سلطة المؤمن (العضوي)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نبيل ياسين
والمرأةبمناسبة يوم المرأة العالمي
ما هو يوم المرأة ومن هي المرأة؟
قد تكون مفارقة كبرى أن الديمقراطية العربية من تونس إلى العراق قد أفادت الإسلاميين الذين قفزوا على السلطة بالانتخابات وشعارهم المطالبة بتطبيق الشريعة. اعني نسيان الأخلاق والحقوق في الشريعة والمطالبة بتعدد الزوجات واقتناء الحريم والجلد والتعزير. وليس غريبا أن تكون دول خليجية قد مولت بعشرات الملايين مسلسل (حريم السلطان) الذي يتحدث عن زوجات وجواري السلطان العثماني سليمان القانوني الذي قتل بنفسه اثنين من أولاده من ورثاء عرشه بسبب مؤامرات حريمه وسعي كل واحدة منهن  لتوريث أبنائها وحبك الدسائس فوصل إلى مرحلة التشكك بأبنائه وخوفه من أن يقتلوه ويتولوا الخلافة الإسلامية بعده.
في إعلان استقلال وتحرير ليبيا ألغى رئيس المجلس الانتقالي الليبي القاضي الشرعي مصطفى عبد الجليل قانونا يحد من تعدد الزوجات واعتبر إعلان الاستقلال موازيا لإعلان حق تعدد الزوجات. 
وبعد سقوط نظام صدام فان عشرات من زوجات المعارضين العراقيين الذين تولوا مناصب في الحكومة والبرلمان اكتشفن أن الأزواج الأعزاء الذين ناضلوا ضد الدكتاتورية قد تزوجوا تطبيقا للشريعة.
هكذا تتحول الشريعة في نظر هؤلاء إلى تعدد زوجات والى إقامة حدود الجلد والتعزير بناء على وجهات نظر بالشريعة مثل وجهات النظر بالقانون. الشريعة، شأنها شأن القانون، ليست وجهات نظر. والاجتهاد والقياس والرأي مرفوض من السلفيين لأنهم يفتون فوق الاجتهاد والقياس ويعطون فتاواهم صفة النص المقدس باعتبار الفتوى نصا مقدسا وليس فتوى بشرية على أساس النص أو قياسا عليه. أو هو 
استنفاد الجهد والوسع لاستنباط الحكم من النص كما عند المحقق الحلي.
ومع هذا لا يتوانى اغلب الإسلاميين من التذكير المستمر بحقوق المرأة في الشريعة فيتضح أن السيدة خديجة قد عاملها الرسول معاملة إنسانية اختلط فيها الحب والمسؤولية الأخلاقية والحنان الإنساني وان السيدة عائشة كانت أحب نساء النبي إلى قلبه وان السيدة فاطمة كانت أم أبيها وان زوجها علي كان يساعدها في أعمال بيتية ولكن دون أن يكون في رسول الله أسوة حسنة لهم في موقفهم من المرأة ودون أن يكون علي مثالا يحتذى لا في معاملته الاجتماعية لزوجته ولا في معاملته السياسية لمواطني خلافته.
تلعب المرأة دورا بارزا في القرآن. هذا صحيح. ولكنه في اغلب الأحيان عكس الدور الذي ينيطه المسلمون للمرأة أثناء حياتهم. ولا يفرق هؤلاء بين الحشمة وبين التبرج فيجعلون المرأة علبة من الشهوات أو برميلا من البارود مغلفة غالبا بالأسود من القماش حتى لا ينفجر برميل البارود هذا.
ليست الشريعة مسؤولة عن تحويل المرأة إلى علبة شهوات مغلفة بقدر ما هو الشعور النفسي لرجال يعتبرون المرأة ملكية شخصية لا يجوز لها أن تعيش إلا بمقدار ما يبذل الرجل من جهود مضنية لإبقائها كائنا (مجهولا) في الحياة.
إن هدف النقاب والتغليف هو عدم التعريف بالمرأة وإبقائها كائنا مجهولا. وهذا يقود بدوره إلى إبقاء حقوقها مجهولة أيضا. وتصبح المرأة رمزا لسكن الرجال فحسب (وخلقنا لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) وعكس المعنى النفسي والوجداني العميق الذي تعكسه هذه الآية يصبح السكن (مجانا) في هذه الأزواج وتتحول المرأة إلى (ايديولوجيا) في الفكر الإسلامي أكثر منها كائنا بشريا يكمل نصف الدين. وافهم نصف الدين بمعنى نصف الحقوق فإذا سلبت المرأة من حقوقها لم يكتمل الدين وظل ناقصا.
لماذا تقيس الدول الديمقراطية أنظمة الحكم بالموقف من المرأة؟
ببساطة لان الديمقراطية نظام حقوق. وكانت الديمقراطية ناقصة في أوروبا حتى الوقت الذي حصلت فيه المرأة على حق التصويت. لان اكتساب المرأة لحق التصويت يعني أن المجتمع أصبح متساويا جنسيا. وهذه إحدى معاني المساواة الجنسية التي يتندر عليها بعض الإسلاميين والقوميين أيضا باعتبارها تحويل المرأة إلى رجل أو تحويل المرأة إلى كائن لا أخلاقي. وإنما تعني أن يكون للمرأة قرار بتقرير مصيرها. قد لا يكون هذا الكلام مقبولا من غالبية كبيرة من الناس، لكنه في الأخير حقيقة تنسجم مع حقوق الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة وهي حقيقة وجدت في حق تقرير مصير المرأة في القانون.
لا يمكن أن تكون هناك سلطة شرعية بدون حقوق حتى لو كانت هذه السلطة منتخبة. فالانتخابات وحدها لا تعطي الشرعية وإلا لكانت كل انتخابات صدام وحسني مبارك وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح وزين العابدين وغيرهم شرعية. فالديمقراطية الانتخابية (وهي احد أشكال الديمقراطية) غير كافية لشرعية السلطة السياسية. وللغرب حق في قياس ديمقراطية النظام السياسي بقدر ما يتوفز من حقوق للمرأة. غير أن كثيرا من الإسلاميين يهربون من هذه الحقيقة.

سلطة التاريخ
إذا كانت بلقيس قد حكمت وإذا كانت زنوبيا قد حكمت فان ذلك يعني أن توريث المرأة، ابنة كانت أم زوجة، كان عرفا عشائريا أكثر منه قيمة سياسية. فحق البنت أو الزوجة كان يساوي حق الابن الأكبر. غير أن ذلك لم يعط للمرأة حقوقها إلا في حالة استثنائية واحدة هي الحالة السياسية في حالة عدم وجود ابن بكر. فتكريم المرأة كان حالة جاهلية أيضا، أي حالة عشائرية في وقت كانت فيه المرأة غير مقيدة بالقيود التي فرضها الفقهاء فيما بعد.
إن التاريخ هو تاريخ المتناقضات أحيانا. فالذين برروا للسيدة عائشة أن تقود حربا يحرمون على المرأة أن تقود سيارة. والذين يمجدون وقفة السيدة زينب في جموع أهل الكوفة بعد مقتل الحسين يحرمون على المرأة أن تقف للدفاع عن حقوقها.
هل أن الموقف من المرأة في العراق والعالم العربي الإسلامي هو موقف ديني أم اجتماعي؟ هل هو موقف عرفي عشائري تقليدي أم موقف سياسي؟ 
ادعي من خلال دراساتي وبحثي أن الإسلام تطوعي فردي. بمعنى أن التقوى والورع أمر يتعلق بالمؤمن ولذلك قيل (ثلاثة من لم تكن فيه لم يجد طعم الإيمان: حلم يرد به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس. فمسؤولية الورع هي منع الرجل من الوقوع في الغواية وليس إبادة الغواية الموجودة في الطبيعة والغريزة والخلق.
وبقدر ما كانت الحالة التطوعية في الإسلام ايجابية ولا تتجاوز على حقوق الآخرين فإنها لم تتحول إلى قوانين في حين أنها تحولت إلى قوانين في الدول الديمقراطية. هناك مشكلة أخرى وهي تكشف الفرق بين قوة الفكر في الغرب وضعف الفكر في الشرق. فان اغلب مقولات الفلاسفة والمفكرين في الغرب تحولت إلى قوانين بينما بقيت حتى مقولات الإسلام تطوعا غير ملزم بقوانين. فكيف، على سبيل المثال لم تتحول مقولتان فكريتان مهمتان مثل مقولة عمر (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ومقولة علي (الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) أو مقولة ثالثة لعلي (الحق لا يبطله شيء) إلى قوانين فاعلة تقود المجتمعات الإسلامية؟
حين يكون المجتمع كله مفتقرا إلى الدولة باعتبارها الإطار الحقوقي للمواطنة فان الحديث عن حقوق المرأة يصبح معزولا عن المواطنة ويتركز على الصراع بين الأيديولوجيات الدينية وغير الدينية. وبدلا عن الدولة تبرز (سلطة المؤمن) لتكون القانون الذي يقرر الحلال والحرام، الذي يجوز والذي لا يجوز. وشيئا فشيئا يتراجع النص الأصلي، الأزلي، لنصوص مخلوقة. فحتى الآن لا يستطيع إسلامي واحد أن يعلن حقوق المرأة الحقيقية في القرآن دون أن يغلفها بـ(اجتهاداته) و(قياساته) و(رأيه) و(استحساناته) حتى تحولت العبودية من عبودية لله إلى عبودية لسلطة المؤمن. إن احد أسباب اهتمامي بالإطار الحقوقي للسيد السيستاني هو انه لا يمارس سلطة المؤمن هذه. وموقفه الأخير من الظواهر الاجتماعية الجديدة مثل ظاهرة(الايمو) وعدم جواز قتلهم يعلّي سيادة القانون على السلطة الفردية للمؤمن، التي أدخلت مفاهيم مثل الزندقة والتصوف في إطار هذه السلطة لتحكم عليها شخصيا.
تشكل المرأة غواية. ويخاف كثير من المسلمين من مصافحة المرأة حتى لا تتسرب هذه الغواية إليهم. الواقع أن غالبية الرجال المسلمين مغويون. أي أنهم يتعاملون مع المرأة على أنها رجس، ولكنه الرجس الذي يحمل معنى الغواية. لكن الغواية ليست نابعة من المرأة بقدر ما هي (ثروة) مكدسة أيديولوجيا في عقل ومشاعر الرجل. فالرجل هو الذي يعتبر المرأة غواية، بينما استطاع الغرب أن يلغي هذه الغواية من كل امرأة. فالمرأة في نظر اغلب الرجال في الغرب (لا أقول كلهم) هي إنسان وعقل وحرية شخصية وقانون وثقافة،  ومن خلال كل هذا تصدر الرغبة. لذلك من الطبيعي جدا أن تنام زميلة لرجل  في بيته كأصدقاء دون أن يحدث شيء ما من تلك الغوايات بينهما.
طبعا لا ندعو لذلك في العراق والعالم الإسلامي ولكن ندعو إلى ما قبل ذلك، أي أن تتحول المرأة في نظر الرجل من غواية إلى إنسان وعقل وحرية شخصية وقانون وثقافة.
لقد خضعت الغواية في مشاعر الرجل إلى سلطة التاريخ، التاريخ الخاص بالمرأة. فالمؤرخون يتحدثون عن الزوجة هكذا (كانت فاختة بنت أبي هاشم تحت مروان بن الحكم، تزوجها بعد موت يزيد بن معاوية ليذل ابنها خالد بن يزيد). وإذا كرموها قالوا (وكانت أم سلمة بنت يعقوب عند عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها ثم كانت عند هشام بن عبد الملك فهلك عنها فخطبت أبا العباس السفاح لنفسها). ويغفل المؤمن العضوي عن حق النساء في خطبة الرجل وهو ما حدث بشكل ما عن خطبة السيدة خديجة للنبي محمد قبل النبوة. لكن سلطة التاريخ تكرست من خلال سلطة المؤمن العضوي المستمرة والتي أحياها الربيع العربي على شكل سلطة سياسية في أكثر من بلد عربي.
وبسبب انشغال المؤمن العضوي في (ترتيب) الأحكام وفق أيديولوجيته كثرت (أصناف) المسلم. فاضطر المعتزلة والزيديون وغيرهم إلى تقسيم الأصناف المسلمة إلى الفاضل والمفضول والى تقسيم المسلمين إلى مؤمن ومنافق. والى اختراع المنزلة بين المنزلتين، فقد تطور النفاق إلى إيمان وراثي، وإلا كيف نفسر ما يلي:
يبعث لي قارئ، اتضح انه أستاذ جامعي، ولقبه شائع في جنوب العراق والكويت والأردن وبلدان عربية أخرى رسائل على ايميلي الالكتروني تخلط بين الشتائم والتهديد والوعيد والسباب والقذف وبين الآيات القرآنية. انه يجيز لنفسه ممارسة سلطة مستمدة من اتساع تأثير المؤمن العضوي واتساع سلطته على الفكر والثقافة والمجتمع والدولة.
انه ليس شخصا. انه المؤمن العضوي الشائع الذي يمارس سلطته الأيديولوجية كما شاعت. وإلا كيف يمكن أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ويحمد الله ويصلي على النبي ثم يواصل شتائم مقذعة وسبابا بذيئا فيه طعن بالشرف والأم وشخصي فيخلط اللغة القرآنية بالشتائم والسباب ويختتم بأنه لو قابلني لدرسني المنطق وجعلني اعرف كيف اكتب. رددت عليه ذات مرة بأنني احسده على قدرته على هذا الخلط بين اللغة القرآنية التي لا يحترمها وخلطها بالسباب والشتائم المقذعة التي يتورع بعض أبناء الشوارع عنها ويعتبرها (علم المنطق). فاستعاض عنها برسائل من نوع آخر مثل (يا نبيل بن ياسين. يا مسكين ابن المسكين، ستعلمك السنين، انك من الخاسرين. وانك لفي ظلال مبين. وانك من الهالكين. فتوقف عن كتاباتك يا لعين) وفي الأسبوع الماضي تسلمت منه ايميلا حول مقالتي من يسيس القضاء فقال أن (المالكي والهاشمي وأنت والجميع مجرمون وعملاء يجب أن تعدموا وستكونون في جهنم) . هنا نتوقف لنكتشف خطورة مثل هذا المؤمن العضوي وكيف يمارس سلطته. فهو يبعد القانون الإسلامي والقانون الوضعي وكل أنواع القوانين وأساليب الحكم والتحقيق والاتهام. فيصدر الحكم (كما يصدر ملايين مثله أحكامهم) ويصدر الحكم وينفذه في الدنيا. حسنا، ولكن لماذا أصبح حاكما على الآخرة أيضا فأرسل الجميع إلى جهنم؟
هنا فعلا علينا التوقف أمام ظاهرة تكفير وأحكام تصدر عن أيديولوجيا التاريخ وسلطة التاريخ. لذلك لا يريدون أن يتركوا التاريخ. ويحاكموننا استنادا إلى التاريخ وليس استنادا إلى ما نحن عليه. في ظل هذه الظاهرة كيف يمكن الحديث عن حقوق المرأة؟ وهذا لا ينطبق على السلفية السنية فحسب وإنما ينطبق على السلفية الشيعية كذلك، مثلما انطبق من قبل وينطبق الآن أيضا على الأحزاب الأيديولوجية الشمولية. فهي الأخرى كفّرت أعضاءها باستخدام التخوين والتحريفية والخيانة الطبقية. إنها مشكلة المثقف العضوي الذي هام به حتى طلبتي في الماجستير وأنا ادرّسهم المجتمع المدني فيهيمون بغرامشي ومثقفه العضوي دون أن يدركوا حقا أن هذا المثقف العضوي وهذا المؤمن العضوي هما من يصادران المجتمع المدني. 
تتحول السلطة السياسية عند المؤمن العضوي إلى أداة تكفير تطال ظواهر سياسية وأخرى اجتماعية وظواهر ثقافية وظواهر اقتصادية وتصبح الدولة غولا للأحكام باسم المؤمن الذي حول الدين إلى سلطة ملاحقة للحاضر وتطوراته. انه (مفتش) يفتش عما هو خطأ في حركة الكون من الملابس إلى الشعر إلى منعه انفجار قنبلة نووية حين يختلط رجل وامرأة في جامعة أو مؤسسة رسمية، إلى راديو وتلفزيون ومسرح وقصيدة وغير ذلك. إن المؤمن العضوي، مثله مثل المثقف العضوي، مسؤول عن الكون بأكمله وتلك هي الشمولية. ولذلك تمنع التعددية السياسية والتعددية الثقافية والتعددية الاجتماعية ويطلب من الجميع أن يكونوا خاضعين لمسطرة المؤمن العضوي. مؤمن الايديولوجيا هو مؤمن. ولكن إيمانه أيديولوجي أكثر منه إيمانا روحانيا، وبالتالي تغيّب أحكام القرآن تحت سطوة أحكام هذا المؤمن.
إن ثقافته سائدة ومهيمنة ومتسلطة، وإذا اجتمعت سلطته السياسية مع سلطته الاجتماعية يكون المجتمع قد تحول إلى مجتمع عبودي لا قانون يحكمه ولا تعددية تعيش فيه، ولا تنوع في الملبس والشكل والذوق فحتى لحية العلماني يجب أن تكون مثل لحية المؤمن العضوي. وإذا كانت المدينة ضحية لمثل هذا المؤمن، الذي يبدو في بعض أشكاله السلفية وكأنه خارج من الكهوف بلحيته الكثة الطويلة وطاقيته وجلبابه القصير ونعاله الكبير ليجعل الناس غيره يعيشون مثله فيعيدهم إلى كهوفه.
حين اقرأ القرآن وتفيض منه تلك الروحانية الشعرية والفنية لا أجد أثرا لمثل هؤلاء المؤمنين العضويين. لقد استفدت في شعري كثيرا جدا من أسلوب ولغة وقصص وعبقرية القرآن. ووجدت فيه إلها غير إله هؤلاء وأنبياء غير أنبياء هؤلاء وأحكاما غير أحكام هؤلاء. وحين قرأت تاريخ الإسلام في جميع عصوره وجدت أن البنية الاجتماعية لمثل هؤلاء المسلمين هي بنية متوترة لا تؤمن بالمواطنة الإسلامية ولا بالمواطنة الإنسانية، وبذلك لا أخ لهم في الدين ولا نظير لهم في الخلق.
إنهم نتاج أحكام التغلب وليس أحكام الشورى. وهم نتاج أحكام التفرد وليس نتاج أحكام التعددية. نتاج أحكام السيف وليس أحكام الحوار والجدل. نتاج أحكام العقد الاجتماعية التي يعيشون فيها ولذلك تحولت المدينة لديهم إلى بادية والأشجار إلى أحجار. وليس مصادفة أن يحول النبي اسم يثرب إلى المدينة لأنه أعطى الإسلام طابعا مدنيا قبل أن يتحول إلى إسلام ريفي أو بدوي. إن ثقافة المؤمن العضوي هي ثقافة الغواية الكامنة فيه وليس في المرأة ولذلك لا الشريعة ولا القانون قادران على كبت تلك الغواية فيه.
هل هذه الغواية هي عدم قدرة المؤمن العضوي على تغليب الإيمان والورع على الرغبة؟ إن الرغبة صناعة بقدر ما هي غريزة. إنها ثقافة بقدر ما هي حاجة. إنها قانون بقدر ما هي أمانة. وهي حياة بقدر ما هي في إطار شرعي سواء كان حرا أو مقيدا. إن الإسلام بحاجة واقعية وحقيقية لإعادة النظر بين الأعراف والتقاليد العشائرية والمحلية وبين الأحكام الدينية فكثير من الأحكام العشائرية والمحلية تتعمم وتفرض باسم الأحكام الدينية. كما أن الإسلام بحاجة إلى فرز ما هو ايديولوجيا المؤمنين العضويين وماهو قانون وشريعة، وبذلك يساهم المعنيون بتقديم الإسلام على انه قانون وليس ايديولوجيا. فالايدلوجيا منفلتة وحرة لكن القانون محدد ومعرف.

المرأة والبرلمان
لا يعني دخول المرأة إلى البرلمانات أن المرأة نالت حريتها وحقوقها. فالتمثيل النسوي في البرلمان شيء ، وإقرار حقوق المرأة بتشريعات تأخذ صفة القانون وتكون ملزمة شيئ آخر. ففي رواندا، وهي من الدول التي تعاني حالة تخلف اجتماعي واقتصادي تتمثل المرأة بنسبة 48 بالمائة وهي أعلى نسبة في العالم حيث تصل نسبة التمثيل النسوي في برلمان أمريكا وبريطانيا والسويد وهولندا والدانمارك نسبا تتراوح بين تسعة بالمائة وخمسة عشر بالمائة. وبمقارنة واضحة للعيان نجد الفروقات بين حقوق المرأة في رواندا وحقوقها في أمريكا ودول أوربا المذكورة.
وقد أكد التقرير السنوي للاتحاد البرلماني الدولي عن المشاركة النسوية في عام 2011 ان التمثيل النسائي في البرلمانات ارتفعت نسبته بمعدل نصف في المائة فقط ليمثلن 19.5 في المائة من عضوية برلمانات العالم. والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى إدخال نظام الحصص كما في تونس والمغرب، وهذا يعني أن التنمية البشرية في حالة مقلقة.

المؤمن العضوي في حالة حرب
تجيز سلطة المؤمن له توجيه المجتمع والسيطرة عليه بعيدا عن القوانين. ما يحدث في العالم الإسلامي بعد صعود القوى الإسلامية إلى السلطة عبر الانتخابات لا يكرس سلطة القانون وإنما سلطة المؤمن، فحتى علم تونس (الذي اقر بقانون) انزل من فوق الجامعة لينصب بدلا عنه علم اسود سلفي متعصب. ومارست سلطة ما، باسم سلطة المؤمن جواز قتل عشرات الشباب العراقيين بحجة أنهم من عبدة الشيطان. وصرح احد النواب أن هؤلاء الشباب بحاجة إلى تعزير أو جلد. إن مشكلة سلطة المؤمن هي شعورها الدائم بأنها في حالة حرب وليس في امة ومجتمع ودولة وشريعة ونظام. فالشريعة لا تطبق بواسطة الأشخاص وإنما بواسطة الدولة سواء كانت قانونا دينيا أو قانونا وضعيا. ففي الإسلام قضاء وشهود وقضاة وقد سببت محنة القضاء في الدولتين الأموية والعباسية شرخا كبيرا بين السلطة السياسية وبين استقلال القضاء عن الرأي. فمحنة القضاء الأولى حدثت حين رفض عشرات المثقفين المسلمين تولي منصب القاضي لسلطة مستبدة، باسم سلطة المؤمن، تتدخل بالقانون وكان منهم إياس بن معاوية وسفيان الثوري وعامر الشعبي وابن سيرين وأبو حنيفة وآخرون استندوا إلى سلطة الله وليس إلى سلطة المؤمن. وفي عهد المأمون والمعتصم والواثق حدثت محنة القضاء الثانية حين امتحن القضاة بالإيمان بأطروحة خلق القرآن المعتزلية فمن آمن بها تولى القضاء ومن رفضها سجن أو ابعد وكان أن سجن ابن حنبل بتهمة عدم الإيمان بأطروحة خلق القرآن.
لقد كانت سلطة المؤمن، سواء كان خليفة أو أميرا أو واليا تتفوق على سلطة القرآن. ولذلك كان إعدام المعارضين بالرأي السياسي يستند إلى سلطة المؤمن وليس إلى سلطة القانون. ففي حروب الردة كان هناك شك فيما قام به خالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة وكان يصلي، مما سبب غضب عمر بن الخطاب ولم يكن خليفة بعد وكان خالد من أبناء أخوال عمر الذي حين تولى الخلافة قام بعزل خالد مستندا على سلطة الله وليس على سلطته كمؤمن.وكانت الثورة على عثمان تستند إلى الخلاف على سلطة الله أو سلطة المؤمن. وعثمان كان مؤمنا وصحابيا كبيرا.
لقد وقع الإسلام في قبضة المؤمن وسلطته. وأصبح القانون ضحية لهذه القبضة. وعلى طول التاريخ كافح مثقفون مسلمون من مختلف الاتجاهات ولكن في اتجاه واحد هو إعادة الطابع القانوني للإسلام وعدم السماح للايديولوجيا الدينية التي يمارسها المؤمن العضوي أن تكون بديلا عن الإيمان.

الإفتاء الرقيع
في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الاصبهاني وفي باب من أفتى في مسألة برقاعة يورد المؤلف مايلي: ترك طبيب مهنته وقعد فقيها يفتي. فقيل له ما تقول  في من زعف( أي زاد) في صلاته، قال: يحتجم. أي يخضع للحجامة. فما حكم من قلس( تجشأ أو تقيأ) في صلاته؟ فقال: يتناول حب ايارج ضد التجشؤ. فقالوا له هذا طب وليس فقها.
اليوم هناك أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من المؤمنين العضويين يفتون بمثل هذه الرقاعة.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة