الدين لله وكوردستان للجميع ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ما حدث في كوردستان في الأيام الأخيرة من أعمال شغب وحرق وتخريب لممتلكات عامة، بغض النظر عن ماهيتها وعائديتها، والتي قامت بها مجموعات غوغائية من الشباب المتخلف، الذين بدلا من أن يتسلحوا بالعلم والمعرفة ومبادئ الديمقراطية، التي من أهمها تقبل الآخر وإحترام حريته وحقوقه، للأسف تسلحوا بالجهل والتخلف ومبادئ السلفية الرجعية المتعصبة، التي تأبى التطلع إلى الأمام، إلى حيث الحضارة والمدنية والتقدم، لأنها أسيرة الماضي بكل مساوئه حيث الغزوات والأنفال وإلغاء الآخر. لا شك بأن هذا الحدث كان أمرا محزنا ومؤسفا ويشكل سابقة خطيرة جدا، إن لم يتم إستيعابها والوقوف بوجهها بحزم، بل إجهاضا والقضاء عليها. لأنها فايروس خطير، وسرطان خبيث، وحشرة عث ضارة لانريدها أن تفتك بلوحتنا الكوردية الجميلة.

فكوردستان وكما عهدناها تعتبر واحة جميلة متعددة الألوان والأطياف، وأرضا خصبة للحياة المشتركة والتآخي بين جميع المكونات القومية والدينية والطائفية التي تسكنها وتعيش على أرضها، تربط بينها أوثق العلاقات التأريخية والنضالية والإجتماعية. والتي تعززت نتيجة لإستقلالية القرار الكوردستاني في ظل الواقع الفدرالي الجديد الذي يعيشه أقليم كوردستان، ووجود برلمان ديمقراطي منتخب يضم ممثلين عن كل هذه المكونات، حيث يتشارك الجميع في إصدار وتشريع القرارات التي تخدم مصالح جميع سكان الأقليم، بغض النظر عن قومياتهم وطوائفهم ودياناتهم وإنتماءاتهم.

لذلك أقول بأن ما حدث، بالرغم من إنطلاقه من الداخل الكوردي، وبالرغم من أن من قاموا بهذا الفعل المشين كانوا كوردا، وإن المستهدفين كانوا من الإخوة المسيحيين والأيزديين، إلا أن الحالة يجب أن لا تعمم ويجب  أن لا ننظر إلى الحدث من زاوية ضيقة ومتشنجة مع الإدانة المسبقة لهذه الجهة أو تلك، لكي لا نبتعد عن الحقيقة التي يهمنا الوصول إلى معرفتها. بل علينا جميعا أن نكون منصفين وننظر إلى الأمر بموضوعية وواقعية، لنتمكن من تحديد الأسباب والدوافع، ومن ثم دراسة النتائج ومقارنتها مع ردود الأفعال الرسمية والشعبية وعلى كل المستويات، لنتوصل إلى إكتشاف الحقيقة التي من خلالها سوف نتمكن من الحد من تداعيات هذه الحالة الخطرة والدخيلة على مجتمعنا الكوردستاني، والوقوف بوجهها بقوة وصلابة وتلاحم، ونتحمل جميعا مسؤولياتنا كل من موقعه وبما يقع على عاتقه لوضع حد لمثل هذه الأعمال التخريبية، التي قبل أن تسئ إلى سمعة أقليم وشعب كوردستان، تسئ إلى معاني وأواصر الأخوة والتعايش المصيري المشترك بين جميع سكان الأقليم، وهذا هو الأهم من وجهة نظري. 

 لقد أصبحت كوردستان خلال العقدين الأخيرين وبشهادة الجميع، المنطقة الآمنة الوحيدة في العراق، والملاذ الآمن لجميع المضطهدين والمتضررين العراقيين ، الذين يعيشون خارج حدود أقليم كوردستان. وذلك لما تتمتع به من الأمن والسلام والإستقرار، بالإضافة إلى النمو والتطور.

لذلك فبالتأكيد سوف لن تؤثر مثل هذه الأعمال الإجرامية الجبانة التي هي بعيدة وغريبة عن ثقافة الشعب الكوردستاني، على وحدة وأخوة المكونات التي تتقاسم العيش على أرض كوردستان، أو تضعف من أواصر تلاحمها. لأنها أساسا ليست صراعا قوميا أو دينيا أو طائفيا بين الكورد وبين أي من القوميات أو الديانات الأخرى، بل إنه صراع بين الجهل والتخلف من جهة وبين العلم والتقدم من جهة أخرى، صراع بين الديمقراطية وبين الرجعية، بين النور وبين الظلام، بين الإسلام المعتدل والإسلام السياسي المتطرف. لذلك فهو يشكل خطورة كبيرة على الإسلام المعتدل وعلى الكورد وكوردستان، قبل أن يشكل أي خطر على الآخرين. 

وهذا الصراع هو أحد ألأوجه القبيحة والإفرازات السامة لما أطلق عليه إسم الربيع العربي، وأنا أسميه الخريف العربي المظلم وربيع الإسلاموفيا، الذي أوصل الأحزاب السياسية السلفية إلى مواقع السلطة، وأدخل العرب إلى دهاليز مظلمة، تتوقف فيها عقارب الساعة، وتدور فيها عجلة التطور إلى الوراء. وكما إحتاج العرب لعشرات السنين للتخلص من الأنظمة الدكتاتورية القمعية الفاسدة، سيحتاجون إلى مثلها للتخلص من هذه الأنظمة الإسلامية السلفية التي بدأ ربيعها، والتي ستكون حسب تصوري أسوأ بكثير من الأنظمة الدكتاتورية التي سبقتها.

فبالإضافة إلى وجود أحزاب إسلامية على هرم السلطة في كل من إيران وتركيا، العدوين اللدودين لحقوق وتطلعات شعبنا الكوردي المشروعة، فقد فاز حزب النهظة الإسلامية في تونس، وفي المغرب فاز أيضا ولأول مرة حزب العدالة والتنمية، في مصر يتنافس على السلطة الحزبين الإسلاميين الكبيرين السلفي والإخوان المسلمين، كذلك في ليبيا الأحزاب الإسلامية تنتظر دورها، وفي اليمن القاعدة على الأبواب، في سوريا الأحزاب الإسلامية تنتظر غياب بشار ونظامه البعثي القذر لتقفز إلى السلطة. الملاحظ هو أن جميع هذه الأحزاب في البداية تنادي بالإعتدال، لكن ما أن تصل إلى السلطة حتى تتكتشف بوضوح أفكارها وآيديولوجياتها المتخلفة الغارقة في التطرف. إنه المد الإسلامي السلفي الذي أستطيع أن أسميه بالتسونامي المدمر، الذي بدأ يجتاح منطقة الشرق الأوسط، وبما أن كوردستان هي جزء من هذه المنطقة، فقد كان لابد لموجات هذا التسونامي أن تصل إليها.

وقد وصلت بالفعل لكنها كانت ضعيفة وغير قادرة على الإجتياح، إلى الحد الذي أمكن التصدي لها وإيقافها والحد من أضرارها، وصلت ضعيفة لأن من مهد الطريق أمام هذه الموجات لم يكن الأصلاء والشرفاء من أبناء الشعب الكوردي، الذين ناضلوا وقدموا التضحيات وذاقوا مرارة الحروب والأنفال والتهجير، وعرفوا المعاني الحقيقية للحرية والديمقراطية والقيم السامية للأخوة والتعايش السلمي المشترك، بل كانوا قلة من ضعاف النفوس المأجورين، من الملالي ورجال الدين، الذين تلقوا الأوامر والتعليمات من أسيادهم السلفيين في الخارج، لفتح ثغرات في جدار الوحدة الكوردستانية الحصين. 

فقام هؤلاء الأذناب والتابعين بغسل أدمغة الشباب من صغار السن وضعاف النفوس، مستغلين ولاءهم للدين على حساب الوطن، وملأ رؤوسهم بأفكار دينية متطرفة وهدامة، دفعتهم بعد صلاة الجمعة إلى الهجوم على محلات بيع المشروبات الكحولية ومراكز المساج وبعض الفنادق والمحلات السياحية الأخرى، في زاخو وسميل ومناطق أخرى، وإحراقها بحجة إنها تتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومع ثقافة الشعب الكوردي. وكأننا نعيش عصر محمد أو زمن الخلفاء الراشدين، بعيدين عن عصر النهظة والتطور والديمقراطية وإحترام حقوق الآخرين، علما بأن مثل هذه المحلات والأماكن موجودة في جميع الدول الإسلامية، عدا المتخلفة والمتطرفة جدا مثل السعودية والصومال وأفغانستان. وأيضا يتم تداول هذه الأمور فيها بشكل أسوأ وبطريقة سرية.

بالتأكيد لم يكن خروج أولئك الشباب بعد صلاة الجمعة، وقيامهم بتلك الأعمال المتخلفة والمخجلة التي يرفضها ويستنكرها كل إنسان شريف يعيش على أرض كوردستان، لم يكن عفويا، ولم يأت بفعل أو تحت تأثير بعض الكلمات الحماسية التي أطلقها إمام جامع، أو خطيب متخلف في ذلك اليوم أو تلك الساعة، بل كان الأمر قد دبر بليل كما يقول المثل. فقد كانت العملية مدروسة ومخطط لها وقد تبين ذلك جليا من خلال سير الأحداث، واللافيتات الإسلامية التي كانت مهيأة مسبقا ورفعت أثناء تلك الغزوة. وكانت تقف وراءها أيدي خفية معادية، تهدف إلى النيل من وحدة الصف الوطني الكوردستاني، لخلق فتنة دينية وطائفية، كانت تداعياتها ستكون خطيرة جدا على التجربة الديمقراطية الكوردستانية الناجحة، وعلى حالة الأمن والإستقرار الذي ينعم به الأقليم، فيما لو قدر لها أن تنجح وتتسع دائرتها.

لكن حرص أبناء شعبنا الكوردي بكل مكوناته، وإستنكارهم وإدانتهم السريعة والمباشرة لجميع عمليات الحرق والتخريب من قبل كل الأطراف، وحرص قيادة حكومة أقليم كوردستان وخاصة رئيس الأقليم السسيد مسعود بارزاني، وبالتعاون مع الجهات الأمنية المختصة، أدت إلى تطويق الأزمة ومحاصرتها وفضح أهدافها، وإعتقال بعض المخططين والمنفذين لها. لقد تصرف الرئيس بارزاني بحكمته المعهودة، وبذل جهودا إستثنائية كبيرة وتحرك بسرعة وإتصل بجميع الأطراف ذات العلاقة، مهدءا ومتوعدا، وأمر بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في مجريات تلك الأحداث، وإعتقال الأشخاص الذين ساهموا في تخطيط وتنفيذ تلك الإعتداءات وتقديمهم إلى العدالة، لينالوا القصاص القانوني الذي يستحقونه، كما طالب في نفس الوقت جميع سكان كوردستان بالتماسك والهدوء والإلتزام بمبادئ الإخوة والتعايش السلمي القومي والديني المشترك.

إذا كانت تلك الإعتداءات لم تكن مفاجئة بالنسبة لمخططيها ومنفذيها، فإنها كانت مفاجئة وسريعة بالنسبة للشعب الكوردستاني{ أقصد كل من يعيش على أرض كوردستان وليس الشعب الكوردي فقط}  وأيضا بالنسبة للحكومة الكوردية. لكن مع ذلك تم التصرف من قبل جميع الأطراف بسرعة وبحكمة وبشعور عال من المسؤولية، أدت كما قلنا إلى إستيعاب الأزمة، والإمساك بزمامها وإيقاف تداعياتها.

المطلوب منا جميعا في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، أن نقف متضامنين متحدين متفهمين لحقيقة الحدث، ومدركين لأبعاده التآمرية ليس على الشعب الكوردي وحده بل على جميع شعب كوردستان بكل مكوناته، وأن نعمل على نشر ثقافة التسامح وتقبل الآخر المختلف، سواءا في الرأي أو الدين أو المعتقد أو الإنتماء، وعلينا أن نعلم بأن حماية أمن كوردستان والحفاظ على الهدوء والإستقرار ليست مسؤولية الجهات الحكومية فقط، بل هي مسؤولية جميع مواطني كوردستان كل من موقعه وحسب إمكانياته. 

أما حكومة الأقليم، فعليها القيام بإجراءات كثيرة لمنع تكرار مثل هذه الأعمال التخريبية التي من شأنها أن تهدد أمن وإستقرار الأقليم، من خلال إستهداف أسس وروابط الأخوة والتعايش السلمي، التي بدورها تؤدي إلى تقويض الوحدة الوطنية التي نفخر بها، والتي أصبحت موضع إحترام وتقدير الأصدقاء في كل مكان.

تأتي في مقدمة هذه الإجراءات المطلوبة وقبل كل شئ:

1 ـ وكإجراء فوري لما تتطلبه المرحلة والظروف الآنية، يجب الإستمرار والمضي قدما في إجراء التحقيقات وتوسيع دائرتها، وإلقاء القبض على كل المحرضين والمنفذين الرئيسيين الذين تسببوا في الأحداث، وتقديم الجناة إلى المحاكم مهما كانت مواقعهم وإنتماءاتهم، والكشف عن أسماءهم ودوافعهم لفضحهم أمام شعب كوردستان.

2 ـ تعويض جميع المتضررين من جراء تلك الأعمال التخريبية ماديا ومعنويا، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأحداث.

3 ـ السيطرة على الخطاب الديني الإسلامي، الذي يوجه إلى الشعب مباشرة من على منابر الجوامع والمساجد، وإختيار الخطباء المشهود لهم بالنزاهة والروح الوطنية، وعدم السماح     للملالي ورجال الدين المتخلفين الذين ينشرون السموم الفكرية، ويحرضون على العنف والتعصب الديني بإرتقاء هذه المنابر،  

4 ـ الإسراع في إجراء عملية الإصلاحات السياسية والقانونية والإدارية، التي أمر بها السيد مسعود بارزاني، والتي من شأنها أن تقضي على حالات الفساد التي إنتشرت في الكثير من المرافق الحكومية والحزبية.

5 ـ إعادة النظر في جميع المناهج الدراسية الدينية والأدبية والتربوية، وإلغاء ما لا يتناسب منها مع الأوضاع الجديدة من الديمقراطية والتطور المدني والحضاري، ومبادئ الأخوة والتعايش المشترك في الأقليم. ووضع مناهج جديدة من قبل الإخصائيين في مجالات التربية وعلم النفس والإجتماع، يشترك فيها ممثلين عن جميع مكونات الأقليم. على أن تكون هذه المناهج مؤهلة وقادرة على زرع الروح الوطنية، وبذور التسامح الديني والقومي والثقافي في نفوس الشباب الكوردي، إبتداء من أولى مراحل الدراسة الإبتدائية.  أخيرا أحب أن أذكر الجميع بأن كوردستان أمانة كبيرة ومقدسة في أعناقنا جميعا، لأنها تأريخنا، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، هي دماء شهدائنا وأنين أمهاتنا ودموع أطفالنا، كوردستان الآمنة المستقرة والحياة الديمقراطية التي نعيشها، هي ثمرة لنضال وكفاح وتضحيات شعبنا، الذي لا يختلف إثنان بأنه من أكثر شعوب الشرق الأوسط الذي تعرض لشتى أنواع الظلم والإضطهاد، وحملات القمع والقتل والتهجير والإبادة الجماعية. هي ثمرة للهجرة المليونية إلى تركيا وإيران سيرا على الأقدام، هربا من بطش صدام حسين ونظامه البائد، إنها ثمرة حلبجة والأنفال والجينوسايد، التي لم يشهدها ولم يعشها شباب اليوم الذين قاموا بهذه الأعمال المشينة، وهنا أضع بعضا من اللوم والمسؤولية على عاتق آبائهم وأمهاتهم الذين عاشوا مرارة تلك الأحداث، وأوجه إليهم ندائي مخلصا بأن يتحملوا مسؤوليتهم الوطنية والقومية والأخلاقية تجاه أبنائهم، والإهتمام بتربيتهم وتنشأتهم على أسس سليمة من الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن بحاضره ومستقبله ومكوناته، لكي تبقى كوردستان واحة خضراء يعمها الأمن والإستقرار، ينعم فيها أطفالنا بالسلام والإطمئنان، ويحلمون بمستقبل أفضل مشرق مزدهر، في ظل دولة كوردية مستقلة لا بد لها أن تقوم إن عاجلا أم آجلا.  

وليكن شعارنا جميعا هو..................الدين لله وكوردستان للجميع.

 

المانيـــــــــــــــــــــا

 

yusufgerman@yahoo.com

      

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة