حكايات من شنكال (33) ... مراد سليمان علو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

(33) شيخ خدر(شيخدرى).

ونسمّيه تحببّا (شيخدّرى) وسمّيت قرية (سيباى ـ مجمّع الجزيرة ـ) باسمه (سيباية شيخ خدر ) ، وتسمى أيضا  ( سيبا  شيخدرى ) باللهجة الكورمانجية الدارجة وهي أخفّ على اللسان ، وترجع سبب تسمية المجمّع باسمه لوجود قرية (سيباى) القديمة فيها والتي كان يسكنها البعض من أبناء الشيخ وأحفاده (لا يزال عدد من عائلات أحفاده تسكن القرية القديمة ) .

قدم والد الشيخ (خدر) ، الشيخ (عطو الأول) إلى حوض جبل (شنكال) بسبب خلاف عشائري ثم استقر في قرية (الأسكينية) موطن عشيرة (القيران) الكبيرة والمشهورة  والشيخ (عطو) من سلالة الشيخ (فخر الدين) وهم الشيوخ الذين يكون منهم (بابا شيخ) عادة .

 ولد شيخ (خدر) في عام 1909 ، وأصبح وحيد والديه بعد أن قتل شقيقه في حادثة أطلاق نار غير مقصودة ، ثم أصبح محط إهتمام العشيرة ليكون جزء منها بل ليقودها لاحقا ويصبح رئيسها الأوحد .

بعد أن تجمّع حوله رجال عشيرة (القيران) وعلا نجمه غار من نجاحه بعض شيوخ عشائر جبل (شنكال) فدبروا له مكيدة عند الإنكليز وبين ليلة وضحاها أصبح مطاردا ، وللتنكيل بالعشيرة التي آوته وأكرمته وباتت تتبعه تم قصف (الأسكينية) بطائرة انكليزية في ذلك الوقت ، وبعد أن أتهم من قبل الإنكليز تردّدت العشائر القريبة في أن تؤويه خوفا على سلامة رجالها من بطش الحكومة فذهب إلى عرب الجزيرة ليقضي هناك أوقاتا عصيبة .

وبما إنه صياد ماهر هوايته المفضلة الصيد في البراري فقد أتفق ورأى يوما قافلة قادمة من الشام وبطريقة ما استولى عليها وكانت محمّلة بالكثير من الزبيب والتمر والدقيق ، وبعد أن وثق بحدسه الذي لم يخذله يوما رجع بالغنيمة إلى (الأسكينية) ورجع لأحضان عشيرته التي نبذته لأسباب خارجة عن أرادتها ، فالتف حوله (الجائعون) ثانية وهو كان حال أغلب الأيزيدية في ذلك الوقت ، وبمرور الأيام علمت الحكومة بقدومه فالقي القبض عليه هذه المرة وأحتجز ثم ذهب به إلى (الموصل) ولكنه تمكن من الفرار ثانية على ظهر حصانه المشهور (حيزا) عندما جلبها له (علي شرو) وهو أحد أتباعه المخلصين وهذه المرة أجتاز الجزيرة وعبر إلى الأراضي السورية .    

وبذكر حصان شيخ (خدر) هناك نبتة برّية تسمى السوسيج (PEVOK   ) يؤكل رأسها الذي في الأرض نيئا أو مطبوخا بعد أن ينزع عنها قشرها الشبكي الأحمر وهو أي الرأس أكبر من حبة الحمص عادة ولونه أبيض أما ساق النبتة فيتفرع منه عدة أوراق طويلة خضراء في وسطها خط أبيض ومغلفة بقشر رقيق ، تسحب الأوراق بهدوء وروية من قبل الفتيان الذين يلتقطون النبتة في العراء أثناء رعيهم للخراف في فصل الربيع ويرددون أثناء ذلك ( حصان شيخ خدر ذكر أم أنثى ) فان كان عدد الأوراق المنسولة من قشرتها عددا فرديا يصرخون قائلين :  ذكر .. أنه ذكر .. حصان شيخ (خدر) ذكر ، والعكس بالعكس .

كان شيخ (خدر) حكيما وكريما وشجاعا  فقد نشب مرة خلاف بسيط بينه وبين البعض من عشيرة (القيران) فابتكر طريقة طريفة ليتصالح معهم حيث دعاهم لوليمة من المفترض إنها لرجالات الأنكليز والحكومة في (سنجار) وبعد أن اجتمع القوم وحان وقت الغداء ـ وطبعا لم يحضر أحد من الأنكليز أو من الحكومة المحلية في سنجار ـ خاطب ضيوفه قائلا : فلنأكل نحن ، فمن يدري ربما الحكومة مشغولة بأمر أهم من الطعام وسيأتون في يوم آخر ، ففهم الناس أنه من طيبة قلبه أفتعل ذلك ليصالحهم .  

تزوج شيخ (خدر) من أربع نساء وأصبح له من زيجاته ثمانية أولاد ( لا يزال أحدهم وهو الشيخ (الياس) على قيد الحياة ويسكن في أوربا حاليا مع أبنائه وأحفاده ) ، وست بنات وأحفاده وأبناء أحفاده بل أحفاد أحفاده الآن منتشرون في العراق وكذلك في أوربا .

أورث جميع أبنائه بعضا من صفاته النبيلة ولو عاشرت بعض أحفاده اليوم لاغرابة إن وجدت فيهم هذه الصفات الحميدة وأشهرهم كان الشيخ (عطو الثاني) فقد كان رجلا مباركا وتقيا في حياته يعرف العديد من الأدعية التي كان يداوي بها المرضى وكان يدعّي معرفته بحيواته السابقة من خلال تناسخ روحه (كراس كورين) ويزار قبره الآن للتبرك  في مقبرة ( كرى كور ) في (الأسكينية)  ، والشيخ (عطو) كان كريما جدا كما أبوه ومعروف عنه إنه كان يقدم لكل ضيف رأس ذبيحة على صينية خاصة وفي يوم ما وعندما كان في (سوريا) جاءه أربعين ضيفا بغتة فما كان منه إلا أن ذبح أربعين ذبيحة إكراما لهم .

وقد عرفت شخصيا معظم آل شيخ (خدر) صغارا وكبارا والبعض منهم أصدقاء مخلصون لي نتواصل معا في مختلف المناسبات الدينية والأجتماعية مثل الشيخ (خيري مراد خدر /ابو منير) والشيخ (مراد عطو خدر/أبو نضال) والشيخ (نواف جلال اسماعيل خدر) والشيخ (حسين شمو مراد خدر ) .  

من أراد أن يكون رئيس عشيرة حقيقي ورجلا يهابه العدو ويحترمه الصديق فليكن كما كان شيخ (خدر) رحمه الله مقداما يتقدم العشيرة في الملمات والشدائد ممدود اليد في الخير للفقير وساعة اللقاء للعدو . 

شيخ كل يوم يذكر اسمه ،  وكلما لفظ اسمه سرت في الأبدان قشعريرة وحنين إلى عصره الذهبي لعشيرة القيران إلى جانب العظماء من رؤسائها .  

 
  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة