إنها مؤامرة تهدد أقليم كوردستان ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


في الوقت الذي لا زالت فيه تداعيات الأزمة التي إفتعلها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتشكيل قيادة عمليات دجلة تتفاعل، وتنحرف إلى منعطف خطير يهدد ليس فقط العملية السياسية، بل يهدد علاقة الأخوة والمواطنة القائمة بين الشعبين الكوردي والعربي في العراق، والأخوة الكوردية الشيعية بشكل أدق، هذه الأخوة التي بنيت على المعانات والظلم والإضطهاد وعمليات القتل والإبادة التي تعرض لها الكورد والشيعة أكثر من باقي مكونات الشعب العراقي في عهد الدكتاتور المجرم المقبور صدام حسين.

إن الهدف من تشكيل قوات عمليات دجلة هو ليس كما يبدو من تصريحات الماكي وأعوانه وأبواقه للحفاظ على الأمن ومكافحة الإرهاب في المناطق المتنازع عليها، حيث من المعروف بأن نسبة العمليات الإرهابية فيها أقل بكثير من جميع المناطق التي تقع تحت سلطة الحكومة المركزية ومن ضمنها العاصمة بغداد، والحالة الأمنية أيضا أكثر هدوءا وإستقرارا. بل بالعكس فإن إنشاء هذه القوات وفي هذه المناطق بالذات، لا يهدف سوى إلى زعزعة الأمن والإستقرار، وزرع الفتنة والتفرقة بين مكوناتها، إنطلاقا من مبدأ فرق تسد، بغية السيطرة عليها ووأد المادة 140 الدستورية.

إن أقليم كوردستان شعبا وحكومة يقفون بالمرصاد لهذه القوات الدخيلة ويرصدون تحركاتها، وعلى إستعداد تام للرد على أية تحركات مشبوهة تقوم بها.

يبدو إن في جعبة المالكي الكثير مما لم يعلنه بعد، وإن ما ينوي القيام به ضد أقليم كوردستان هو أكبر من حجمه وطاقته وإمكانياته السياسية والعسكرية، لذلك أرى بكل تأكيد بأن هناك جهات خارجية وتحديدا إيران، التي يجلس المالكي في أحضان ملاليها، وأصبح روبوتا ينفذ أجنداتهم السياسية في العراق بعد أن سلمهم مفاتيح السلطة بالكامل.

الكل يعلم بأن المالكي شخصيا لا مصلحة له في معادات الكورد أو الدخول معهم في حرب محدودة أو كبيرة، لأنه يعلم جيدا قوة الكورد العسكرية، ومدى إستقرار الوضاع الأمنية والسياسية فيها، وإتساع دائرة العلاقات الدولية التي تربط الأقليم بدول العالم، وإن المجتمع الدولي سيقف بالضد من أية إعتداءات عسكرية على الأقليم. هذا بالإضافة إلى أهمية الصوت والدعم الكوردي الذي أوصله أي المالكي إلى السلطة، وبدونه سيلقى به خارج السلطة، وربما ينتظره مصير أسود بعد المخالفات والتجاوزات الكثيرة على الدستور والأحزاب والشخصيات السياسية السنية والشيعية، وعمليات الفساد الفاضحة، وسرقة الأموال العامة بمئات المليارات التي يتحمل هو مسؤوليتها بالكامل، بإعتباره الكل في الكل ووزير كل الوزارات في عراق اليوم.

ما يؤكد بأن ما يقوم به المالكي هي أوامر يتلقاها من ملالي طهران، هو دعوته لإنشاء قوات جديدة بإسم قيادة عمليات الشمال في أربيل، حيث دعا النائب عن إئتلاف دولة القانون عبد السلام المالكي إلى تشكيل هذه القوات. زاعما بأن أقليم كوردستان هو جزء من العراق ومن واجب الحكومة المركزية الدفاع عن ابنائه ضد الخروق التركية المستمرة، والتي يرى ان قوات حرس الاقليم لا تستطيع بامكانياتها ان تحافظ على سيادة الاقليم. واضاف ان تشكيل قيادة لعمليات الشمال في محافظة اربيل هو ضمن صلاحيات المالكي ويبدو ان رئيس اقليم كوردستان مسعود بارزاني لا يعي في تصريحاته تلك الحقيقة التي نص عليها الدستور وجعلها من ضمن صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة. ودعا القائد العام للقوات المسلحة الى تشكيل قيادة عمليات الشمال في محافظة اربيل وبما ينسجم مع الدستور ومصلحة الشعب الكردي لحمايته من الخروق التركية المتكررة واي خروق اخرى يتعرض لها الاقليم.

الغريب والملفت للنظر والباعث على الشك في سوء النوايا، هو الدعوة إلى تسمية هذه القوات الجديدة بإسم قيادة عمليات الشمال، وهذه مخالفة كبيرة وخطيرة للدستور، ودعوة صريحة لإلغاء الفدرالية والتجاوز على الديمقراطية بل إطلاق رصاصة الرحمة عليها، لأن كلمة الشمال لم تطلق على كوردستان حتى في زمن دكتاتور العراق وعدو الكورد صدام حسين، فهناك أقليم كوردستان ضمن جمهورية العراق الفدرالي الديمقراطي الموحد، وإن تسمية قيادة عمليات الشمال هي نفس التسمية التي أطلقها صدام أبان حرب تحرير العراق أيام الهجوم الأمريكي سنة 2003 حين قسم العراق إلى أربعة مناطق عمليات، قيادة عمليات بغداد .. وقيادة عمليات الشمال .. وقيادة عمليات الوسط .. وقيادة عمليات الجنوب، فهل يعيد التأريخ نفسه ويعود المالكي الذي أصبح دكتاتور العراق الجديد إلى إنتهاج أساليب سلفه صدام؟

ثم يريد المالكي أن يجعل مقر هذه القوات الجديدة في أربيل على أنها جزء من العراق، وهو يعلم جيدا بأن أربيل هي عاصمة أقليم كوردستان، وهي مستقلة عن بغداد، إرتباطها فقط إداري وقانوني ليس أكثر، وفيها قوات كوردستانية أولا من كل أبناء شعب كوردستان ثم من الجيش والشرطة والبيشمركة والآسايش، وهذه القوات قادرة على حماية أربيل، وأيضا المناطق المتنازع عليها إذا تطلب الأمر، بل وكل بقعة من أرض كوردستان، ومستعدة للدفاع عنها بكل الوسائل والإمكانيات.

وإذا كانت هناك خروقات تركية تتمثل بوجود قاعدتين عسكريتين صغيرتين تتواجد فيها مجموعة صغيرة من العسكريين الأتراك. فهذه القوات متواجدة على أرض كوردستان منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، ووجودها لا يشكل أي خطر على أمن وسلامة وإستقرار أقليم كوردستان، وليس لها أي تدخل في الشأن الكوردستاني السياسي أو الإداري، علما وبالمقابل هناك أكثر من سبعمائة شركة تركية تعمل في شتى المجالات العمرانية والعلمية والخدمية، تساهم في عملية البناء والإعمار والتنمية الجارية في أقليم كوردستان، يعمل في هذه الشركات مئات الآلاف من العمال والمهندسين، يضعون عصارة خبراتهم وإمكانياتهم في خدمة شعب وحكومة أقليم كوردستان. أما الخروقات الجوية التي تتمثل في إغارة بعض الطائرات على مواقع تتواجد فيها قوات حزب العمال الكوردستاني في جبال قنديل ومناطق أخرى، بالرغم من أنها مرفوضة لكنها في الواقع لا تسبب الأذى، وليس في مقدور المالكي وجيشه إيقافها أو عمل أي شئ ضدها، سيما وإن جيشه لايمتلك طائرات مقاتلة ولا أسلحة دفاع أومقاومة جوية. وليس من مصلحته الدخول في حالة حرب مع تركيا، بل ليست لديه الإمكانيات العسكرية للقيام بمثل هكذا عمل متهور وغير محسوب النتائج.

لكنه وكما ذكرت روبوت إيراني يحركه آيات الله في طهران، الذن قد إخترقوا ليس فقط حدود العراق، بل قد إخترقوا حكومة العراق بالكامل، ومكتب المالكي بالذات، وقد إخترقوا جيش العراق ومخابراته وقواته الأمنية وإقتصاده، وهم الذين يرسمون سياسة العراق ويوجهون المالكي وأعوانه لتنفيذ أوامرهم. لذلك على المالكي إن كان لديه أي إحساس بالوطنية أن يحرر نفسه وبلده من هذه الإختراقات الإيرانية قبل أن يتحدث عن أية إختراقات تركية لأقليم كوردستان، والتي لا وجود لها أصلا إذا ما قيست بالإختراقات التركية لعراق المالكي.

لا أشك بأن إنشاء قيادة عمليات دجلة، ومن ثم الدعوة إلى تشكيل قيادة عمليات الشمال على أن يكون مقرها أربيل، هي أوامر إيرانية لا يستطيع المالكي التهرب، منها وليس له أي خيار سوى تنفيذها بحذافيرها، لكي يرضى عنه أسياده في طهران. والغاية من تشكيل هذه القوات وتحديد مناطق عملها هي لضرب الوحدة الوطنية في العراق والإساءة إلى الديمقراطية والإخوة العربية الكوردية، بل جر الطرفين إلى حالة نزاع مسلح، وخلق منطقة صراع عسكري في المنطقة، لتخفيف الضغط ولو قليلا على نظام بشار الأسد في سوريا، المدعوم أيضا وبشدة من قبل ملالي طهران ومن قبل حكومة المالكي أيضا، ونكاية بتركيا التي تدعم المعارضة السورية، وتعمل بجد على إسقاط نظام بشار الأسد، وفي نفس الوقت تتمتع بعلاقات سياسية وإقتصادية جيدة مع حكومة أقليم كوردستان. هذا بالإضافة إلى أن قيام نظام فدرالي ديمقراطي متطور ومستقل في أقليم كوردستان العراق، أمر لا يسعد الإيرانيين حيث هناك أكثر من خمسة عشر مليون مواطن كوردي يعيش على أرض إيران منذ آلاف السنين، وهم محرومون من أبسط حقوقهم القومية المشروع، ويناضلون بكل الوسائل السياسية والعسكرية للحصول على هذه الحقوق. وإن تجربة أقليم كوردستان الفدرالية الديمقراطية، تشكل بالنسبة لهم عامل قوة ودفع وتشجيع لمواصلة نضالهم، لذلك الإجهاز على هذه التجربة أو إفشالها أو حتى تضييق الخناق عليها، هو هدف إيراني، وإن المالكي هو حصان طروادة الذي يحقق لإيران هذا الهدف.

لكن وبكل تأكييد فإن الشعب الكوردي المعروف بشجاعته وثباته ونضاله الطويل ضد أعتى وأشرس الأعداء، يقف اليوم حكومة وشعبا صفا واحدا وبالمرصاد لمحاولات الأعداء المشبوهة، وعلى أتم الإستعداد للدفاع عن أرضه وكرامته وحقوقه وتجربته الفدرالية الديمقراطية، التي لا بد أن تنتهي بإعلان دولة كوردستان المستقلة إن عاجلا أو آجلا.


المانيـــــــــــــــا

yusufgerman@yahoo.com

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة