنان من أدلاء الطريق سواء كانت المنطقة معروفة أو غير معروفة كان أثناء بدء المسير يبلغنا بكلمة سر الليل ( نافى شه فى ) وهو الذي يختاره وكان دائماً يتكون من كلمتين غير معروفتين وفي حالة اشتباك معين انت تنادي بالاسم الاول من سر الليل وإذا ناد مقابلك بالكلمة الثانية هذا يعنى إنه صديقك أما إذا لم يعرف الكلمة الثانية فهو عدوك
عند وصولنا الى أية قرية كان أهاليها يستقبلوننا استقبال الكرام ويأتي المختار أو أحد وجهاء القرية ويقوم بتوزيعنا كل إثنين أو أكثر على كل بيت من بيوت القرية وكنا نضع حراسات دائمية من ساعة دخولنا الى القرية وإلى آخر دقيقة من مغادرتنا لها . ندخل البيوت الريفية الكوردستانية الفقيرة فتستقبلنا الأم و الأخت في البيت قبل الاخ (حيث أن نضال المرأة الكوردية ودعمها ومشاركتها اللامحدود في كافة المجالات للمسيرة النضالية في حركة التحررالكوردستانية لايمكن نسيانه وهو جزأ لا يتجزأ من نضال البيشمركه الابطال ) وعندما يدخل الأخ صاحب البيت فيسأل عن أخر الاخبار في الساحة السياسية أو يقول ما هي عملياتكم العسكرية ضد أهداف العدو فيبدأ سؤاله بكلمة ( جي هيا جي نينا ) اي (شكو ماكو) وتبدأ النقاشات والأحاديث عن الوضع وكان الحديث دائماً شيقا وخاصة في ليالي الشتاء الباردة حيث كانت الثلوج تتساقط بغزارة وتصعب الحركة في بعض الجبال مثل كاره ومتين . وفي بعض القرى .و بين كل فترة وأخرى كنا نجمع جميع شباب القرى ونلقي لهم محاضرات وندوات سياسية وثقافية عن تطورات الوضع السياسي ودور البيشمركه والاحزاب الكوردستانية في النضال البارتيزاني ضد النظام الشوفيني العفلقي . وكان المواطنين يحبون كثيراً المحاضرات و الندوات وكانوا يستمعون اليها ويناقشون ويسألون وكانت المساجد والمدارس دائماً مكانا للمحاضرات والندوات التي نلقيها في المواطنين وهي الأماكن المخصصة في نفس الوقت التي كنا ننام فيها . واتذكر تشكيل أول مفرزة مشتركة لحل المشاكل وتوعية الناس وإلقاء الندوات والمحاضرات في قاطع بهدينان في عام 1982 متكونة من جبهة ( جود ) من بيشمركه الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي الكوردستاني . وكنت من ضمن المفرزة كبيشمركه وساهمت هذه المفرزة كثيرا في توعية الناس وحل مشاكلهم .
وبعد الانسحاب من البيوت كنا نجلب معنا وجبة طعام لليوم الثاني . وكنا نقول بالكوردي ( جنتك ل هيفيا خالتى ) أي جعبة الأكل تابعة للخالة ربة البيت . وكذالك فراش ننام فيه في الليل . ثم نأتي إلى مكان النوم سواء كان بيتا أو جامع او مدرسة كنا نلتزم بحراسات ليلية مشددة إلى الصباح وخاصة في خارج القرية وبشكل خاص القرى القريبة من المدن والوحدات العسكرية للنظام وفي حالة اهمال الحراسات كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة مثل ماحدث في معركة ( سينا و شيخدرى ) حيث كان هناك حارسين فقط ولم يكن يوجد لدينا حراسا في محيط القرية أثناء وقوع الهجوم والتطويق العسكري لنا . مما ادى الى استشهاد رفيقين من البيشمركه الأبطال ( نأتي إلى الحديث عن هذه العملية في الحلقات القادمة
وفي الصباح الباكر أو قبل الفجر كنا ننسحب من القرية بحذر شديد الى المناطق الآمنة في الجبال .
أما في حالة وجود عملية عسكرية فتقوم قيادة المفرزة بدراسة خطة العملية أولا - ومدى نجاح العملية العسكرية وصداها بين الجماهير وتاثيرها على العدو وهل ستكون هناك خسائر ام لا. ثانياً - وفي حالة الموافقة على تنفيذ العملية تقوم قيادة المفرزة مع مجموعة الهجوم باستطلاع الموقع العسكري المستهدف من قرب وقبل تنفيذ العملية يتم جمع المفرزة وشرح العملية العسكرية والهدف من ضربها وتقسيم مجاميع الهجوم والاسناد والخلفي ( المؤخرة ) وكان دائما يبدأ الهجوم قبل الغروب إذا كان موقع عسكري ثابت مثلا ( ربية ) وكان هناك ساعة الصفر لبدء الرمي والهجوم . وكان الاهالي يساعدوننا كثيراً في تشخيص مواقع العدو أوعناصر النظام وعملاءه ........يتبع.


 
نادر دوغاتي / www.doxata.com

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة