تحية للمرأة في عيدها ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


قرأنا وقيل لنا الكثير عن المرأة، خلقت من ضلع أعوج لأول رجل خلقه الله، هي عورة يجب أن نضعها في كيس أسود، ناقصة عقل ودين، يجب أن نحبسها في البيت، ونستعملها أو بالأحرى نستغلها في أعمال الكنس والتنظيف والتفريخ. هي حرث للرجل يأتيها متى يرغب أو يشاء، وإن رفضت { إهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } بالإضافة إلى مئات الآيات والأحاديث النبوية والفتاوي السوداء، التي تهين المرأة، وتنتقص من قيمتها وكرامتها، وتحط من مكانتها.
ربما أستطيع أن أتصور وأتفهم أسباب ودوافع مثل هذه النظرة الدونية والناقصة إلى المرأة، لأناس عاشوا قبل أكثر من الف وأربعمائة سنة في زمن النبوة والخلفاء، حيث الغزوات والفتوحات، وممارسة عمليات القتل والسلب والنهب وسبي النساء، وإمتلاك الجواري والإماء، وبيعهن في أسواق النخاسة والعبيد.
لكن ما لا أستطيع أن أتفهمه، أو بالأحرى لا أتقبله مطلقا، لأية أسباب وتحت أية ذرائع، هو أن يؤمن إنسان اليوم بمثل هذه النظرة الخاطئة والأفكار السوداء والثقافة البائدة، ويتعامل مع المرأة على أساسها. في الوقت الذي نعيش في عصر النور والعلم والحرية والديمقراطية، ونرى العالم المتحضر من حولنا كيف يحترم المرأة ويرفع من مكانتها، بعد أن سن قوانين إنسانية وضعية صارمة تحمي المرأة وتصون كرامتها، وتساوي بينها وبين الرجل إبتداءأ من الولادة، ومرورا بكل مراحل العمر، لها ما للرجل، وعليها ما عليه من الحقوق والواجبات والمسؤوليات، وإن المجتمعات التي تحترم المرأة وتتعامل معها على أساس المساوات مع الرجل، قد قطعت أشواطا بعيدة من التقدم والتطور والرقي في كافة المجالات العلمية والإقتصادية والإنسانية. وعلى العكس من ذلك نرى الدول والمجتمعات الذكورية التي لا تحترم المرأة، وتضع قيودا وحواجز أما حريتها تحد من قدراتها الإنسانية، تعيش في حالة من الجهل والتخلف       
والفساد. أما الأفراد الذين يمارسون هذا الظلم والتهميش بحق المرأة، فإنهم بالتأكيد يعانون من قصور عقلي وتخلف فكري وإنساني مهما حصلوا على شهادات، أو تبوؤوا وظائف أو مكانات. وستبقى عقولهم هي العورة وليست المرأة.
لأن المرأة التي يعتبرونها عورة قد ولدتهم، وإذا أخذنا الأمور بحسب  نظريتهم وعقليتهم فلا ينتج عن العورة إلا العورة.
لكني أقول لكل من تسول له نفسه أن يعتبر المرأة عورة أو ناقصة عقل ودين، أينما كان ومهما كان، لا وألف لا، المرأة ليست كما تفهمون أو تريدون، المرأة هي النصف الأجمل والأبهى في كل المجتمعات، هي إنسانة رائعة كاملة مليئة بالمشاعر الطيبة والأحاسيس النبيلة، إنها نبع صاف دافئ لا ينضب للمحبة الصادقة، والعاطفة الجياشة، والحنان الروحي، إلهة الخصب والأمومة والجمال، هي رمز شامخ للتضحية والعطاء، المرأة هي أجمل ما خلق الله، وأعظم هدية وضعها على الأرض، لتلد الإنسان وتمنحه الحياة، وبها ومن خلالها تستمر عملية الخلق التي بدأها الله بآدم وحواء. كل الأنبياء والقديسين والفلاسفة والعلماء والعظماء، وأيضا البسطاء من الناس ولدوا من هذه المرأة التي تستحق أن نسجد لها بعد الله، والتي للأسف يعتبرها الكثير من الرجال المتخلفين، ناقصي العقل وفاقدي الضمير والبصر والبصيرة عورة، وفي الحقيقة هم أنفسهم العورة. وهم يعلمون جيدا بأن التأريخ القديم والحديث والمعاصر الذي نعيشه اليوم، يزخر بمئات الآلاف من أسماء النساء اللاتي سجلت بأحرف من نورعلى صفحات التأريخ، وأيضا الملايين من النساء البارزات اللاتي لمعت أسمائهن في كافة مجالات الحياة، العلمية والفكرية والسياسية والإنسانية، والتي يساوي عقل الواحدة منهن عقول الآلاف من الرجال المتخلفين.  
 لم يخلق الله المرأة من ضلع رجل، بل خلقها مزيجا من كل مصادر الجمال في الكون والطبيعة، وجعلها لوحة فريدة ومتميزة تعكس كل معاني الرقة والمحبة والجمال، ووضعها على الأرض كأجمل جوهرة، وقدمها هبة وهدية لتكون لنا الأم الحنون الطيبة، تسهر على راحتنا وتحترق كالشمعة لتنير لنا طريق الحياة، والأخت الرقيقة، والإبنة المدللة التي تملأ بيوتنا بالبهحة والجمال والمحبة، وأيضا الزوجة الحبيبة التي نتقاسم معها الحياة بحلوها ومرها، وتسندنا في مسيرة الحياة، أوليس وراء كل رجل عظيم إمرأة.
  فلهذه المرأة العظيمة تحية إكبار وإجلال مهما كانت صفتها وموقعها ومكانتها، ومهما كان دينها أو لونها، وفي أي مكان من على كوكب الأرض، في هذا اليوم الذي هو عيدها، وفي كل الأيام، أحييها من قلبي وأقف إحتراما لها وتقديرا لإنسانيتها ودورها الكبير الفاعل في حياتنا، وأطبع قبلة دافئة مليئة بالمحبة والعرفان بالجميل على يد كل إمرأة كبيرة، وأخرى مليئة بالمحبة والعطف والحنان على جبين كل فتاة صغيرة. واتمنى لهن جميعا الخير والبركة، وأن تتحقق لهن حياة حرة كريمة داخل عوائلهن ومجتمعاتهن، في ظل قوانين جديدة تسن لصالح المرأة، تحترم إنسانيتها، وتصون كرامتها، وتسمو بها إلى مستوى معاني وقيم الأمومة العظيمة، التي تعيشها وتمنحها بمحبة وتضحية ونكران ذات.
أتمنى من كل رجل لا زال يحمل في عقليته مثل هذه الأفكار المريضة المتخلفة تجاه المرأة، أن يراجع حساباته ويعيد النظر في منظومته الثقافية والأخلاقية والدينية الموروثة التي نشأ وتربى عليها، وتعشعشت في عقله ومخيلته، وأعطته صورة سلبية ناقصة عن المرأة، وأن يتمكن من التخلص من كل ما يسئ إليها، ويتعامل معها بطريقة حضارية ترتكز على الإحترام والعدالة والإنسانية، لكي يتخلص هو من ثقل هذا الموروث الثقيل والمؤلم، وأيضا تنفتح أمام المرأة آفاقا جديدة من الحرية، تستطيع أن تمارس من خلاها دورها الفاعل والإيجابي في العطاء وبناء الفرد والمجتمع، جنبا إلى جنب مع الرجل في أجواء شفافة من الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية.

المانيـــــــــــا
yusufgerman@yahoo.com   

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة