كلمة السيد مسرور بارزاني رئيس وكالة حماية أمن إقليم كوردستان في مؤتمر (مستقبل الشرق الأوسط) بباريس

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

القى السيد مسرور بارزاني رئيس وكالة حماية أمن إقليم كوردستان كلمة قيمة أمام مؤتمر (مستقبل الشرق الاوسط) المنعقد في باريس هذا نصها:

إنه لشرف عظيم أن أشارك ، مدعواً، في هذا المؤتمر العالمي المهم الذي يعقد في موطن ثورة ونهوض المبادىء الديمقراطية التي تناضلون من أجلها، وأنا هنا في مقامكم، أستذكر معكم المقاومة البطولية لأبناء فرنسا.
أيها المؤتمرون: لقد عرض قبل (200) عام وفي سياق أعلان حقوق الافراد والمواطنة، الالتزام بالاستقلال والحرية والتملك والأمن ومواجهة القمع.

إن القيم التي تشكل أسس الأخوة والمساواة لهي الحجر الاساس لأعمال ومساعي كل الذين يناضلون من أجل عالم أكثر عدلاً ومساواة، عالم يمثل فيه كل الأفراد، وبشكل عادل، من قبل المؤسسات السياسية ولا يتعرضون لأي أضطهاد على أيدي من منحوهم ثقتهم في حماية المصالح العامة وتطويرها وتقدمها.
هنا أستذكرملاحظة أبداها البارون مونتسكيو بصدد تواصل الصراع من أجل تفهم هذه التوجهات والأعلان العالمي ذاته.

(
لقد أثبتت التجارب أن من يبحث بأستمرار عن إمتلاك السلطة وتوسيعها فحسب، إنما يتوجه صوب الأساءة في أستخدام السلطة والى الحدود العليا التي سمحت بها تلك السلطة ) ولقد أدرك مونتسكيو هذا الموضوع بذكاء وقد برهن التأريخ ومجرياته منذ ذلك الحين أخفاق كل الأنظمة في تحقيق الأفكار الأساسية للديمقراطية، كما أنه ليس بأمكان أحد أن يفهم الحقوق الأساسية للأنسان، مالم يلتزم بمبدأ الفصل بين السلطات أو لم يكن مطلعاً على مبدأ (حتمية بناء السلطة والحكومة على أساس أطمئنان الفرد وعدم الخوف من أي فرد آخر).

وباستثناء العراق، فأن هناك قلة قليلة من البلدان التي تمثل أو تكون رمزاً لمخاوف التهميش.
إن هذا الواقع، ومنذ أستقلال العراق قد عرّض الكورد والعرب والمكونات الأخرى في العراق الى المعاناة والآلام، وذلك بسبب عدم وجود الرغبة الصادقة لدى بعض المسؤولين العراقيين في أعتماد تلك المبادىء الأساسية وتعرضت المكونات الأثنية والدينية جراء ذلك الى شتى جرائم الأبادة الجماعية (الجينوسايد) على أيدي القادة الذين توجهوا نحو بناء دولة مركزية قوية من بقايا الحرب والتي عرفت بـ (العراق) وواصلوا مساعيهم نحو التشويه والتخريب والتقسيم بدلاً من التوحد والتآزر ما نتج عن أتباع مثل هذه السياسة أشكال من المآسي وتعرض مئات الاف المواطنين الى القتل الجماعي وبالتالي ذهاب كل الوعود ومعها الثروة النفطية أدراج الرياح.

لقد كان الكورد، كأحد مكونات العراق، هدفاً لحرب إبادة جماعية هوجاء، وقدم الكورد تضحيات جسيمة نتيجة الهجمات الكيمياوية على مناطقهم وعمليات الأنفال المشؤومة ضدهم وإبادة أكثر من (182) ألفاً منهم معظمهم من النساء والاطفال فضلاً عن تدمير 90 % من قرى كوردستان، وأصبح ذلك تأريخاً معروفاً وممارسات أوجدت فقدان الثقة والخوف والرعب بين مختلف الأفراد والمكونات وبين المواطنين وبين الحكومة وبشكل ترقب الضعفاء والمغلوب على أمرهم فيه أن يقمع الأقوياء الظالمون حقوقهم، ويقيناً أن تراث الأنتقام سيكون هو الغالب في مثل هذه المواطن.

لقد كانت غاية آمالنا وتطلعاتنا أزالة هذه الدائرة المأساوية وكسرها عن طريق دستور عام 2005 في العراق، والذي يتضمن مبادىء الفدرالية والديمقراطية وصوت عليه 80 % من العراقيين، مع الأمل أن تبدأ مرحلة جديدة لاتعتمد فيها أختلافاتنا كنقاط ضعف بل تكون أساساً لقوتنا وأن يتنافس الجميع، وبصورة سلمية للمشاركة الفاعلة في تحسين أوضاعنا جميعاً، ونأمل في مستقبل تكون فيه السلطة محدودة والمشاركة العامة فيها وألا يخشى أحد من الاخر، كما كان مونتسكيو يسعى لتحقيقه، ومع ذلك فقد أظهرت الأعوام الماضية أن هناك المزيد من المسائل الشائكة، فقد مهد الفراغ الأمني المتبقي في بعض مناطق البلاد لتسلل أرهابيين محليين وأجانب لعبوا بمقدرات التأريخ وأنتفاء الثقة لدى العراقيين وتمكنوا بذلك ضم قسم من المواطنين الى صفوفهم، وأوجدت هجماتهم الأرهابية المزيد من تأرجح الوضع الأمني لدى المواطنين وفي مختلف مكونات العراق وبالاخص من الشيعة والسنة وأساءت والى حد بعيد الى الشعور العالي بالأخوة فيما بيننا، الى ذلك فقد توجه القادة الضعاف الى الخارج وفسحوا المجال أمام القوات الاجنبية لتوجيه أوضاع العراق وفق أهدافها المزدوجة.

كما أدى ضعف الاداء العام الى أنتشار الفساد في العراق وتوسع قواعد البيروقراطية، والترادف مع من يركضون وراء مصالحهم الشخصية وليس أولئك الذي يتوخون أداء الخدمات العامة، والأمر هكذا فليس من المستعجب أن يتقدم الأنتماء المذهبي أو الأثني على الأنتماء للوطن.

هذا هو واقع الأوضاع في العراق والذي لا يجدي مجرد الأماني والحلول الأرتجالية أو الغامضة نفعاً في تغييرها، ومتى ما أردنا تحويل وجهة التأريخ والخروج من هذا الوضع علينا أن نفهمه ونستوعبه، وفي حال تعيش غالبية العراقيين في خوف وقلق على حياتهم فأنه يتعذر على باقي المكونات أن تنتعش وتتقدم دون الأيمان التام بدور المؤسسات في المجتمع.

ومع كل هذه المعضلات، فأن إقليم كوردستان قد تمكن من المشاركة الفعالة والتعاون في حماية وحدة العراق، فالإقليم اليوم أكثر مناطق العراق أمناً وأستقراراً ما أدى الى تطور أقتصاد الإقليم بشكل كبير ويعود الفضل في تحقيق ذلك الى تراث وثقافة التسامح والتعايش الديني لدينا، وبالأمكان أستخدام مكتسبات الإقليم وأمنه نموذجاً أو سبيلا لتطور العراق وتقدمه.

إن جوهر نضالنا وكفاحنا هو في الواقع لضمان سيادة القانون في البلاد وتوزيع السلطات وفق الأسس والمواصفات الديمقراطية العصرية، وهي قيم قد نص عليها الدستور الدائم وبتنفيذه بالكامل يمكن لنا أن نحقق السلام والتقدم وبدون ذلك فأننا سنتعرض ثانية الى القمع وبغض النظر عمن يكون الحاكم، إن الدستور هو أرقى من كل المواضيع والصراعات والقوانين وأسمى من مسائل النفط والغاز ومقاعد البرلمان والموازنة وغيرها، فهو يعبر عن تحديد أي نظام يحكم العراق وتشخيص حقوق مكونات الشعب.

الدستور هو مصدر وأنطلاقة إيماننا وشعورنا بالأمن والحماية، وأن العراق اليوم هو ليس ذات النظام القمعي السابق، وهو يربط فيما بيننا أيضاً كمكونات مختلفة في خصوصياتها ولكن مشاركة وموحدة في العدالة والتقدم.
نحن هنا نجدد التزامنا بالمبادىء الديمقراطية والفدرالية التي حددها الدستور العراقي، ليس ذلك لأنني كوردي فحسب بل وكأي عراقي عاش ضحية ماض حافل بالأضطهاد والقمع.

الدستور العراقي يعرف أهمية الحكومات الإقليمية والمحلية بشكل رسمي وبذلك فأن الشعب العراقي الذي عاش لفترات طويلة في القمع والأضطهاد والمآسي، يطمئن بأن العراق الجديد سيكون بعيداً عن المركزية القوية التي تسببت في عموم المآسي التي حلت بالبلاد، كما أن الدستور العراقي، ومن أجل ضمان مصالح العراقيين والتوزيع العادل للسلطات، قد قلل وبشكل كبير من الصراعات طويلة الأمد والأعمال العدائية من أجل منصب أو سلطة محدودة، كما أن التوزيع العادل للسلطات هو أساس راسخ لمعالجة الفساد وبناء وضع سلمي للمنافسة وهذا سيؤدي شيئاً فشيئاً الى تجاوز السلبيات والنواقص.

إن رسالتي لكم هذا اليوم هي ليست بالمتشائمة، فقد حققنا التقدم في العديد من المجالات ولدينا الردود والمعالجات للعديد من المشكلات الكبيرة ولنا توجهاتنا في ذلك وصادقون في وعودنا بمعالجتها ونعرف كيف السبيل اليها.
إن المطلوب في وضعنا العراقي الشجاعة والحكمة والأهلية لبناء وأتباع نظام ديمقراطي فدرالي، ذلك النظام الذي أثبتت التجارب أنه أفضل نظام لحماية حقوق الفرد وأدارة المجتمع ومختلف التكوينات لا بل هو الأمل الوحيد الذي يضمن تمكن العراقيين عموماً من تحقيق الوحدة والتقدم وأن الطريق الاوحد للتطور هو الألتزام بمبادىء وأسس الفدرالية والديمقراطية.

نحن ككورد وكعراقيين أيضاً لا يمكننا، كما انكم الفرنسيون والاوربيون وسائر أعضاء المجتمع الدولي، أن ننأى عن الألتزام بالقيم المشتركة، وفي حال أراد العراق أن يسيطر على تداعيات التفرقة وعدم التوحد، فعليه أن يتمكن من حماية عموم شعبه وأيجاد الثقة لديهم بقدراته وسلطاته، وعلى العراق أيضاً أن يطمئننا جميعاً أن الطرف القوي لن يتحول ثانية الى طرف قمعي في عراق مكوناتهم، من البصرة الى زاخو ومن أربيل الى بغداد، يشتركون في تقرير مصيرهم ويكون لهم ذات الحقوق التي حددها الدستور لمواطني العراق جميعاً وهي أساس الأخوة و الأمل الوحيد لمستقبل العراق.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة