الجزء الثاني والأخير من اللقاء مع عازف الطنبورة ... مصطو الياس الدنايي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

المشوار الفني في حياة:

      أجمل أيام حياتي بدأت عندما كان عمري خمسة عشرة سنة عندما حملت المطبك(زَمبَرا) وحينها كنت راعيا للغنم فقلت لوالدي أريد أن أتعلم المطبك حتى أقضي وقتي في رعاية الغنم إلا أنني اصطدمت برفض شديد من والدي وقال بالحرف الواحد سأقتلك إن فعلت ذلك.. فقلت أريد أن أعرف السبب؟ قال.. سيأتي يوم وتنفخ المطبك في الحفلات والأعراس وحينها سيهدونك الفلوس (الشاباش) فتكون مثل المطربين(4)، لذلك أقسمت اليمين له في انني لن استلم ولن اقبض فلسا واحدا من أي شخص كان حتى لو نفخت المطبك في الحفلات والأعراس، بعدها تولّدت لدي رغبة في التعرّف والعزف على كافة أنواع الموسيقى المتوفرة في مجتمعنا وما شجعني في ذلك أكثر هو شغفي ولهفتي بالاستماع الى (اسماعيل برو والمعروف باسماعيلى كلوكى و خلف عساف) اللذان كانا يمتازان بعزفهما المميز على الطمبورة ولم يكن هناك من أحد ينافسهما بذلك.. ومع مرور الأيام ومع متابعتي لهما أصبح اهتمامي بالموسيقى يتحول من المطبك الى الطمبورة فكان تحولاً مميزا بحياتي.

   وأتذكر أن أول لحن عزفته عندما كان عمري بحدود الثامنة عشرة سنة (حوالي سنة 1964) وقد كان عزفي الاول هو لأغنية(هارى كَنى لى لى hari kinni li li) أما المواويل فقد كان عزفي لموال(بابى سةيرى babi seyri، شةرى مالا باشى sherri mala pashi، نةواخا براهيم باشا newaxa brahim pashe).. ومن شدة ولعي بالطمبورة والعزف عليها تعلمتُ أصول العزف واحترفته فرأيت نفسي عازفاً لأغلب فناني التراث وكان أغلب جلساتنا الغنائية في ناحية سنوني وبالذات في دار السيد عمى كمو/ رئيس عشيرة الهسكان و دار سلو خدر كصب.. حيث كان الناس يجتمعون حولنا، فكنا نقدم أجمل الأغاني والمواويل التراثية للحضور في جوّ يشوبه الفرح الغامر وكنا سعداء جدا بذلك.

    وعن استفسار لنا حول معرفته الغناء ولماذا لم يسمعوا الناس غنائه؟ أجاب.. أعرف وأستطيع الغناء لكن الطبقة والذبذبات الصوتية في حنجرتي لم تكن تساعدني في الإلقاء، لذلك ابتعدت عن الغناء و اكتفيت بالعزف فقط.

 

عدد المعزوفات التي ألفها وألقاها طيلة حياته؟

   لم يبقى فنان شنكاليّ في عصري وما تلاه في جيل الثمانينات والسبعينات إلا وكنت عازفه عند غنائه للتراث الشنكالي، وقد سجلتُ مقاطع متنوعة من معزوفاتي الغنائية التراثية واغلبها المواويل ذات الطابع الشنكالي لمركز لالش الثقافي والاجتماعي بدهوك وذلك في سنة 2005م، كما شاركت بتسجيل ((DVD)) على حساب معهد التراث الكوردي في السليمانية سنة 2006م بصحبة كل من القوالين(المرحوم قوال رشيد/ضارب الدف، قوال سيدو/عازف الناي، الفنان التراثي الكبير المرحوم خدر فقير وابنه تحسين، خلف حالي، جلو شنكالي) وذلك في استوديو المعهد، وتم انتاجه بمدة استغرقت 45 دقيقة وسجّل تحت اسم دةنكى ئيزيدخان(صوت ايزيدخان)، فيما سجلت مقطعاً انفراديا وبنفس المناسبة استغرق حوالي سبع دقائق.. وهنا أريد أن اذكر في أن مشاركتي بتلك المناسبة التي أقامها المعهد المذكور يعود الفضل فيها الى الأستاذ خيري شنكالي والأستاذ مزهر خالقي الذي كان مديراً للمعهد.

   وفي سؤال لنا عن الجيل الحالي في ساحة الغناء الشنكالي؟ أجابنا وبحسرة.. لا اعترف بالجيل الحالي من فناني شنكال ولا اسميهم فنانين بالأساس كونهم قد أهملوا تراث شنكال ويقلدون غناء الأقوام الأخرى بالرغم من عدم فهمهم لذلك.. أتمنى منهم العودة الى الاهتمام بتراث الآباء والأجداد كون هذا التراث أمانة على رقابهم كما كانت على رقابنا ولم نبخل في الحفاظ عليه.

 

المتأثرين بفنه الغنائي:

   من خلال ملاحظتي لعائلة مام فارس ومعرفتي ببعض أفرادها أريد أن أبيّن في أنها عائلة فنية كرّست حياتها لخدمة تراث الغناء الشنكالي وتتميز بأن معظم أفراد العائلة يعزفون على الطنبورة كما أن لهم صيتهم ومكانتهم في الساحة الغنائية الشنكالية ومنهم (شرو كرنوص، كالو كرنوص والملقب بـ كالو بةروةر نسبة الى تقليده لأغاني وصوت المطرب الكوردي المعروف شفان بةروةر، الياس كرنوص، كجى كرنوص، نايف كجى، خليل حجي).

   وعندما سألناه عمَّن تأثر بعزفه وشخصيته، ذكر لنا بأن ابن اخيه (الياس كرنوص) يقلده في العزف ويجيد العزف الى حد يجعل من المستمع إلى عزفه يجد صعوبة في التمييز بينه وبيني عند الاستماع، كما أضاف.. أنني أرى شبابي في ابني سليمان الذي يعزف على الطنبورة التركية بشكل جيد وأتوقع له مستقبلا جيداً ولو توفرت له الفرص والدعم الكافي سيكون له شأن كبير في الساحة الغنائية.

 

بعض القصص والأحداث المميزة في مسيرة الفنية:

    كان الناس يسألون الفنان الراحل كجى عمى عن سبب مرافقتي له بمشواره الفني وجلساته الغنائية، فكان يجاوبهم بالقول((فوالله إن لم يكن معي فارس قولو في العزف على الطنبورة.. الجلسة الغنائية تصبح كأنما دبكة عرس يرقص الحضور فيها على أنغام الطبل من دون الزرناية).

    أخذنا الفضول أكثر بمعرفة شخصية الفنان الراحل مام كجى عمى لكونه كان قريبا جدا منه وكان عازفه الرئيسي وكما أشرنا أعلاه؟ فتحدث قائلاً: ما جمعني بالعم كجى عمى في المشوار الفني كان مدته سبع سنوات.. أمتاز بقصر القامة نوعا ما، مهتما بنفسه وهندامه، محبوباً لدى عامة الناس، يلبس الملابس الأيزدية البيضاء التقليدية بشكل دائم، وقد كنت سعيداً جداً معه كونه شخص خفيف الدم وصاحب نكتة وميالاً للمزح، فكان كلامه العادي حلواً كما هو غنائه التراثي، وقد أكد لي مرارا في أنه تعلم الغناء التراثي من المرحوم برو الشرقي.

   ولم يفوته اللقاء دون ذكر بعض الألعاب ومنها لعبة غزالوك(5) بفترة شبابه وقال.. كانت على قاعدة لها مجال بالحركة في الصعود والنزول وكنا نربطها بأصبع الخنصر بحث ترقص الغزال مع أنغام لحن الطنبورة عند العزف عليها.. وامتازت تلك اللعبة في زركشتها الجميلة بالخرز والنمنم(موهريك باللغة الكوردية) الملون.

 

مكانة في المجتمع، والمساندون له:

   عانيت الكثير كوني لم ألقى الدعم سواء من لدن المجتمع او على المستوى الحكومي، أما بعد تغيير نظام الحكم في العراق سنة 2003م فقد تلقيت مساعدة شهرية رمزية من جمعية فناني التراث الشنكالي التابعة للفرع 17 للحزب الديمقراطي الكوردستاني ولمدة ثلاث سنوات ثم قطعوها عني ولا استلم أية مساعدة او راتب شهري من أية جهة كانت في هذه المرحلة وكنتُ أتمنى من المسؤولين والمعنيين بالفن وتراث الغناء الشنكالي في أن يولوا اهتماماً أكبر وبالذات اصحاب الشأن في شنكال وإقليم كوردستان خاصة وأن فن الغناء الشنكالي يعتبر مدرسة رصينة وركيزة أساسية من أصول الغناء الكوردي بشكله العام.

 

ما علاقة الطنبورة بالميثولوجيا الأيزدية.. سؤال طرحناه على مام فارس؟

     أجابنا متحدثا.. قصيدة قاضي شلو وهي من القصائد الدينية للأيزديين، مرتبطة بالعزف على الطنبورة حيث أن هذه القصيدة تعتبر الاساس في ألحانها حسب مفهوم العازفين.. وأساس التراث الغنائي الشنكالي هو موال ( د لى لى ميرمى  de li li meyiremi) وهذا الموال هو عروس الطنبورة كما كان يعتبره الفنان التراثي المرحوم كجى عمى والتي تلعب على طبقات(بةردات) الطنبورة الأربعة عشر.

    وحسب فلسفة وميثولوجيا الأيزديين فأن الطنبورة صوت ئيزي(6).. لذلك فأنها مباركة ومقدسة لدى الأيزدي ولا يجوز له العزف عليها الا بعد شروط وهي:

1) أن يشد حزاماً في ظهره وغطاءاً على الرأس.

2) أن يُقبّل وقبل البدء بالعزف حوض الطنبورة قائلاً(بدستوورى ئيزي= باسم الله).

 

     وعن كيفية صنع الطنبورة والممتهنين بصنعها؟ تحدث لنا قائلاً.. المرحوم ابراهيم خلفكو وهو من عشيرة آل زرو(7) كان يقوم بصنعها وأغلب انتاجه كان من أشجار الجوز والتوت والمشمش.. حيث كانت الطنبورة المفضلة هي التي تصنع من التوت وأول طنبورة صنعت كانت من تلك الشجرة حسب المعلومة لدى المجتمع الأيزدي، كما أن درويش نمر وهو الآخر من آل زرو كان يصنع الطنبورة من شجرة الجوز، وأشار الى طنبورته.. هذه التي بحوزتي قد صنعها المرحوم سليمان خلف مراد اوسي من شيوخ شيخوبكر(8).. وللطمبورة الشنكالية أربعة اوتار(اثنان منها مشدودتان والأخرى غير مشدودة)،

 

ختام اللقاء مع العم فارس:

طلبنا من عازف الطنبورة الشنكالي في أن يختتم لقائنا به بما يجول في خاطره من كلام؟

    احتضن طنبورته وقال.. لن أفارق الطمبورة ما حييت، فأنا والطنبورة مرتبطان ببعضنا روحياً.. أنها تحبني وأنا أعشقها، وقد أصبحت جزءا رئيسياً من حياتي اليومية فلا أستطيع الاستغناء عنها، ولم أتوقف عن العزف عليها حتى عندما فارقت أعزائي وفقدتهم ومنهم اشقائي اللذان توفيا في هذه السنة.

    أنه العشق الروحي والصداقة المخلصة في عقود من سنوات الوفاء ما بين أنغام الأوتار وطيبة رجل ينبض قلبه من أجل إسعاد الآخرين.. لقد شعرت بتفكير عميق يجتاحني وقلت في نفسي.. هذا هو الاخلاص، فكما كرّس سنين حياته للعزف على الطنبورة اعطته هي الأخرى أجمل الألحان وكانت وفية جدا معه لذلك كانت لحظات حديثه عن معشوقته عفوية وشاعرية وكانت كلماته صادقة نابعة من القلب تجاه محبوبته.

أما أنا فقد تمنيتُ لو تعرّفت على العم فارس شخصياً قبل هذا اللقاء، وشعرت بفرحة عظيمة لأنني أجريت لقاءاً معه.

                                                                                                                     

ملاحظة: الموضوع خاص بمجلة محفل ونُشِر بعددها الثامن للموسم الخريفي سنة 2012م، كلمة شكر وتقدير للكاتب والإعلامي خيري شنكالي الذي رافقني الى بيت الفنان وأعدّ معي أسئلة الحوار وساعدني في اتمام الموضوع.

 

الهوامش:

(4) كان من المعيب جدا في ان يُوصف شخص ما بالمطرب وكان يُنظر إليه بازدراء واستصغار في المجتمع كون المطربين كانوا فئة محددة بعينها ويشاركون في الحفلات والأعراس من أجل كسب المال.. لذلك كان أمر قبض المال عبر امتهان النفخ بالمطبك والعزف بها يعد من الممنوعات في المجتمعات العشائرية وما زالت تلك النظرة حاضرة ازاء مَن يزاول النفخ على المطبك حتى الآن في المجتمع الشنكالي.

(5) غزالوك: نسبة الى حيوان الغزال.. فقد كانوا يصنعونها من الخشب أو ما شابه بشكل تشبه الغزال.

(6) ئيزي: اسم من اسماء الله عند الأيزديين، وحسب الميثولوجيا الأيزدية هناك ألف اسم واسم ل الله جلّ جلاله وأكثرها شيوعا في التداول (خودى).

(7) آل زرو: عشيرة من شريحة الفقراء في المجتمع الأيزدي بشنكال، والفقير.. صفة أو موروث ديني يمتاز بها تلك الشريحة في المجتمع المذكور ويشترط دينياً على افرادها اطلاق لحيتهم وشواربهم وعدم المسّ بهما.

(8) شيوخ: جمع لكلمة شيخ.. وهي طبقة دينية من طبقات الديانة الأيزدية الثلاث( pir بيير ، مريد mirid ، شيخ  shix) ، وأفراد عائلة او نسب شيخوبكر من طبقة الشيوخ.

 

سنونى/ 20-9-2012 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة