روائع البرلمان الكوردستاني :في قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لعام 1969 المعدل ... الباحثة القانونية د . فائزة باباخان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

    يعد قانون الأحوال الشخصية العراقي المرقم (188) الصادر عام 1959 أحد أكثر القوانين تحضرا في الشرق الأوسط ، لما له من ميزات إيجابية حققت جانبا مهما من جوانب تنظيم شؤون الأسرة وحقوق المرأة قياسا لظرفيه الزماني والمكاني ومقارنة بالقوانين المشابهة في المنطقة، حيث ضمن الحد الأوفر من الحقوق الإنسانية مما جاء في إجتهادات وأحكام كل مذهب من المذاهب الإسلامية ، وحقق التوافق الفقهي برغم تباينه في إطار قانون مدني موحد لمعظم العراقيين ، إلا ان هذا لايعني خلوه من بعض السلبيات التي يفترض ازالتها بالتعديل او الألغاء استناداً للمعايير الدولية وتماشياَ مع مثيلاتها من قوانيين الدول العربية .

    ففي كوردستان العراق قد جرت عدة تعديلات على هذا القانون وعلى مرحلتين في المرحلة الأولى منذ عام 1992 – 2004 والتعديل الآخر منذ عام 2004 – 2009 ولقد كانت روائع البرلمان الكوردستاني متمثلة في هذه التعديلات نتيجة انفتاح المجتمع وتغير طبيعة ومتطلبات هذا المجتمع الكوردستاني وتمتع المرأة في الأقليم بحرية اوفر حظاَ مما هي عليه في وسط وجنوب العراق وان دل على شيء فأنما يدل على ان القانون هو صنيعة المجتمع واحتياجاته ويتغير بتغير الزمان والمكان ومرآة عاكسة للمستوى الفكري والثقافي ، ولهذا يقاس مستوى تقدم الدول او تأخرها بمستوى ووضع المرأة في ذلك المجتمع ، ومن هذا المنطلق بات قانون الأحوال الشخصية على وضعه السابق لايتلائم مع طبيعة المجتمع الكوردستاني ومتطلباته ولهذا بادر الى تعديله.
    -لقد بادر البرلمان الكوردستاني بالتعديلات بما تنسجم مع الواقع الجديد واحتياجاته المنطقية والغى التمييز مابين المرأة والرجل وعالج العنف القانوني في التشريعات العراقية واتفق في تعديلاته مع المعايير الدولية وبالأخص اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، ولهذا عدل الفقرة 1 /اولاَ من المادة الثالثة من قانون الأحوال الشخصية عندما جعل الزواج عقد تراضي بين امرأة ورجل يحل كلاً منهما للآخر شرعاَ غايته الأسرة على اسس المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة ، في حين ان النص السابق كان يمعن في التمييز مابين المرأة من حيث المسؤولية اولاً وانتبه المشرع الكوردستاني الى ان النص القديم كان ينص ( تحل له شرعاً ) ولم ينص على ان يحل كلاً منهما للآخر شرعاً وكذلك اعتبر غاية الزواج هو تكوين الأسرة على اساس المسؤولية المشتركة والمودة والرحمةفي حين في القانون النص القديم اعتبر غايته النسل ولقد الغى البرلمان الكوردستاني هذه العبارة لأنه اذا كانت غاية الزواج هي النسل فهذا معناه لايجوز للعقيم او من في حكمه الزواج . 
    -ولقد اوقف المشرع الكوردستاني العمل بالفقرات 4،5،6،7 من نفس المادة اعلاه عندما منع الزواج بأكثر من واحدة إلا بأذن القاضي وموافقة الزوجة الأولى على زواج زوجها امام المحكمة واذا كانت الزوجة الأولى تعاني من مرض مزمن يمنعها من المعاشرة الزوجية ولايرجى شفاءه او عقمها وهذا من خلال تقرير من لجنة طبية مختصة وان يكون للزوج الكفاءة المالية لأعالة اكثر من زوجة واحدة وان يقدم الزوج تعهداً خطياَ امام المحكمة قبل الزواج بتحقيق العدل في القسم والإلتزامات المادية والمعنوية ، ويفترض ان لاتكون الزوجة قد اشترطت عدم التزوج عليها في عقد الزواج.
كل هذه الشروط يجب توفرها مجتمعةً اذا اراد الزوج ان يتزوج بثانية وعدم توفر اي شرط من هذه الشروط لايستطيع الزواج بثانية ، وبطبيع الحال من الأستحالة توفر جميع هذه الشروط ، اي ان المشرع الكوردستاني روحاً وضمناَ قد منع تعدد الزوجات بأيراد جميع الشروط اعلاه مجتمعةَ واعتبرها جريمة بحق المرأة والأسرة ولهذا فرض عقوبة بالحبس لاتقل عن ستة اشهر ولاتزيد على سنة وبغرامة قدرها عشرة ملايين دينارولايجوز ايقاف تنفيذ العقوبة .
    •ولكن بأعتقادي هناك ثغرة ويستطيع الزوج التملص منها والخلل ليس في التشريع وانما بعدم توحيد النص مابين اقليم كوردستان ووسط وجنوب العراق ، لهذا يستطيع الفرد الكوردي ان يتزوج بزوجة ثانية خارج اقليم كوردستان ويتملص من العقوبة ، كما انه تجاوز عقوبة الزوجة الثانية التي تقبل الزواج من هذا الرجل ، وهنا يفترض العقوبة شاملة لطرفي العقد الجديد سيما في حالة العلم .

    - ولقد الغى المشرع الكوردستاني التمييز مابين المرأة والرجل وجعل شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل في الفقرة د/1/ من المادة السادسة كالآتي (ينعقد الزواج بشهادة شاهدين متمتعين بالأهلية القانونية على عقد الزواج ويستوي في ذلك الرجل والمرأة ) هذا بالأضافة الى شروط الأنعقاد الأخرى .
    - لقد بين المشرع الكوردستاني صراحةً بأحقية الزوجة ان تشترط في عقد زواجها بتفويض زوجها لها بالتطليق في الفقرة 5من نفس المادة اعلاه في حين النص السابق كان مبهماً ولايشير الى هذا الحق صراحةً .
    - وحاول المشرع الكوردستاني ان يرفع السن القانوني للزواج المبكر بحيث يكون قريباً من سن الرشد لعلاج سلبيات الزواج المبكر بدلاً من سن الخامسة عشر الى سن السادسة عشر عند طلب الإذن بالزواج من محكمة الأحوال الشخصية ، ولاالقي اللوم على مشرعنا لأن هناك حالات انسانية تستدعي هذا النوع من الزواج تداركاً لمخاطر وآلام جمة قد تتعرض لها الصغيرة غير البالغة سن الرشد القانوني وربما يكون الزواج المبكر هو اكثر انصافاً والحل الوحيد لمن في وضعها ،ولهذا عدل نص الفقرة 1/ في المادة الثامنة من نفس القانون مع الأخذ بالأعتبار الوضع الأنساني  .
    - واستدرك المشرع الكوردستاني وقيم مكانة الأم بالنسبة لصغيرها من حيث رعايته و درايتها لإحتياجاته وا نها اكثر عطفاً وحناناً واقرب انسان اليه  وجعلها ولياً لصغيرها عند غياب الأب او وفاته في نص الفقرة 3/ من المادة الثامنة بعد ان كانت مستبعدة من الولاية كالآتي : ( تعتبر الأم ولياً اذا كان الأب متوفياً او غائباً وكانت حاضنة).
    - كما بادر المشرع الكوردستاني الى علاج حالة الأكراه على الزواج في تعديل نص الفقرة 1،2،/ من المادة التاسعة من نفس القانون بتشديد العقوبة وجعل عقد الزواج باطلاً اذا لم يتم الدخول الشرعي وموقوفاً اذا تم الدخول الشرعي لكي ينتج آثاره الشرعية من حيث النسب والبنوة وجميع الحقوق الشرعية اذا كان هناك ثمرة من هذا الزواج، في حين ان النص القديم تساهل في العقوبة الجنائية وبقى على بطلان العقد في حين لم يذكر كيف للعقد الباطل ان ينتج آثاراً اذا كانت هناك ثمرة من هذا الزواج عندما يكون هناك ولد من فراش زواج باطل .
    - لقد اشارت الإتفاقية الدولية سيداو بمدى اهمية حماية المرأة من الأمراض المعدية والتوعية بخصوص مرض نقص المناعة المكتسبة وخصوصاً للمرأة المتزوجة لهذا اهتم المشرع الكوردستاني بأن تتماشى نصوص قوانينه مع هذه الإتفاقية التي سبق وان صادق عليها العراق عام 1986 لينفذ التزاماته الدولية من تعديل وتطوير القوانيين الخاصة بالمرأة ، وعليه باشر بتعديل نص الفقرة 2، من المادة العاشرة وطلب عند التقديم لطلب الزواج  (يرفق البيان بتقرير من لجنة طبية مختصة يؤيد سلامة الزوجين من مرض نقص المناعة المكتسبة والموانع الصحية وبالوثائق الأخرى التي يشترطها القانون ) .
    - وحفاظاً على حقوق المرأة من الضياع شدد المشرع الكوردستاني العقوبة في نص الفقرة 5/ من المادة العاشرة في حالة الزواج خارج المحكمة وكذلك شدد عقوبة الحبس ورفع مبلغ الغرامة اذا عقد الزوج زواجاً خارج المحكمة مع قيام الزوجية .
    - وامتثالاً لمساواة المرأة بالرجل في الحقوق والإلتزامات وتماشياً مع إتفاقية سيداو عمل المشرع الكوردستاني الى النص صراحةً بالمسؤولية المشتركة فيمابين الزوجين كالآتي:( تجب النفقة على الزوج وفي حالة يسار الزوجة تكون المسؤولية مشتركة إن رضيت به ).
واعتقد هنا المشرع الكوردستاني اراد للمرأة ان تكون صاحبة قرار وشريكة حقيقية في الأسرة بطريقة ذكية من حيث تحملها النفقات المالية بمشاركة الزوج اذا كانت مقتدرة ، سيما وان استقلال المرأة المادي يجعلها بموضع قوة وبمنأى من العنف الأسري وشريكة في اتخاذ القرار .
      - في قانون الأحوال الشخصية قبل التعديل كان حكم النشوز مقتصرا على  المرأة فقط في حين من الناحية العملية غالباً مايكون الرجل هو الناشز وذلك من خلال تجربتي العملية في ممارسة المحاماة لمدة ثمانية عشر سنة ، حيث يتلدد الزوج في ترك واجباته الزوجية لسبب من الأسباب ، ولهذا انتبه المشرع الكوردستاني لهذه الحالة وبادر بشمول الزوج والزوجة بحالة النشوز عند الأمتناع عن اداء الواجبات الزوجية ، لابل اكثر من هذا اعتبر النشوز سبباً من اسباب التفريق بعد مرور ستة اشهر على اكتساب حكم النشوز درجة البتات والزم الزوج الناشز بنفقة الزوجة طيلة فترة النشوز وفي حالة التفريق يلزم بدفع المهر المؤجل ونفقة العدة والتعويض المستحق ان كان له مقتضى ، في حين جميع هذه الحقوق كانت مصادرة من المرأة في المادة 25 من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لعام 1959 المعدل  ، علاوةً على انها كانت تبق معلقة لمدة سنتين عقاباً لها وتحرم من النفقة .
    - لكن المشرع الكوردستاني بقراره المرقم 253 في 18/12/1980 اسس صندوق النفقات المؤقتة في وزارة العدل مهمته تسليف المحكوم لهم بنفقة مؤقتة وفقاَ لأحكامه وشمل بها في المادة التاسعة والعشرون من قانون الأحوال الشخصية الزوجة التي تركها زوجها بلا نفقة واختفى او تغيب او فقد او سجن ويقوم الصندوق بصرف النفقة المقدرة لها وتعتبر هذة المادة التزام انساني الزمت حكومة اقليم كوردستان نفسها اتجاه المرأة الكوردستانية حفظاً لكرامتها وهي  مضافة الى انجازات  قانون الأحوال الشخصية في اقليم كوردستان واسوة بصندوق ضمان النفقة المعمول به في مجلة الأحوال التونسية لعام 1994 المعدل.
      - ولقد احترم المشرع الكوردستاني رغبة المرأة في الرجوع من عدمه في حالة الطلاق الرجعي في المادة 38/ فقرة 1  عندما اجاز للزوج مراجعة زوجته اثناء عدتها منه دون عقد على ان تتوافر رغبتهما في الإصلاح بعبارة ادق اذا لم تكن الرغبة لدى الزوجة بالرجوع لايستطيع فرض نفسه عليها ، وهذا الحق في الإختيار لم يكن موجود في قانون الأحوال الشخصية قبل تعديله من قبل البرلمان الكوردستاني .
    - واذا اراد الزوج ايقاع الطلاق يلزم بأيداع مبلغ من المال لفترة ثلاثة اشهر في صندوق خاص لرعاية الأسرة لدى المحكمة ، واذا تبين للمحكمة ان الزوج متعسفا بطلاقه وان الزوجة اصابها ضرر من جراء ذلك تحكم المحكمة بطلب منها بتعويض يتناسب وحالته المالية ودرجة تعسفه يقدر جملةً على ان لاتقل عن نفقتها لمدة ثلاث سنوات ولاتزيد على خمس سنوات علاوةً على حقوقها الثابتة الأخرى ، وهذا التعديل ايضاً يحابي قانون مجلة الأحوال التونسية المعدل .

    وان افضل ماجاء به المشرع الكوردستاني في تعديله هو تعديل المادة الخاصة بالخلع ، حيث في القانون قبل التعديل كان يشترط في الخلع موافقة الزوج على الخلع مقابل ان تبذل الزوجة جزء او كل حقوقها الشرعية .
لكن بعد التعديل لم يشترط موافقة الزوج على الخلع سيما ان الزوجة تتنازل عن حقوقها الشرعية في المادة 46 من قانون الأحوال الشخصية المعدل اسوة بالمشرع المصري في قانون الأحوال الشخصية المصري المرقم 25لعام 2000 .

    ونرى في كل هذه التعديلات من روائع البرلمان الكوردستاني تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وبالذات مع بنود إتفاقية سيداو ولم يخرج او يتجاوز الحكم الشرعي او آراء الفقهاء الأكثر ملائمةً مع طبيعة المجتمع ومتطلباته مستنيراً بما وصلت اليه القوانين المتطورة في المنطقة ، ولكن تعديل القانون بمنأى عن تغيير المجتمع وتذليل التحديات المتمثلة بالعادات والموروثات الإجتماعية يبق حبراً على ورق ولهذا نرى تكاتفت منظمات المجتمع المدني في اقليم كوردستان الى التوعية والإهتمام بجانب التعليم ووضع برامج خاصة بنبذ العنف الموجه ضد المرأة والتثقيف بحقوقها لخلق التوازن الطبيعي مابين الواقع والقانون وإنهاء التناشز الأجتماعي الذي قد ينمو في ظل الهوة مابين واقع المجتمع والمنظومة القانونية المتطورة. 
  وهذا في مجال قانون الأحوال الشخصية فقط وانشاء الله سيكون لنا حديث آخر عن روائع البرلمان الكوردستاني في مجال قانون العقوبات المرقم 111 لعام 1969 المعدل .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة