لا فرق بين المالكي ومن سبقوه ولا من سيأتي بعده ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

لم يكن بين جميع القادة أو كبار الساسة العراقيين الذين وصلوا إلى سدة الحكم منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921 وإلى اليوم أصدقاء حقيققين أو صادقيين للشعب الكوردي، ولا مؤيدين لقضيته القومية المشروعة وحركته التحررية العادلة. ولم يحاول أي منهم تفهم حقيقة وجوهر هذه الحركة، ولا دراسة أسباب قيامها أو الإستجابة لمطاليبها، أو طرح برنامج سياسي مدروس ومتكامل من شأنه وضع حلول إيجابية بناءة لمعالجة المسألة الكوردية، التي كانت ولا تزال تعتبر إحدى المشاكل الرئيسية العالقة التي لم تجد طريقها إلى الحل في منطقة الشرق الأوسط، بالرغم من أن الشعب الكوردي يعتبر أحد المكونات الرئيسية في المنطقة، وإن تعداد نفوسه يتجاوز الأربعين مليون، وإن قضيته مطروحة للبحث والدراسة والمعالجة منذ بداية عشرينات القرن الماضي.

وبالرغم من أن بعض أولئك القادة حاولوا في فترات زمنية معينة ومتباعدة التقرب من الشعب الكوردي، وإظهار بعض النوايا الحسنة تجاهه، وطرح برامج لم تكن شاملة أو جذرية لحل قضيته، بل كانت في ظاهرها إستجابة مرحلية لمنح هذا الشعب الثائر بعضا من الحقوق الثقافية أو السياسية. لكن في الحقيقة كنت تخفي وراءها أسباب ودوافع ومصالح سياسية أو إنتخابية، أو مجرد خدعة لكسب الوقت وتسليح الجيش، نتيجة لضعف الحكومات العراقية أمام تنامي وإتساع قوة ومساحة الثورة الكوردية المسلحة.

ولو عدنا إلى دراسة تأريخ الحركة الكوردية منذ عشرينات القرن الماضي وإلى الآن، وطريقة تعامل الحكومات العراقية معها، سنجد الكثير من هذه الأمثلة، إبتداءا من الملك فيصل الأول الذي أجمع الشعب الكوردي على تأييده، ربما لأسباب دينية كونه من آل البيت كما إدعي، أو لأسباب سياسية كونه جاء في مرحلة الإستقلال والتحرر من الإستعمار الإنكليزي الذي عانى منه الكورد. لكن مع ذلك فقد تعامل الملك مع الشعب الكوردي بإزدواجية، حيث حاول التقرب منه بمنحه بعض الحقوق القومية، لكنه أراد بذلك تهدأتهم وإبعادهم عن فكرة القومية الكوردية المستقلة، وجرهم تحت عباءة العراق بهويته العربية، وفي نفس الوقت حاول بشراسة قمع جميع الثورات الكوردية التي إندلعت في كوردستان، سواء في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، أو في منطقة بهدينان بقيادة العائلة البارزانية. والشئ نفسه ينطبق على عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، وأيضا صدام حسين الذي ذهب إلى كوردستان سنة 1970 للقاء الزعيم الكوردي الخالد مصطفى بارزاني، تمخض اللقاء بعد مفاوضات طويلة عن بيان 11 آذار، الذي إعترف لأول مرة بالكثير من الحقوق القومية للشعب الكوردي، تمثلت بمنحه الحكم الذاتي ضمن إطار الجمهورية العراقية.

لكن هل كان صدام صادقا ونزيها في موقفه إزاء القضية الكوردية وتوقيعه على إتفاقية 11 آذار؟ بالتأيد لا فقد كان محتالا قذرا، ومراوغا خبيثا، وكان هدفه فقط إقرار هدنة لأربعة سنوات تتيح له الفرصة لتثبيت دعائم حزبه الذي وصل إلى السلطة بإنقلاب أسود مشؤوم، وتمكنه في نفس الوقت من تطهير الجيش العراقي وتشكيل فرق ووحدات عسكرية جديدة موالية لنظامه، وتسليحها بالشكل الذي يمكنها من مواجهة مقاتلي الثورة الكوردية التي يقودها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بغية القضاء عليها أو على الأقل شلها وإبعاد خطرها.

وكلنا نذكر الملابسات والأحداث التأريخية التي جرت بعد ذلك، من محاولة إغتيال مصطفى بارزاني، من قبل رجال مخابرات إرسلوا بصفة رجال دين، ومن ثم إندلاع القتال مجددا في سنة 1974وإبرام معاهدة الجزائر المشؤومة مع شاه إيران، بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين سنة 1975وما كان لذلك من تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة الكوردية وعلى نفسية الإنسان الكوردي. ثم نتذكر أيضا كيف تحول صدام إلى دكتاتور مجرم وطاغية كبير وعدو لدود للشعب الكوردي، إرتكب الكثير من المجازر وحملات الإبادة الجماعية، وعمليات الأنفال السيئة الصيت، التي راح ضحيتها مئات الآلاف من أبناء هذا الشعب الأبي، بالإضافة إلى عمليات التهجير والتعريب وحرق وتدمير آلاف القرى.

لكن في النتيجة وكمحصلة نهائية فقد ذهب جميع أولائك الطغاة وإنطوت صفحاتهم، وفشلت مخططاتهم وإندثرت نواياهم الخبيثة ضد شعبنا الكوردي. وبقي هذا الشعب الشجاع صابرا وصامدا بوجه جميع أعدائه، وواصل نضاله العسكري والسياسي إلى أن تمكن من النجاح في طرد جميع القوات البعثية التي كانت متواجدة على أرض كوردستان في إنتفاضة آذار سنة 1991 وبذلك تحرر من هيمنة نظام البعث ودكتاتورية صدام حسين اللعينة، ونال حريته الكاملة والكثير من حقوقه القومية المشروعة، التي تعززت تدريجيا إلى أن إكتملت بعد الإطاحة بصدام ونظام البعث، حيث شارك الكورد بفاعلية في إدارة الحكم والعملية السياسية، وإرساء أسس الديمقراطية في العراق الجديد. ونجح في تثبيت كامل حقوقه القومية في دستور العراق الجديد، الذي أقره البرلمان المنتخب من قبل جميع أبناء الشعب العراقي.

كل هذه الأحداث التي مر بها الشعب الكوردي والمآسي التي عانى منها، وبالرغم من أنها تركت آثارها السيئة في ذاكرته وبصماتها على تأريخه، إلا أنها لم تعد أمرا غريبا اليوم لأنها أصبحت أحداثا من الماضي، عفى عليها الزمن أخذت أو بدأت تأخذ طريقها إلى النسيان.

لكن الغريب هو مواقف وتصرفات وقرارات نوري المالكي. فما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه توجهاته بنوايا وتوجهات صدام حسين العدوانية ضد الكورد. فالمالكي الذي ساقته الأقدار إلى موقع الصدارة في حكم العراق في مرحلة ما بعد صدام، وإنتخب سنة 2006 كرئيس للوزراء بطريقة ديمقراطية، مارس مسؤولياته خلال الأربع سنوات الأولى من حكمه بطريقة ديمقراطية إستنادا إلى دستور العراق الجديد، وتشارك الحكم والمسؤوليات مع جميع الأحزاب والقوى السياسية ومكونات الشعب العراقي المنضوية تحت راية البرلمان. وكان للكورد في تلك المرحلة دورا كبيرا ومميزا في إدارة شؤون الدولة والعملية السياسية، وكان المالكي يبدو قريبا جدا من قادة الشعب الكوردي وممثليه في برلمان العراق، مشيدا بدورهم، ومتفهما لتأريخهم ومعاناتهم، معترفا ومتجاوبا مع حقوقهم القومية.

لكنه بعد دورته الثانية في إدارة الحكم كرئيس للوزراء سنة 2010، والتي لم يفز فيها حيث فاز أياد علاوي كما نعلم. لكنه تشبث بالسلطة ولم يسلمها إلى الفائز علاوي، وبقي العراق لثمانية أشهر بدون حكومة، إلى أن تدخل السيد مسعود بارزاني وأخرج العراق من ذلك المأزق، وأقنع أياد علاوي بالتنازل لصالح المالكي من أجل مصلحة الوطن والمواطن العراقي، ووفقا لشروط معينة نصت عليها إتفاقية أربيل، إتفقت ووقعت عليها جميع الأطراف. لكن يبدو أن المالكي ومنذ ذلك الحين قرر وضع حجر الأساس لبناء دكتاتورية جديدة في العراق، تمهد له الطريق للبقاء في السلطة بأية طريقة ومهما كان الثمن، حيث الغاية تبرر الوسيلة، وبعد أن جلس في الحضن الإيراني الدافئ بدأ اولا ببسط سيطرته عل كافة المفاصل والأجهزة الأمنية والعسكرية المهمة في الدولة، إحتفظ لنفسه بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء بمسؤولية وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني، ثم بدأ بتشكيل قوات عسكرية وأمنية خاصة به تتلقى أوامرها منه شخصيا، فتمكن بواسطتها من إبعاد أو تحييد أو حتى إغتيال الكثير من معارضيه، وإستمالة آخرين إلى جانبه وفق أسلوب التهديد والترغيب.

لقد تحول المالكي فعلا إلى دكتاتور بعد أن تفرد بالسلطة وأدار ظهره للديمقراطية، وتنكر لشركائه وحلفائه الساسيين، وتنصل من وعوده وإتفاقياته معهم، ولم يلتزم بإتفاقية أربيل ذات ال 19 مادة التي أجلسته على كرسي الحكم، وأيضا تنكر للكثير من مواد الدستور وإعتبرها ألغاما بدأت تنفجر، وفي مقدمة هذه المواد كانت المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها، والتي لا زالت تداعياتها تتفاعل وتثير الأزمات بين حكومة الأقليم وحكومة المركز في بغداد. كان آخرها تشكيل قوات خاصة في 21 تشرين الأول 2012 تحت إسم قيادة عمليات دجلة للإشراف على الملفات الأمنية في محافظتي ديالى وكركوك كبداية.

وقال المالكي بأن الإعتراض على تشكيل وتحركات هذه القوات من قبل حكومة أقليم كوردستان غير شرعية، ومخالفة صريحة للدستور، ولا يحق لأحد

وضع قيود على تحركات هذه القوات لأنها قوات الجيش الإتحادي، من حقها أن تدخل إلى كركوك وأربيل وصلاح الدين والسليمانية. وأكد بأنه لا يوجد مبررا للخوف لأننا لا نستهدف كردستان ولا الشعب الكردي، ولا نريد قتالا وإنما نريد ان نلاحق الارهاب في اي مكان، معربا عن أمله أن لا تخطأ قوات البيشمركة وتتعرض للجيش العراقي!!! فهل بعد هذا الغباء غباء.

المالكي الذي يتحدث عن الشرعية هو أصلا فاقد للشرعية، ووجوده على رأس السلطة غير شرعي بالأساس، وكان خطأ كبيرا شاركت فيه للأسف قيادة حكومة أقليم كوردستان، بالرغم من أنها تعاملت مع الحدث بحسن نية، من أجل مصلحة العراق وإنجاح العملية السياسية التي تعثرت كثيرا في تلك الفترة.

إذا كان البعض يعتقد بأن المالكي يتمتع بدرجة من الذكاء، فأنا أختلف معهم وأقول لهم المالكي يتميز بدرجة عالية من الغباء السياسي، لأنه قد جلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه كبير طغاة العصر صدام حسين، وكان شاهدا على سقوطه وإنهيار نظامه، وأيضا سقوط الكثير من الأنظمة العربية الدكتاتورية على أثر ثورات الربيع العربي. وهو على إلمام بل معرفة تامة بتأريخ الحركة التحررية الكوردية في كل مراحلها، وكيف إنها لم تخضع لصدام ولم تستسلم لجبروته وأسلحته المدمرة والكيمياوية. ويعلم جيدا كيف يعيش شعب كوردستان اليوم حرا آمنا شامخا مستقلا متمتعا بحقوقه القومية والدستورية، ويعلم أيضا المكانة المتميزة التي وصل إليها اقليم كوردستان بين المجتمع الدولي خاصة الأوربي، والمدى الواسع للتمثيل الدبلوماسي بين الأقليم ودول العالم. ويرى بأم عينيه البون الشاسع لحركة التطور والعمران التي تجري في الأقليم، مقارنة بالركود والتخلف والفساد والسرقات التي تشهدها كل مدن العراق وفي مقدمتها العاصمة بغداد. فكيف لا يكون المالكي غبيا بإمتياز وهو بعد معرفته لكل هذه الأمور يتعامل مع شعب وحكومة الأقليم بطريقة دكتاتورية تسلطية تنم عن جهل مطبق بالسياسة والتأريخ، وكأنه لا يعلم أو لم يدرك ما حدث وما يحدث من حوله، لا الآن ولا في السابق، فإن كان يعلم وهذه حقيقة فتلك مصيبة، وإن كان لا يعلم وهذه لا أضنها فالمصيبة أعظم.

وكيف يفكر بإرسال قوات عراقية إلى المدن الكوردستانية، وهو يعلم جيدا ما حدث لفيالق جيوش صدام التي كانت متواجدة في كوردستان أثناء وبعد إنتفاضة آذار سنة 1991 ومنذ ذلك الحين لا توجد على أرض كوردستان أية قوات عراقية، ولن يرضى الكورد لا شعبا ولا حكومة بأن تطأ أقدام الجيش العراقي أرض كوردستان الطاهرة مرة أخرى تحت أية ظروف أو مسميات، لأنها قوات عربية وأستطيع القول معادية، وعلى أتم الإستعداد لإرتكاب جرائم حرب وأنفالات جديدة ضد أبناء الشعب الكوردي، إذا تلقت الأوامر من أسيادها في بغداد أو في طهران.

وإذا كان يدعي أو يتحجج بملاحقة الإرهاب، فهذا أيضا مؤشر على الغباء، لأنه يعلم قبل غيره وكما يعلم العالم كله بأنه لا إرهاب في كوردستان، وإنها المنطقة الآمنة الوحيدة في العراق، وهي أي كوردستان واحة فسيحة للتعايش الأخوي والسلمي المشترك بين جميع سكان ومكونات الأقليم. فإذا كان يريد البحث عن الإرهاب ومحاربته فعليه أن يفعل ذلك في بغداد وباقي المدن العراقية.

قوات قيادة عمليات دجلة في حالة دخولها إلى كركوك أو ديالى، فإنها بالتأكيد ستعمل على زرع الفتن والأحقاد وحبك المؤامرات والدسائس، بهدف خلق المشاكل وإفتعال الأزمات، وتحريض السكان ضد بعضهم وضد حكومة اقليم كوردستان.

لقد كانت قيادة أقليم كوردستان محقة في الإعتراض على تشكيل هذه القوات، لأنها قوات إستفزازية وقرار تشكيلها إنفرادي وغير دستوري، ولا تحمل هذه القوات أية صفة شرعية، إنها ليست قوات عراقية بل قوات مالكية خاصة على غرار فدائيي صدام، أو ألوية الحرس الجمهوري التي كانت مسؤولة عن كل جرائم القتل والإبادة الجماعية التي إرتكبت بحق شعبنا، لذلك فإن جميع أبناء شعبنا الكوردي الغيارى مطالبين بالوقوف مع حكومة الأقليم لإفشال خطط المالكي ونواياه الخبيثة، وإبعاد شبح وخطورة هذه القوات عن أرض وشعب كوردستان.

بالتأكيد سيكون المالكي هو الأسوأ من بين جميع القادة الذين حكموا العراق، لو أتيحت له الفرصة لتفيذ مخططاته العدوانية ونواياه السيئة، والتي يحاول أن يسوقها في إطار من الديمقراطية بلعبة خبيثة ومكشوفة، وهو يعلم جيدا بأنها لا تنطلي على أبناء الشعب العراقي عامة، والكوردستاني خاصة.

مشكلتنا نحن الكورد لم تكن أبدا مع الشعب العراقي، بل كانت دائما مع الأنظمة العراقية التي تجاهلت حقوقنا، وأرسلت جيوشها لمحاربتنا على أراضينا التي كنا ولا زلنا وسنبقى ندافع عنها. وإن أي مواطن كوردي لديه ولو قليل من الإهتمام بالتأريخ والسياسة يعلم بأن المالكي لا يختلف في شئ عن قادة العراق الذين سبقوه، وإن من يأتي بعده سوف لن يختلف عنه أيضا، فالمالكي ،، علاوي ،، جعفري ،، طارق الهاشمي ،، المطلك ،، مقتدى الصدر ،، النجيفي كلهم لا يختلفون عن بعضهم، ومهما إختلفوا فيما بينهم فإنهم يتفقون على العداء المعلن أو المستتر للشعب الكوردي، والوقوف ضد طموحاته وحقوقه، فقط الظروف ولعبة المصالح هي التي تتحكم في قراراتهم، وترسم سياساتهم، وتحدد مدى إقترابهم إو إبتعادهم عن خط التماس مع الشعب الكوردي وحكومته، لذلك علينا أن نتعامل معهم جميعا وفقا لهذه الحقيقة وأن نضع مصلحة شعبنا ووطننا في مقدمة أولوياتنا، دون إعطاء أية أهمية لمن يجلس على كرسي الحكم في بغداد أو من يأتي بعده.

وكما ذكرت في الكثير من مقالاتي، أأكد هنا مرة أخرى بأن على قيادتنا السياسية في أقليم كوردستان، أن تسارع في العمل على إجراء المزيد من الإصلاحات السياسية والإدارية والإقتصادية، التي من شأنها تنقية الأجواء وتوحيد الصف والكلمة والخطاب الكوردي، وتهيأة الظروف الملائمة والوقت المناسب للإنسحاب من العملية السياسية في بغداد، إستعدادا لإعلان دولتنا الكوردية المستقلة التي أعتقد بأنها قد تأخرت كثيرا.


المانيـــــــــــــا

yusufgerman@yahoo.com


 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة