المالكية طريقة جديدة للسلطة والحكم ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

في جميع دول العالم المتحضرة، هناك مفهوم ثابت وواضح للسلطة، وهو أنها القوة السياسية والإدارية والإقتصادية التي تحرك الدولة، وتخول القائمين عليها المنتخبين من قبل الشعب بشكل مباشر، أو من قبل أعضاء البرلمان الذين إختارهم الشعب ووضع فيهم ثقته. وهؤلاء المسؤولين الذين لا يحق لهم الجلوس على مقاعد السلطة لأكثر من أربعة أو ثمان سنوات { دورة إنتخابية واحدة أو دورتين} يعلمون جيدا ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات ومسؤوليات تجاه بلدهم وشعبهم، ويعلمون بأن جميع أعمالهم ونشاطاتهم وقراراتهم تكون دائما مكشوفة للبرلمان، وإنهم يحاسبون على أخطائهم أكثر من أخطاء المواطن العادي، لأن أخطائهم قد تؤثر سلبا على، أو تسئ إلى فئة معينة أو فئات كبيرة من المجتمع. لذلك يكونون حريصين على تأدية واجباتهم ومسؤولياتهم بتفان وإخلاص، وأيضا بنزاهة وشفافية. لأن هدفهم هو خدمة وطنهم ومواطنيهم، وتقديم أفضل الخدمات لهم في جميع مجالات الحياة، بالإضافة إلى توفير الأمن والإستقرار وإبعاد شبح الحروب عنهم.

أما في أوطاننا وفي العراق تحديدا كوننا عراقيين، فإن للسلطة مفهوم مختلف تماما يمتاز بضيق الأفق السياسي والوطني، بسبب الإرتكاز على الإنتماء الحزبي والطائفي والقومي والمذهبي، الذي يضفي عليه طابع الخصوصية والنفعية، على حساب الإنتماء للوطن والمواطن. فقبل كل شئ الوصول إلى السلطة يكون في الغالب بطريقة غير شرعية، سواءا إنقلاب عسكري كما كان يحدث في العراق منذ الإنقلاب الأول الذي أطاح بالملكية سنة 1958 ، ثم أطيح بعبدالكريم قاسم، وقتل عبدالسلام عارف، وأطيح بعبد الرحمن عارف حيث سقط العراق في مستنقع البعث بعد إنقلاب تموز 1968 المشؤوم، الذي إستعبد الشعب لثلاثة عقود ونصف، وحكم بالحديد والنار وأشاع الفقر والتخلف والموت والدمار، بحروبه الهمجية الرعناء الداخلية منها في الشمال والجنوب، والخارجية مع إيران والكويت، ومن ثم المجتمع الدولي، كلنا نعرف النتائج وما آلت إليها الأمور.

في عهد الظلام البعثي الذي خيم على العراق، كانت مواقع وكراسي السلطة توزع على الرفاق كتعيين أو مكرمة من القائد المقبور صدام، وكانت إنتخابات المجلس الوطني ديمقراطية كارتونية صورية مبرمجة ومعروفة النتائج، كان يراد بها فقط خداع الرأي العام والشعب المغلوب على أمره.

بعد زوال غيوم البعث السوداء عن سماء العراق سنة 2003 ، وإندحار ذلك الكابوس المرعب وبزوغ شمس الحرية، إستبشر الشعب العراقي خيرا، وإعتقد واهما بأن مفهوم السلطة سيأخذ مساره الصحيح، وإن نظاما سياسيا جديدا سيقوم في العراق عل أسس سليمة وصادقة وشفافة من الديمقراطية الحقيقية، سيما وإن غالبية الشخصيات والأحزاب السياسية جائت من خندق المعارضة التي عانت لسنوات طويلة من ظلم البعث وطغيانه.

وعلى هذا الأساس وبهذا الأمل شارك الشعب العراقي سنة 2005 بجميع فئاته وإنتماءاته ومكوناته القومية والأثنية، داخل العراق وخارجه في أول عملية إنتخابية ديمقراطية حرة، لإختيار ممثليه الذين سيجلسون على مقاعد السلطة والبرلمان، وقد نجح هذا البرلمان بمشاركة جميع الأطراف ومن خلال شخصيات سياسية وقانونية وأكاديمية ودينية في وضع دستور جديد متكامل للعراق، يراعي حقوق جميع مكونات الشعب، ويهتم بها وينظر إليها بعين المساوات والمواطنة دون تفريق.

ربما نستطيع القول بأن بداية العملية السياسية الجديدة بعد سقوط دكتاتورية البعث كانت إلى حد ما ديمقراطية، لكنها وللأسف بعد وصول المالكي إلى قمة السلطة، بدأت تنحرف عن مسارها الديمقراطي لتنزلق مرة أخرى إلى مهاوي الدكتاتورية البغيضة، التي يريد المالكي بل يعمل جاهدا وبتخطيط وسبق الإصرار أن يدفع العراق إليها، خاصة بعد إغتصابه للسلطة في دورته الثانية. وإغتصاب السلطة هو أحد الطرق والوسائل العراقية للوصول إلى السلطة، والكل يعلم بأن المالكي لم يفز في إنتخابات 2005 ، وإن أياد علاوي هو الذي فاز فيها. لكن المالكي رفض تسليم السلطة إلى علاوي، وبقي العراق ثمانية أشهر بلا حكومة شرعية، إلى أن تدخل الرئيس مسعود بارزاني ووضع حلا لتلك المشكلة، وأنهى الخلاف القائم بين علاوي والمالكي بشروط وضعت كإتفاقية من 19 مادة بإسم إتفاقية أربيل، وافق ووقع عليها الجميع وفي مقدمتهم المالكي.

وبذلك كان للكورد وللرئيس مسعود بارزاني شخصيا الدور الأول والفضل الكبير في تسليم مفاتيح السلطة إلى المالكي، ضنا منه ومن الجميع بأنه سيلتزم ببنود تلك الإتفاقية وسيقود البلاد بطريقة ديمقراطية ووطنية.

لكن بالمقابل ماذا فعل المالكي، هل إلتزم بوعوده وببنود تلك الإتفاقية؟ وهل قاد البلاد ومارس مسؤولياته وفق آلية ديمقراطية تتيح للجميع المشاركة معه في الحكم وإصدار القرارات التي تخدم مصلحة الشعب العراقي ككل؟ خاصة فيما يتعلق بإلتزاماته بإقرار الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ووفقا للدستور الذي نص عليها وليس خارج إطاره، وفي مقدمة هذه الإلتزامات تنفيذ بنود المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع في المناطق المنتزعة من أقليم كوردستان، والتي كانت ولا تزال السبب الرئيس للكثير من الخلافات والمشاكل القائمة بين حكومة المركز وحكومة الأقليم، وسوف لن تجد هذه المشاكل والخلافات طريقها إلى الحل دون تنفيذ المادة 140.

لقد أصبح لمفهوم السلطة في زمن المالكي وفي قاموسه معاني كثيرة وجديدة، ربما لم تكن معروفة سابقا، فالديمقراطية يجب إمتطاءها كحصان طروادة للوصول إلى الحكم والإستفادة من مكاسبها ومنافعها، وهذا ما فعله، ومن ثم الإمساك بجميع خيوط اللعبة كلاعب السيرك المحترف، وهذا ما فعله أيضا من خلال سيطرته الشخصية والفعلية على جميع المرافق العسكرية والأمنية والمالية الرئيسية، فهو رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن البنك المركزي العراقي. فهل هناك بلد واحد في العالم يتمتع فيها شخص واحد بكل هذه المسؤوليات الكبيرة، حتى في زمن صدام حسين لم نجد مثل هذه الحالة، والله قليل من الحياء يكفي لسحب اليد ولو من بعض هذه المسؤوليات، وإعطاءها إلى شخصيات أخرى كفوءة ومؤهلة، لكن ربما ينطبق هنا على المالكي المثل العربي الذي يقول إن كنت لا تستحي فإفعل ما شئت.

لا أستطيع من خلال مقال قصير أن أوضح جميع أبعاد ومعاني السلطة في عهد المالكي، لكني أستطيع القول بأن المالكية نفسها أصبحت المعنى الجديد للسلطة. والمالكية تعني في أبسط معانيها، الفساد السياسي والإداري والإقتصادي، من خلال تسليم أمور الدولة إلى أناس غير أكاديميين بل جهلة جهلة كما يقول سيد الجهلة مقتدى الصدر، وعلى أساس المحاصصة الطائفية البغيضة والمحسوبية، إهدار وسرقة وتقاسم أموال الدولة بالملايين والمليارات، وإبرام العقود الوهمية أيضا بمليارات الدولارات {150 مليار دولار عقود وهمية إكتشفت مؤخرا} وإبقاء البلد في حالة من الفقر والتخلف، وعدم القيام بأية مشاريع عمرانية أو إنمائية كبيرة، بالرغم من أن ميزانية العراق تصل إلى أرقام خيالية لم تصل إليها في أية مرحلة سابقة، وهي تزيد في مجموعها عن ميزانيات الكثير من

الدول الغنية مجتمعة. إذا علمنا بأن أضخم ميزانية في إتحاد الإمارات العربية منذ تأسيسها بلغت 43 مليار درهم إماراتي أي 12 مليار دولار. والكل يعلم أين وصلت دولة الإمارات وكم هي متطورة. ما يميز قادة الإمارات وما ينقص المالكي هي فقط ثلاثة أمور بسيطة الإرادة الحرة والإخلاص والروح الوطنية.

هذه هي المالكية بجوانبها ومعانيها السياسية، أما فيما يتعلق بمعانيها الأخلاقية فحدث عنها ولا حرج، فالكذب والنفاق والمماطلة وعدم إحترام العهود والمواثيق والتنصل من الإتفاقيات والإلتزامات، بالإضافة إلى صفاة أخرى أصبحت كلها سمات أساسية ترتكز عليها المالكية.

فبدأ وبعد أن بسط سيطرته الكاملة على الدولة العراقية الجديدة يخطط بغباء وليس بذكاء للبقاء في الحكم أطول مدة ممكنة كسلفه صدام، وربما لسان حاله يقول في السر جئنا لنبقى، فقد إعتبر أولا الدستور العراقي الجديد ناقصا وقد وضع في ظروف غير طبيعية، وإن بعض مواده غير مقبولة، وإنها ألغام بدأت تنفجر، فماطل في تنفيذ المادة 140 بل تنكر لها ولا يرغب حتى في التحدث عنها، وتنكر لإتفاقية أربيل التي أجلسته على كرسي الحكم لدورته الثانية، وتعهداته السياسية والأخلاقية لمسعود بارزاني وباقي الشخصيات السياسية العراقية، ولم يصدق مع أياد علاوي الذي تنازل له عن الحكم بعد أن وعده برئاسة دائرة السياسات الستراتيجية، وأيضا لم يف بإلتزاماته ولم يحترم وعوده التي قطعها للسيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية، الذي دعمه ووقف إلى جانبه خلال أزمة سحب الثقة التي كادت أن تطيح به، والتي كان لطالباني الدور الكبير في إفشال تلك المحاولة الدستورية لإسقاط المالكي.

بالإضافة إلى كل هذه الأمور هناك أمر آخر على جانب كبير من الأهمية والأخلاقية، أعتقد بأن المالكي وجميع كوادر حزبه يتذكرونه جيدا، وهو دعم الحركة الكوردية المسلحة لنضال وكفاح حزب الدعوة الإسلامية أيام النضال السلبي، وفتح أبواب كوردستان واسعة أمام كوادر وأنصار حزبه، والمحافظة على حياتهم وتأمين مستلزماتهم، وكانت كوردستان هي الحضن الدافئ والآمن لهم في كل المراحل، ويبدو أن المالكي الجديد قد نسي كل تلك الأمور وتنكر لها.

لكن يبدو أن الطغاة أو الذين يسيرون على هذا الطريق والمالكي منهم، لا يدرسون التأريخ جيدا أو يديرون له ظهرهم، لأن همهم الأول هو الوصول إلى السلطة والتمسك بها والبقاء فيها لعقود وعقود، أو حتى تسجيلها كملك صرف يتوارثها أبناءهم من بعدهم. ومن أجل هذا لم يعد للحياء أو للقيم والمبادئ والأخلاق أية معان في حياتهم ولا

في قواميسهم. والمالكي بالتأكيد قد أدار ظهره للتأريخ، خاصة تأريخ الشعب الكوردي، ولم يستوعب منه أية دروس، والغريب هو أنه يسير على نفس الطريق الخاطئ في التعامل مع الشعب الكوردي الذي سار عليه قادة العراق الذين سبقوه، وفشلوا جميعا في إسكات صوت هذا الشعب الثائر، ويعلم جيدا ما آلت إليه النتائج، وكيف أن الشعب الكوردي لم يستسلم ولم يتنازل عن حقه في الحرية والحياة الكريمة، ولم يتنازل عن حقوقه القومية المشروعة، إلى أن تحقق له النصر الكبير، وها هو هذا الشعب الأبي يعيش اليوم حرا مستقلا، يتمتع بمكانة محترمة ومرموقة في المجتمع الدولي، وله الكثير من الأصدقاء أقليميا وعربيا وعالميا.

بما أن التأريخ لا يعود إلى الوراء، ولا يمكن تحقيق أي إنتصار لا سياسي ولا عسكري على الشعب الكوردي في حال نشوب خلاف أو حرب محدودة أو حتى واسعة، والمالكي يعلم هذه الحقيقة جيدا أكثر من غيره، لذلك أستغرب توجهاته الخاطئة في التعامل مع حكومة أقليم كوردستان، ومحاولاته الدائمة والبائسه لخلق المشاكل وإفتعال الأزمات معها، ولا أجد لها مبررا إلا في واحدة من إثنتين، أو ربما الإثنتين معا.

الأولى هي دفع حكومة أقليم كوردستان إلى الإنفصال عن العراق، وإعلان الدولة الكوردية في هذ المرحلة الحساسة قبل تنفيذ بنود المادة 140 وإعادة إلحاق المناطق المنتزعة خاصة كركوك إلى أقليم كوردستان، لإغلاق ملفاتها وإبقاء إرتباطها بالعراق بعد إستقلال كوردستان. ومن جهة أخرى التخلص من التحالف الكوردستاني داخل البرلمان العراقي، التي هي القوى الوحيدة القوية والمؤثرة التي تقف دائما بوجه سياسات المالكي الخاطئة وتوجهاته الدكتاتورية.

الثانية هي التهرب من حالة الفساد والإحباط والفشل التي يتخبط فيها نظامه، وتدور فيها العملية السياسية في بغداد، دون تحقيق أية نجاحات سياسية أو إقتصادية أو عمرانية أو إنمائية، أو حتى خدمية فيما يخص حاجات المواطن اليومية والحياتية الضرورية. لذلك يريد تحويل الأنظار عنها وإلهاء الشارع العراقي بإفتعال الأزمات مع حكومة أقليم كوردستان، والتي كان آخرها وسوف لن تكون الأخيرة، إنشاء قوات تحت إسم عمليات دجلة مهمتها كما يدعي ظاهريا هي الحفاظ على الأمن في المناطق المتنازع عليها، وهو يعلم كما يعلم الجميع بأن هذه المناطق بالرغم من حدوث إختراقات أمنية بين الحين والآخر، إلا أنها أكثر أمنا وإستقرارا من بغداد ومن أية منطقة أخرى تحت سلطة المالكي. إلا أن مهمة هذه القوات الخفية التي هي قوات خاصة بالمالكي وتتلقى أوامرها منه شخصيا، وتشبه إلى حد بعيد حرس صدام الجمهوري أو فدائييه، هي زعزعة الأوضاع الأمنية فيها من خلال زرع الفتنة والدسائس، وإثارة الأحقاد القومية والطائفية بين سكان هذه المناطق ذات التعددية العرقية، لإحراج حكومة أقليم كوردستان وإستفزازها، وربما جرها إلى مواجهات عسكرية حتى وإن لم يتمكن المالكي من تحقيق نجاح عسكري فيها، إلا أنها قد تخدم أجندته وبرامجه السياسية، وتغطي على أخطائه وتجاوزاته الدستورية وتوجهاته الدكتاتورية.

أتوجه بالرجاء إلى كل أبناء شعبنا الكوردي بشكل خاص خاص، وإلى جميع شعب كوردستان كقوميات وطوائف وكقادة وممثلي أحزاب وسياسيين ومثقفين وكتاب ومواطنين، بأن ننسى مشاكلنا وخلافاتنا، وأن نضعها على الرف أو تحت الطاولة في الوقت الحاضر، ونقف أولا مع بعضنا صفا واحد، لتكون كلمتنا واحدة وخطابنا القومي واحدا وموقفنا الوطني موحدا، ثم مع قيادتنا الكوردستانية في خندق واحد، لأن الخطر يتهددنا جميعا، ويهدد أمننا وأقليمنا وتجربتنا الديمقراطية، ويهدد مستقبلنا الذي نحاول فيه رسم آفاق دولتنا الكوردية المستقلة. إنها مرحلة حساسة وخطيرة تتطلب منا جميعا الإرتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والقومية الملقاة على عاتقنا، وأنا واثق بأننا جميعا نفهمها، وجديرون بها وقادرون عليها.


المانيـــــــــــــــــــــــا

yusufgerman@yahoo.com



 

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة