ثورة أيلول بين وطنية القيادة الكوردية وغدرالحكومات في بغداد ... بقلم صالح نرمو القائيدي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أضطرالشعب الكوردي عبرتأريخه النضالي في كافة أنحاء كوردستان، مرات عدة الى حمل السلاح لرفع الظلم الذي لحق به، ثائرا هنا تارة، ومنتفضا هناك تارة اخرى،على كل من اعترض سبيله الى الحرية دون تردد، نتيجة لماعاناه هذا الشعب من المأسي والويلات ، وحرمانه التام من ابسط حقوقه القومية المشروعة .

ان الثورات والانتفاضات التي قام بها الشعب الكوردي منذ بدايات القرن الماضي، وخاصة في العراق ضد الاستعمارالبريطاني، مرورا بكل الانظمة والحكومات التي اعقبته، رغم أنها أخمدت لعوامل ذاتية وموضوعية،عبرت وبصدق عن رغبة هذا الشعب في التخلص من الظلم والاستبداد. وتعتبر ثورة أيلول من أعظم الثورات الكوردية أهمية، قادها الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، بعدما تراجعت حكومة عبدالكريم قاسم من تنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها للاكراد بعد شراكة طويلة للشعبين العربي والكوردي في النضال ضد الاستعمار والنظام الملكي على حد سواء . تحسنت علاقة الشعب الكوردي وقيادته مع حكومة بغداد، للمرة الاولى منذ تأسيس الدولة العراقية في ظل النظام الجمهوري في بدايات حكم عبدالكريم قاسم، عقب أنتصار ثورة 14 تموز 1958، لان النظام الجديد أعترف دستوريا بالحقوق القومية للشعب الكوردي وفقا لمبدأ الشراكة في الوطن، حسب ما جاء في المادة الثالثة من الدستورالعراقي، هذا نصها (يقوم الكيان العراقي على أساس التعاون بين المواطنين كافة بأحترام حقوقهم، وصيانة حرياتهم، ويعتبرالعرب والاكراد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية ). ولكون النظام الجديد أطاح بالنظام الملكي الذي كان يواجه حركته التحررية بالحديد والنار ثانيا .

ترجمت تلك الحقوق على أرض الواقع، تشكلت مديرية عامة للدراسات الكوردية، ومارس(حدك) نشاط

العلني، الى جانب مكتسبات أخرى.. ثم عاد الرمزالوطني والقومي للكورد مصطفى البارزاني ورفاقه البيشمركة في السادس من تشرين الاول سنة 1958 الى حضن وطنه العراق، بعد غياب دام أكثرمن 12 سنة، وسط أستقبال جماهيري شعبي ورسمي واسع، ولقائه بعبدالكريم قاسم فور وصوله بغداد، معلنا تأييده للنظام، وزاد ذلك من حماسة الشعب الكوردي، وأعطاه زخما اضافيا من القوة والابتهاج، لا بل تعاظمت اماله بعد هذا التغيرالذي طرأ على السياسة الداخلية في ظل النظام الجمهوري . ولكن هذه العلاقة للاسف بدأت بالتدهور بين (ح.د.ك) وحكومة عبدالكريم قاسم في النصف الثاني من عام 1960 نتيجة أرتداد الاخير على تلك المكتسبات، اضافة الى تجنيده للبعض من العشائر الكوردية لمعاداة البارزاني والحركة الكورية، مما ادى الى نشوب أزمة تفاقمت بسرعة بلغت الصدام المسلح، بالرغم من الجهود التي بذلها البارزاني لحل الازمة بالطرق السلمية بين الطرفين. حيث شنت حكومة قاسم في 11 .09 .1961 هجوما بريا واسع النطاق على كوردستان رافقه قصف جوي عنيف على مناطق مختلفة وبالتحديد على (بارزان) قلعة الصمود والتحدي الكوردي، باكورة النضال القومي التي أنطلقت منها الشرارة الاولى لتصبح في غضون أيام ثورة شعبية عارمة أمتد لهيبها الى كافة أنحاء كوردستان . هب الشعب الكوردي في مثل هذا اليوم، بعد التوكل على الله، وبعد التأخي بين كافة المكونات القومية والدينية في كوردستان، للدفاع عن كرامته وهويته، تحت راية (حدك) بقيادة الزعيم الخالد مصطفى البارزاني لخوض جولة جديدة من جولات النضال الطويل بالكفاح المسلح، بعدما أضطر مرة أخرى الى أمتشاق السلاح للرد على تلك الهجمة الشرسة التي قامت بها القوات الحكومية التي شردت مئات الالاف من أبناء شعبنا الى الجبال والوديان، ناهيك عن المئات من الضحايا الابرياء الذين سقطوا. أحرزت فصائل البيشمركة التي تشكلت بروح معنوية، وانضباطية عالية للدفاع عن كوردستان أرضا وشعبا انتصارات كبيرة على القوات الحكومية، وأستطاع البيشمركة الابطال بأرادتهم الصلبة وهمة قائدهم الذي يتقدمهم من تحرير القسم الاعظم من كوردستان التي أصبحت ملاذا ومركزا لكل الوطنيين والاحرارالعراقيين، ينطلقون منها في عملياتهم لمقارعة الدكتاتورية فيما بعد.

رفعت ثورة أيلول الوطنية شعار (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان العراق) ولاقت أعجاب الاحزاب االعراقية الوطنية والكوردستانية والحركات والمنظمات العالمية التي تؤمن بحق الشعوب والامم في تقرير مصيرها، كما لاقت الدعم اللامحدود من شعبنا الكوردي في كل مكان. وبلغت الثورة درجة من القوة والتنظيم، بعدما أكتملت أركانها وتوضحت معالمها، وأرتفعت معنويات البيشمركة الابطال وقدراتهم القتالية فسطروا أروع الملاحم البطولية على طول الجبهة التي أمتدت من سنجارالى خانقين، وتوالت أنتصاراتهم يوما بعد يوم، في حين هبطت معنويات القوات المعتدية الى درجة شلت قدراتهم القتالية، بحيث عجزت حكومة قاسم من حسم المعركة ميدانيا لصالحها، وأستمرت المقاومة المسلحة للشعب الكوردي البطل، الى أن سقطت أول حكومة في النظام الجمهوري أثرانقلاب دموي في 08 شباط 1963، وأعدم عبدالكريم قاسم ثم عين عبدالسلام عارف رئيسا .

طلب الانقلابيون الهدنة من القيادة الكوردية، وأصدروا بيانا في 11. 03 .1963 يقضي بتحقيق مطالب ثورة أيلول، فوافق البارزاني على الفورلا لضعفه بل لوطنيته، وكونه من دعاة السلم ومن أشد الداعين الى نبذ العنف. لكن هذه الهدنة لم تدم، وفرضت الحرب على كوردستان مرة أخرى . تجدد القتال في 09. 06. 1963 بعدما أستغل الانقلابيون وطنية البارزاني، وكفايتهم من الوقت. ونتيجة للمقاومة الصامدة وبسالة بيشمركة كوردستان، ألحقت الهزيمة مرة أخرى بالقوات الحكومية بعدما كبدت خسائركبيرة. على أثر ذلك أستنجدت الحكومة العراقية بالقوات السورية (لواء اليرموك) بقيادة (فهد الشاعر). وفي معركة (جبل متين) بين البيشمركة من جهة، والجيشين السوري والعراقي من جهة أخرى سطر بيشمركة كوردستان الابطال ملحمة بطولية كبدت الجيشين خسائر فادحة في الارواح والمعدات ، والحقت بهما هزيمة نكراء .

أجبرت الحكومة السورية على سحب قواتها وذيولها المذعورة من كوردستان، في حين سارع الانقلابيون الى طلب الهدنة ثانية من قيادة الثورة، وتم الاتفاق في 10. 02. 1964، لكن الهدنة لم تدم حيث تراجعت الحكومة من جديد، وتجدد القتال مرة أخرى وأستمرت المعارك بين البيشمركة الابطال وحكومة عارف الى أن قتل في حادث سقوط طائرته في 14. 04 .1966... وتولى بعدها شقيقه عبدالرحمن عارف رئاسة الجمهورية. جرب هو الاخر كره، ونالت قواته أيضا هزيمة نكراء على يد هؤلاء البيشمركة الابطال في معركة هندرين الشهيرة، أجبرته على اجراء مفاوضات مع قيادة الثورة . تم الاتفاق في 29. 06. 1966(اتفاقية البزاز) مرة اخرى، حصل بموجبها الاكراد على حقيبة وزارتين، وأطلق سراح السجناء السياسين، لكن الشوفينين وقفوا بالضد من هذه الاتفاقية، وأفشلوها..تجدد القتال واستمرت المعارك الى 1967، حيث أصدرالبارزاني الامر لقواته بوقف القتال من طرف واحد، لفسح المجال أمام الجيش العراقي للمشاركة في حرب تحرير فلسطين. وبهذا سجل التأريخ موقفا وطنيا للقائد العظيم مصطفى البارزاني . في 17. 07 . 1968 كانت نهاية حكومة أخرى، وعاد البعثيون مرة ثانية الى الحكم أثرأنقلابهم الدموي.عين احمد حسن البكر رئيسا للجمهورية، ودخلت حكومة البعث الفاشي بكل أمكاناتها هي الاخرى في معركة باطلة وفرضت حربا شعواء على كوردستان، وأشتدت حدة المعارك بين الطرفين بلغت ضراوتها، وتلقت هذه الحكومة كسابقاتها ضربات موجعة على أيدي بيشمركة كوردستان، بحيث أجبر النظام البعثي على التفاوض، وأنتزع منه أول أعتراف رسمي بحقوق الكورد أمام الرأي العام العربي، والعالمي بوجب أتفاقية 11. 03 . 1970 المعروفة بأتفاقية (11 اذار) .

النظام البعثي المجرم لم يكن جادا في تطبيق بنود الاتفاقية، فبدأ بحياكة المؤامرت للقضاء على ما أنتزعه الشعب الكوردي عبر نضاله الطويل، ودبر محاولة أغتيال فاشلة للشهيد المناضل أدريس بارزاني في 01 .12. 1970، كما دبر محاولتين فاشلتين لاغتيال الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، الاولى كانت في 29 .09 .1971 ، والثانية في 16. 07 .1972. رغم كل هذه المؤامرات، واصلت القيادة الكوردستانية نضالها السلمي، ألا أن النظام البعثي تراجع عن تطبيق بنود الاتفاقية، ولم يترك للشعب الكوردي خيارا غيرالمقاومة المسلحة، وأندلعت نيران الثورة في11 . 3 0. 1974.. بدأت معارك من الطراز الثقيل وبلغت الثورة ذروتها الى حد أنهكت الحكومة بحيث أل النظام على السقوط، على اثر ذلك أقدم النظام في يوم 06 .03 .1975، على تدبير موامرة قذرة مع نظام الشاه المقبور في الجزائر العاصمة، بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأشراف وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر، تم بموجبها تنازل النظام البعثي عن سيادته على المياه الاقليمية في شط العرب لجارته أيران ضنا منه بالقضاء نهائيا على امال الشعب الكورستاني المكافح، ألا أنه خاب في ضنه، حيث نهض طليعة الشعب الكوردي من كبوته بعد فترة قصيرة بأنطلاقة جديدة في 26. 05 . 1976 (ثورة كولان) . هذه كانت مكافئة النظام الجمهوري، وحكوماته المتعاقبة للشعب الكوردي الذي كان يطالب بحقوقه القومية المشروعة ، وبالاساليب المشروعة، بعدما أختلطت دمائه بدماء الشعب العربي في نضالهما المشترك ضد الاستعمار، وأذنابه من النظام الملكي.

ثورة أيلول جديرة بالفخر والاعتزاز، وأن شجرة الحرية أنما أرتوت بدماء شهدائها، وما نحن فيه اليوم وما تحقق من الانجازات والمكتسبات في العراق وكوردستان، أنما يعود الفضل الكبير لتلك التضحيات الجسام التي قدمها شعب كوردستان بكافة مكوناته القومية والدينية على مدى 15 عاما بالمقاومة المسلحة بعد نفاذ الاساليب السلمية .

اذا كانت معركتنا بالامس من أجل الحصول على حقوقنا القومية والديمقراطية، فأن معركة اليوم هي من أجل ممارسة تلك الحقوق، وما يشهده الاقليم في هذه الايام، بعدما أطلقت الحملة الاعلامية في الاقليم من تنافس بين الكيانات السياسية من جهة , وبين مئات المرشحين من مختلف القوائم من جهة أخرى، بدأوا بالتعريف ببرامجهم وذواتهم لنيل ثقة المواطن الكوردستاني في معركة ديمقراطية (أنتخابية) هيأت لها حكومة الاقليم الموقرة كافة المستلزمات، والاجواء المناسبة . بمناسبة الذكرى (52) لاندلاع هذه الثورة المباركة، اناشد كمواطن غيور لوطنه، أيزيدي المعتقد، كوردي القومية، كافة الكوردستانيين بالتوجه الى مراكز الاقتراع بروحية، وحماسة بيشمركة أيلول في 21. 09 . 2013 للتصويت بأوسع مشاركة لتحويل المعركة الانتخابية الجارية الى عرس انتخابي، ممارسة لحقوقنا السياسية في هذه الاجواء الديمقراطية أولا..لاغناء وانجاح تجربة اقليم كوردستان ثانيا.

المجد والخلود لشهداء الحركة التحررية الكوردية. 9.9.2013

المانيا

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة