جـدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين / حميد الخاقاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جـدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين (1):

نقـد السـلطة أم العـداء لهـا؟

نشر الدكتور عبد الخالق حسين، في 17/03/2011 ، مقالة في (الحوار المتمدن) بعنوان "العداء بين الشعب والسلطة". وقد لفت انتباهي إليها، صدفة، الصديق الاستاذ عبد الرزاق الصافي، بعد مُضيّ وقت غير قليل على نشرها. في مقالته هذه يناقش السيد حسين كتابةً لي، ظهرت في (صوت العراق)، ومواقع أخرى، قبل نشره لمقالته بأربعة أيام، حملت عنوان (لتَعُدْ أموالُ الدولة للدولة . . . ولْتَعُد الدولةُ للناس). كان منطلق كتابتي تلك قرارَ رئاسة الوزراء بإخلاء مقرات الحزب الشيوعي العراقي و(حزب الأمة العراقية) في بغداد. وهو قرار قام من أصدره بإعادة النظر فيه، وتعليقه، فيما بعد، وإرجاع الأمر إلى مسراه القانوني، الطبيعي الذي كان عليه، أي تسوية القضية ما بين الحزب الشيوعي ووزارة المالية.

ولأنني أرى فيما أكتبه، ويكتبه غيري، قراءةً لظواهر وأحوال بعينها، وأن القراءات، جميعها، اجتهادٌ يحتمل الصوابَ والخطأ، فقد قرأت مقالةَ الدكتور حسين بإمعان، وأعدتُ قراءة مقالتي، على ضوئها، بإمعان كذلك. فالكتابة عن كتابة أخرى، في نظري، جدلٌ وتفاعلٌ بين الكتابتين، يعود بالنفع لمن يقرأ هاتين الكتابتين، ولكاتبيهما أيضا، سواء تطابقت نظراتهما أو اختلفت.

ولعل السيد حسين يوافقني على أن من الجميل والنافع لنا جميعا، ولوطننا خاصة، أن تكون لنا آراء واجتهادات مختلفة في هذا الأمر أو غيره، شرطَ أن نقرأ بعضنا البعض دون أحكام مُسبَقَة، جاهزة، ونكون قادرين على الأخذ من بعضنا البعض، والعطاء لبعضنا البعض، والتروي قبل الحكم على بعضنا البعض من خارج ما كتبوا أو فعلوا.

كلنا يعرف أن الاتفاق في كل شيئ ضرب من المستحيل، فضلا عن أنه يبعث على الملل، ولا يدل على عافية في العقل والروح، ويشير إلى موات يحيق بهما. وبهذه المعانى أقرأ، الآن، كتابةَ الدكتور حسين عن كتابتي تلك، في حلقات أربع، ساعياً فيها لتناول جوانب مما قال.
وهي جوانب تقوم، مثلما أرى، على قراءة خاطئة لمقالتي، ذهب صاحبُها، من خلالها، إلى إطلاق تشخيصات عجولة، وأحكام جازمة، لا رويَّةَ فيها. وهذا في موضوعات أظن أنها ذات آثر كبير في حياة بلدنا وأهله، تستدعي، في تقديري، البحثَ المتأمل، واستحضار تجارب التاريخ، ومعاينة الواقع وظواهرة بعناية، وإثارة الأسئلة بشأنها، قبل إلقاء الاستنتاجات السهلة، السريعة في وجه القراء، وإشاعة الوهم بأن كل شيئ عندنا، ووفقا لظروفنا، على ما يُرام، أو أنه أفضل الممكن، أو لعله ليس بالسوء الذي يقوله هؤلاء المثقفون المسكونون بعداء السلطة!، ويصوره أولئك المتظاهرون الملعونون، المشاغبون الساعون لوأد "الديمقراطية الوليدة"!.

هذا كله أجده جديرا بالتعليق والتصويب والردّ، حتى لا نكون، هو وأنا، والعياذ بالله، ممن "يساهمون في تضليل الجماهير، ودفعها ضد مصالحها"، مثلما يقول هو، وكأن هذه "الجماهير" لا تعرف طريقها، ولا تفقه مصالحها!.

ينطلق الكاتب مما يطلق عليه ظاهرة أنّ "في البلاد العربية عامة، والعراق بخاصة، هناك عداء مستفحل ومزمن بين الشعب والحكومة". وبعد أن يشير إلى أنّ "مفهوم الدولة أكبر وأوسع من مفهوم السلطة"، وهي إشارة صائبة، في الإطار العام، وأن الأخيرة متغيرة، والأولى ثابتة، ويورد ما هو شائع عن العناصر التي تتكون منها الدولة، ينتهي إلى "أن هناك إصرار، حتى من قبل بعض المثقفين، على معاملة ممتلكات الدولة وكأنها ممتلكات الأعداء وغنائم الحرب، يجوز لكل من يريد احتلالها، وليست ممتلكات الشعب".

وأرى هنا أن السيد الكاتب قد اخترع، للأسف، "اصراراً" نسبَهُ إلى "بعض المثقفين"، دون أن يدلل عليه، حتى بجملة واحدة مما كتبه هؤلاء المثقفون، وأنا منهم، تجعلنا نأمن لما زعمه عنهم، من أنهم يُعاملون"ممتلكات الدولة معاملة الأعداء وغنائم الحرب".
أعرف أن من توسوس له رغبته المسبقَةُ اختراعَ شيئ، لا وجود له خارجَ مخيلته، يعجز عن إيجاد الدليل عليه، فيجنح إلى إلباس ما يقرأه الثيابَ التي يرغب هو في أن يراها عليه. وعندها لا تعدو مثل هذه القراءة عن أن تكون افتراء على هؤلاء المثقفين، من جانب، وتضليلا للقراء من جانب آخر. ولكلا الحالين أحكامهما في شرائع السماء والأرض، وفي شرعة الأخلاق ـ أخلاق الكتابة ـ كذلك.

ثم أن السيد الكاتب، ونحن معه، نعرف بأن من تعامل مع أملاك الدولة، بهذه الروح، وما يزال، ليس المثقفون أو بعضهم (هؤلاء يواصلون نقدهم لهذه الأفعال وفضحَها)، وإنما الأحزاب، وفي مقدمتها أحزاب السلطة، من أهل "التدين السياسي" خاصة، ممن يُفترَض الورعُ فيهم، والخشيةُ من الله، ومن أسئلة القبر ويوم الحساب.

لقد ورد في نشرة (الملف)، في بغداد، في 8 أيار الماضي، بأن تقارير (لجنة النزاهة) في البرلمان العراقي تشير "إلى أن الخارطة العمرانية للعاصمة بغداد تغيرت منذ العام 2005 بنحو 40% نتيجة التعديات على الأملاك العامة من قبل مسؤولين وسياسيين متنفذين". الاستحواذ على هذه الأملاك يستند على "تخريج شرعي غريب!"، تؤمن هذه الأحزاب بموجبه، كما تقول النشرة، "بأن هذه الأملاك تعود للنظام السابق ولا ضير في أخذها أو مصادرتها".
المثيرُ للدهشة أن هذه العقارات والقصور والبساتين لا تُصادَر لحساب الدولة، بل "تحولت، بقدرة قادر، إلى عقارات خاصة، مملوكة من قبل متنفذين أو اشخاص يمثلونهم". لقد حدث ذلك، ربما، مقابل أثمان بخسة لتحليل المُحَرَّم، وإظهاره بثوب قانوني، وإن كان مُهَلهَلاً.

ألا يرى السيد حسين في هذه الأفعال، وكثير من مثيلاتها، نوعاً من "فرهود مُشرعَن" لأملاك الدولة، صوَّرتْ له نفسُه، وقراءته الخاطئة لما كتبتُ، أنني أدعو إليه!.
ثم أليس الحَريُّ بنا يا سيد حسين، ونحن نحرص على أموال الناس، أن ندعوَ هذه الأحزاب، وسواها، وبالحماسة ذاتها، إلى إطلاق سراح أملاك الدولة، وعدم التعامل معها بروح الغزو القديم وأسلابه وغنائمه؟

ويبدو لي أن السيد حسين قد جانب الصواب، مرة أخرى، حين وضع ما كتبته في سياق ما يُطلِق عليه "الهجوم الشنيع على الحكومة بسبب مطالبتها باستعادة أملاك الدولة"!. ومصدر عدم الصواب هنا أن الكاتب قد وصل، في تقديري، إلى استنتاجاته هذه، دون مقدماتها المنطقية التي ينبغي البحث عنها، بأمانة، في النص المنقود نفسه. ولما كان النص لا ينطوي على مثل هذه المقدمات ظلت استنتاجاته رغباتٍ معلقةً في الهواء. ولا عجبَ، عندها، أن يكون نقد المثقفين، أو بعضهم، للسلطة، في عرفه، وليدَ عقدة "عداء مستفحل ومزمن بين الشعب والحكومة" لا غير، وليس نقداً لممارسات وإجراءات، وأداء حكومي قاصر، وازدواجية أخلاقية تُفصِح عن وجهَين متناقضين، ومُنافقَين بالتالي، في التعاطي مع أملاك الدولة ومسائل أخرى كثيرة.

يجنح الدكتور حسين، كما لاحظتُ في بعض كتاباته، إلى البحث عن دوافع نفسية "مَرَضية" ينسبُ إليها نقدَ قطاعات من المثقفين والناس الآخرين للسلطة، سواء كان هذا النقد كتابة أو مظاهرات احتجاج، ويوقفه عند هذه الدوافع لا غير.
المشكلةُ ليس في هذا الجنوح وإنما في أن صاحبه لا يمتلك منهج البحث العلمي عن هذه الدوافع وأدواته، فإذا به يُسقِطُ ما يقرأه، هكذا ببساطة وعجالة، على ظواهر معقدة، من قبيل العلاقة بين السلطة ونقادها، ويَسقُط هو وكتابته في سذاجة التعميم وسطحيته، في النهاية. وفي مثل هذه الحالة يعجز، بالطبع، عن أن يرى في نقد هؤلاء الناس للسلطة تعبيراً عن مواقفهم من ممارسات وسياسات، ومشاريع فكرية وسياسية واجتماعية، يرى هؤلاء المثقفون، وأنا واحد منهم، أنها لا تُخرج بلادهم من أزماتها، بل تُسهم في إغراقها فيها، وتعطيل حركتها نحو المستقبل. وهي أحوال ما نزال نعيشها منذ سقوط طاغية الأمس إلى يومنا هذا.

السلطة، أيةَ سلطة كانت، والأحزاب عموماً، من يحكمُ منها، ومن يعارض، لا تستطيب غير المديح، وتضيق بالنقد، شديدا كان، أو ناعماً. وإذا ما اتسع صدرها لنقد ما، فهي تُفضّله أن يكون همساً، أي النقد خلفَ الكواليس، وفي الغرف المغلقة، النقد الذي لا يخدش حياءها، وينزع عنها أقنعتها.

من الطبيعي للسلطة والأحزاب، خاصة تلك التي ترتاب في المختلف معها، والمخالف لعقائدها، وتنظر إليهما على أنهما خطرٌ ماثل، أو مؤجلٌ عليها، أن ترى في نقدهما المكشوف نوعاً من "الهجوم الشنيع"، غير المبرر، كي تُبطلَ نقدهما، وتحاصرهما، وتبطشَ بهما، إذا ما حان زمان البطش!.
ولكن أن يصنّف كاتب يرى أنه "مستقل"، "ديمقراطي" و"لبرالي" ربما، نقدَ السلطة، حتى المؤسَّس منه، على أنه "هجوم شنيع" عليها، فأمر يثير الاستغراب حقاً!. أليس النقد والاستماع إليه، حتى لو كان مزعجاً، والجدل معه حجةً بحجة، وموقفاً بموقف، والتعلُّم منه، وليس اعتساف تحميله ما ليس فيه، من الشروط الجوهرية للديمقراطية؟ فما بال "ديمقراطيينا" و"لبراليينا" هؤلاء تضيق صدورهم بالنقد، ويركب العُصابُ عقولَهم حين يقرأون، أو يسمعون نقداً يخالف ما ذهبوا إليه؟

ثم ألا يعتقد الدكتور حسين أن شدةَ نقدٍ ما، غالبا ما تأتي موازية لشدة العيب والخَطَل فيمن، أو فيما، يجري نقدُه، خاصة إذا قدَّر الناقدُ أن ذاك العيبَ، وهذا الخَطَلَ، يتعلقان بمصائر الأوطان وأهلها؟ ألا يتفق معي بأن السلطةَ، والديمقراطيةَ نفسَها، خاصة "الوليدة" منها، والنظام السياسي، أيّ نظام كان، بحاجة إلى النقد، حتى لو افترضنا أن بعض هذا النقد شديد، وخاطئ ربما؟ فلماذا إذن نلصق بمثل هذ النقد، حتى الشديد منه، ما دمنا لا نستطيبه، صفةَ "الهجوم الشنيع"، الصادر عن عقدة "عداء مزمن" يُعزى لأحوال نفسية ما، نتوهمها نحن، ونعممها على فئات من الناس، أو حتى على شعب بكامله، بعد أن قرأنا كتاباً في علم النفس، وقع بالصدفة في أيدينا، وكأن هذا النقدَ لا علاقة له بأحوال وظواهر شاخصة، قائمة، يجدر بنا نقدُها؟

ثم أنني لا أدري كيف رأى السيد حسين أن سببَ نقدي للسلطة هو مطالبتها باستعادة أملاك الدولة!. في مثل هذا القول تقويلٌ لكتابتي، بغير ما نطقت به، وذهابٌ بها إلى أماكن وزوايا لم تقصدها هي، بل أرادها لها هو نفسه. لماذا؟ لا أدري، فذلك أمرٌ سرُّه عنده وحده!.

لقد اخترت لمقالتي تلك، وبقصد واع، عنواناً يتكون من جملتين فعليتين، تبدأ كلٌّ منهما بـ"لام الطلَب" الذي يتضمن، في الجملة الأولى طلبَ عودة أملاك الدولة للدولة، ومنها المبنيان اللذان يشغلهما الحزب الشيوعي، بالطبع، رغم أنه مؤجِّر لهما، وبطلب منه، وثمة مفاوضات بينه وبين وزارة المالية، بهذا الخصوص، يُفترَض برئاسة الوزراء أن تكون على علم بها، وأن تنتظر نتائجها قبل اتخاذ قرار ما بشأنها، وتوجيه قوة عسكرية، وليس موظفين من الوزارة صاحبة الشأن، لتنفيذَه في أربع وعشرين ساعة!، لكنها تسكت، في الوقت نفسه، أو تماطل في إعادة أملاك اغتصبها طاغية الأمس من الشيوعيين، تزيد قيمتها على ما يشغله الحزب الشيوعي، الآن، ايجاراً. وفي السياق ذاته، نراها نائمة، على الأقل حتى الآن، عما بحوزة أحزاب السلطة المتنفذة، وعدد من ساستها الكبار، من أملاك الدولة وعقاراتها!.

أمن المألوف أن تمضي الأشياء على هذا النحو، في دولة القانون ، المدنية، الديمقراطية التي يقال للناس، ليلَ نهارَ، أنهم ينعمون بالعيش في ظلها، أم أن للدكتور حسين رأياً آخر؟

في الجملة الثانية، من عنوان مقالتي، ينطوي "لام الطلب" هذا على طلب عودة الدولة للناس، لأنني أرى، وهو ما سعيت للتدليل عليه في المقال المذكور وكتابات أخرى، أن الدولة، بعد انتزاعها من مخالب الطاغية ومن والاه، لم تعد للناس بعدُ. وأفترض أن السيد الكاتب يعرف أن كلمة "بعدُ"، في نهاية الجملة، تشير إلى عملية عودة لم تُنْجَزْ بعدُ، و ينبغي أن تُبـذَل جهودٌ لإنجازها. وما الكتابة في هذا الأمر سوى بعض هذه الجهود، خاصة وأننا ما نزالُ نعيش أحوالاً، الأشياءُ مختلطةٌ وهجينة في كل حقل من حقولها. اختلاطُ الأشياء وهُجنتُها، بعد ثماني سنوات من التغيير، مسؤولية الأحزاب السياسية المتنفذة و"نخبها!"، أساساً.

لقد حدد عنوان مقالتي بجملتيه هاتين، صياغة ومضموناً، منهجَ كتابتي تلك، وروحَها ومقاصدَها، دونما لبس، كما أعتقد. ولكن السيد حسين يفترض، من عنده هذه المرة أيضاً، ولسبب أجهله، أنني قد رهنتُ، في كتابتي، عودةَ أملاك الدولة للدولة بعودة الدولة للناس، وهو افتراض لا دليل عليه من داخل النص المنقود مطلقاً. فمع أنني ما زلت أؤمن بأن الدولة، عندنا، لم تصبح دولةَ الناس بعدُ، وبالمعاني التي حاولت توضيحَها في هذه الكتابة وكتابات أخرى، إلا أنني لم أُعلِّق في المقالة إياها، أبداً، تحَقُّقَ إعادة أملاك الدولة للدولة، على تحَقُّقِ عودة الدولة للناس، كما تزعم مقالة الأستاذ حسين. فأنا لم أستخدم، في هذا الخصوص، أيّاً من أدوات الشرط، وصيغه الكثيرة التي تعرفها العربية، حتى يقعَ الكاتب في هذا الزعم. وأظن أن السيد حسين قد درس قواعد هذه اللغة، يوما، ويُفتَرَض أن يكون عارفاً بها، خاصة وأنه يدأب على الكتابة فيها.

السطران الأولان من مقالتي يدحضان، وحدهما، وجود الشروط الوهمية التي تتحدث عنها مقالة الكاتب. هذان السطران يقولان :" لا أحدَ منا يجادلُ في أن تعود أملاك الدولة للدولة. فأملاك الدولة، كما نراها، أملاك الناس، رغمَ أن الدولة، عندنا، لم تصبح دولةَ الناس بعدُ". وكما يلاحظ القارئ، والدكتور حسين معه، فأن الجملة الأولى، في هذا السطر، تبدأ
بـ(لا النافية للجنس). وأفترض أن الدكتور يعرف بأن النفيَ، بواسطتها، نفيٌ مُطلقٌ للجدل في هذا الأمر، لا مكانَ للاحتمال فيه. ثم أن صيغةَ (رغم أنّ) الواردة في المقطع نفسه، لا تعني، هنا، غير التشديد على عودة أملاك الدولة لها، بمعزل عن أن هذه الدولة لم تعُدْ، من وجهة نظري، للناس بعدُ. أيُّ قارئ نبيه يدرك هذا، دون عناء. فلماذا لم تُسْعف نباهةَ السيد حسين صاحبَها هنا أيضاً؟

وبعد ستة مقاطع، تناولت فيها، وبأمثلة حية من تجارب وطننا، كيف تصادر السلطات والحكام، والأحزاب القائدة، الدولةَ والوطن، وحتى الشعب أحيانا، عدتُ وأكّدتُ المعنى الذي نطق به سطرُ المقالة الأول، حيث كتبت :"ورغم هذا كله أعود للقول، ثانية، أن لا أحد فينا يُجادل في عودة أملاك الدولة للدولة"، أي رغم مصادرة الحكام، أو الأحزاب الحاكمة، للدولة فأن أملاكها، وهي أملاك الناس، يجب أن تعود إليها. وقد ذهبت مرتين أخريين لمثل هذا التشديد، وفي موقعين مختلفيْن من مقالتي، إذ ذكرت في أولاهما ما نصه :"لكن هذا كله لا يعني، بالطبع، أن لا تعود أملاك الدولة، ومنها المباني مصدرُ الضجة، للدولة، حتى وإن لم تصبح الدولةُ دولةَ الناس بعدُ". وقلت في الثاني منهما، قاصداً الناسَ، ونفسي، والأحزابَ الحاكمة :"وما دمنا نريد لأملاك الدولة أن تعود إليها، فلْنُعِن الحكومةَ على استعادتها جميعها، فالأملاك أملاكنا، في النهاية".

هذه المقاطع جميعُها تنطقُ بلسان عربي فصيح بانتمائي إلى عودة أملاك الدولة للدولة دونما قيد أو شرط. ولست أظن أن صياغتها تنطوي على إبهام أعيا السيدَ حسين فهمُهُ.
ولكن رغم هذا كله ينتهي الكاتب إلى استنتاج شديد الغرابة، وذلك حين يقول:" فلو أخذنا بتفسير الاستاذ الخاقاني بعدم عائدية الدولة للشعب، وبالتالي عدم عائدية ممتلكاتها للشعب، فهذا يعني أنه يجوز لكل من هب ودب، وكل من يتمكن من أفراد وجماعات وأحزاب بالاستحواذ على ممتلكات الدولة".

واضح أن هذا التفسير تفسيره هو، وكان يمكنه الاحتفاظ به لنفسه، لكن القراءة الخاطئة ومقاصدَها المُسبقةَ، ونهجَها العُصابي في تناول الأشياء، وإسقاطَ ما ليس في النص المقروء عليه، هذه كلها أخذت السيد حسين إلى حال صار ينسب، فيها، إليَّ تفسيراً هو ليس مني. مثل هذا التفسير صناعةُ مخيلته هو. ونجد في مقاله المذكور غيرَ القليل مثلَه.

أما كيف اهتدى لمثل هذا التفسير العجيب، وبأي عين قرأ كتابتي، أو بأي عقل عقلَها، بحيث رأى فيها "دعوة للفوضى العارمة"، فتلك أمور علمها عند الله والراسخين في علم النفوس، وعنده كذلك!.

لم يكن ثمةَ لبسٌ في اعتقادي بأن أموال الدولة وأملاكها هي للناس، ويجب أن تعود إليها وإليهم، وهو موقف تدلل عليه الاقتباسات التي أوردتها من مقالتي تلك. ولأنني أؤمن بعودة هذه الأملاك لأهلها حقا، لا تدليساً مثلما يفعل الكثيرُ من أصحاب السلطان، فقد رأيت أن من الوطنية والعدالة والأخلاق أن أشير إلى نماذج مما استحوذ عليه أهل السلطة وأحزابهم من أملاك الدولة، وكيف يُقطعون، تحت واجهات شتى، وبأثمان بخسة، من أراضيها وعقاراتها لأصحابهم، مثلما كان يفعل خلفاء "المُلك العضوض" وأُمراؤه في سالف الزمان!.

أحد الأمثلة التي أشرت إليها، في هذا السياق، كان منح أرض وعقارات (جامعة البكر العسكرية)، مقابل ثمن رمزي، لإقامة جامعة دينيية، يرأسها واعظ وقارئ قصص ديني ومستشار لرئيس الوزراء، لم يحصل، كما تقول لجنة النزاهة في البرلمان، حتى على شهادة المدرسة الثانوية!.
لجنة النزاهة رأت في ذلك، مثلما أعلنت قبل مدة قصيرة، هدراً للمال العام، وفسادا مُقنناً، بلباس ديني هذه المرة (ذكرت الأنباء مؤخراً أن محكمة التمييز ألغت عمليةَ المَنح ـ الشراء هذه!). وكلنا نعرف أن لمثل هذه الحكاية شقيقات كُثْراً، ما هنَّ إلا نماذج فاضحة لازدواجية الأخلاق عند كثير ممن يحكمون، وإساءة كبيرة للدين ممن يدّعي حملَ راياته.

لم يكن الدافع في نقدي للسلطة، إذن، طلبُها إعادة المباني إياها للدولة، مثلما توهمَ الدكتور حسين، وأوهمَ قارئَه بوهمه.
كل قارئ ذي بصيرة يدرك، بيسر، أن مصدرَ نقدي هو نفاق وازدواجية أخلاقية في السلطة، لم تتجلَّ في هذا الإجراء وحده، وإنما نجد لها صورا كثيرة في سياسة هذا الزمن العراقي، حتى غدا التناقض بين خطاب غالبية الساسة وممارساتهم العملية سمةًَ في المرحلة التي نعيش.

لا يُمكن لأحد أن يزعم لنفسه بأنه، وحده، من يدُلُّ الناسَ على الطريق المستقيم، والناس يرونه يسلك طرقاً لا علاقةَ لها بطرق القانون، ولا بطرق الرب، أللهم إلا بتأدية ظاهر الطقوس، وارتداء قشورها، والحرص على إبراز مظاهر "التدين" الخارجية، دون تَمثُّل ما تنطوي عليه من جوهر أخلاقي والتقيد به.
الكثيرُ من "الدين" يُفتَرَض أن يعنيَ المزيدَ من الأخلاق، وليس الضد، كما نعيش ونرى!.

إذن فنقدي لازدواجية الإجراء أخلاقياً، هو تذكير بالأخلاق كذلك، وتحفيزٌ على البقاء عندها. ويُمكن للدكتور حسين أن يرى فيه فعلَ خير لأهل السلطة، حتى لا يصِحّ فيهم ما كان يردده أبو ذر الغفاري، في منفاه الشامي بعد كل صلاة فجر، وهو يلعنُ من يدعو إلى المعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه!.

وأظن أن الدكتور حسين لا يخالفني الرأيَ، أنه من غير الجائز للمرء، المؤمن خاصة، أن يدعوَ إلى خُلُق، أويمنعَ عن غيره، ولا يبدأ، في الحالين، بنفسه، فينطبق عليه قول الشاعر:

لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

صدقيةُ السلطة، أية سلطة كانت، بوصفها مرجعية للحكم، تتصدع، في نظري، إذا لم تكن راعية للعدل، ومثالا في الأخلاق، ونموذجا في الصدق، تنشد الحقَ والعدل، وإن كانا على غير ما تهوى. ولا بد أن أهل السلطة، عندنا، قد قرأوا في كتب الفقه، أو سمعوا من علماء الدين، أن من أخلاق الصدِّيقين أن يطلبوا الله والدين الحق بالصدق والعدل. وقد قال بعض أهل الصدق من أسلافنا: "وأفضل الصدق استواء السر والعلانية". فكيف حالنا، إذن، بساسة يشيرون، في العلن إلى شيئ، ويقصدون، في السر، ما هو ضده؟. النبيهُ من الناس لم يعد يصدقهم، والكثرةُ حائرون بهم، وكأن لسان حالهم يردد ما يقوله اخوتنا المصريون بلهجتهم الشعبية:"اسمَعْ كلامَك أصدَّقكْ، أشوفْ عَمايلَكْ أتْعَجبْ!".

ولست أدري إذا كان الدكتور حسين يوافقني على أن قيماً أخلاقية كثيرة، أخذت تضيع بين أرجل الساسة، من الأحزاب المتنفذة والموالين لهم خاصة. كان الحال هكذا في زمن الطاغية، وما يزال، للأسف، هكذا في الزمان الذي تلا زمانَه.

ضياعُ الأخلاق عند "عِلْيَة القوم!" وأهل السلطة، أيةَ سلطة كانت، يشيع اللاأخلاقَ في المجتمع، عموماً، فالحكام، كما تعلمنا التجارب، مَثَلٌ يُحتَذى في الحُسن والقُبح، على السواء. وكان المُنتَظَر من ساسة لا يبدأون قولاً إلا بـ"بسْملَة" ولا يستأنفونه إلا بـ"سَبْحَلَة"، ولا ينتهون منه إلا بـ"حَمْدَلَة" أن يصدقوا ويعدلوا في القول والفعل، فهم لا شك يعرفون الآية الكريمة: "واقسطوا إن الله يحب المقسطين" (الحجرات:9).
ومثيلات هذه الآية في (الكتاب) كثْرٌ، يقرأها القوم أو يسمعونها خاشعين، وقد يرددونها صباحَ مساء، لكن أكثرهم لا يتمثل معانيها، ولا يمتثل لأحكامها حين يتعامل مع الناس والأشياء، وكأن بريق السلطة والهُيام بها لم يُبقيا للدين من دور، عندهم، سوى أن يكون وسيلة للدنيا، والاحتفاء بما أعطتهم من نفسها!.

وفي هذا كله دلالة أخرى على أن الكلام الجميل، أيا كان مصدره، أي حتى كلام الكتب المقدسة، لا يكتسب معانيه الحقيقية إلا في الحياة، وفي الممارسة الفعلية لمن يرددونه ويؤمنون به. لقد أظهر لنا تاريخ الأفكار الكبرى، دينية أو غير دينية، أن فقدان التطابق بين الأفكار والحياة، وبين قول من يحمل هذه الأفكار وفعله، لا يمنح الناس، في النهاية، غيرَ الكلام الجميل، والحلم الجميل الذي يظل حلما لا غير.



جدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين (2)

في هويـة الدولــة وعلاقتـها بالناس

حمـيد الخاقاني

للدكتور حسين رأي آخر، واجتهاد مختلف، فيما أوردتُه، في مقالتي تلك، من أن الدولة، عندنا، لم تعد للناس بعدُ، فنراه يذكر في نقده لهذا الاجتهاد بأن "هذا الكلام غير دقيق، لآنه وكما بينا أعلاه، أن الدولة تتكون من الشعب، والوطن، والسلطة، والسيادة، لذلك فالسلطة أو الحكومة هي جزء من الدولة وليست كل الدولة. فالدولة هي دولة الشعب في جميع الأحوال".

يُقيمُ السيد الكاتب حكمَه القاطع هذا على أن السلطة جزء من الدولة، وليست الدولة كلها. وهذا افتراض صحيح، من الناحية النظرية، نجده في الكتب المدرسية التي تتناول موضوع الدولة بصورة عامة. ولكن هذه الصورة المثالية عن ملكية الشعب للدولة، والتي يرى أنها موجودة في جميع الأحوال، حتى ولو كانت الحكومة مغتصبة للسلطة، كما يقول في نقده، نعثر عليها في "كلام الكتب الجميل!"، وفي الدساتير كذلك. كما نسمعها في خطابات الساسة، ولا نراها في الحياة دائما، خاصة في حياتنا العربية التي تتظافر على تحديد حركتها، في الأساس، ثقافتان موروثتان : بطرياركية (أبويةـ ذكورية) ذات أردية قبلية غالباً، وأخرى دينية أخذت الكثير من عناصر تلك وأنماط تفكيرها.

ليست مقولات هاتين الثقافتين، أو أية ثقافة أخرى، وما قد تنطوي عليه من وعود جميلة، هي وحدها من يحدّد دقةَ الكلام، أي كلام، وصوابه من عدمه، وإنما الحياة الواقعية وتجارب البشر فيها. الحياة وتجاربها ينبغي لهما أن يكونا هما المعيار الأصلُ في الحكم على الناس والأشياء والمفاهيم، وليست الدساتير أو الشعارات والنصوص، في أي كتاب أو سِفْر وردت، أو ما يتصوره أحدنا من أنه قد "بيَّنَ الأمرَ أعلاه"، وليس على الناس إلا أن تُقِرّوا بما بيَّنَ وقال، وكفى.

لم تقم دولة المواطنين والناس الأحرار عندنا بعد. لا في الماضي ولا في الحاضر. مثل هذه الدولة نراها اليوم قائمة فقط، وهو ما يعرفه الدكتور حسين، في بلدان الديمقراطيات الحقيقية التي تتطور ديمقراطيتها وتتكامل باستمرار، على ما فيها من عيوب هنا وهناك، وما تعيشه من مشكلات كذلك. دساتير هذه البلدان التي تقع جميعها في "ديار الكفر!" تقريباً، ديمقراطية حقا، ومدنية حقاً. ليست هجينة، كما هو الحال في ديارنا "المباركة" نحن. صياغاتها عند أولئك الناس "الكفَرَة!" واضحة، لا تتناطحُ موادُ وفقراتٌ فيها مع بعضها البعض، تسعى الواحدة منها لنسخ الأخرى، ونصب الفخاخ لها، مثلما هو حال دستورنا مثلا. وهي بلدان لا سعةَ في المكان، عندها، لازدواجية الساسة، حيث حبل الكذب فيها قصير، يصعب، معه، على السياسي أن ينام على كذبه وخداعه طويلاً، وحيث الناس، في غالبيتهم، ومعهم الكثير من منابرهم وألسنتهم الإعلامية، ذوات حرة، واعية، مستقلة عقلياً وثقافياً عن الحكام وأحزابهم، لا تُسلمُ قيادها لهم، بشكل أعمى، حتى لو رأت فيهم، بين حين وحين، تجسيدا لأحلامها وحاجاتها.

استقلالية المحكومين عن الحكام عقليا وثقافيا هي شرط الحيلولة دون إلحاق الدولة بالحكام وأحزابهم، ومصادرة الأوطان لصالحهم بالتالي. وأراني أتطابق هنا، تماما، مع ما يراه المفكر والسياسي الماركسي الإيطالي (غرامشي)، من أن المهمة الأساسية للمثقف هي السعي لتحقيق مثل هذه الاستقلالية، والحفاظ عليها، وليس الوقوف على أبواب الحكام وبذل النفس للالتحاق بهم طمعاً في عطاء أو منصب ما. وتبدو هذه المهمة أشد أهمية، في بلدنا خاصة، حيث تسود ثقافة الإتباع والتقليد التي تجعل عامةَ الناس تتبع صفيرَ من تظنهم رعاتَها، وترتضي أن يسوقها هؤلاء أمامهم، لا أن تسوقهم هي أمامها. الأحزاب المتنفذة، عندنا، تشتغل لتأبيد هذه الثقافة، وإرساء دعائم سلطتها على قواعدها.

ولعل السيد حسين يعرف أن ثاريخ نشوء الدول يُظهِر لنا بأن الدولة ليست تكوينا ينشأ في فراغ، بمعزل عن القوى السياسية والاجتماعية التي تبني هذه الدولة ومؤسساتها، وتضع لها دستورَها وقوانينَها، وتقيم لها نظامها السياسي، وتخوض الصراعات لتحقيق ذلك. وأفترض أن السيد حسين على علم بأن التاريخ البشري عرف، وما يزال، نماذجَ مختلفة للدول، ينبع اختلافها من اختلاف نُظُمها السياسية، والقوى الاجتماعية الغالبة على السلطة والدولة فيها، وهو ما يؤثر، بدوره، على علاقتها بالناس وعلاقتهم بها.

إذن ثمة علاقة جدلية بين السلطة وأحزابها ومنظومتها الفكرية وبين الدولة. وغالباً ما يحدث، خاصة في بلداننا، نوع من التماهي بين هذه الحكومات وأحزابها وأيديولوجياتها وبين الدولة، وتجري مصادرة الأخيرة، وتجييرُها لصالح الأولى في الكثير من الحالات.

عندنا اليوم، في العراق، حالة مشابهة، لا تصعب رؤيتها على من لعقله عينان تُبصران. فمثلاً حين يكون لهذه الوزارة، أو تلك، عشرون مديرا عاما، سبعةَ عشر منهم ينتمون لحزب الوزير، أو عشيرته، وحين يتكرر المشهد نفسه في وزارات، ومؤسسات الدولة الأخرى، يحدث ذلك التماهي بين أحزاب السلطة والدولة، وتتم مصادرة الأخيرة لصالح الأحزاب الحاكمة وأهلها. وغالبا ما تتم هذه المصادرة لصالح أناس غير مؤهلين، وغير أكفاء. والدلائل على ذلك في هذا العراق. في بعض وزارات الدولة، مثلا، يطغى الطابع العائلي على التعيينات في وظائفها!.

وعندما يسرق مزوّرو الشهادات، على سبيل المثال، وغالبيتهم من أحزاب السلطة، فرصَ التعيين في الوظائف العليا، وغير العليا، ممن كدَّ واجتهدَ من أبناء البلد، وحصل على ما يؤهله لإشغالها، يزداد غضب الناس على الحكام، ويحدث شرخ عميق بينهم وبين السلطة والدولة. وهكذا لا يعودون يرون فيها دولتَهم.

تتحدث التقارير الصحفية، حتى الآن، عما يربو على 30 ألف شهادة مزورة فقط، لعلها قمة جبل الجليد لا غير!. 4 آلاف من شهادات التزوير هذه في وزارة العدل وحدها، حسب تصريح للسيد الوزير نفسه. فليتصوّر الدكتور حسين معي وزارةَ "عدل"، في بلد "ديمقراطي"، وفيها كل هذا الفيض من الشهادات المزورة. ألا يستدعي هذا، وحده، أن نخرجَ، هو وأنا، ومن يرغب من أهلنا، في موكب عزاء راجلٍ، نقطع فيه مدن الاغتراب الأوربي، حاملين الرايات السود، مُيمِّمينَ وجوهنا شطرَ العراق. وهناك نطوف بموكبنا هذا مدنه جميعها، ونندبُ حال العدل والدولة والسياسة عندنا. نشقّ الجيوبَ، ونلطم الصدورَ عليها، ونبكي "طيحانَ" حظوظ البلاد وأهلها!.

أعتقد أن السيد حسين يرى أن موكب عزائنا هذا يصبح أكثر الحاحاً، وأكثر وطنية وأخلاقية، في ضوء توجه مجلس النواب لمناقشة مقترح قانون قدمته الحكومةُ لإصدارعفو "عام!" و"شامل!" و"نهائي!" عن المحكومين بجرائم استعمال الوثائق والشهادات الدراسية المزورة لأغراض التعيين والترفيع والترقية في الوظيفة العامة، بعد تاريخ 9/4/2003. ويتضمن مقترح القانون هذا مادة تنص على أن "يعاد المشمولون بأحكام هذا القانون إلى استحقاقاتهم الوظيفية القانونية وفقا لشهاداتهم الدراسية الصحيحة ويُلزمون بدفع الفروقات المالية إلى الخزينة العامة عن المبالغ التي تسلموها دون وجه حق استنادا إلى الشهادة المزورة".

هل يُمكن للسيد حسين أن يدلنا على بلد ديمقراطي يحترم نفسه، في هذه الدنيا كلها، تستنفرُ حكومتُه مستشاريها القانونيين وقضاتها لوضع قانون عفو عن مزورين في زمن يستفحل فيه الفساد ويشيع في مفاصل كثيرة؟ أم أنها فرادةُ "ديمقراطيتنا" وارتقائها على سواها، مثلما يقولون؟!
ثم كيف يُمكن لقضاة ومستشارين قانونيين يحترمون أنفسهم واستقلاليتَهم المُفتَرَضة، وحسَ العدالة لديهم، أن يذعنوا لطلب كهذا، ويصبحوا شركاء في "لعبة فاسدة" كهذه؟
ألا يكترث هؤلاء للتاريخ، ولما ستقوله الأجيال، وحتى أبناؤهم، عنهم؟ ألا نرى هنا مشهدا آخرً يُشَمّر فيه "العدل"، في "دولة القانون" عندنا، عن ساعديه، وينشط في تشريع اللاعدل؟

المُضحكُ ـ المُبكي في الأمر أن قانون العفو هذا يتحدث عن "استحقاقات وظيفية قانونية!" لمحكومين "مزورين"، يُريد لهم "قلب السلطة الرحيم!" أن يُعادوا للخدمة "وفقا لشهاداتهم الدراسية الصحيحة!". هل لديهم شهادات أصلاً، وفوق هذا صحيحة حقا؟

كلنا نعرف، ومعنا من دفع لصياغة هذا القانون "العجيب"، ومن صاغه كذلك، أن قوانين السماء والأرض لا ترى أن لشهود الزور شهادات تُقبَل.

سبب اقتراح السلطة لهذا القانون، كما ذكر لـصحيفة "الصباح" في 18 أيار الماضي، مصدر في لجنة النزاهة، هو أن التزوير حصل "من قِبَل أشخاص غير مدركين لأبعاد فعلتهم خاصة العنصر النسوي منهم"!.

نعرف أن المنظومة الفكرية لأهل السلطة ترى أن المرأة "ناقصة عقل"، وهي "ناقصة دين" بالتالي، و"نقص العقل والدين" عندها حسب رأيهم، هو وراء عدم إدراكها لأبعاد فعلة هي ليست من العقل والدين في شيئ!. ولكن أيرَوْن في الرجال المزورين نقصاً ممائلاً لنقصها، وهم الذكور العقلاءُ، الفحولُ؟ وإذا كان المزورون، نساء أو رجالا، لا يدركون أبعاد ما يفعلون، فهل دوائر الدولة ومؤسساتها أماكن لاستيعاب من لا يُدرك ما يفعل، وإيوائه ومكافأته على فقدان الإدراك هذا!؟

التزوير فعلة جنائية، مُخلة بالأخلاق والأمانة، لا يرتكبها الجاني، أو الجانية، تلقائياً، أو عفو الخاطر هكذا، وإنما يخطط لها مدة كافية، ويُمعن التفكير فيها، ويعي مقاصده منها، ويبحث عمن يُعينُه في ارتكابها، وإكمال أمرها بالتعيين والجلوس على كرسي الوظيفة الحرام، والتمتع بمالها الحرام. ولعله ظل، رجلا كان أو امرأة، يدعو الله (عز وجل) أن يوفقه في كل خطوة يخطوها فيها، وأن يُتمَّ "نعمةَ التزوير" عليه، أو عليها، باليُمن والبركة!. ولربما نذر، أو نذرت هي، نذراً لإتمام "جناية التزوير" بالخير والتوفيق عليهما!
لا بد أن المزورين هؤلاء، نساء ورجالاً، قد أوفوا بنذورهم تلك مثلما يتطلَّب الشرعُ، وأخرجوا "زكاةَ" المال الحرام الذي كسبوه، وأوصلوا "الخُمسَ" المطلوبَ عنه، ثم اطمأنوا بهذا إلى أن المال الحرامَ قد تزكّى، وأن نصيبهم سيكون، في الآخرة، جنان الخُلد!

من يرتكب هذه الجناية، إذن، يدرك أبعادها، فهو لا يقوم بها في سورة غضب، أو لحظة سهو وغفلة، أو تحت تأثير مخدر أو مُسكر، أو في حالة عدم انتباه وهو يعدو في طريقه إلى الوظيفة، لا يشغله غير خدمة "شعب مظلوم، مسكين"، حتى تشحذَ السلطة طاقاتها لإنقاذ من ارتكبوا جرائمهم عمداً، "وإيجاد مورد معاشي لهم"!

لمقترح قانون العفو هذا دوافع أخرى، بالطبع، لها صلة بهوية الدولة وعلاقتها بالناس. فمن المعروف أن غالبية مزوري الشهادات الدراسية العليا، أو الدُنيا ممن وُضعَ هذا القانون لهم، هم من ذوي القربى والأنصار، فقصد العفو عنهم هو، بشكل ما، عفو السلطة عن نفسها، أو عن بعضها. وفي العفو عن المزورين والحرص على إعادتهم للوظيفة دليل آخر على أن أهل السلطة يجدّون، "بالقانون" وعبر شكلية "ديمقراطية"، في الإبقاء على أكثرية وظائف الدولة في خانة حصصهم، أما عشرات الألوف من أهل الشهادات الصحيحة، ممن يجهدون في البحث عن وظيفة ما، دون جدوى، وهم مواطنو هذه الدولة أيضا، فليس لهم غير الفتات.
ولنا أن نسأل، إنْ كان المتهالكون على "وليمة" الدولة سيُبقون بعضَ الفتات منها لمواطنيهم الآخرين من غير المزورين؟ على الأقل مكافأة لهم على نقائهم الأخلاقي، وعدم ارتكابهم جناية التزوير!.

أظن أن السيد حسين يوافقني بأن الدولة لا تعود دولةَ مواطنة كذلك، ولا يرى جميع الناس أنها دولتهم، إذا ما وضعت الأحزاب الحاكمةُ، نصبَ أعينها، مصالح عقائدها الدينية، وأيديولوجياتها الفكرية والسياسية، وحساباتها الحزبية والشخصية، وحكمت الناس بمعايير هذه العقائد وتلك الحسابات، وجعلت هدفَها "الأسمى" أن تختمَ على الدولة والمجتمع، والناس في النهاية، بختم عقائدها، وتغليبها على سواها، خاصة في بلد تتعدد فيه الأديان والمذاهب، والأعراق وتيارات الفكر والسياسة، كما هو العراق.
في مثل هذه الحالة يشعر أهل العقائد والمذاهب والأفكار والأجناس الأخرى، من كبير الأقليات وصغيرها، أنهم، في أفضل الأحوال، مواطنون من الدرجة الثانية، أو حتى أقل منها. ثم أن السلطة، والدولة معها، تصبحان، وبأشكال مختلفة، دولةَ وسلطةَ "دعاة" و"مبلغين" دينيين، في المقام الأول، يرون أن مهمتهم "الشرعية" هي أن يأخذوا الناس إلى "الجنة"، رضيَ الناس بذلك أم أبوا!. وكثيرة هي الظواهر، وإجراءات المنع والتحريم التي تؤكد فهمَ الأحزاب الحاكمة، عندنا، للسلطة والدولة بوصفهما أدوات لترويج عقائدها وأيديولوجياتها، والتقيد بأحكامها، مثلما تفهمها هذه الأحزاب وتريدها.

تصبحُ العقائدُ، في مثل هذه الأحوال، "هراوةً" أيديولوجية تُلوِّحُ بها السلطة والدولةُ في وجه أيّ فَهم للحريات، وللحياة عموماً، يتناقض مع فهمها هي.

من بين إجراءات المنع العقائدي، والتلويح بـ"الهراوة"هذه، ما قام به عميد كلية (طب الأسنان) في (جامعة الكوفة) مثلاً، حينما صار يلاحق الطلبة على تصفيفة شعرهم، وأنواع أزيائهم، لاعتقاده أن فيها خروجاً على "ضوابط" العقيدة و"ثوابتها!".

أليس الجامعات في الدولة "المدنية الديمقراطية"، شأن غيرها، مؤسساتُ دولة، لا يجوز لمن يتولى، عن جدارة أو بغير جدارة، إدراتها أن يصادرها، ويضعها في زنازين تصوراته العقائدية الخاصة، ويشغلها وطلبتَها بمثل هذه "الترهات"، بدلاً من أن يكون الارتقاء بمستواها العلمي هو شغله الشاغل، وهمّه الأساس.

ما حدث في هذه المؤسسة نموذج لما حدث، ويحدث، في مؤسسات أخرى كثيرة، وفي المجتمع كذلك. ولا أعتقد أن الدكتور حسين يخالفني الرأيَ في اغتراب المواطن عن السلطة والدولة معاً، حين يفرض عليه من يدير مؤسسات هذه الدولة شكلَ ملبسه ومظهره، ويحدد له ما يسمعه وما يشربه، وما يُشاهده، وفي المستقبل، بالتأكيد، ما يقرأه، وما يجب عليه أن يفكر به، ويختاره أيضا. ولا شك أن السيد حسين يعرف بأن مثلَ هذا العقل، وهذه الثقافة، لا يتوقفان عند هذه الحدود فحسب، فهما شأن جميع العقائد والأيديولوجيات الشمولية يدّعيان لهما حقَ "الوصاية الشرعية" على الناس والمجتمع، وصياغتهما على الصورة التي تتحقق بها أحكام "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!"، كما يتصورها أهل هذا العقل، وهذه الثقافة، ويُصوّرونها!.

ويندرج في هذا السياق ما نقلته الصحافة عن وزير التعليم العالي من أن وزارته لن تفرض منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد، كما طلبه منها أحد مراجع الدين، لكنها ستثقِّف بالقيم والثوابت الدينية، وكأن للجامعات دورَ مؤسسة "تبليغ ديني" ووظائفها، كما للمساجد والمرافق الدينيية الأخرى!

يحدث هذا كله في مرحلة تاريخية بدأ الناس يخرجون فيها، منذ تسعينات القرن الماضي وفي بلدان كثيرة، من أقبية الدولة العقائدية إلى رحابة الحياة. غيرُنا يحثّ خطاه نحو المستقبل، ونحن نعود إلى الماضي!

واضح أن صاحب الأيديولوجيا، هنا، لا يُبصر شيئاً آخر غير أيديولوجيته، ولا يُصغي إلا لأصواتها وحدها، متوهما أنها أصوات الحياة الحقيقية، وليس للجميع من مَخرج غير العيش على إيقاعاتها. ويظل دينه وديدنه أن يجعل منها أيديولوجيا السلطة والدولة والمجتمع، على السواء.

مثل هذا العقل ليس معنياً بتقصي علاقة الناس بالحياة وتأملها بتغيراتها الدائمة وما تأتي به من أسئلة وتحديات جديدة، وصياغة أفكاره وخططه، وأيديولوجيته بالتالي، على هديها. ما يشغله، في الحقيقة، هو علاقة الناس والحياة بأيديولوجيته هو، وبمنظومتها الفكرية ونظرتها النمطية للناس والأشياء والعالم. ما يشغل أهل الأيديولوجيات الشمولية هو أن يطردوا الحياةَ وتنوعَها، وغناها وتدفُّقَها الحيوي، ويُحِلّوا أيديولوجياتهم محلها، ويُبقوا الناس في إطار حظيرتها، ينصاعون لتعاليمها، مطيعَين لما تأتي به، مؤمنين بأن جعبتها تختزن علومَ الأولين والآخرين، ولديها أجوبة جاهزة على أسئلة الحياة جميعها، ما طُرحَ منها، وما لم يُطرح بعدُ!

في مثل هذه الحالة لا تعود السلطة التي يحكمها هذا العقل، وقد صادرت الدولة لصالحها، "خادماً" للناس والمجتمع، بل "سيداً" و"وصيّاً" عليهم، يفرض وصايته هذه عبرَ نوعين من العسف : فكري ـ ثقافي ـ قانوني (غسيل دماغ جماعي)، وآخر جسدي يجنحون إليه حالما يرون أن أحوال سلطانهم تستدعي ذلك.
فرضُ نوع مُحدد من اللباس مثلاً، على المرأة خاصة، ليس سوى نوع من العسف الجسدي والروحي معاً.

تسخير شرطة الدولة لإغلاق النوادي الاجتماعية، كذلك، صيغة أخرى من صيغ العسف، تجعل من الشرطة "الوطنية" التي يتحمل المال العام، أي مالنا جميعا، نفقاتها: تدريباً وتسليحاً ووسائل ومرتبات، أداةً عقائدية للحاكم، أو لرئيس مجلس المحافظة. تجعل منها شرطة "دينية ـ أيديولوجية" و"مجاميعَ أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر"، من الناحية العملية، كتلك التي في دولة "آل سعود"، أو في دولة "الولي الفقيه"!.

الناسُ، بسطاؤهم خاصة، لا يتلقون الدولةَ من خلال تعريفاتها التي تحفل بها كتب الفلسفة السياسية والقانون وعلم الاجتماع أو الفقه، ولا يتواصلون معها عبر مفاهيم وقنوات أيديولوجية أو ثقافية، وإنما يلتقون بها ويعرفونها من خلال حياتهم اليومية وتجاربهم العملية معها، ومع السلطة التي تدير شؤونها وشؤونَهم. تصبح صورة الدولة محسوسة ومرئية للناس من خلال عيشهم اليومي، وما يكابدونه فيه، وكيفيية تعاملها معه، ونوعية أجوبتها على تحدياته الراهنة والآتية كذلك.

هل تتشكل صورة الدولة وتتحقق عبر التواصل الحر والتفاعل مع الناس والمجتمع والتكامل بهما، أم بالتناقض معهما وبروح الوصاية عليهما؟
هل تقوم علاقة الناس بالدولة على أساس عقد ينشأ، عمليا وفعلياً، وليس بالنصوص أو الخطاب فقط، على احترام حريات الناس وحقوقهم وكراماتهم في دولتهم، بحيث يمارس كل فرد، من خلاله، حريته وخياراته في المجالات جميعها، وبما يتطابق وقناعاته، دونما مساس بخيارات غيره، أو تقييد، لحريات وحقوق من يشاركه العيش في الوطن؟

يُمكن للدكتور حسين، ونحن معه، أن نرى صورة هذه العلاقة في حالة أمٍّ عراقية بسيطة، رآها الكثيرون منا عبر برنامج (المابكرفون المفتوح) الذي تبثه قناة (الفيحاء) الفضائية. ترسم هذه المرأة بكلمات بسيطة، ولكن ببلاغة عالية ومؤثرة، صورة السلطة والدولة، وحتى الوطن، كما يحسها ويراها غالبية العراقيين من الفقراء والمهمشين والمغلوبين على أمرهم.
تتحدث المرأة عن ضنك العيش وأعبائه، وتجاربها العبثية مع مؤسسات الدولة، ومحاولتها المُضنية في استخراج تقاعد لم تُفلح في استخراجه حتى بعد مراجعات تواصلت لمدة زادت على السنة!. وأثناء حديثها عن تجارب عيشها هذه، تعيدُ المرأة، ما بين قول وقول، وبلهجة عراقية تقطر مرارة، عبارةَ:" مَلَّينَهْ، حَتَّهْ آرْواحْنَهْ طِلْعَتْ . . . وِلْكُمْ چا هِيَّهْ وِلْيَهْ؟".

أفترض، بالطبع، أن الدكتور حسين يعرف أنَّ كلمة (وِلْيَهْ) الشعبية العراقية مُشْتَقَّة، لغوياً، هي وكلمة (ولاية)، بمعنى السلطة الدنيوية أو الدينية، من ذات الجذر الثلاثي (وَلِيَ). وإذا كانت (الولاية) تعني، في كتب الفقه، القيامَ بالأمر، والتصرفَ فيه، باختيار الناس ورضاهم (وهو ما لم يتحقق دائما)، فإن الـ(وِلْيَةَ) هي التسلّط والحَجْر على الناس، وإكراههم على ما لا يرغبون به، والوصاية عليهم، شاؤوا هذه الوصايةَ أم أبَوها. فهي، إذن، شكل آخر للقهر والاستبداد، يُنفِذ فيه المتسلط، حكومة كان، أو ميليشيا، أو جماعة ارهابية، قولَه على الغير، رضي هذا الغير أم لم يرضَ. ويتجلى أحد مظاهر هذا الاستبداد حين تشير المرأة إلى ما يتعرض له الناس من منع وتحريم، في الحي الذي تعيش فيه، كما يبدو، إذْ تأتي نواهي المتصرفين في الأمر صارمة:" لا تْعَرِّسْ . . لا تْهَلْهِلْ! . . چا شْلَونْ اِحْنَهْ فرحانين، نْريدْ نْعَرِّسْ ونْهَلْهِلْ . . چا هِيَّهْ وِلْيَهْ غُمّانْ؟".
والأغَمُّ من الناس، كما قصدته المرأةُ، هو من غشيت بصيرتَه غِمامةٌ فاستبهمت عليه الأشياء وصار يخبط فيها خَبْطَ عشواء. وبهذا المعنى يرد في معاجم اللغة "غمَّ الثورَ"، أي وضع الغِمامةَ على عينيه وهو يدور في الساقية أو الطاحون!

تجربة هذه الأم مثالٌ حي على أحوال تنقلب فيها (الولاية)، حتى الآتية عن انتخاب، إلى (وِلْيَة غُمّان) ينوء بوطأتها الناس.
وبعد أن تتحدث المرأة عن تردي الخدمات، وغلاء تكاليف العيش والعلاج في المستشفيات، تُطلق حسرة يائسة، وهي ترفع وجهها للسماء:"هايْ وَينْ صايْرَة . . بْيا وطنْ؟".

مرارة القول هذه، ونبرة اليأس فيه، تعكسان مرارة الواقع واليأس منه، وممن يتولى الأمر فيه. حالة هذه المرأة شهادة عن أحوال ملايين العراقيين ممن طفح بهم الكيلُ، وفاضَ الغيظ، لفرط ما انتظروا، وصبروا دون جدوى. وهي شهادة عن قسوة السلطة والدولة والوطن، في الوقت نفسه، والتباس علاقة الكثير من الناس بها.

هناك قول بليغ ينسبه رواته إلى الإمام علي يقول فيه:"الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن". فذل السؤال عن الحاجة، إذن، يخلق هو الآخر، شرخا عميقا بين الانسان ووطنه، وبينه والسلطة والدولة على السواء. وذل الحاجة يتنوع بتنوع حاجات العيش وتعددها. الحريات حاجة، والوظيفة حاجة، والحقوق المدنية حاجة، والعدالة حاجة، والمساواة حاجة، والأمان حاجة، والضمان الاجتماعي والصحي حاجة . . وغيرها كثير. غياب هذه الحاجات ـ الحقوق، وذل استجدائها من السلطة إفساد لعلاقة المواطن بوطنه وبالدولة كذلك.

وإذا ما أدّت سياسات حكومة، أو دولة ما، على سبيل المثال، إلى اختلال مريع في التوزيع العادل للثروة الوطنية بين الناس، بحيث يحوز عشرة، أو عشرون بالمائة من المواطنين ذوي الحظوة والحظوظ عند الحكام، على تسعين، أو ثمانين بالمائة من ثروات البلد، بينما لا يكاد يصل التسعون، أو الثمانون بالمائة الآخرون من الناس، أي الأكثرية، إلا إلى ما نسبته عشرة، أو عشرون بالمائة منها، تهتز العلاقة بين هؤلاء الناس والوطن والدولة والسلطة. اختلال موازنة العدل هذه كان، وما يزال، أحد الدوافع الرئيسية في التمردات والثورات التي عرفها تاريخ البشر، ومنها تاريخ الدولة الإسلامية.

يُروى عن أبي ذر الغفاري، أحد الصحابة الأفذاذ، قوله:"إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفرُ: خُذني معك". وأول ما يكفر به الفقراء والمهمشون هو السلطة والدولة.

هذه الأحوال، وكثير سواها، تجعل من الحديث، بصفة الإطلاق، عن أن "الدولة هي دولة الشعب في جميع الأحوال"، تبسيطا ساذجا للأشياء، يقول شيئا، في الظاهر، لكنه لا يقول، في الحقيقة، أي شيئ. ومثل هذا القول يندرج، في تقديري، فيما يصف به الدكتور حسين كتابات من لا يشاطرهمُ الرأيَ، من أنها "كلام وعاظ السلاطين". كما أنه نوع من التمويه على الناس، وإيهامٌ لهم، إذ هو يرسم صورة "مغرقة بالمثالية والطوباوية"عن علاقة السلطة بالدولة، والدولة بالشعب، عندنا. وهي صورة لا علاقة لها بحقائق الحياة في بلادنا، على الأقل في لحظتنا الراهنة هذه!.

ولنا أن نستعيد، مع السيد حسين بعجالة، نماذج عن علاقة الدولة بالسلطة، وهاتين بالناس، من تاريخنا القريب والبعيد.

هل كانت الدولة، إبان حكم الطاغية، دولة الشعب، مثلاً، أم دولة الحاكم و(الحزب القائد)؟. فيما بعدُ ابتلع الحاكمُ الدولة و(الحزب القائدَ) نفسَه، وأخذ الوطن والشعب إلى جحيم، أوصلهما، في النهاية، إلى ما انتهيا إليه اليوم. كان الإعلام يتحدث عن "عراق صدام حسين!"، وليس عن عراق العراقيين.
ألم يصبح الوطن، في عهده، سجونا ومقابر جماعية، ومعسكرات تُجنّد الناس لحروب الحاكم العبثية، وأماكن للخوف؟

هل دولة القذافي، على سبيل المثال، هي دولة الشعب الليبي، أم أنها والوطن مزرعةُ العقيد وعائلته؟. ألا يرى السيد حسين في انتفاضة الشعب الليبي محاولة لتصحيح الخلل في هذه العلاقة، واستعادة الدولة التي سرقها اللصوص؟

هل دولة (ولاية الفقيه)، في جارتنا الشرقية، هي دولة الشعب الأيراني حقاً؟ يُمكننا أن نتوجه بسؤالنا هذا إلى ملايين الأيرانيين في المنافي. نتوجه به إلى الآلاف ممن قضت بإعدامهم محاكم الثورة، في حينها، ومنهم من صرف نصف عمره في سجون الشاه، وشارك في الثورة وهلل لها. بعضهم قبره معلوم، وبعضهم مجهول الرقدة.
يمكننا أن نسألَ أكرادَ ايران وسنتها وبهائيّها ومسيحييها. أن نسأل مئات الألوف من الشباب المنتفضين هناك عن مدى اغترابهم عن دولتهم ونظام الحكم الذي ابتلعها.

هل دولة آل خليفة هي دولة البحارنة جميعاً، أم أن الأكثريةَ مغتربة عنها، مما دفعها للثورة على حكم العائلة التي اختطفتها؟

يمكن لنا أن نواصل "لعبة" الأسئلة هذه، ونعممها على دول المنطقة جميعها تقريباً، ونبحث عن أجوبة لها في الثورات والاحتجاجات التي تجتاحها. هي، في الظاهر، ثورات على الحكومات والحكام، لكنها، في الجوهر، ثورات لاستعادة الدولة والوطن والذات من سلطات وحكام ابتلعوا كل شيئ.

ربما شاهد الدكتور حسين، مع الكثيرين منا، ذلك المواطن المصري وهو يجهر بالصوت، في ميدان التحرير، قائلا :" الآن فقط شعرت أنني مصري حقاً". تونسيون قالوا مثل هذا. وسيقوله ليبيون ويمنيون وبحارنة وسوريون، وغيرهم يوماً.

في تاريخ أوربا المعاصر، وقارات أخرى، يمكننا أن نعثر، أيضا، على حالات مشابهة صادر فيها الحاكم وسلطته الدولةَ والوطنَ.
بعض أولئك الحكام لم يغتصب السلطة. أتاها عن طريق الانتخابات، لكنه اغتصب الدولة والوطن والناسَ فيما بعدُ.
هتلر نموذج لذلك. في عهده طغت عقيدته الفاشية، العنصرية، وزيُّها الرمادي، على المجتمع والحكومة والدولة، وابتلعتها جميعَها، ومضت بها، والوطن والناس معها، في آخر الأمر، إلى الهاوية. في الأدب السياسي صار يطلق، إلى اليوم، على ألمانيا الدولة والبلد، في تلك الحقبة، توصيف : ألمانيا النازية، دولة النازي.

الشيئ ذاته يمكن قوله عن ايطاليا موسوليني ، واسبانيا الفرانكوية.

سلطةُ السيد ستالين في الاتحاد السوفيتي الذي أصبح ماضياً، مثلاً، لم تكن سلطة الشعب كذلك، رغم أن الدستور كان ينص على ذلك، والكتب تتحدث عنه، وهو ما كان يصدقه الكثيرون في هذه المعمورة، ونحن منهم. دولته لم تكن دولة الناس كذلك. حتى الحزب لم يعد، في عهده، حزب الشيوعيين والطبقة العاملة، ناهيك أن يكون حزب الشعب. أصبح حزبَه هو وحدَه، فقد ابتلع "أبو الشعب!" كل شيئ، وافترس من المناضلين الشيوعيين الحقيقيين، قادة ومثقفين وعلماء، ومبدعين ومناضلين آخرين، ما لم يفترسه أيُّ معادٍ للشيوعية من وحوش هذه الأرض. لقد بلغ اغتراب الناس، في زمانه، عن أنفسهم، واستلاب وعيهم منهم، أن ضحاياه لم يصدقوا موتَه، وبكاه بعضهم عند رحيله!.

في شرق أوربا كذلك، قامت بعد الحرب العالمية الثانية، دول كان يُفتَرَض لها أن تكون دولَ ديمقرطيات شعبية، تسعى لتجسيد حلم بشري، أزلي جميل، في العدالة والمساواة والحرية وتحقيق الانسان فيها ذاتَه. بعد اندفاعة السنوات الأولى وعنفوانها، بدأت بيروقراطية الحزب القائد تزدردُ كل شيئ : الدولة، الحكومة، الوطن، الطبقةَ العاملة وحتى الحزب. وبدأ اغتراب الناس، والطبقة العاملة نفسها، عن الدولة والسلطة والوطن. ولم يشرع الناسُ باستعادة ما اغتربوا عنه إلا مع الانهيار الكبير لتلك الأنظمة نهاية الثمانينات/ مطلع التسعينات. الشيوعيون الصادقون أخذوا يستعيدون كذلك، بعد ذلك الانهيار، هويتهم الحقيقية، وأحزابَهم وحلمهَمُ الانساني، الأزلي، بطريقة جديدة.

إذن فالأمثلة كثيرة عن أحزاب سلطة وحكام يتصرفون وكأنهم يملكون كل شيئ : الدولة، الوطن، الشعب، وحتى الحياة، يحفظونها لمن يشاؤون، ويمنعونها عمن يشاؤون. ومن هنا فإطلاق القول بأن "الدولة هي دولة الشعب، في كل الأحوال" وهمٌ وتضليل للناس . وهو يشبه، في رأيي، ما يُطلقُه بعض أهل السلطة عندنا، من أننا دولة مدنية، تسود فيها الديمقراطية الأفضل في المنطقة!. يوهمنا الساسةُ هؤلاء بأنهم قد وصلوا بنا إلى الهدف المنشود، حتى قبل أن نراه، متجاهلين أن رؤية هدف ما، شرطٌ أساسي للوصول إليه. ولكن ماذا نفعل، وهم يرون، على الدوام، ما لا يراه أحدٌ أبداً!.

الدولة المدنية، الديمقراطية، لا تبدأ بالتحقق، في تقديري، والعودة إلى مواطنيها جميعاً، دون اعتبار لدين أو مذهب ، أو عرق أو انتماء فكري وسياسي، إلا بانعتاق هذه الدولة ومؤسساتها من سلاسل الأحزاب الحاكمة وعقائدها الدينية وغير الدينية، ودوافع ساستها الذاتية وحساباتهم الضيقة. كما أنها لن تقوم إلا بوجود فصل واضح بين الفضائين: الشخصي والعام. الوطن والدولة ينبغي أن يكونا فضاء مشتركا للجميع، محايدا، لا يستحوذ عليه هَوَسُ الأيديولوجيا وأوهامُها.

ولأن الساسةَ المتنفذين، عندنا، لا يُطيقون الخروجَ على هذا الهَوَس إلا في الخطاب الظاهري، نراهم قد أخذوا البلاد وأهلَها إلى صراع محتدم بين كتلهم وفرقهم منذ سقوط نظام الطغيان إلى يومنا هذا. هذا الصراع المُعَطّل لكل شيئ تقريبا، هو، في الجوهر، صراع على تحديد صورة الدولة أيديولوجياً، وخياطتِها على مقاس كل فريق منهم، ووضعها في إطار منظومته الفكرية والعقائدية، أي أخذها والناس معها إلى حظيرته هو.

منذ ثمان سنوات، وبعد كل هذا الخراب الذي أصاب حياة الناس، الخراب الموروث وما أضيف إليه، لم يحدث أن استمعنا منهم، جميعا، إلى جدل ونقاش جديين، يشارك فيهما أهل الاختصاص والمجتمعُ عموماً، حول صورة الدولة ووظائفها في الاقتصاد والاجتماع والتعليم، وحول مشروعها العلمي ـ الثقافي، وخططها لتحديث البلد والمجتمع في الميادين كافة، وفي زمن حداثة مُعَوْلَمة شديد التعقيد والتركيب، تكاد الأشياء وأسئلتُها وما يصحبُها من تحديات تتطور وتتغير كلَّ ساعة.

الجميع يتحدث، في خطاباته، عن الدولة المدنية، وكأنه من اول من اخترعها، لكننا لا نرى لدى هذا الجميع تصوراً واضحاً ودقيقاً عن السبيل إلى هذا الهدف، ولا عن الهدف نفسه. كما لا نجد عندهم رغبة، ولا حتى قدرة، على إطلاق حوار نقدي مفتوح حول رؤيتهم لمفهوم هذه الدولة، ننخرط فيه جميعاً، ونضع على طاولته جميع الأفكار والرؤى، نُقلِّبها من جوانبها المختلفة، ونجتمع على النافع منها لوطننا، والحافظ، حقاً، لمدنية الدولة ودستوريتها. الدولة المدنية عندهم شعار يُطلق للاستهلاك، لمُجاراة (الموضة)!

أليس لنا أن نتساءل، مثلا، كيف ستبدو مدنية هذه الدولة في ظل عقلية "المعسكرات" الطائفية والقبلية والعرقية السائدة، وثقافتها ومقاتليها داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وخارجها؟
كيف تتحقق مدنية الدولة دون الإقرار النهائي بتميز مواطنيها الأفراد واختلافهم عن بعضهم البعض، وحقهم في أن يختاروا كل شيئ يعنيهم، بحرية تامة، انطلاقاً من الملبس وانتهاء بالخيارات الفكرية والعقائدية، وأن يتحملوا مسؤولية خياراتهم هذه؟
ما معنى الحديث عن مدنية الدولة في وقت ينسبُ فيه "السادةُ" الحكامُ لأنفسهم حق الوصاية على الحريات، وتحديد معناها، وحجمها وشكلها، والتصرف بأمرها، وأمر الناس بالتالي، على هواهم وهوى عقائدهم؟
كيف ستبدو صورة (الدولة المدنية) دون أن يتحقق الإدراك بأن الحريات، قبل أن تكون قوانين ومماراسات سياسية واجتماعية، ينبغي أن تكون فضاء ثقافيا وفكرياً مفتوحاً وضرورياً للعيش كما الماء والهواء والضوء والغذاء؟

كيف سيكون حال هذه الدولة، على سبيل المثال، وقد وضعنا لها مصدرا أساسيا للتشريع، دينياً، لا يمكن له، من حيث الجوهر والبنية، أن يمثل ضمانا حقيقياً لا للتعددية الثقافية، المتفاعلة أطرافها مع بعضها بعضا، ولا لحرية الخيارات العقائدية والفكرية، أو للحريات الفردية والعامة؟

المصدر الأساس للتشريع هذا له حقائقه المطلقة، عليها يقوم، ومنها ينطلق القيِّمون عليه، ويرسمون حدودَ الجائز والممنوع في ضوئها. فكيف يمكن الجمع بين مدنية الدولة وديمقراطيتها، وحياديتها في عراق تتعدد فيه الثقافات، وتتنوع الأديان والمذاهب والأعراق، وتيارات الفكر والسياسة، وبين الجوهر الإطلاقي، الأحادي، لمثل هذا المصدر؟

ألا يرى هذا الجميعُ بأن وضع سلطة ما، دينية أو غيرها، فوق سلطة الدولة المدنية الحقيقية، وبرلمانها المنتخَب من أفراد أحرار، إنما هو فخّ يسلب هذه الدولة روحها، ولا يُبقي منها غير صورة شاحبة؟

المأساةُ في هذا العراق أن كل فريق برْوَزَ إطاره وهيّأه، وطلاه بماء الذهب، في وقت ما تزال فيه الصورة غائبة، أو غير كاملة بعدُ.
الدولةُ التي ستنشأ، على قاعدة هذه العقلية، ستتماهى مع السلطة وأحزابها وعقائدها، بالضرورة، ولن تكون دولة الجميع، في النهاية، وهو ما نرى مقدماته، بجلاء، في أكثر من ميدان. توابيت العقائد والمصالح، الحزبية والذاتية، مصفوفة، إذن، لوأد الدولة الوليدة، حتى قبل ولادتها، وليس للناس سوى أن يعيشوا وهمَها في الخُطب والشعارات والمواعظ، تماماً مثلما كان الحال في الماضي.



جدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين (3):

في شـرور الطائفـية ومحاصصاتها

حميد الخاقاني

قد لا يوافقني السيد حسين بأن السجالات اليومية الحامية بين ساسة "العراق الجديد" تجري، في الأساس وحتى هذه اللحظة، على المناصب ومواقع التأثير والنفوذ في السلطة والدولة، على السواء.وهم يخوضون صراعاتهم هذه دون أن توجعهم قلوبهم، أو تعضَّهم ضمائرهم، كما يظهر، على مشاهد الخراب والموت العبثي، وهو يحصد أرواح البشر كل يوم.
جميعُهم لاهون عن مصائب البلد، منشغلون في السَهَر على ما حصلوا عليه، مجاهدون في سبيل تكريسه وتوسيعه، متربّصون ببعضهم البعض. كأنهم غير معنيين بهذا الموت وغير مسؤولين عن درئه.

منذ عقود تُطبِقُ المِحَنُ القاتلةُ على البلاد والناس. هكذا كان الحال إبّانَ حكم الطاغية وما زال يتواصل بعده. وما دامت "نُخَبُ" الساسة مصابةً بعمى العقائد والمصالح الحزبية والشخصية، لا تكاد تعي غيرها، فقد تكون المحنُ الآتية، والعياذ بالله، أشدَّ فتكاً من تلك التي عاشها الناس وما زالوا.

بعد كل مذبحة كبيرة تهزّ وجدان الناس، حتى في الأقطار البعيدة، يخرجون علينا ببيانات شجب واستنكار يلعنون فيها القتلة، ويدعون إلى الوحدة والتآزر، ثم يعودون بعدها (أحياناً حتى قبل أن يسمعوا صدى نداءاتهم) إلى لهوهم (نزاعاتهم)، أي إلى كلّ ما يُعمّق الشقاق ويُعطّل التآزر، ويؤشّر إلى الاستخفاف بما يُكابده الناس!

لم يعُد الناسُ يعرفون منهم غير نزاعاتهم. وراء كل نزاع نزاعٌ، وراءه هو الآخر نزاعٌ يُفَرّخ نزاعاً جديداً يتبعه. سلسلةُ نزاعات لا تنقطعُ حلقاتُها. وهي تشير إلى أن جيوبَ الساسة ـ السحَرة ـ المباركين وحقائبهم ملأى بما يدعو للبؤس، ويدفع بالناس إلى مهاوي اليأس.
ويا ليت عقولهم تزخر بغير ما تحفل به جيوبهم وحقائبهم كذلك!. جيوب الساسةَ السحرةَ، المباركين هؤلاء، ستظل خاليةً، ما داموا مثلما هم عليه، من أية حلول ناجعة، سحريةً كانت أو واقعية، للأزمات التي تنهش جسدَ البلاد وأهلها.

منذ سقوط الطاغية وهم يتنازعون دونما اكتراث حقيقي يُذكَر بأحوال البلد والناس المزرية. لم يجدوا حلاًّ ناجعاً ونهائياً لأيٍّ من نزاعاتهم. ينتقلون بالبلاد والناس من مقلبٍ لمقلب أسوأ من سابقه. فرقٌ تتناطح مع فرَق، وأطرافٌ في فرَق تتناطح مع بعضها. لم نلحظ منهم محاولة جادة، أبداً، لاستبطان أسباب هذه الأحوال وتعاساتها، وسُبُل الخروج منها، وتحديد قسط كل طرف منهم في المسؤولية عنها. كلٌّ يلقي اللوم على الآخر. وعندما تشتد الأزمات، وينفد صبر الناس، نسمعهم يقولون:"كلنا مسؤولون!". وجميعُنا يعرف أن مثل هذا القول لا يضع، في الحقيقة، مسؤولية على أحد أبداً!.

ثمة قولٌ للسياسي والمفكر الاشتراكي ـ الديمقراطي الألماني هيلموت شمدت يرى فيه "أن السياسيين لا يتحملون المسؤولية عما يفعلون أو لا يفعلون فقط، وإنما هم مسؤولون عن الأحوال والمناخات السائدة في المجتمع كذلك". الساسةُ المتعاقدون على الحكم عندنا لا يفقهون هذا النوع من المسؤولية، ولا يصرفون جهداً لإدراكه. وحدها حصصُ السلطة ومغانمها هي مدارُ جهدهم. حولها تدور نزاعاتهم. منها تنطلق وإليها تعود.

ولو كانت شرور خصوماتهم الأزلية هذه لا تطالُ أحداً سواهم، ولا تأخذ البلاد والناسَ معها إلى مهاويها السحيقة، ولو كان غالبيةُ الناس عندنا مالكين لزمام أمورهم، لا تُشَرِّقُ وتُغَرِّبُ بوعيهم وإرادتهم الأهواءُ الطائفية والعرقيةُ والقبلية والحزبية. لو كانوا أحراراً مستقلين حقاً، لا أتباعاً لهذا أو ذاك، لأدّوا خيراً لأنفسهم ووطنِهم، وذلك بأن يقيموا لساسته هؤلاء حلبةَ صراع على غرار (الكولوسيوم) الروماني القديم، ولكن خارج مدننا وأريافنا، في زاية ما من صحرائنا الواسعة، يأخذونهم إليها، ويُطلقونهم هناك على بعضهم البعض، ويُحكِمون إغلاقها عليهم، ويدَعونهم يخوضون صراعاتهم فيها إلى يوم الدين، ليحكمَ اله ، في النهاية، بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، مثلما ورد في الذكر الحكيم.

وقد نعود جميعاً، طالما اكتشفنا فساد لعبتهم السياسية، لمشاهدتهم، بين حين وحين، في العُطَل والأعياد تزجيةً الوقت، وطرداً للملل، فنُصفِّق لهذا ونرثي لحال ذاك. لا ندري أنضحك على أحوال الوعي البائس عندهم أم نبكي؟.
ولربما تجد وزارة السياحة في حلبة الصراع الطريفة هذه مرفقاً سياحياً يدرُّ على البلاد الأرباحَ فتذهب بالسياح الأجانب إليه كي يكتشفوا أننا أهل نكتةٍ وهَزَلٍ، ويقفوا، عندنا، على مشاهد لم تعد تنتمي لهذا العصر، ويقارنوا بين ما يعرفون عن أحوال أسلافنا الأوائل، في العراق القديم، وعقليتهم الابتكارية وبين بؤسنا اليومَ، في كَنَف من يدَّعون أنهم ورثة أولئك الأسلاف وحضاراتهم العريقة.

ولأن تعاسةَ هذه الأحوال وكوميديتها جديرتان بالتوثيق فقد يتفضلُ علينا وعاظُ هذه الفرق وكتبتُها وشعراؤها و"مثقفوها" بمصاحبة ساستها إلى هناك والإقامة معهم، إلى يوم الساعة كذلك، لكتابة المُجلَّدات في وصفها من جانب، ولإذكاء حماسة المتخاصمين، وشَدِّ أزرهم شعراً و"هوساتٍ" وخطابةً ووعظاً من جانب آخر، وهو ما سيثير استغراب السواح الأجانب وسخريتهم حتماً. وقد يعمد بعض مُدوّني الأحداث من كتبة الفرق المتنازعة إلى توثيق مشاهد حلبة الصراع هذه ويومياتها، ولكن بدقة المؤرخ، هذه المرة، وحياديته، ووضعها تحت تصرف الأجيال الآتية كي تعرف شيئا عن بؤس العقل، السياسي خاصة، في هذا الزمن العراقي الفريد!.
إنها لخسارةٌ فادحة، حقاً، أن تخلوَ ذاكرة المستقبل من صفحات هذه المَشاهد والأحوال وشواهدها وأبطالها الميامين!

وقد يكون من النافع للسيد حسين، ولنا كذلك، أن يمضيَ هو أيضاً معهم ليشارك في مثل هذا التوثيق التاريخي النادر، حاملاً مِخلاةَ أوراقه للإقامة هناك، مُتوليّاً رصدَ الأبعاد "النفسية" لمثل هذه الصراعات وأبطالها، ما دام يعتقد أنه ضليعٌ في عوالم نفوس الناس والشعوب وتقلباتها، وأشكال علاجها!

الكارثة، كما أراها، يا سيد حسين، أننا اُبتُلينا بساسة مصابين بهَوَس خصوماتهم الخالية من المعنى هذه، وهم يتوهمون أنهم على حق فيها وفي غيرها، وأنهم على دراية بكل شيئ، ولديهم أجوبة ناجعة على كل شيئ، ولا يخطئون في أي شيئ، مع أنهم ، وكما نرى منذ ثمان سنوات، لا يحذقون في شيئ قدرَ حذقهم في فقدان الرؤية الصائبة، وتفويت الفُرَص على الوطن وأهله، وغياب الأحساس بحركة الزمان، وارتكاب الأخطاء والإصرار عليها، وقيام الكثيرين منهم بتسخير كل ما يقدرون عليه لتحقيق مطامحهم الخاصة في السطوة والجاه والثروة، وعلى حساب مصالح الوطن والناس غالباً.

ما أسرعهم في المبادرة إلى صنع الأزمات، وما أبطأهم وأسوأهم في إدارتها. كل شيئ يتأخر عندهم. لا شيئ تمَّ، معهم، في أوانه، ولا شيئ تحقق بشكله الصحيح (الدستور وغير القليل من القوانين مثال على ذلك)، والكثير ظل مُعلقاً، وما يزال، وليس على الناس غيرَ أن تحيا العمرَ في انتظار!.

يقدمون لنا، في الظاهر، خطابا إعلامياً ذا لباس مدني، وطني، غير طائفي، ديمقراطي، تقابله، في الواقع، ممارسة عملية تناقض ألوان هذا اللباس، وتذهب إلى ضده، فنرى الطائفية تتبختر بيننا بنقاب وطني!
مثل هذا التناقض يشيرُ، إما إلى حالة كذب، هو مرض سلطوي عام، لم يعد أصحابه قادرين على معرفته، أو إلى نوع من التأرجح، والصراع الداخلي لهؤلاء الساسة، بين منظومة ثقافية واجتماعية، ليست ديمقراطية، في الجوهر، توطّنوا فيها، وتشكل وعيهم وسلوكهم في إطارها، وما زالت عقولهم مشدودة إليها بحبال متينة، وبين متطلبات حال مختلف نشأ بعد الاحتلال، وسقوط النظام والدولة معا، وبدء لعبة سياسية جديدة، لم يضعوا هم، وحدهم، قواعدها، بل أسهم معهم آخرون فيها، وبوجود المحتل، كذلك، وتأثيره على جميع أطراف اللعبة إياها.

لم يعد أحد من أطراف اللعبة قادرا، حتى الآن، وبوجود المحتلين خاصة، على حسم الأمر لصالحه وحده. ولهذا طالت مرحلة الانتقال في وطننا، ومعها طال التخبط والعذاب، ولم نعد نعرف، بفضل نزاعات الشركاء ـ الأعداء التي لا تتوقف، متى ينتهي هذا الانتقال، وإلى أين سينتقل بنا؟.
وحين لا يعرف الناس إلى أين ستؤول أحوالهم مع مثل هؤلاء الساسة تضيع الآمالُ، ولن يعود هناك من أُفُق لحياتهم.

ألا تشير مناخات اليأس والإحباط التي أخذت تسود بين الناس إلى ضياع الآمال هذا؟ وهل تفقه عقول الساسة المتنازعين خطورةَ هذه المناخات، وإلى أين ستُفضي؟ ألا يدركون بأن هذه المناخات التي تشيعُها نزاعاتُهم بين الناس، وعجزهم، طوال هذه السنوات، عن اليقظة على ماهو وطني والالتقاء عنده، ليست سوى نوع آخر من القتل، نوعٍ آخر من الإرهاب أيضاً؟

إذا ما تأملنا مسيرة "العملية السياسية"، خلال السنوات الثمان الفائتة، وسِيَرَ الساسة فيها، بدقة، انتهينا إلى أن البلاد تعيش حالةَ دوران في الحلقة ذاتها، من النزاعات والاتهامات المتبادلة، والفساد وضعف الأداء، وفقدان الحِرَفية وقلة المعرفة، واتساع الريَب والشكوك بين الجماعات وداخلها. كل فريق يُضمرُ لغريمه، أو شريكه لافرقَ، غير ما يُعلنُ. وتلك لعمري صفات ذميمة لا تليق بساسة يدَّعون "الوطنية" و"التدينَ" جميعهم، الصادق منهم والكاذب، ويزعمون أنْ لا مصلحةَ تعلو على مصالح البلاد والناس عندهم!. وقد عجزوا، بعد كل هذا الوقت الطويل من تجارب حكومات "الوحدة الوطنية!" و"التوافق الوطني!" و"الشراكة الوطنية!" أخيراً، عن أن يصحوا على حقيقة بسيطة جداً، لا تحتاج معرفتها إلى ذكاء خارق، وهي أنْ لا وطنَ، أحاق به كل هذا الخراب كوطننا، يمكن أن يعاد بناؤه وبناء الانسان فيه، دون انسجام معقول بين ساسته، واتفاقهم على أن يسحبوا السفينة الغارقة، في الاتجاه الوطني نفسه، وبالطاقة الوطنية المشتركة نفسها، دون اعتبار للمصالح الضيقة : طائفية كانت، أو عرقية، حزبية أو شخصية. إدراك هذه الحقيقة البسيطة، والعمل بها، يكفيان وحدهما لنعت هذا السياسي أو ذاك بـ"الوطني"، وما عداه نفاق وضحك، كما أرى، على ذقون الناس، الحليق منها والمُسْبَل.

لكن مثل هذا الانسجام والاتفاق على ما هو وطني لا يمكن لهما أن يتحققا إلا على أيدي "ساسة دولة" ذوي مشروع وطني، مدني وعصري، يتمتعون بوعي ومعارف وصفات ساسة دولة، وليس عبر "ساسة سلطة" مشغولين بالتناطح على غنائمها، والإمساك بلجام الحصان الذي يجرّ عربتها المتداعية، أو"ساسة طوائف" أسقطوا ما يطلقون عليه "العملية السياسية" في "فخ" قسمة طائفية ـ اثنية، وورَّطوها والبلادَ فيه، منذ الساعة الأولى التي فكروا فيها بولوج أبواب السلطة، والقفز إلى عروشها الباذخة.
فإذا نحن إزاء حالة لم يكد الناس يخرجون فيها من زنازين الطاغية وسجنه الكبير حتى وجدوا أنفسهم، بفضل هذا النمط من الساسة، مأخوذين إلى أقفاص الطائفية ومجتمعاتها المغلقَة.

ومنذ تلك الساعة، وبتخطيط مُسبَق ومدروس، سرق ساسةُ الطوائف وخطابُهم، وإعلامُهم ووعاظُهم، حاضرَ الناس، وأخذوه إلى الماضي، وأحاطوه بأسوار رواياته، وصراعات الأجداد فيه، ونجيع الدم الذي ظل يُراق على أرضه خلال قرون طويلة، يُراد لها أن تصاحبنا حتى نهاية الدنيا. ولأن الناس غدت محاصرةً بهويّاتها الطائفية فقد صار على الأحفاد، حتى الذين لم يولَدوا بعدُ، أن يدفعوا ديّات تلك الصراعات وأثمانها!.

ليست هنالك من أمة أو ثقافة تنقطع، بالطبع، عن ماضيها، وتُقفل أبواب الحوار معه، ولا تأخذ منه ما يُجدي لحاضرها ومستقبلها، وتجد فيه ما يشكِّل، وعلى الدوام، عنصراً هاماً من عناصر هويّتها. ولكن المعضلة، عندنا، تكمن في أن ثقافة الإتباع والتقليد قد جعلت من هذا الماضي، عبر صيغ تمثُّلِها له وأشكال تقديمه للناس، سجناً للأفكار والعقول، وعبئاً ثقيلاً على الحاضر وحركته، حتى أصبحنا في حال يتحكّم فيها الأمواتُ وزمانهم بالأحياء وزمانهم!

كم لعنَ الكاتب الفرنسي (بلزاك) إمرةَ الماضي على الحاضر وامتلاكه وحده حقَّ القول فيه. كان الرجل يدرك أن حالة الامتلاك هذه تعني أن يعيش الناس في هذا الماضي، ويُفكّروا بعقله ومن خلال صوره ومشاهده المرويّة، التاريخي منها والمُختَرَع، وأن لا يروا أنفسهم وحاضرهم إلا فيه، أي أن يكون الراهن، كما الآتي، نوعاً من (الأوهام الضائعة)، طبقاً لعنوان عملٍ أدبي بلزاكي.

ولأن تاريخنا مُسَوَّرٌ بالمقدس وبالعصبيات المختلفة، ولأن البعضَ ركبه وسيلة للتحكّم بالناس وبسط السطوة عليهم، صار من الصعب إعادة النظر فيه على ضوء ما يجِدُّ في حياتنا من أحوال، ويتطور من علوم. وأخذت مساحة الحرية في تناوله نقدياً تضيق، مثلما تُنذر بذلك، مثلاً، بعضُ فقرات مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي وغيرها من مظاهر، فمعها، وبحجة عدم المساس بالرموز (مناقشة الأفكار والرد عليها سيكون مساساً بقدسية الرمز)،لا يعود من اليسير تصحيحُ المفاهيم المغلوطة، الرائجة الموروثة من هذا التاريخ، وتخليصه من أردية الخرافة التي أوهنته وأوهنت عقولنا معه، وجعلت من الخيال والوهم بدائل لواقعه ووقائعه، وحالت دون الكشف عما يأخذنا إلى الضحك من أنفسنا وغفلاتها جرّاء ما تراكم وتكلَّس من الخاطئ والمُوهِم منه في عقولنا وحياتنا على السواء.

دونَ الإحاطة النقدية بهذا الماضي ومقولاته سوف تظل أوهامُه تأخذنا، دائماً، إلى الفراغ، وتنتهي بأمل الناس في المستقبل إلى الحَيرة.

وما دامت اليقظةُ على حقائق هذا الماضي محرَّمة إلا بالصيغ التي يرويها لنا حراسُه التقليديون، فقد أصبح على المجتمع أن ينشغل، كما ساسته، بالإصغاء إليه والسباتِ في أحضانه ( هذا السبات يسمونه هم "صحوة")، وليس غربلته والنظر إليه بمنظار العلم وطرائقه، والجدل النقدي معه ومع الحاضر وتحدياته وشروطه، وتمهيد السبيل، عبر هذا الجدل، للذهاب إلى المستقبل، مثلما يفعل عقلاء الناس والساسة في بلدان الدنيا الأخرى. ولكن لاعجبَ فالأشياء عندنا تمضي، بفعل هوَس العقل الطائفي ومحاصصاته، بالمقلوب، فحتى مستقبل الناس صار مرهوناً لذلك الماضي، يعيش على انتظاره، وحلم اللقاء به!.

السيد حسين لا يطيق سماع الحديث عن هذه المحاصصات، ويرى بأنه "نغمة نشاز!". فهو يقول، في ردّه على كتابتي تلك، عن توصيف الحكومات التي قامت عندنا بأنها حكومات محاصصة طائفية، أساساً، بأنّ "هذه النغمة النشاز صارت تتكرر ليل نهار منذ تشكيل أول حكومة مُنتخَبة في عام 2003".
أتُراه يعتقد بأن مجيئ حكومات عبر آليات انتخابية يكفي لتحريم وصفها بحكومات "محاصصة طائفية"، حتى لو كانت روح هذه المحاصصة هي الرَحِم الذي خرجت منه هذه الحكومات، وما زال حبلُها السريُّ موصولاً به؟

واضح أن السيد حسين قد استخدم كلمةَ "نشاز" بمعناها الشائع اليوم، وهو الخروج على قاعدة ما، أو نظام صوتي ولحني متَّسق، متناغم، والشذوذ عنه. فإذا كان الأمر هكذا، فليقل لنا السيد حسين : عن أصوات أية جوقة، حتى من جوقات السلطة، متّسقة ألحانها، ومتناغمة إيقاعات منشديها، خرجنا نحن في توصيفنا هذا يا تُرى؟

صار الجميع يلعن المحاصصة الطائفية اليوم، حتى من ساقوا البلاد إليها، وأقاموا "العملية السياسية" وعملية بناء الدولة على قواعدها، وما زالوا يواصلون، عملياً، ما بدأوه! . قد يُطلق عليها بعضهم، ساسة الطوائف خاصة، تسميةَ " المحاصصة السياسية" تمويها أو تخفيفاً لوقع توصيف "طائفية" المقيت، لكنهم يعرفون جميعاً أنها "محاصصة طائفية"
، في الحقيقة، وأنها أصل البلاء ومنبعُه. يقول بهذا مراجع الدين ووكلاؤهم، وينطق به الناس، على اختلاف مستوياتهم وتنوع مذاهبهم، بعدما اكتووا بنارها الآتية على الأخضر واليابس مما يملكون. جرَّبوا ذلك وعاشوه قتلاً واختطافا وتهجيرا في أعوام اشتداد الفتنة الطائفية، ورأوا بأمّ أعينهم أن من يقبض امتيازات "القسمة الطائفية" إنما هم الساسة الذين يزعمون تمثيل هذا "المكوّن الطائفي" أو ذاك، أما عوامّ هذه "المُكوّنات" وبسطاؤها فلا يكاد يصلهم شيئ منها غير بلاياها.

حتى ساسة هذه المحاصصات يشيرون، إذن، لهذه الحقيقة الصارخة، ويرددون ذات "النغمة النشاز" التي يؤاخذنا السيد حسين عليها، ويصكُّ أسماعه عنها. فقبل أربعة شـهور، تقريباً، نشرت (السومرية نيوز)، على سبيل المثال، تصريحاً لرئيس (لجنة العلاقات الخارجية) في البرلمان، الشيخ همام حمودي، يؤكد فيه "وجود أزمة طائفية في العملية السياسية وليس داخل المجتمع"، معتبراً "أن النظام السابق والأمريكان والمحيط العربي أبرز أسباب هذه الطائفية!".

من الجليِّ لنا وللشيخ نفسه أنه يُغفلُ، هنا، أسباباً أساسية أخرى تكمن وراء هذه الظاهرة : الأحزاب التي قامت، في الأصل، على أسس طائفية، وما تزال. تطلعاتها وخططها المعروفة لعراق ما بعد الطاغية (مؤتمرا لندن وصلاح الدين وقراراتهما، والبيانات التي أصدرها "مثقفو الطوائف في حينها). خطابها السياسي والوعظي ذو الصبغة الطائفية. اختراعها لمفهوم "المكونات" وتسييجه بجداريين عاليين : طائفي وإثني. الإصرار مع "المفوض السامي" الأمريكي، في حينها، على تشكيل مجلس الحكم ووزارته، والعملية السياسية فيما بعد، على أساس قسمة "المكونات" الطائفية ـ الإثنية هذه.

كما أظن بأن الشيخ حمودي يعرف، ونحن معه، أن عمر الانقسام الطائفي، في هذه "الأمة" وهذا "الدين" له جذور عميقة ظل يُغذّيها، ويسهر على رعايتها، ولقرون طويلة، أولو الأمر من الساسة والفقهاء والوعاظ، بأشكال شتى، منذ حادثة "السقيفة" قبل أكثر من 1400 عام، وبدء تشتت المسلمين مذاهب وفرقاً، وما صاحب هذا من أحداث دموية، واضطهاد وتمييز، وقمع وموت. ظواهر ما زالت تتواصل إلى يومنا هذا.

لا ريب أن لحكم الطاغية من قبلُ، كما للغزاة المحتلين وللمحيط الإقليمي، لا العربي وحده، أدوارهم في هذه الأزمة التي يتحدث عنها الشيخ حمودي، ولكن أليست لهذه الأزمة أدواتها وصُنّاعُها من ساسة اليوم المتنفذين، أيضاً، والمُوزَّعين على "المكوّنات" جميعها؟ ولو لم يكن "أرباب" البيت العراقي المتنفذون راغبين في هذا وساعين إليه لما نفذ الغزاةُ، ولا المحيط الإقليمي، إلينا بهذ البلوى. فالبلوى بلوانا نحن في الأساس. "السادةُ الأرباب" هؤلاء جاؤونا بها، وأسقطوا البلاد والعملية السياسية في فخاخها، وما زالوا يصرّون عليها، وإن اختاروا لها تارة هذا اللباس، وتارة ذاك الغطاء. الشيخ يعرف هذا، ونحن نعرفه كذلك! والشيخ يعرف كذلك، ونحن معه، أن الخروج من الفخ الطائفي ليس بسهولة السقوط فيه، وإسقاط الناس والبلاد في عتماته!

بلوى "القسمة الطائفية" أشار إليها، أيضاً، رئيس مجلس النواب، السيد أسامة النجيفي، خلال مؤتمر لمنظمات المجتمع المدني في نيسان الماضي، كما أعتقد، حيث قال : "إن المحاصصة الطائفية والحزبية أدت إلى تغييب غالبية الشعب العراقي، ودفعت بشخصيات فاسدة وضعيفة إلى مكان صنع القرار في بعض مفاصل الدولة".

وقبل مدة غير بعيدة كشف السيد رئيس الوزراء، في مؤتمر صحفي في 11/05/2011، وفي لحظة غضب وصدق في الوقت ذاته،، المحجوبَ عن المكشوف والمعروف لنا جميعاً، وهو أن حكومة "الشراكة الوطنية"، في حقيقتها، حكومة "محاصصة طائفية"، حين أشار إلى أن من المعروف بأن وزارة الدفاع "لـِلمُكوّن" السني، والداخلية "للمكوّن" الشيعي!، الشيعة ينتخبون صاحبَهم، والسنة ينتخبون صاحبَهم!.

في حقيقة الأمر لا الشيعة ، كشيعة، يختارون صاحبهم، ولا السنة، كسنة، يقومون بهذا. من يختار "الصاحبين" هذين، وهو ما يجري في "حصص المُكوّنَيْن" الأخرى كذلك، هي القوائم والكتَل التي خاضت الانتخابات ببرامج وشعارات وخطابات ووعود سوَّقوها للناخب ـ المنخوب، المغلوب على أمره، بأنها عابرة للطوائف، ذاهبةٌ لتجاوز محاصصاتها، ولن تكون معاييرها في ارتقاء مناصب الدولة والحكومة "الطمغةَ" الطائفية، وإنما الكفاءة والمهنيةُ والنزاهة والوطنية. فإذا هم يحنثون بوعودهم الانتخابية هذه، ويستطيبون مواصلةَ لعبة الطوائف إلى نهاياتها التي لن تكون إلا كارثية، بالتأكيد.

رئيس الوزراء عاد، مرة أخرى، ليشير في لقاء إعلامي، في 23 من شهر آب الماضي، إلى حقيقة أن الحكومة والدستور بُنيا على قاعدة طائفية ـ إثنية، وذكر بأن الدستور "يحوي ألغاما بدأت تتفجر وليس حقوقاً، وأنتج حكومة على أساس طائفي وقومي".

مثقفون وساسة ديمقراطيون ويساريون نبّهوا إلى ذلك وأخطاره الجمّة منذ البداية. كتبوا وقالوا، وما زالوا يقولون ويكتبون، بأن الدستور والدولة والعملية السياسية ينبغي أن تكون جميعها مشاريع وطنية فحسب، وليس "خلطةً" طائفية ـ إثنية، كما هو الحال الذي انتهى بنا إليه ساسةُ اليوم المتنفذون.

جميعهم يشكو المحاصصة اليومَ، ويرفع عقيرتَه بنقدها، لكنهم جميعاً يذهبون، في الممارسة، إلى ما يُبقي عليها ويؤدي إلى تكريسها في المجتمع وفي عمل السلطة والدولة على السواء!

قبل أسابيع أعلنوا عن تشكيل لجنة تتولى ما أسمَوه "دراسةَ التوازن الوطني"(في الحقيقة التوازن الطائفي!) وتصحيحَه في وظائف الدولة والدرجات الخاصة. مهمةُ هذه اللجنة رصدُ ما يراه بعضهم "إفراغاً طائفياً" من المناصب الرفيعة، ويعتقده البعضُ الآخر "خللاً" ليس إلا.
تصحيحُ الحال، "إفراغاً طائفياً" كان أو "خللاً"، سيكون على أساس "مُكوّناتي" كما يقولون، أي على هَدْي "قسمة" طائفية ـ إثنية!. بعض الكتل تتحدث عن 100 منصب عسكري ومدني ينبغي أن يشملها "التوازن"، وبعضها يُحصي 500 درجة خاصة لم تُراعَ فيها "استحقاقات" كل كتلة، واستأثرت فيها جهة على حساب جهة أخرى، كما يقولون!
الانتماء الطائفي ـ السياسي أصبح، وفقَ منطق "التوازن" هذا درجة وظيفية. ومن الواضح أن النزاع بشأن عدد هذه الدرجات، ومن سيأخذ غنيمته منها، حاضرٌ ومُبَرْمَجٌ، إذن، من الآن، وينبغي لجمهور الناخبين أن يحجزوا أماكنهم من اللحظة للتفرج على مشاهده، ويبتهجوا بمن انتخبوهم!

العلامة الوردي أشار، قبل أكثر من خمسين عاماً، في كتابه (وعاظ السلاطين، ص 260)، إلى مثل هذه الظاهرة فيما نصُّه :"وهنا بدأت الطائفية في العراق تأخذ شكلاً جديداً، فبعدما كانت الطائفية نزاعاً مذهبياً أصبحت الآن نزاعاً على الوظائف. ضعُفت نزعة التدين في أهل العراق وبقيت فيهم الطائفية : حيث صاروا لادينيين وطائفيين في آن واحد. وهذا موضع العجَب!"
لقد كتب الوردي هذا في زمن لم يكن الأمر فيه مثلما هو عندنا اليوم. فما تُراه سيقول لو كان هذه الأيام بيننا؟ أظنه سيلطمُ خدَّه، ويعدو باحثاً لروحه العراقية الطاهرة عن مرقد خارجَ هذه التربة.

وما دام الناس لا حول لهم ولا قوةَ في هذا "التوازن" الذي يتنازع فيه من انتخبوهم، كما في كثير غيره، فليس لهم سوى الابتهال إلى الله أن يكون أصحاب الحظوظ في هذه المناصب الخاصة، ذوي تحصيل علمي مناسب لما سيشغلون، على الأقل،لا أن يحمل "بائع خضار" منهم مثلاً، مع احترامنا لأهلنا من باعة الخضروات وغيرهم (أنا كنت، على سبيل المثال، بائع عرقچينات ويشاميغ وبشْتمالات في وطني، وما أزال أدور بها، في الحلم، في أسواق أوربا ومقاهيها)، رتبةَ "عميد" أو "لواء" فجأةً، أو يتربع صاحبُ شهادة مزوّرة على كرسي مدير عام، طارداً عنه من هو أكثر كفاءة منه، لا لخطيئة عند هذا المواطن "المطرود" سوى أنه لا يعرف ظهيراً طائفياً أو حزبياً يتكئ عليه، أو لعله، لوطنية وصدقية فيه، وإباء عن المشاركة في لعبة فاسدة كهذه، يسمو بنفسه على البحث عن مثل هذا الظهير.

في الدول الديمقراطية حقاً، دول العدالة والقانون والمواطنة الكاملة، لا يشغل مثل هذه المناصب والوظائف غير المهنيين الكفوئين في اختصاصاتهم وميادينهم من التكنوقراط. لا أحدَ يسألهم، وهم يضعون أنفسهم ومعارفهم في خدمة أهلهم، عن عقائدهم و"المكوّنات"، أو الأحزاب التي جاؤوا منها، فتلك شؤونٌ تخصّهم وحدهم، لا تجلس معهم على مكاتب الوظيفة التي يشغلون.
في مثل هذه الدول لا يمنح الانتماء الديني والطائفي والإثني أو الحزبي حقاً لأحد، ولا يسلبُ حقاً من أحد.

نقيضُ هذا لا يحدث إلا في دول الخنادق والمتاريس الأيديولوجية والعقائدية، أي الدول غير الديمقراطية، وغير العادلة! ويُفتَرضُ أن "العراق الجديد"، إذا ما صدقنا خطاب "كتل المكوّنات" جميعها، ليس من دول الخنادق هذه!
فلماذا يدأب ساسته، إذن، على شقّ الخنادق وإقامة المتاريس السياسية والعقيدية والوظيفية والنفسية، بالتالي، في دولته وبين مواطنيه إذن، ومنح حقوق التوظّف وسواها أو منعها على ضوء هذه المعايير وتوازناتها؟!

ولا أظننا بحاجة إلى القول بأن التوازنات الطائفية التي يكدّون في الاشتغال عليها ستظل توازنات هشةً دائماً، مهما صوَّر لنا أصحابها. الدولة، وحتى المجتمع، يُصبحان، في ظلها، أشبهَ بلاعب سيرك يسير على حبل ممتد بين حافتي هاوية سحيقة، تنتظر سقوطه فيها أكثر من مرة. تاريخ لبنان وتوازناته الطائفية، رغم ديمقراطيته الأعرق من ديمقراطيّتنا، وثقافة أغلب سياسييه وحرفيّتهم عموماً، علامةُ شؤم لنا في ذلك.

عمار الشبلي، وهو قيادي في ائتلاف دولة القانون ونائب عن (التحالف الوطني)، وصف في تصريحات صحفية أشارت لها صحيفة (المدى)، في 23 من الشهر الماضي، التوازن في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بـ "الوجه الجميل للمحاصصة".
وجه المحاصصة الطائفية يظل، بالطبع، بشعاً على الدوام، سواء لبس قناع "التوازن الوطني" أو غيره من أقنعة تزدحم بها سوق السياسة عندنا. وبمثل هذا الوجه القبيح لن تكون "دولة العدالة والمواطنة والمدنية والديمقراطية" التي يُكثر المسؤولون من الحديث عنها غير وهمٍ آخر يُضاف لأوهام كثيرة تغشى بصائرنا.

ليس هناك، بالطبع، من نص دستوري يُبيحٌ مثل هذه "القسمة الطائفية"، مثلما لا يوجد أيّ نصٌّ يُطَوِّبُ أيَّ منصب في الحكومة أو الدولة، تنفيذياً كان أو تشريعياً، لهذا "المُكوّن" أو ذاك، نزولاً من منصب رئيس الجمهورية ونوابه، ومروراً بموقع رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ووكلائهم، ورئيس مجلس النواب ونوابه، وانتهاء بالسفراء ومن معهم، وحتى أصغر موظف فيهما : الحكومة والدولة.

ولما كان الدستور لا يفتح السبيل لمثل هذه "القسمة" فقد عمد القومُ إلى تصريفها بأن سنّوا لها "عُرْفاً" توافقوا عليه بوصفه "مقاولة سياسية" بين ساسة "مكونات"، تؤسس لحالة لبنانية عندنا، وتكرّسُها وتدفع الناسَ لقبولها والاعتياد عليها، بصرف النظر عن عدم دستوريتها. أطلقوا عليها مرةً "وحدة وطنية!"، ومرةً "توافقاً وطنياً!"، ويسمونها اليوم "شراكة وطنية!".

وسواد "العُرف"، أياً كان، يشترط أن تتمسك به الأطراف المتعاقدة، المتقاولةُ عليه. وما دام "عُرف" ساسة الكتل الكبيرة في بلادنا هو "تحصيص" الدولة ووظائفها بين "ممثلي" الطوائف والإثنيات، الكبرى خاصة، وتوريثها لهم، فلا يجوز لأيٍّ منهم أن يخرج عن "الحَيِّز" الطائفي ـ الإثني الضيق الذي وضع "العُرف" حدودَه له، ويذهب إلى الفضاء الوطني الواسع. يُمكن له أن يخرج عنه شكلياً بالطبع، أي أن ينافقَ فيخطب خطاباً وطنياً، مدنياً علمانياً مثلا. ولكن يجب عليه أن يظل ممسكاً بطرفه الخاص من "المعادلة" الطائفية ـ الإثنية، أي أن يكون حاملاً لراية "مُكوّن طائفي" في الأساس. ولا ضير، بعدها، أن يقول ما يقول، فالجميع يلعب هذه اللعبة!

المُهمُّ أن يظل "البُعد الطائفي ـ الإثني" للكتلة السياسية حاضراً، وليس لها أن تُغادر هذا "القفص" طالما "الشركاء" يُفضلون، من الناحية العملية، حوار "الأقفاص" المغلقة على جدل الفضاءات الوطنية المفتوحة وحواراتها!

تكريس "عرف" المحاصصة الطائفية ـ الإثنية على الضد من الدستور، وخداع الناخبين عبر خطاب آخر، لا طائفي، كاذبٍ في الحقيقة، ذي دور تمويهي، يكفيان وحدهما، في المجتمعات الديمقراطية التي تحترم نفسها، لإلغاء شرعية الانتخابات وما نتج عنها وترتب عليها. هذا أمر يُفتَرَض بالسيد حسين معرفته.

كلّ هذه المثالب والشرور التي تنطوي عليها "المحاصصة"، واللعنات التي يوجهها لها، حتى ساسةُ الطوائف أنفسهم، وشكواهم التي لا تنقطع منها، لا يراها السيد حسين ولا تصل إليه، كما يبدو، أو أنه لا يريد أن يسمعها ويفقهَ الحقائق الكريهة التي تُنبئ عنها. سماعُ هذه الأصوات واللعنات، وتمييز الصادق من صاحب القناع فيها، وإدراك مخاطرها على الوطن والدولة والمجتمع، قد تُعينُ السيد حسين على اكتشاف "النغمة النشاز" حقاً، والاهتداء، في النهاية، إلى أن "النغمة النشاز" هي نغمته وحده.

ولكي أريحَ السيد حسين أقول له : بلى، نحن أهل "أنغام نشاز" في هذا الأمر، وفي كل ما ننظر إليه بمنظار غير ذاك الذي يرى هو، ومن يُفكر مثله، الأشياءَ من خلاله. ولكن "نشازنا" هذا غير "نشازه". نحن ناشزون بالمعنى اللغوي الأساس للكلمة، فـ"النَشْز" و"النشاز"، في معاجم اللغة، يعنيان "المَتنَ، أو المكان، المرتفع من الأرض"، فإذا نشزَ الرجلُ ارتفع في المكان وعلا. وفي هذا السياق ورد في (الحديث) : "أنه كان إذا أوفى على نَشْز كبَّرَ". وفي (الكتاب) نقراُ : "وإذا قيل انشُزوا فانشُزوا" ( المجادلة، 11)، أي انهضوا وقوموا للصلاة. أما النَشزةُ من الدواب فهي الدابة التي يصعُب ترويضُها، فلا يكاد يستقر سَرْج عليها، أو يستوي راكبٌ على ظهرها. وإذا "نشزت المرأة بزوجها، ومنه وعليه، فهي قد ارتفعت عنه وعصت عليه، وأبغضته، وخرجت عن طاعته". ولعل السيد حسين يوافقني، مادام ديمقراطياً ولبرالياً كما يرى، على حق المرأة المظلومة في كسر الأقفال التي تُغلق فمها وتُكَبِّلُ عقلها وروحَها، وعصيان ذكور الثقافة البطرياركية وبعولها، والخروج عن طاعتهم.

بهذه المعاني جميعها نحن قومٌ "نشاز"، نخرج واعين، عامدين وقاصدين، على "محاصصة" لا تلد غير الأزمات والكوارث، ويريد لها أصحابها أن تكون، رغم هذا، قاعدة للسياسة والدولة والمجتمع، والحياة عموماً، في وطننا. ولأننا نسعى إلى أن نكون ديمقراطيين حقاً، نُقِرُّ بأنّ لغيرنا، ومنهم السيد حسين بالطبع، الحقَّ ألاّ ينشزوا، وأن يستمرئوا السُكنى في "بيت طاعة" الذَكَر ـ السلطان طوال حياتهم!




جدل هادئٌ ومتأخرٌ مع عبد الخالق حسين (4):

"الطائفية السياسية" صناعةُ عقليات مُغلَقَة لمجتمعات مُغلَقَة

حميد الخاقاني

المثير للاستغراب أن السيد حسين، في الوقت الذي يعيبُ فيه عليَّ، وعلى كثيرين سواي، نقدَنا للمحاصصة الطائفية ـ الإثنية وساستها، يشيرُ نفسه، في كتابات له،على سبيل المثال، إلى "أن الشعب ما يزال يعاني من التخندق الطائفي والإثني".

ألا تستدعي معاناة الشعب، والوطن بالتالي، من هذا التخندق نقدَه ونقدَ من حفرَ خنادقَه، إذن، خاصة وأنه قد امتد إلى السياسة، وطبعها بطابعه؟

وفي رد له على الدكتور كاظم حبيب يؤكد السيد حسين بـ"أن المحاصصة شر لا بد منه في المرحلة الراهنة". هذان المثالان وحدهما يبعثان على الضحك من وصفه نقدَ غيره لهذه "المحاصصة ـ الشر" بـ"النغمة النشاز"، في وقت يعزف فيه، هو نفسُه، النغمةَ ذاتَها.

ألا يعرف الرجلُ ما كتبه أو قاله لحظةَ الكتابة عمن يخالفه الرأي، أم أنه مسكونٌ بنقد من لا يتطابق معه لأجل النقد كما يبدو!؟

أوافق السيد حسين على أن "المحاصصةَ شرّ". هذا أمر قلناه ونقوله دائماً. لكنني لا أتطابق معه في أنها "شرٌّ لا بد منه". هي، في الحقيقة، شرٌّ منه ألفُ بُدٍّ وبُدّ. يحق للسيد حسين ولغيره، بالطبع، أن يعتقدوا بأن "المحاصصة الطائفية ـ الإثنية" قدرُ العراق وأهله، وأن لا مفرَّ لنا منها، ولا مخرجَ للناس إلا بقبولها، والصبر عليها في هذه المرحلة، كما يقولون. ولكن لِيَدَعوا لغيرهم الحقَّ، أيضاً، في أن لا يروا في هذا "الشر" قدراً لا محيص عنه، لأنه، في حقيقته، قدرٌ خادعٌ، مصنوعٌ، لم يطلبه الناس، بسطاؤهم خاصة، ومن أتباع المذاهب جميعها، وانما اصطنعه لهم ساسةٌ طلبوا السلطان به، جاعلين من المذاهب والأديان وإيمان الناس بها آلةً لطلب السلطة وسحر دنياها ( المال، الجاه، النفوذ، التسيّد على الناس والتحكّم بمصائر البلاد، واصطياد مُتَع الدنيا . . وغيرها).
ثمّ أن هذا القدرَ المُصطنَع لم يأتِ للبلد وأهله، المؤمنين منهم بقصص المذاهب ومقولاتها، وغير المؤمنين كذلك، بغير الوبال والشرور. تجارب السنوات الثمان الماضية لا تقول غير هذا.

فالدولة التي ينبغي أن تكون دولة قانون مدنية، ودولةَ مواطنة كاملة، تدير شؤون البلد وتخدم أهله بتكليف منهم، وتتعامل معهم بحيادية وفق القانون، وتحترم عقائدهم ومقدساتهم وخياراتهم الدينية والفكرية والسياسية دونما أي تمييز بينهم، لا يُمكنها أن تحافظ على صفاتها هذه، وتقوم بوظائفها الوطنية كما ينبغي، وهي دولةُ "اقطاعيات" طائفية واثنية. فالهوى الطائفي ـ الاثني، الغالبُ الحاضرُ في وزارات الحكومة ومؤسسات الدولة يجلس متربعاً، على الدوام، بين وزير هذه الطائفة أوتلك، وموظف هذه الفرقة أو تلك، وبين واجبه المدني والوطني الذي يتلقى لأجله أجرَه، هنا في الدنيا، وهناك في الآخرة.

لم يعد من النادر، مثلاً، أن يسأل الوزير الطائفي من يتقدم من الناس، حتى العلماء منهم، للحصول على وظيفة ما: رئيس جامعة، عميد كلية، أو مدير عام، وغيرها من الوظائف، عن "شيعية" هذا المُتقدمُ أم "سنيًّته". وإذا ما كان أحد والديه من هذه الطائفة، والآخر من تلك، واحتار المواطن (التكنوقراط) بماذا يُجيب، حرص الوزير "الوطني!" على معرفةِ إلى أي الوالدين يميل المتقدم مذهبياً!. ولا ينسى مثل هذا الوزير أن يذكر أمام المواطن (التكنوقراط) حزبَه الحاكمَ، أو المشاركَ في الحكم، داعياً إياه، تصريحاً أو تلميحاً، إلى أن يطرق أبوابه كي ينعم بخير الوظيفة مُطمئناً، هادئاً!. وغالباً ما يحدث أن يخرج الوزير، أو المسؤول "الطائفي"، بعد أمثال هذه المقابلات، إلى الملأ وقد طلى لسانه بحلاوة "الوطنية" و"المدنية" وبلاغتها!

لقد بلغ الأمر، وفي حالات كثيرة، أن شقَّ على المسؤول الطائفي أن ينظر بعين العدل والمساواة لضحايا الطغيان، حتى الشهداء منهم، ما داموا من طائفة مخالفة، أو من تيار فكري وسياسي مغاير. وكلنا نعرف أنَّ من يعجز عن العدل بين الضحايا والشهداء لن يكون عادلا مع غيرهم، ويدعَ حقوقَ الناس تمضي إليهم، دون حسبان لانتماءات دينية أو طائفية أو قومية أو فكرية.

في ظل العصبيات والاستقطابات الطائفية والقومية، والانشداد إلى قيم التخلف و"ثقافته"، تظل الاستقلالية الوطنية لوزراء الطوائف والأعراق وموظفيها مُفتَرضة، غير مُتحققة إلا نادراً. في مثل هذه الأحوال يزداد حبلُ السُرَّة الطائفي ـ الاثني لديهم متانةً، في حين يضعف حبل السرة الوطني، أوحتى ينقطعُ.

هذه الظاهرة يضع السياسي العراقي (محمود عثمان) يده عليها في لقاء له مع صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية، في الخامس من شهر أيلول الماضي، يقول فيه :"العراق اليوم هو عراق الكُتَل وليس عراق المواطن ولا عراق المؤسسات ولا عراق الدستور، بل عراق الكتَل التي تتحكم بكل شيئ، وهي كتلٌ مختلفة فيما بينها، وتُفضّل مصلحتها الخاصة على مصلحة البلد والمصلحة العامة".

الوطن والدولةُ إذن عليلان مٌمدَّدان في أسرة الكتل. كل واحدة منها لها قطعتها منهما، وجميعها تتخاصم لتأمين نفوذها على ما حصلت عليه وتوسيعه.
ألا يُحيلُنا هذا، يا سيد حسين، إلى ما أشرتُ إليه، في الحلقة الثانية من مقالاتي هذه، عن حالات يصادر فيها الحكام الوطنَ والدولةَ على السواء، ويدفعون الناس إلى الاغتراب عنهما؟

المحاصصة الطائفية ـ الإثنية ليست نتيجة لتجارب الماضي المريرة، وسواد الشكوك بين الفرق والجماعات فقط، وإنما هي تعبيرٌ عن عصبيات مشغولة بنفسها فقط، وبمنظومتها الفكرية وهويتها الفرعية، واعتقادها بامتلاك الحق والحقيقة مطلقاً، سواء تعلق الأمر بالدين أم بالسياسة. عصبياتٌ كهذه، شأن غيرها من العصبيات، لا تفرزها إلا أيديولوجيات وأنماطُ تفكير مغلقة، ولا تُنتِج هي بدورها إلا مجتمعاً مغلَقاً. وتجارب العقليات المغلقة هذه غير صالحة، أبداً، للمجتمع التعددي المفتوح ولدولته الديمقراطية المدنية المنشودة، دولة الحريات والمساواة الكاملة والعدالة، وغير قادرة على بنائه.
هذه الدولة التي يتحدثون عنها وكأنها قائمة تظل، مع هذا النمط من التفكير وتطبيقاته، غائبة في الحقيقة، منزوية في وحدتها، حبيسةَ مواد دستورية لا تجد سبيلها للحياة. تظل كلاماً، حبراً على ورق، نوعاً من سخرية بائسة، تتردد أصداؤها بين جدران عقول مُغلقَة، ومجتمعات مغلقة كذلك!

عن مثل هذا المجتمع المُغلق وعقوله المماثلة له، وتشوُّهِ علاقة ناسه بالدولة، كتب (موسى عاصي)، أحد الناشطين في حملة إسقاط النظام الطائفي في لبنان، نصاً في ملحق صحيفة (النهار) البيروتية، في الرابع من نيسان الماضي، حمل عنوان (نريد دولة ننتمي إليها)، يذكر فيه: "كنا دائما أبناء طوائف، ندين بالولاء لزعماء كرّسوا أنفسهم أولياء أمورنا، فصاروا مع تراكم الترابط بالعلاقة ملاذنا الأخير، حماتَنا من بعضنا البعض ومصدر رزقنا، واستقرارنا. في ظل هذا النظام الذي اصطُلح على تسميته النظام الطائفي نمت علاقة بديلة بين المواطن والمؤسسة الطائفية على حساب العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة".

الأيديولوجيا المغلقة لا تريد مجتمعاً من أفراد أحرار ذوي وعي حرّ مستقل، ولا تُطيقُه بل تريد حشوداً مشدودة لها، متَّكئةً عليها، مطيعةً لأوامرها ولما توسوس لها به. آذان المواطن التابع، أو الحشد التابع، يجب أن تظل مفتوحة، على الدوام، لهمس العصبيات وساستها. ولا بدّ أن السيد حسين يعرف بأن الديمقراطية الحقيقية لا تنشأ وتتطور مع هذه العقلية وحشودها المطيعة. معها تحصل البلاد، في أفضل الأحوال، على ديمقراطية استقطابات طائفية وإثنية، لا تُنتِجُ انتخاباتُها غيرَ استقطابات مشابهة.

ولأن ما عندنا، في هذا المضمار، يُشبِهُ ما عند أهل لبنان، فدعونا نعود، ثانية، لما أورده (موسى عاصي) في كتابته المذكورة :"في ظل هذا النظام برز ارتباط عضوي بين الناس وطوائفهم، تحول مع الزمن ليصير علاقة تبعية خالصة، وصناديق الاقتراع تشهد على هذه التبعية".

وفي ظروف الجهل والتشدد وديمقراطية الاستقطابات هذه تُصبح الحشود التابعةُ جنودَ الحاكم وصاحب الأمر، أياً كان هذا الأمر، يغيرُ بهم، عند الحاجة، على خصومه ومخالفيه.
ألم تشهد ساحة التحرير عندنا مثل هذه الإغارة يوماً؟ ذلك المشهد لن يكون الأخير بالتأكيد. مطلعَ القرن الماضي (1901) أنار لنا المصلح الديني عبد الرحمن الكواكبي (1849 ـ 1902) في مؤلفه (طبائع الاستبداد) جدليةَ العلاقة بين الجهل والاستبداد.

المجيئ بالقسمة الطائفية ـ الإثنية إلى الحكم والدولة يضع الطوائف والأقوام، أي "المكونات" كما يقولون، في مواجهة بعضها البعض، على الدوام، وينقل معه إلى مؤسستي الحكم والدولة كلَّ هذا التاريخ المتوتر للعلاقة بين الطوائف وأزمته البنيوية القائمة على الثنائيات الحادة، والشكوك والانتقام لما يراه هذا الطرف أوذاك اغتصاباً للحقوق، وادعاء كل جماعة بأنها الأصدق إيماناً والأكثر قرباً إلى الله والأحرى بتمثيل الدين الحق، وهدايةِ الناس إلى الصراط المستقيم!.

وهكذا نجيئ باللامعقول (القسمة الطائفية ـ الإثنية) إلى ما لا يُمكن تسييرُه بغير العقل والمعقول (الحكم والدولة) فنفسده بما جئنا به إليه وهو ليس منه. أليس هذا ما نعيشه، بحدة، منذ أكثر من ثمان سنوات.

قد تجمع القسمةُ الأضدادَ على مأدبتها، لكن هذا الجمعَ لن يصبح، في ظل العصبيات والمصالح الضيقة وصراعات العقائد والتخلف، إجماعاً على الوطن ومصالحه، فضلاً عن أنها تُشرع الأبوابَ لتأثيرات الامتداد الطائفي الإقليمي ومنازعاته. كما أن مثل هذه القسمة تأخذ الناسَ، بمرور الأعوام، حتى لو لبست ثوبَ "التوازن" المهلهل، إلى انقسام شعبي وسياسي، فضلا عن الانقسام المذهبي الحاد القائم منذ قرون طويلة، أي أنها ستُهدينا انقساماً عمودياً ثلاثي الأبعاد، يظل يدور بنا في متاهة أزماته المتوالية.

هذا الانقسام الثلاثي الأبعاد، وردائفه الثقافية الطائفية في المجتمع والدولة، لا يدعان الشعبَ يصبحُ "شعباً" إلا في الظاهر، فهما يأخذانه إلى أن يكون "شعوب طوائف"، في النهاية، لا شعباً واحداً حقاً. وإذا ما أضفنا إلى ذلك توزّع "الشعب" على قبائل، والقبائل على الطوائف، وهما مؤسستان تقليديتان، تعود أولاهما إلى عصور ما قبل الدولة، نظاما وثقافة، استطعنا أن نقول بأن "الشعب الواحد" سيكون حاضراً في الخطاب السياسي فقط، لكنه غائبٌ في الحياة الحقيقة. مثل هذا يُمكن قوله عن الدولة المدنية كذلك.

كما أن هذا الانقسام الثلاثي الأبعاد وردائفه الثقافية سيؤديان بالنتيجة، وهو ما نرى ملامحه الآن، إلى نشوء مجتمعات متوازية في مجتمع واحد، لن يعود معها واحداً أبداً. مجتمعات مناطق أو أقاليم، يتباين فيها المُحَرَّم والجائزُ، ونُظم التعليم ومناهجه، والنظرة للمرأة، وقضايا الحريات، وتفسير التاريخ، خاصة الديني منه، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وغيرها من الأمور. وهي مجتمعات مناطق أو أقاليم يقوم بعضها على أساس طائفي، تتحكم فيه تعاليم مذهب بعينه، وتضع له شروط حياته وتطوره اجتماعياً وسياسياً وثقافياً. ويقوم بعضها الآخر على اساس إثني. وبينها مجتمعات أفليات صغيرة، ستجد نفسها مأخوذةً، عنوةً، إلى انغلاق أشدّ، أو إلى هجرة جماعية مفروضة، حمايةً لوجودها المُهَدَّد على الدوام.

مُرَبٍّ وصاحبُ فكرٍ تنويري، هو اللبناني عمر فاخوري (1895 ـ 1946)، كتب عن مثل هذه الشرور، وهو يرى أحوال بلده، إذ ذكر، وقد شغله كيف ينهض قومُه، بأن الحالة الطائفية تجعل من الوطن الواحد أوطاناً، ومن الشعب الواحد شعوباً، إذ يصبح "بين المذهب والمذهب، وبين الجنس والجنس، من الحدود والحواجز ما يحتاج إلى جوازات سفرٍ، كأننا شعوب في شعب، وأوطان في وطن".

محاولة اشباع الحياة السياسية والاجتماعية بالبعد الطائفي، بحيث لا يعود هذا إيماناً خاصاً بالناس، ينشأ عن اجتهاد حر وخاص في الدين، قد يؤدي إلى إغناء الدين والفكر عموماً، بل يصبح نظاما سياسياً يفضي، في نهاية الأمر، إلى تقسيم "الشعب" والمجتمع، أو جَعل وحدتهما شكليةً وهشّة، في أفضل الأحول، قابلة للانكسار والتشظي في اللحظات الرخوة، وفي أوقات الأزمة خاصة. وما أكثر هذه الأوقات في أنظمة كهذه، وفي ظل عصبيات تفتح الأبواب واسعة للنزاعات والصراعات التي لا تتخذ طابعا سياسياً فحسب، بل تكتسب صبغة طائفية ـ دينية، يهبط معها "المقدّسُ" المُسَيَّسُ إلى الشوارع مُدجَّجاً بأسلحته الكثيرة ليتظافر هو والجهلُ على سواد الاستبداد، وإسباغ صفة "القدسية!" الخادعة عليه هذه المرة!

المُقدَّسُ الحقُّ والاستبداد، سواء تجلّى هذا الاستبداد في الحكم، في السياسة، في الاجتماع، في الفكر والثقافة، أو حتى في فرض الأديان والعقائد على الناس، ضدان لا يجتمعان. المقدس الحقُّ رحيمٌ، عادلٌ، جميلٌ، مُحبٌّ ومحبوبٌ، خالقٌ للحياة، لا يُقيمُ جدراناً عالية بين البشر، وإنما يدعُ لهم إعمالَ عقولهم فيما يختارون والمسؤوليةَ عنه. أما الاستبداد فوحشٌ بمخالب وأنياب حادة، لا يأتي معه بغير الموت والخراب حتى وهو يُلوّح براية "المقدّس" ويزعم النيابةَ عنه فيما يقوم به. ألم نر من يُبسْمل ويُكبِّرُ وهو يحزُّ أعناق أناس أبرياء ليذهب بعدها مُطمئناً لرضى "المُقدّس" عنه؟!

مثل هذا الاستبداد، سواء اختفى وراء الأديان أو المذاهب، أو لبس أقنعةَ الدفاع عن "الثورة"، أيةَ ثورة كانت، لا يستيقظ إلا مع أفول العقل، والرحمةِ، والعدلِ والجمال، والمحبةِ والحرياتِ والمساواة بين الناس، وغياب وعيهم بحقوقهم وحقائقِ أحوالهم وأحوال من يحكمهم، وانعقاد ألسنتهم عن قول الحق والعمل على إحقاقه مطلقاً، ولجميع الناس، حتى من يخالفونهم.

ولأنَّ تشويه "المقدّس" وإساءة توظيفه من قِبَل أهل السلطان يكاد يَسِمُ تاريخَ ربطه بالسلطة كلّه، فلا أظننا نذهب بعيداً إذا ما رأينا في خيار الدولة المدنية، العلمانية الديمقراطية، رحمةً ونعمةً من الله على أديانه وعلى الناس معاً، وتحريراً لها ولهم من براثن أباطرة وقياصرة وخلفاء ظالمين، وملوك وحكام ركبوها سبلاً للتحكم بالناس،وألبسوها قبيحَ وجوههم، وأرادوها، في الحقيقة، وسيلة لتثبيت سلطانهم بدعوى إقامة سلطان الله على الأرض. وهكذا منحوا العلاقة بين البشر، المؤمنين منهم بأديان الله وغير المؤمنين، لونَ الدم. حتى العلاقةً بين أبناء الدين الواحد والطائفة الواحدة والأمة الواحدة لم تكن بمنأى عن لون العلاقة الدموي هذا. تاريخ الأديان والمجتمعات جميعها حافلٌ بشواهد لا تُحصى على ذلك.

في محاضرة له حملت عنوان (التساهل الديني) ألقاها في نيويورك عام 1990 يضع الكاتب اللبناني أمين الريحاني (1876 ـ 1940) إساءةَ توظيف الدين وأبعاده الطائفية في تحقيق أطماع الحاملين لراياتهما، وتثبيت سلطانهم، موضعَ التساؤل، فيقول :" هل أوحيَ الدينُ ليساعدنا على الجشع والطمع والتحامل على أبناء جنسنا والإزدراء بهم؟ هل أوحي الدينُ ليكون سبباً للخصام والشقاق والقتال؟ هل أوحي الدين لتتسلحَ به فئة من الناس وتسلَه سيفاً على كلّ من لا يقرّ لها بالسلطة؟"(نصوص وآراء، ص 153. بيروت 2002).
الريحاني يتحدث هنا عن تجارب مريرة عاشها وطنه وشعبه حتى قبل تكريس النظام الطائفي في لبنان دستورياً، وما يزال سجينَ دواماتها إلى يومنا هذا .

تجاربُ سوانا الكارثية وتجاربنا، فيما مضى وخلال السنوات الثمان الفائتة، تؤكد جميعها أنّ للبعد الديني ـ الطائفي خاصة، واعتماده هو ومصاحبه الإثني قاعدة للتحاصص في السلطة والدولة، له أبعاد مأساوية ووجودية تمس مصائر البلد والمجتمع، وتظل تهدد تعايشَ الناس فيهما مع بعضهم البعض.

تُرى هل يستيقظ الساسةُ المتنفذون على هذه الحقيقة، ويكونون، مرة واحدة في الأقل، عند ما يقولونه للناس ويَعِدونهم به؟ هل سيخرجون على أنفسهم، ويقومون بنقد حقيقي للذات (لم نسمعه منهم أبدا!) عما أتوا به للبلاد وأهلها؟ وهل سيفقهون، ما داموا يرون أنهم آباء الديمقراطية والمدنية والعقل عندنا، أن نقد الذات الصادق أمام النفس والملأ سمةٌ جوهرية في الديمقراطي الحق، وشرطٌ للتعلّم من الأخطاء، ومدخلٌ للخلاص مما أوقعوا أنفسَهم والناسَ معهم فيه؟
ولهم، بعد ذلك، أن يحاولوا الخروجَ صدقاً، وليس خطاباً كما يفعلون، على هذه المحاصصة، ويكفّوا عن الإتكاء فيها على البيئة والعقل الطائفيين والقبليَيْن، والصدور عنهما والتغذّي منهما والسكَن فيهما.
مثل هذا الخروج لا يعني، البتَّة، دعوةَ الساسة ،أو الناس عموماً، لمغادرة إيماناتهم المذهبية وارتباطاتهم الدينية، وهوياتهم الثقافية فهي حق لهم لا نزاع فيه، وإنما يُقصد منه الخروجُ بالوطن والدولة، والمجتمع بالتالي، من الفخاخ القاتلة التي أسقطها فيها هؤلاء الساسة على قاعدة القسمة إياها، ومحاولة تكريس ثقافتها ومنطقها بين الناس.

مجرد محاولة الخروج الجاد من هذه المآزق يشير إلى "شجاعة" و"ذكاء" من يحاول ذلك، أي شجاعة الراغب حقاً في بناء الحياة لجميع الناس وذكائه، لا حماقة الذاهب، قصداً أو جهلاً، إلى خراب الناس والحياة وغبائه.
فهل ثمة أملٌ يُرْجى في أن يُظهر لنا من ورَّطنا فيما نحن فيه "ذكاءَه" مرةً واحدة لا غير. أن ينتصر على نفسه، وضيق الأفق فيه، مرة واحدة فقط؟

يرى السيد حسين بأن نقدي، ونقدَ سواي، لظاهرة التحاصص الطائفي ـ الإثني، والدعوة لدولة المواطنة الكاملة بديلاً عنها، "لا يختلف كثيراً عن كلام وعاظ السلاطين"!، ويذكرُ بأنه "وفي حالة أقوال الاستاذ الخاقاني فإنها لا تتعارض مع تركيبة الشعب العراقي فحسب، بل وهي على الضدّ تماماً من قواعد الديمقراطية ودولة المواطنة للجميع التي يدعو إليها، أي لكل مواطن فيه (ذات الفرصة ونفس الحق) . ."

يحق، بالطبع، للأحزاب أو الكتل الفائزة في الانتخابات، حتى انتخابات الاستقطاب الطائفي ـ الإثني، أن تتوافق، إذا ما رغبت في تكوين ائتلافات حاكمة،على توزيع المقاعد الوزارية فيما بينها، ويكون لكل طرف منها حصتُّه فيها. هذا أمر يحدث في الديمقراطيات الحقيقية كذلك. وفي مثل هذه الأحوال، وهو ما يعرفه السيد حسين كما أعتقد، يُعاد توزيع المقاعد الوزارية الموجودة بين الأطراف المؤتلفة وفقاً لما تشغله من مقاعد في البرلمان، ولما تملكه من كفاءات للقيام بمهماتها الوزارية. ولكن لم يحدث في أية ديمقراطية من ديمقراطيات الدنيا، حتى "ديمقراطية" النظام الطائفي في لبنان، أن أدّى "الاستحقاق الانتخابي" للأحزاب أو الكتل المؤتلفة إلى انتفاخ مجالس الوزراء فيها، هكذا فجأة ودونما حاجة فعلية، ليزيد على 40 وزارة، ظل هؤلاء الساسة يتنازعون عليها أكثر من سبعة شهور، وما زالوا!. هذه الوزارات المُضافة لم تُختَرَع لخدمة الناس والوطن بل جيئَ بها، على حسابهما، لخدمة المحاصصة الطائفية ـ الإثنية وإرضاء ساستها.
عبر هذا الانتفاخ المضحك أصبحت الحصص الانتخابية المشروعة، في النظام الديمقراطي الصحيح،"غنائم" انتخابية في "ديمقراطية" الاستقطابات الطائفية ومحاصصاتها!

لقد استعان السيد حسين في ردّه على كتابتي، في هذا السياق، بأمثلة بلدان كإيطاليا وألمانيا وبريطانيا. فهل حدث في أحد هذه البلدان، أو سواها من الديمقراطيات، أن انتفخ مجلس وزرائها ارتباطاً بزيادة عدد الأحزاب المؤتلفة في الحكومة أو قلتها؟

هذه الفعلةُ تنفرد بها "ديمقراطية العراق الجديد" فقط، وهي تكشفُ عن "طينة" هذه الكُتل وساستها وتشيرُ إلى معدنهم. وتكفي وحدها كذلك، في الديمقراطيات التي تحترم نفسها وشعوبَها، لإلغاء شرعية الانتخابات وما أتت به.

أفترض أن السيد حسين يعي، ما دام يرى أنه ديمقراطي، بأن "الفرص" التي يجب أن يتمتع بها المواطنون (وليس الوزراء، فهؤلاء ووكلاؤهم نالوا قسطهم من القسمة الوزارية) في الدولة الديمقراطية حقاً، دولةِ المواطنة الكاملة، هي غير "الحصص" في دولة القواطع الطائفية ـ الإثنية. "الفرصة" في النظام الديمقراطي حق دستوري وقانوني لجميع المواطنين ممن تتوفر فيهم معايير الكفاءة والمهنية والأهلية وحدها. ويُمكن لأي عراقي أو عراقية مُؤهَّليْن لها أن يحصلا عليها، دون اعتبار للطيف الديني ـ الطائفي الذي ينتسبان إليه، ودونما تحديد لـ"كوتة" دينية، طائفية، إثنية أو جنسية. أما "الحصّة" فهي، وكما نرى عندنا، "غنيمة" تُطَوَّب لطائفة أو لقومية ما، وتُوَرَّث لها جيلاً بعد جيل، مثلما هو الحال في لبنان. وظائف الدولة تصبح في دولة المحاصصة "إقطاعات" طائفية ـ إثنية.
أما "الفرَص المتكافئة" في دولة المواطنة فهي بهذا المعنى ديمقراطية، تؤكد سمةَ الوطنية والمدنية والعدل في الدولة، ياسيد حسين، في حين أن "الحصص" غير ديمقراطية بالمرة، تجعل من وظائف الدولة أسلاباً لم تمُنَّ بها على أصحابها كفاءاتهم وعلومهم وإنما "غزواتُ" كُتلهم الانتخابية في مجتمع يكرّس فيه ساسته استقطاباتهم الطائفية والإثنية والقبلية. فكيف يفوت على "الديمقراطي اللبرالي!" هذا الفرقَ الجوهري فيطابقَ بين "الحصّة" و"الفرصة" ويرى فيهما شيئاً واحداً!؟

من الطبيعي أن يتعكَّز سلاطين الحكم وساسة الطوائف ووعاظُهم على موضوعة "تركيبة الشعب العراقي" لتسويغ ما جاؤوا لنا به من طائفية سياسية وما يتبعها من محاصصة طائفية ـ إثنية. ولكن من غير الطبيعي أن يعظَ الوعظَ نفسَه "كتابٌ" يصف بعضُهم نفسَه بالديمقراطي واللبرالي، وربما حتى بالعلماني!

صحيحٌ أن تنوع الأديان والمذاهب والأقوام والفِرَق في العراق حقيقة قائمة فيه منذ عهود بعيدة. ولكن هل ينفردُ العراق وحده بين بلدان الدنيا الـ 193 في حالةَ التنوع هذه؟ وهل تشترط هذه الحالة أن تكون القسمةُ الطائفية ـ الإثنية، هي وحدها، قاعدةَ الحكم والسياسةِ وبناءِ الدولة والديمقراطية فيه، حتى صارَ "وعاظُ السلطة" وأهلُها يوهمون الناس بأن نقدَها والدعوةَ للخروج عليها يأتيان "على الضدّ من قواعد الديمقراطية ودولة المواطنة"؟!

نعرف جميعاً، وقد يشاركنا السيد حسين معرفتنا هذه، أن من النادر أن نجد بلداً من بلدان العالم، في هذا العصر خاصة، تخلو تركيبةُ مجتمعه من تعدد الأديان والطوائف والأجناس فيها. في بعضها يزداد هذا التعدد، وفي بعضها الآخر يقِلُّ. الاستثناءات لهذه القاعدة تظل نادرة. ولا أدري إن كان في مقدور السيد حسين أن يحصيَ لنا، تأكيداً لصواب أطروحته عن "تركيبة الشعب" مثلاً، عددَ البلدان التي تعتمد الطائفيةَ السياسية ومحاصصاتها قاعدة لنظامها السياسي في هذه المعمورة؟

أكاد أقول أنه لن يجدَ (جوارَ لبنان والعراق) بلدانا أخرى، أوقعها ساستها المتنفذون في مثل هذه البلوى، إلا بصعوبة. هناك مظالمُ وقَهرٌ وتمييزٌ ضد الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية في بلدان غير قليلة، أغلبها، من المؤسف والمُخجل، عربية وإسلامية. الظلم والقهر والتمييز مظاهر تطالُ، على سبيل المثال، الشيعةََ في السعودية والبحرين (هم فيها أكثرية) ومصر وباكستان. في إيران يعاني السنةُ والبهائيون والأكراد، وعرب الأهواز كذلك، من هذه المظاهر نفسها. أما (أهل الكتاب) فهم يكابدون القهر والتمييز، والمطاردات أحياناً، وبدرجات مختلفة، في جميع البلدان الاسلامية، حتى تلك الموصوفة منها بالعلمانية مثل تركيا، حيث ينتظرُ طلبُ بناء كنيسة أو توسيعها، مثلا، خمس سنوات أو أكثر حتى يُجاز!. لا يختلف الحالُ كثيراً في البلدان الأخرى.

المعضلةُ أن هذه البلدان التي تهتدي جميع دساتيرها وقوانينها، بهذا القدر أو ذاك، بالشريعة، تتجاهل حتى حكمةَ الخلق والخالق في خلقِه وأديانه، والتي تشير إليها آياتٌ كثيرة في (الكتاب) منها هذه الآية الكريمة: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" (المائدة، 48).

العصبيات الدينية والمذهبية، كما العصبيات الأخرى، لا تطيقُ تعدد سبُل الاهتداء إلى الحقيقة، ولا ترى الحقائقَ إلا فيها وعندها. والانطلاق من هذه العصبيات في التعامل مع الآخرين لن يأتي معه، كما تُظهرُ تجارب التاريخ كلها، بغير الظلم، وإذا ما أُخِذَت هذه العصبيات إلى السياسة والحُكم أصبح الظلم مُطلقاً، فكفى الله أديانَه، وكفانا معها، شرَّ هذه العصبيات ومثيلاتِها في الحياة والسياسة والحُكم على السواء.

تجاوز مظاهر الظلم والتمييز هذه لا يتحقق بالمحاصصات أو التوازنات الطائفية والعرقية الهشّة، مثلما يحاول أن يوحيَ لنا ساستنا المتنفذون وكتبتُهم، وإنما بإقامة نظام ديمقراطي حقيقي، ودولة مدنية لا دينية، تحترم أديان مواطنيها ومذاهبهم وعقائدهم وخياراتهم الفكرية والسياسية، وتساوي بينهم وتكون للجميع فيها فرصٌ متكافئة يكفلها دستورها وقوانينُها.

لنذهبَ، سويةً مع السيد حسين، إلى نموذجين، من بين نماذج كثيرة، يدحضان قدريةَ الطائفية السياسية ومحاصصاتها الباحثة عن مسوغاتها في "تركيبة الشعب" أو المجتمع. أحد هذين النموذجين آسيوي (الهند)، والآخر أوربي (ألمانيا)، وهما نموذجان يتحدثان بلسان تجارب أكثر بلدان العالم ممن تفادى ساستها، لحكمةٍ فيهم، مهاوي الطائفية القاتلة، واختاروا العقل والمعقولَ في بناء دولهم وإحياء بلدانهم.

هذان النموذجان مختلفان عن بعضهما تاريخاً وثقافة وتجارب، مثلما نعرف. وقد عاشا، وما زالا يعيشان، بالطبع شأن النماذج الأخرى في عالمنا هذا، مشكلات البناء والتطور وتحدياتهما المتباينة، وفي مراحلهما المختلفة، وتعاني إحداهما (الهند)، بين حين وحين، من جرائم متشددين من أهل هذا الطائفة أو تلك، ولكنهما ما زالا قادرَيْن، بسبب صحة الأساس الذي قاما عليه، كما أعتقد، على إيجاد حلول مناسبة لهذه المشكلات وتلك التحديات.

الهند، كما هو معروف، مجتمع أديان وطوائف، كبيرة وصغيرة، لا تكادُ تُحصى أعدادُها. وقد استيقظت الهند الحديثة، هذه البلاد العريقة والكبيرة، قبل أكثر من 70 عاماً على حركة مجتمع مدني جبارة، عابرة للأديان والطوائف، أسهم في صُنعها وبلورتها وتوجيهها مفكرون ومثقفون وساسةٌ عقلاء أمثال غاندي وطاغور ونهرو وصحبهما. واستطاعت هذه الحركة بأساليب مقاومتها المدنية المتمدنة أن تنزع "جوهرة التاج" البريطاني من تيجان الغرباء وتعيدَها إلى أهلها، وتُلحقَ الهزيمةَ بأعتى نموذج للكولونيالية الكلاسيكية في هذا العصر، وتقيمَ دولةً مدنية، علمانية، أصبحت، بمرور الأيام، من أكبر الديمقراطيات في العالم (أكثر من مليار انسان) وأعرقها، وأكثرها تطوراً خارجَ الغرب الأوربي، حتى أن بلدانا متطورة مثل ألمانيا صارت تذهب، للمحافظة على ديناميكية اقتصادها القومي في بعض القطاعات، إلى استيراد العقول الهندية، في ميدان تقنية الحاسوب مثلاً.

هل يمكن للسيد حسين أن يتصور لنا حال بلاد الهند، اليومَ، لو أن ساستها وآباء الدولة الحديثة فيها قد نظروا، بشكل أعمى، إلى "تركيبة الشعب الهندي"، وجنحوا إلى فكرة القسمة الطائفية الشيطانية التي سلك الساسةُ المتنفذون، عندنا، الطريق إليها؟

روح غاندي وصحبه ما تزال حاضرة في الشارع اليوم كذلك، في حركات المجتمع المدني الفعالة، في المدينة والريف على السواء، حيث ينخرط ساسة ومواطنون بسطاء مستقلون ومثقفون (روائيون، فنانون، أطباء، مهندسون . . وغيرهم) في تحرك شعبي واسع، عابر للطوائف، متنوع الأشكال والفعاليات، لمواجهة وحشية أيديولوجيا (اللبرالية الجديدة) في الاقتصاد، وما أفرزته من فساد وإمعان في التوزيع غير العادل لثروات البلد.
شاهدت قبل أيام ريبورتاجا، في إحدى القنوات الألمانية، عن جوانب من هذا التحرك، يكشف هلع الحكومة وارتجافَها منه، مما حدا بها إلى دعوة ممثليه للحوار معهم، حيث لم تعد ثمة إمكانية لتجاهل صوت الناس!

لستُ أدري إن كان لمثل هذه الحيوية في المجتمع المدني مكانٌ في مجتمعات المحاصصة الطائفية ـ الإثنية، أم أن الولاءات والتبعية والعصبيات وتسخير "المقدس" ستحجب جميعُها الناسَ عن إدراك حقوقهم، ووعي حقيقة أحوالهم، وتحول، بالنتيجة، دون نشوء رأي عام واسع، مستقلٍ، عن الحكومات وتأثيراتها، يتولى هو، عندما تصاب الحكومات بالعجز ويفسُد الساسةُ، حمايةَ الديمقراطية والحريات والعدالة، ويسهم في تقويم سبل التطور الاقتصادي والاجتماعي؟

ألا يوافقني السيد حسين أنه لن تكون هناك عدالة، ولا ديمقراطية أو حريات، دون رأي عام مستقل. ولن يكون دونه تطور حقيقي دائم، ولا مجتمع مدني، ولا حقوق انسان، ولا دولة قانون مدنية؟

النموذج الألماني يحمل تركيبة تتشابه، في بعض النواحي، مع "تركيبة الشعب العراقي" في الجانب الطائفي، إذ تتوزع غالبية الشعب الألماني المسيحية بين طائفتين أساسيتين: البروتستانتية والكاثوليكية. تشكل الأولى أغلبيةً في بعض أقاليم البلاد ومقاطعاتها، وتمثل الثانية الأغلبية في مقاطعات وأقاليم أخرى. ويختلط أهل الطائفتين في مدن وأماكن كثيرة، تتجاور فيها دور عباداتهم ومساكنهم. آخر حروبهم الطائفية مضت قبل ما يزيد على 250 عام. بعدها، وبمرور الأعوام، وبفعل حركة التنوير الفكري، أخذت هويتهم الوطنية تتقدم على هوياتهم المذهبية، دون إنكار الأخيرة أو إسقاطُها، حيث يحياها الناس فضاء خاصاً بهم. يحيونها بطبيعية، دونما عصبيات، مُبرزين منها بُعدَها الانساني.

هذه التركيبة الطائفية لم تأخذ ساسةَ ألمانيا، لا قبل الحربين العالميتين ولا بعدهما، إلى مشاريع المحاصصة الطائفية. كانوا يدركون أن تكوين أمة ودولة قومية متطورة ثقافيا واجتماعياً واقتصادياً لا يتحقق بمثل هذه المشاريع ومنظوماتها الفكرية، رغم أن هذه المنظومات نفسها، ومؤسساتها الدينية، لم تبق بمعزل عن حركة التنوير التي أخذت تؤثر في ثقافة أوربا والعالم، منذ ما يقرب من 300 عام، وما تزال، فصارت الكنيسة بشقيّها الرئيسيين: الكاثوليكي والبروتستانتي، تسعى باستمرار للمصالحة بين العقيدة والتنوير، حفاظاً على الدين ومصالحه ودوره في المجتمع أساساً.

النموذج الألماني يحمل تشابهاً آخر معنا، هو الحرب وخسارتها، وما نتج عنها من دمار وانهيار للدولة واحتلال. هذا التشابه يحلو لبعض ساستنا، ومن رافق الغزاة منهم ومن غيرهم، أن يشيروا إليه، متفائلين بأننا سنصل، بمساعدة الغزاة المحتلين، إلى غير القليل مما وصل إليه الألمان، في حينها، بمساعدة محتليهم آنذاك (اثنان منهما: أمريكا وبريطانيا، من محتلينا أيضاً، والحمد للّه!).

لكن هذا التشابهَ والذي قبله لا ينبغي أن يحجبا فروقاً جوهرية بين حالنا وحالهم، يعود بعضها للتاريخ، وبعضها للثقافة، بما فيها الثقافة الدينية، وبعضها لتباين مستويات التطور، وبعضها يعود، وهذا جانب هام في تقديري، لاختلاف نوعية الساسة عندنا وعندهم، عموماً، رغم أن هتلرهم وجد شبيهاً له بصدامـ(نا). المنظومة الثقافية ـ الاجتماعية السائدة عندنا، وفي الشرق العربي ـ الاسلامي عموماً، ما تزال تُخبِّئ لنا طغاة آخرين، بأزياء ووجوه مختلفة!

بعد أقل من عشر سنوات على نشوء ألمانيا الاتحادية، وقيامها من أنقاض الحرب وخرائبها الشاملة، بدأ العالم يتحدث عن معجزتين أخذتا تتحققان هناك : اقتصادية وثقافية. شيئ مماثل حدث في اليابان الخارجة من دمار مماثل أيضاً، وفي ظروف مشابهة. عاش البلدان مرحلة انتقال كذلك، لكن الناس وساستهم كانوا يعرفون إلى أين يمضون. تصورهم عن الدولة المدنية ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومشروعها التحديثي والحداثي، كان واضحاً ومرئياً. رأوا في إعادة بناء الدولة والمجتمع مشروعاً وطنياً، وليس دينيا طائفياً. شرعوا، منذ اللحظة الأولى، في الاشتغال على تحقيقه، وأشركوا الجميع في هذه العملية. لم يأخذوا معهم عقائدهم الدينية والطائفية ليحشروها في مشروع البناء الوطني هذا. أخذوا منها، فقط، قيمها الانسانية والأخلاقية الكبرى التي يلتقي عندها جميع الناس، حتى من أهل الأديان الأخرى، ومن غير المؤمنين أيضاً.
لم يتنازعوا، أو يتناقضوا على المناصب والحصص. كانت تناقضاتهم، وما تزال، تناقضات تصورات ومشاريع للبناء وإعادة البناء، تتبارى فيما بينها، وتُشرك المجتمع معها في مبارياتها هذه، بغيةَ تحسين أداء الدولة ومؤسساتها في ميادين الحياة المختلفة، ومواصلة تطوير النظام السياسي، والارتقاء بقدرته، والدولة والمجتمع معه، على تجاوز الأزمات باستمرار.

من الوهم أن ننتظر، بالطبع، تطورا مماثلا، عندنا، لما حدث في ألمانيا أو اليابان، لا في المدى الزمني ولا النوعي كذلك.
أحوال البلدين التاريخية والثقافية والاجتماعية تختلف عما عندنا. هذه الأحوال تتباين حتى بين البلدين نفسيهما. كما أن أياً منهما لم يُبْتلَ بمحنة الارهاب والفتنة الطائفية، مثلما ابتُلينا نحن، وما نزال. ولكن هل يصح أن نعتذرَ لفشل "نُخَبنا" السياسية الذريع، حتى الآن، بمثل هذه التباينات وحدها؟ ألا يُعزى هذا الفشلُ، أساساً، لهذه "النُخَب" التي ابتُلِيَ الناس بها، ولرغبتها في أن يرقص الجميعُ على إيقاع طبولها الفكرية والعقائدية؟

ألمانيا، مثلا، أمةُ فلاسفة ومفكرين وموسيقيين عظام(عفواً، الموسيقى عندنا صنيع شيطاني!)، أسهموا في عملية التنوير، وإغناء الفكر الانساني. نحن، على الضد من ذلك، وفي هذه الحقبة بالذات، "أمة" وُعاظ تختنق في دخان مواعظهم الثقافات والفنون، والأفكارُ الحرة المتنورة ومبدعوها. أما عقول (العامة) فلا تكاد تجد مرعىً لها غيرَ حقول الوهم التي تُشيعُه ثقافةُ الوعظ هذه.

المأساةُ أن مفهوم (العامة)، عندنا، لم يعد يقتصر، ثقافياً، على بسطاء الناس من غير المتعلمين، وإنما صار يشمل أعدادا غير قليلة من "المتعلمين"، بينهم من يتولى "تربيةَ" الأجيال الجديدة في المدارس، وحتى الجامعات، ويُسهم في محاصرة أهل العلم والعقل المتنور في هذه المعاهد، وفي المجتمع بالتالي!
غيرُ القليل ممن يُطلقون على أنفسهم صفات "النُخًب السياسية" يندرجون ضمن مفهوم (العامة) الثقافي هذا، في تقديري. وليس نادراً أن نجد بين بسطاء الناس من هو أكثر حكمةً، وبُعدَ نظَرٍ، من غالبية هؤلاء "النُخب"!
وإذا ما كان مفهوم (النخبة) يشيرُ إلى خُلاصة الشيئ وصفوتِه وخيرِ المُختار منه، فليس لنا، ونحن نرى أكثرية "نُخبنا"، سوى ما ندر منها، غيرَ أن نقولَ: يا لبؤس هذه "الأمة" التي يُمثّلُ هؤلاء القوم خلاصتَها وصفوتَها!

في ألمانيا، مثلا، تتراكم المعارف والخبرات والتجارب، ويجري تمثُّلُها واستيعابُها، فيتسع الوعي ويتعمق، ويُعيد انتاج معارف وخبرات وتجارب جديدة، لتتواصل الدورة من جديد.
عندنا تتراجع المعارف، وتُحاصَر الخبرات والعقول، ما دامت لا تحمل ولاءات طائفية أو حزبية، وتنقطع التجارب، ويتراكم الجهل حتى صارت تُفتَحُ، عندنا، "جامعات" و"معاهد علم"، تُعيدُ تصنيعَ الجهل، وتعمل على تخريج "حُراس" له، فتجمَّع لدينا، في السنوات الأخيرة خاصة، جهلٌ يُغطّي قروناً بكاملها!.

في ألمانيا أتى الساسةُ وعلماء الدستور والقانون لبلدهم، بعد إعادة تأسيسه عقِبَ الحرب العالمية الثانية، بدستور دولة مدنية ديمقراطية، يُعتبَر، إلى اليوم، من أفضل دساتير العالم، وأوضحها فيما يقول. دستورٌ يصدرُ عن الحياة وحاجاتها ويتوجه إليها، مُدركاً تجاربَ التاريخ الألماني وعبِرَه المريرة، غيرَ مُغفِلٍ لتجارب الآخرين. وهو دستور لا يفرض على الحياة، من خارجها، مقولات منظومة فكر مُطلق يخنقُها بها، ولا يرى في السلطة والدولة والساسة، رغم أن بعض أحزابهم الحاكمة، في المركز والأقاليم، تحمل صفات (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) أو (الاتحاد المسيحي الاجتماعي)، "مُبشِّرين" بعقائدهم، "ديّانين" على البشر، أوصياء عليهم في الدنيا والآخرة، وإنما ينطلق، فيما يخص العقائد والأديان والمذاهب، من حكمة أنَّ "لكل نفس ما كسبتْ، وعليها ما اكتسبت".

وكان لهذه الروح، وهذا العقل، دورهما الجوهري في تجاوز آثار الحرب وخرابها، وما خلّفته من مآس وآلام ويأس، في زمن قياسي، وإيقاظ طاقات الناس الديناميكية لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، ودولة مدنية ديمقراطية، تظافرت جهودهما في استثمار ثروات البلد البشرية والمادية والمعرفية لتأمين حاضر الناس ومستقبلهم، ووضعِ بلدِهم في صميم العصر الأوربي والعالمي على السواء.

وقد ظلّ الألمان، وما زالوا، يغيّرون في مواد دستورهم، ويعدِّلون فيها ويضيفون إليها، كلما تطلبت الحياةُ وتحولاتها عندهم، وفي العالم، ذلك. حدث هذا مرات كثيرة خلال 60 عاماً، وهو ما لم يُقم بمثله الأمريكان، على سبيل المُقارنة، خلال 250 عاماً. وقد تعاقدوا على أن يكون هذا الدستور، ومحكمته الدستورية المستقلة حقاً، مرجعيتهم العليا والحَكَمَ الوحيدَ بينهم.

ساسةُ "العراق الجديد" أتوه بدستور، غير القليل من مواده "حمّال أوجه". للطوائف والأعراق "حصصُها" فيه. لحَمَلَة الفكر الشمولي موادهم وفقراتهم منه، ولذوي النزوع الديمقراطي قليلٌ مثلها. موادُ تناقض موادَ، وفقراتٌ تُقَيِّد حركةَ فقرات أخرى.
في دستور هذا العراق الكثيرُ مما يُفسِح السبيلَ لقيام نظام حكم ديني بصبغة طائفية، وفيه القليلُ مما لا يساعد على قيام دولة مدنية ديمقراطية إلا بشقِّ الأنفس، فكلنا يعرف أن ميزان القوى السياسي، في ظل الثقافة السائدة، هو الحكَمُ في هذا الأمر ونقيضه، وليس مادة دستورية هنا، وأخرى هناك، تنتصران للديمقراطية والحريات أو لمدنية الدولة وحقوق الانسان!

وهكذا أصبح الدستور عندنا، بفعل النزوع الطائفي والإصرار عليه، مصدراً للنزاعات لا مرجعاً في حلّها. ومما يثير السخريةَ من هذه الأحوال أن المتخاصمين، في أي شأن من الشؤون: شكل النظام الفدرالي، النفط والثروات الطبيعية، المناطق المتنازع عليها، المحاصصات، الحريات الخاصة والعامة، حقوق الانسان، الهيئات المستقلة، وكثير سواها، يتخذون من الدستور ومواده دريئة لهم في خصوماتهم هذه. كلُّ جماعة منهم تأخذه إلى صفها، مُمسكةً بطرفها الخاص منه، فإذا المتناقضون دستوريون جميعهم، وإذا الدستور المسكين نفسه حائرٌ بينهم، لا يعرف مع من هو!

وعلى أن العيوبَ القاتلة لهذا الدستور الذي مازال البعض يُطنِب في مديحه كانت واضحة منذ ساعة ولادته (أصبح مهندسوه أنفسُهم يتحدثون عنها الآن!)، فهو مصابٌ، كما "العملية السياسية" التي أتت به، بخللٍ ولادي، إلا أنهم أعاقوا إعادة صياغته وتعديله، وإصلاح الخلل فيه، على أساس وطني لا طائفي، طوال هذه السنوات.

بعد التحاق ممثلي (الطائفة) الأخرى، أو أقسام كثيرة منهم، بما يُطلَق عليه "العملية السياسية"، وارتفعت الدعوات لتعديل الدستور في حينها، وخلال فترة مُحدَّدَة، تابعتُ الشيخ حمودي، رئيس لجنة صياغة الدستور، في لقاء تلفزيوني آنذاك، شدَّد فيه على أن الحذفَ من الدستور غيرُ مقبول، أما الإضافةُ إليه فمسموحٌ بها!.
منطق اللاحذف هذا يذهب، من جانب، إلى الإبقاء، انطلاقاً من النزوع العقائدي ـ الطائفي نفسه، على العيوب القاتلة في الدستور، ويؤدي عبر الإضافة، من جانب آخر، إلى زيادة التناقض والتعقيد في مواده، فما تُضيفه أنتَ يحقُّ لي أن أضيفَ له أو عليه ما يناقضه أو يُقيّد أحكامه، وهكذا يكون دستورنا "عادلاً" و"ديمقراطيا" ما دام لكل فريق "حصّتُه" الطائفية أو الإثنية فيه!

نموذجا الهند وألمانيا، شأنَ نماذج أخرى كثيرة في العالم، تؤكدان، في تقديري، خطلَ الرأي القائل بأن "تركيبةَ شعب" ما تفرض، بالضرورة، إقامةَ نظامه السياسي ودولته وصياغة دستوره على قاعدة هذه التركيبة طائفياً أو إثنياً. مثل هذا الخيار السيئ يُعمّق الانكفاء على الذوات الطائفية، ويُبقي على شياطين النزاعات والفتن بين الفرق والأقوام يقظةً، على الدوام، وإن بدت غافية لفترات تطول حيناً، وتقصرُ أحياناً كثيرة.




جدلٌ هادئ ومتأخرٌ مع عبد الخالق حسين (5 ـ القسم الأخير):

حكومة "الشراكة الوطنية" وواعظ السلطان!

حميد الخاقاني

يرى السيد حسين أن الحكومة الحالية هي "حكومة المشاركة الوطنية"، وليست بـ"حكومة محاصصة"، وما تسميتي لها بهذا الاسم (لقد رأينا أن أطرافها نفسها تسمّيها هكذا أيضا) إلا للحطّ من قيمتها، ولتبرير "صبّ اللعنات عليها".
من ناحيتي لا أسعى في كتابتي لصبّ اللعنات على شيئ أو شخص ما، قدرَ سعيي للاجتهاد في منح الأشياء والظواهر ما أراه أنه صفاتها.

أعتقد، مرة أخرى، أن السيد حسين نظرَ إلى شعار "الشراكة الوطنية"، وسمِع به فصدّقه، دون أن ينظرَ إلى الحياة وتجارب ساسة "المشاركة" وما أتتنا به حكوماتهم في السنوات الماضية من ثمار مُرَة، وهي جميعُها (الحكومات) حملت، كما يعرف السيد حسين، نعتَ "وطنية" كذلك.

يبدو لي أن السيد حسين شغوفٌ بتصديق ما يظنّه "خطاباً جميلاً"، كأنه ذلك الواعظ يُطلق أحكامه بلهجة الواثق، المُصدّقِ بما يقوله سلطانه، حتى لو كذَّبت الحياةُ وتجاربُها قولَ السلطان هذا!

ومثلما ناقض السيد حسين نفسَه في موضوع "المحاصصة الطائفية" فوصفها بأنها "شرٌّ" و"تخندقٌ طائفي وإثني" يعاني منه الناس، يعود هنا إلى تناقض مشابه كذلك!
في ختام نقده لكتابتي يذكر الاستاذ حسين ما يلي: "نعم، الحكومة الحالية ليست مثالية كما نتمنى أن تكون، ولكن في الظروف الراهنة، هذا هو الممكن، فإما أن تكون بهذا الشكل أو لا تكون". وفي مقالة أخرى له بعنوان (التظاهرات كعلاج نفسي)، غريبة العنوان والمتن كذلك، نًشِرت في (الحوار المتمدن) بعد ثلاثة شهور من ردّه على مقالتي، نراه يذهب لتكرار ما أورده هنا فيقول: "لا ندعي أن الحكومةَ الحالية مثالية، ولا يمكنها أن تكون كذلك في الظروف الراهنة بعد أربعين عاما من الخراب البشري والاقتصادي الشامل، خاصة حكومة مترهلة غير منسجمة مؤلفة من 42 حقيبة وزارية الغرض من هذا العدد إرضاء العدد الكبير من الكيانات السياسية المشاركة في السلطة. وليس هناك كيان يقبل أن يكون خارج السلطة أو يقود معارضة ديمقراطية تحت قبة البرلمان. إن الوضع العراقي الشائك المعقد هو الذي فرض هكذا حكومة، فإما أن تكون بهذا الشكل أو لا تكون".

أمن الوطنية حقاً أن نُهدِيَ هذا البلدَ المُخَرَّبَ وشعبَه المُبْتَلى "حكومة مترهلة غير منسجمة" كهذه؟ ألا تبدو هذه الحكومةُ، في الأساس،"هديةَ" الساسة لأنفسهم، يُرضون بها بعضَهم بعضاً؟ فكيف يصبح نقدي، ياسيد حسين، ونقد سواي لها، إذن، حطّاً من قيمتها، وقد حطَّ ترهلُها وعدمُ انسجامها، في الأصل، فضلاً عن طابع المحاصصة فيها، من قيمتها ومن شرعيتها معاً؟ ألا تؤخَذ الأمور هكذا في الديمقراطيات الصحيحة؟

مرة أخرى يُلقي السيد حسين سوء النتائج وتبعاتها على "الوضع العراقي الشائك المعقد"، وعلى الخراب القديم، ولا يرى للساسة المتنفذين مسؤولية في مُراكمة خراب جديد على الأول، وتكريس هذا الوضع المعقد عبرَ اختيارهم لنهج "المحاصصة الطائفية ـ الاثنية" وحرصهم عليه، وتصويرهم إياه للناس، يُعينُهم في هذا وعاظهم وكتبتُهم، بأن "شرٌّ لا بدَّ منه!".
هل صاغت "الظروف الموضوعية التي أوجدتها الحكومات الطائفية المتعاقبة قبل 2003"، مثلما يذكر في مقالته (التظاهرات كعلاج نفسي)، للعراقيين دستورهم الجديد الذي يقول عنه رئيس الوزراء، مثلاً، أنه "أنتج حكومة على أساس طائفي وقومي"، أم أن ساسة "الظروف الجديدة" هم من تولّى صياغته، وزرع فيه "ألغاماً بدأت تتفجر وليس حقوقاً"، كما ذكر رئيس الوزراء نفسه؟
ألا يُدرك السيد حسين أن الخروج من الأوضاع الشائكةُ المعقدةُ لا يتحقق باختيار دساتير وصيغ حُكمٍ وأنظمة سياسية وفكرية تُكرّسُها أو تبررها، وإنما بالذهاب، ومنذ اللحظة الأولى، إلى صيغ تضع الأسسَ الصحيحة لتجاوزها في الميادين كافة؟.
كان هذا خيار عقلاء الساسة في بلدان كثيرة عاشت، في تاريخها، تجارب وأحوالاً تتشابه وأحوالَنا بمقادير مختلفة.

البقاء عند "المحاصصة"، والتشبثُ بالحكم على هديِها، هما ما يؤديان إلى "حكومة مترهلة غير منسجمة" ويجعلان من ترهّلها هذا ترضيةً لشراكة يُراد لها أن تظلَّ "طائفية ـ اثنية"، وليس إرضاءً لمصالح الوطن وحاجات أهله الحقيقية.
وهذا الاختيار ليس خيار الناس، ولا هو اختيار "الوضع العراقي الشائك"، بل خيار الساسة الساعين للسلطة على ظهور الطوائف، الخائفين من/ أو العاجزين عن حلّ التناقض بين ضيق الأفق الطائفي وسعة الآفاق الوطنية.

ومن هنا يُصبح الحديث عن أن ما أعطانا وضعُنا العراقي الشائك هو خير الممكن، وأن الحكومة الحالية "إما أن تكون بهذا الشكل أو لا تكون" وأن ما ينتظرنا بعدَها هو أسوأ السوء، أقول يصبح هذا النوع من الحديث تمويهاً على الناس، وخداعاً لهم، ودعوة لاستسلامهم لما يُصَوَّر لهم أنه أقدارُهم، وأنه "نتاجُ التاريخ والجغرافيا"، مثلما يتوهم كاتب (التظاهرات كعلاج نفسي).
ولست أظن أن السيد حسين، إذا ما عاد لقراءة العلامة الوردي بروية ووعي، سيجد لديه دوراً آخر لـ"وعاظ السلاطين" غير الوعظ بمثل هذه الأحاديث.

مثل هذا الحديث يقول به الساسةُ المتحاصصون كذلك. ولا أظننا بانتظار حديث آخر، مختلف، منهم، فهم من اختاروا هذا السبيل الشائك، وأخذوا الناس إليه، ولم يبق لهم غير أن يجدوا له ذرائع خارجهم، ويتِمَّ تسجيلُ جريمة "المحاصصة" وآثار آفاتها على "مجهول"، كما هو الحال دائماً!

في الثاني والعشرين من آب الفائت ألقى رئيس الوزراء كلمة أمام "نخبة" من الإعلاميين ذكر فيها أنه لا يُنكر أن الحكومة تشكلت على أساس قومي ـ طائفي، وأن الشركاء في الحكومة والدولة يحملون حاسباتهم معهم ليحسبوا حصصهم بالسنتميترات، وأقرَّ بأن هذه " هي أبرز مشكلاتنا . . . ولا خيار لنا إلا بتشكيلها على هذا الأساس"!

هل حقاً أن خيار التحاصص هذا حالٌ لا مناص منه، أم أنه إرادةٌ واعيةٌ لدوافع ومشاريع محسوبةٍ طائفياً واثنياً وحزبياً، وحتى شخصياً، يتحمل مسؤوليتها من سعى إليها، وشارك فيها، وما يزال؟

لقد أغفل أهل المحاصصة أن أسوأ شيئ بالنسبة لشعب خرج لتوه من نظام حكم استبدادي، وأخطرَه عليه، هو أن نأتي له بنموذج سيئ في إدارة شؤون الحكم والدولة. فكيف وقد حفلت ممارسات المحتلين والحكومات المتعاقبة، منذ 2003، وكذلك علاقات الساسة وكتلهم مع بعضها البعض، وأشكال تفاعلهم مع مشكلات البلد والناس الحقيقية، بأمثلةٍ صارخة السوء لا تُحصى؟!

وإذا ما عدنا إلى مثال حكومة "الشراكة الوطنية"، وحالُها أسوأ، في تقديري، من أحوال سابقاتها، نجد أنها، وبعد مضي أكثر من عام على ولادتها العسيرة، "شراكة مناصب وامتيازات" في المقام الأول، وأن شريكها الأول هو الفشل. فهي ما كادت تقوم حتى بدأت (الصحيح استُؤنِفتْ) نزاعاتُ أطرافها، ولم تتوقف حتى الساعة. ولم يعد أحدٌ يؤمن، بما فيهم أطرافها، بـ"شراكتها الوطنية". ربما ما يزال السيد حسين وحده مؤمناً بهذا!

في 29 آذار الماضي نشرت (السومرية نيوز) تصريحاً لعزت الشابندر، من كتلة (دولة القانون)، قال فيه: "إن حكومة الشراكة الوطنية الحالية التي يضع المشاركون فيها رِجل في الحكم وأخرى في المعارضة مسرحيةٌ هزلية يجب أن تتوقف".

بعد ذلك بفترة قصيرة نقلت صحيفةُ (العالم) قولاً للنائب شاكر كتاب الذي كان ناطقاً باسم (العراقية) في حينها، ورد فيه: "أساساً لا توجد حكومةُ شراكة وطنية، ومن يُعلنُ عكس ذلك فهو واهمٌ، أو يتعمد إيهامَ الآخرين".

وفي منتصف أيار الفائت، كما أذكر، أوردت (أور نيوز) تصريحاً للدكتور محمود عثمان من (التحالف الكردستاني) يصف فيه "حكومة الشراكة الوطنية بأنها وصفة أمريكية تحولت إلى باص لنقل الركاب"!

وقد بلغ الحالُ ببعض أطراف "الشراكة الوطنية" هذه أنْ صار يصف نزاعات شركائه الآخرين على مواقع النفوذ والتأثير بـ"التكالب!".

في مؤتمر صحفي له، سبق مغادرته لزيارة كوريا الجنوبية، شدد رئيس الوزراء، مثلاً، على "أنه لا يجوز وجود معارضة في الحكومة أو في البرلمان، مع وجود جميع القوى ممثَّلَة فيها". ثم أكد على "أن لا يتكالب الجميع لأخذ ما يريدون من الدولة لاستخدامه ضد الآخر".

وإلى مثل هذا ذهب النائب عن (التحالف الوطني) جمعة العطواني، في حديث له نشرته (آكانيوز) في 29 أيار الماضي، بعد استقالة السيد عبد المهدي من نيابة رئيس الجمهورية (هذه النيابة حصّة "المُكوّن" الشيعي. مع تشكيل حكومة الشراكة أصبحت لأحزابه حصّتان!) ذكر فيه أن "هناك مصالح حزبية تعالت على المصالح الوطنية". ثم أوضح انّ "التهافت والتكالبَ على السلطة أصبح ديدن العملية والقوى السياسية، فلا أستبعد أن تتقدم الكثير من القوى السياسية للحصول على هذه الغنيمة الباردة باستغلال منصب عبد المهدي"!

وفي رسالته إلى رئيس وأعضاء هيئة النزاهة البرلمانية اهتدى السيد رحيم العكيلي، رئيس هيئة النزاهة المستقيل، إلى استخدام لفظ "التكالب" نفسه، لتوصيف ظاهرة النهب في "العراق الجديد"، حيث قال: "إن التكالب على نهب أموال الدولة وعقاراتها هو الجزء غيرُ المُعلَن من الصراع على السلطة في العراق اليوم"!

وأظن أن السيد حسين، والناس عندنا، يعرفون بأن (التكالبُ) مُشتَقٌّ من (الكَلَب). وكما تذكر قواميس اللغة فإن (الكَلَب) داء يُشبه الجنون، يأخذ الكلابَ فتعضّ الناس فيكلِب الناس مثلها. ويُقال دهرٌ كلِبٌ بمعنى أنه يُلِحُّ على أهله بالشرّ والسوء. ومن المؤسي أن دهر العراقيين ما يزال كَلِباً عليهم منذ قرون.
وبهذا المعنى ورد اللفظُ في حديث للإمام علي (ع)، وقد كتب لابن عباس حين أخذ من مال البصرة: "فلما رأيتَ الزمان على ابن عمك قد كَلِب، والعدوّ قد حَرِب". ويُنقَلُ عن الحسن البصري قوله: "إن الدنيا لما فُتِحت على أهلها كلِبوا عليها أشدَّ الكلَب"، أي حرِصوا عليها، وتمسكوا بها.
وإذا قيل تكالب القوم على شيئ، قصَدَ القائلُ أنهم تواثبوا عليه، مثلما تثبُ الضباعُ والذئاب (والكلب من سلالة الذئب) على فرائسها، تتناهش لحومَها.
فهل أراد من استخدم لفظ (التكالب) من ساسة البلاد هذا المعنى يا تُرى؟ وهل تقتصر حالة (التكالب) هذه على فريق دون آخر؟!

حماسةُ السيد حسين في الدفاع عن "حكومة شراكة" كهذه، قامت لفظاً ولم تَستَقِم معنىً، أخذته، مرة أخرى، إلى قراءة مأزومة لكتابتي، فإذا به يدُسُّ على لسانها ما لم يقلهُ لسانُها، ويُجانبُ الحقَّ والأمانةَ فيما وضعَه عليها وادَّعاه فيها. فصار يستنتج من نفسه ما يشاء، ويُلصِقُه بها (كتابتي) رغم أنه ليس منها. ويظهر ذلك جلياً في قوله عني: "إن إلغاء السيد الكاتب شرعيةَ الانتخابات وصناديق الاقتراع التي تشكلت من خلالها الحكومة، مخالف لقواعد الديمقراطية، ولكي يبرر عدم شرعية الحكومة وبالتالي اسقاطها، يلبس الحكومة ثوب ابليس فيصفها بأنها حكومة المحاصصة الطائفية".

لقد أشرت في حلقات مقالاتي الخمس هذه إلى ظواهر وممارسات في أساس تشكيل هذه الحكومة وحركتها، وعلاقات أطرافها ببعضهم البعض، تؤدي جميعها، بالنتيجة وفي نظام ديمقراطي حقيقي، إلى عدم شرعيتها، خاصة ما يتعلق منها بمخالفة الدستور الذي لا يُبيح تقاسمَ السلطة و"التوازن" في وظائف الدولة على أساس طائفي ـ اثني. لكنَّ كتابتي التي يناقشها السيد حسين لم تتناول، في حينها، موضوعَ الانتخابات وشرعيتها، وما نتج عنها أبداً، ولم تُشِر إليهما، من قريب أو بعيد، حتى يَشُطَّ بمخيلتِه إلى وهم "الإلغاء" هذا، ومخالفةِ ما يُسمّيه قواعد الديمقراطية!

ومن ناحيتي أؤمن بأن حريةَ بلدٍ ما، وديمقراطيته، لا تتحققان فعلياً إلا بحرية مواطنيه واستقلاليتهم أفراداً وجماعات، وأن "ديمقراطيةَ" الاستقاطابات الطائفية ـ الاثنية والقبلية، تظل، بهذا المعنى، "ديمقراطية" شكلانية، خادعة، ستأخذ الناس يوماً، إذا ما تكرَّست، إلى نظام استبداد سياسي ـ فكري، بآليات انتخابية. جارتنا الشرقية مثالٌ ساطع على ذلك.

الديمقراطية الحقيقية لا تتأسس، في رأيي، بمقادير ما يسمح به العقل التقليدي وثقافتُه، إذ كلما أبقيت على ما يُحجِّرُ التبعيةَ والطاعةَ والخضوعَ، وهي سمات بنيوية في الثقافة التقليدية دينياً، وسياسياً واجتماعياً، كلما تسعت مسافةُ البُعد بينك وبين الحرية والديمقراطية، وبالتالي بينك وبين الحياة الحقيقية. أقول رغم وعيي هذا للديمقراطية وقواعدها إلا أنني لم أقصد،
لا لفظاً ولا معنىً، "إلغاءَ شرعية الانتخابات وصناديق الاقتراع التي تشكلت من خلالها هذه الحكومة". ربما لأنني أرى أن "الانتخاب"، حتى في مثل هذه الظروف، أقل سوء من اللانتخاب. مثل هذه الرؤية لا تأخذني، بالطبع، لمديح هذه الأحوال، وقبول ما نتج عنها، وإغفال مخاطره، وهو ما أسعى للكتابة فيه على قدر اجتهادي وطاقتي.

ولكن لا دهشةَ في أن يُلصقَ السيد حسين بمقالتي ما ليس منها، فللقراءات المأزومة منطقها الخالي من المنطق والعقل. فهي تبحث، عادةً، في النصوص والشخوص والأشياء عموماً، عما يلائمها، ويطابق، أو يقارب مقولات أصحابها، فتهلل له. ويطير صوابُها، كأنَّ صاعقةً أصابتها، إذا ما عثرت فيها على ما يخالفها، أو ما لا يشاطرها الإيمان بحقائقها، فيركبها الغضبُ متلبساً صاحبَها، مُرسلاً إياه في متاهات الوهم والتخمين والتقويل وإطلاق الأحكام على عواهنها. مثل هذه السمات تتجلى في مقالة السيد حسين هذه، وعلى نحوٍ أوضح في مقالتين أخريين له (لم أقرأ له إلى النهاية غير هذه الثلاث)، هما (يسيرون نحو الهاوية وهم نيام) و (التظاهرات كعلاج نفسي).

منطق القراءة المأزومة هذه يقوم على اختلاق أنني قمت أولاً بـ"إلغاء شرعية الانتخابات"، وذهبت ثانياً إلى إلباس "الحكومة ثوب إبليس" حين وصفتها بـ" حكومة المحاصصة الطائفية"، وذلك لكي أبرر، ثالثاً، عدم شرعيتها، و"بالتالي إسقاطَها"!

أرى أن "شرعيةَ" الحكومة الحالية قد سلبَها عنها المتشاركون فيها جميعاً، عبر صراعاتهم الدائمة، ووقوفهم، إلى اليوم، عند ما بدأوا به منها، فضلاً عن أشياء أخرى أساسية أشرتُ لها في هذه الحلقة، وما سبقها، من هذا الجدل. كما أنني لم أُلقِ بنفسي على الحكومة "ثوب إبليس" لترتديه. منظومة أحزابها الفكرية ـ السياسية، وثقافةُ سياسييها ومشاريعهم هي التي زيَّنت لها، في الحقيقة، هذا الرداء وألبستها إياه. وإذا ما كانت المحاصصة الطائفية "ثوب إبليس"، وهو ما أتطابق فيه مع السيد حسين تماماً، فإن ساسة حكومة "المشاركة الوطنية" أنفسهم، كما أوردتُ عنهم، يشكونَ هذه "المحاصصة" ويصبون لعناتهم عليها. أما لماذا لا يخلعون عن حكومتهم "ثوب ابليسها" هذا الذي يشكونه، فهو أمر أعلمه، ولا أعلمه!. ولعل السيد حسين يأتينا، يوماً، بالخبر اليقين عن هذا الأمر العجيب كذلك، فنكونَ له شاكرين!

لقد رأينا أن السيد حسين قد وصف "المحاصصة"، مرة، بأنها "شرٌّ". والشرُّ، كما نعرف، هوالشيطان عينُه، سواء سكنَ الإنسانَ، أو تسلل إليه من خارجه. و"إبليس" هو الشيطان نفسه، كما يعرف السيد حسين، وهو مصدرُ "الشرِّ" وصِنوهُ، لا فرقَ إن ظهرَ بهذه التسمية أو تلك. وعلى ضوء هذا المنطق العقلاني، كما أرى، فإن السيد حسين، نفسُه، قد ألبسَ الحكومةَ التي يقول عنها ساساتها، وتنطِق به ممارساتها، أنها حكومة محاصصة، "ثوبَ إبليس"، فـ"المحاصصة شرٌّ" وإبليس شرٌّ هو الآخر.

فهل يريد ساسةَ السلطة، والسيد حسين معهم، حسبَ منطق قراءته المأزومة، إذن، إلغاءَ شرعية الحكومة وإسقاطها، دون أن يعوا ذلك؟!

يبدو لي أن السيد حسين، وهو يتحدث عن نيَّتي في أسقاط الحكومة، أشبه بـ"قارئة وَدَعٍ" أو "فتّاح فال" يأخذ ما يخطر له ويُطلقه آراء قاطعة، لا يأتيها الشك من دُبُر، ولا من قُبُل!. ولكن يجدرُ بي أن أذكرَ له، بامتنان هنا، أنه آثر الرأفةَ بي، والحمد لله، إذ لم يكشفْ "خطتي" لأسقاط الحكومة، ويفضح "ساعة الصفر" فيها، ويُسمّي عناصرها وأدواتها، وما هيَّأْته لنجاحها، سوية مع ديمقراطيين علمانيين آخرين، من "أدعية" و"حروزٍ" علمانية تشدُّ من أزرها، وتعينها على الظَفَر بما تنشد!

أعتقد أن ما ذكرته، في "جدلي" هذا مع نمط التفكير الذي يسمُ تناولَ السيد حسين للظواهر والأحداث والآراء، وهو ليس نمطٌ خاص به وحده بالطبع، وما أشرتُ له من "شرعية" الحكومة، أو عدمها، يصحُّ على فرضية "الإسقاط" التي يذكرها كذلك.

أقول، وبعد مُضيّ ما يزيد على عام من تشكيل هذه الحكومة، أن حالةَ النزاعات الدائمة، والمرواحة، سياسياً، واقتصادياً، وخدمياً، في المكان ذاته، واتساع الفساد والتستر على وزراء ومسؤولين كبار فاسدين، ما داموا من الموالين، واستخدام المال العام لأغراض حزبية وشخصية، وإقطاع عقارات الدولة للأصحاب بأثمان بخسة، واستقدام المحاسيب وذوي القربى السياسية والطائفية والقبلية والحزبية، لارتقاء المناصب، واستمرار الفشل في حماية أرواح الناس وأملالكهم، من الارهاب وعصابات الجريمة المنظمة، وتواصل اغتيال موظفين في الدولة من قادة جيش وشرطة، وكذلك من الأكاديميين والإعلاميين، من ذوي الألسنة النقدية، وتسجيل جرائم قتل الكثيرين منهم على ذمة مجهول ـ معلوم، ودون نشر أية نتائج، لأية تحقيقات جرت بشأن مثل هذه الجرائم وسواها، كلُّ ذلك، أو حتى قليلٌ منه، يكفي، ديمقراطياً، لإسقاط هذه الحكومة باستقالتها، أو سحب الثقة منها، أو عبر ضغط الشارع عليها، وإعادة الوديعة لأهلها، للناخبين. وهذه جميعها، كما يعرف السيد حسين، وسائل شرعية في أية ديمقراطية صحيحة.
فلماذا يلجأ "ديمقراطيون!"، إذن، إلى تخويف الناس، وإرعابهم، من احتمال استقالة حكومة ما، أو إسقاطها بوسائل ديمقراطية!؟
هل مصائر البلاد والناس مرهونة بمصير حكومة بعينها لا غير؟ وهل أصبحت الحكومات، ومناصب ساستها، أهمّ وأغلى من الأوطان والشعوب ومستقبل أجيالها، يا سيد حسين؟

سوف أشير إلى قضية واحدة فقط، غير هذه التي ذكرتها، كان ينبغي أن تكون كافية، في أحوال الديمقراطية والوعي الديمقراطي، ويقظة الضمير الوطني والديني الحقيقييَن على السواء، لإلغاء شرعية هذه الحكومة، وصدقية هؤلاء الساسة، وأعني بها "ماراثون" الشهور الثمانية من الحوار والنقاشات والوساطات التي سبقت تشكيل "حكومة الشراكة الوطنية" هذه.

ثمانيةُ شهور والناس تتابع، مقطَّعَةَ الأنفاس، مناورات منِ انتخبوهم وألاعيبَهم، واتهاماتهم لبعضهم البعض. ثمانية شهور واصلَ الموتُ فيها إزهاق أرواح الناس دون أن يكون لهذا أثر في تطييب نوايا الساسة وتطهيرها، وتوجيهَ بَوصلاتِ مصالحهم نحو مصالح الوطن وأهله.

ثمانية شهور والزمن يفلتُ من أيدي الناس، في وقت تتهارش فيه "نخبُهم" السياسية على مواقع الحكم وامتيازاته، غيرَ مكترثة بحقيقة أن الزمان لا يُشفق على من لا إحساس له به. يدعَه واقفاً، أو نائماً، في مكانه ويمضي عنه مواصلاً حركته الهادرة.

ثمانية شهور أوقفوا فيها زمن العراقيين، وأخذوه معهم إلى كواليس جدالاتهم، واتفاقاتهم التي ظهر، فيما بعد، أنها خالية من المعنى، لم يروا خلالها، ولا بعدَها، أن الزمن هو زمن البلاد وأهلها، زمن حاضرها وغدها، وليس لأحد، أياً كان، أن يوقفَه، أو يسمح له بالحركة على إيقاع مصالحه هو وفرقته. كما أنهم لم يدركوا أن حركةَ التاريخ، حركةَ الزمان،
لا تعرف التوقف، وليس لها محطات استراحة أبداً. اليوم الذي يذهب ضائعاً، دون معنى، لا يعود البتةَ، مثلما حركةُ الفصول تمضي ولا تلتفتُ لمن يتأخر في بذاره عنها.

لقد كتب صاحب (نوبل) للأدب، الكولومبي ماركيز، لأصدقائه وهو على فراش مرض قاتل: "إن كل لحظة نغلق فيها أعيننا، تعني خسارةَ ستين ثانية من النور . . . . سوف أمضي فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلُّ نيام".
فكيف بنا نحن، وعيون الكثيرين منا مقفلةٌ على ظلمة دامسة؟

تلك الشهور الثمانية، ظلوا يلتقون فيها ويتحاورون، دون أن يسمع أحدهم الآخر، كما يبدو. زفّوا للناس، في نهايتها، بشرى توافقهم، فخرج البعض يرقص فرحاً لهذه البشرى، ظاناً أن وقت النزاعات الطويلة قد مضى، وأن "النخبَ" اهتدت إلى الوطن وحاجات أهله، ولكن ما إن أتى الصباح، وسكتت "شهرزاد" عن الكلام المباح، حتى عاد القوم إلى عاداتاهم السيئة في التنازع، وكأن حوار الشهور الثمانية الضائعة لم يكن سوى "حوار طرشان"، وظلَّ الواحد منهم يرى، بعده، في "شريكه" غريماً، ينظرُ إليه من "ثقب" مصالحه الضيقة.

ألا يعتقد السيد حسين أن هذا الأمر يكفي وحده، وطنياً، وأخلاقياً، وديمقراطياً، ودينياً كذلك، لاستقالة مثل هذه الحكومة، وتفويض الناس شأنَ ما بعدها؟

استقالةُ حكومة ما، أو اسقاطُها ليس مأساةً يا سيد حسين، فسقوط الجدران الخربةُ التي تحجب الرؤيةَ، وتعطل حركة الحياة، لا يبعث على الخوف، ولا يُفزعُ غيرَ من يستظل بظلِّها. الحكومات تأتي وتذهب، يا سيد حسين، أما الكارثةُ الحقيقية فهي أن ييأس الناس ويفقدون أملهم في المستقبل، بسبب أخطاء حكوماتهم وعجزها وسوء أدائها.

ثم أنني أرى أن سقوط الحكومات، وحتى الأنظمة، لا يكفي وحده دائماً. سقوط حكومة مبارك وزين العابدين وغيرهما ربما، لا يكفي، في تقديري، على أهمية مثل هذا السقوط. الأكثر أهميةً ومصيريةً لبلداننا وشعوبها هو، في اعتقادي، تجاوز المنظومة الثقافية ـ الاجتماعية التي أنتجت هذه الأنظمة، وأتت بهذه الحكومات. هذه المنظومة هي ذاتها من تجعل غير القليل من ضحايا الظلم والاستبداد توائمَ لظالميها، تُعيد بهم دورة الاستبداد والتخلف، وتأخذ أصحابها، في افرازاتها المتشددة والتكفيرية، إلى توصيف قتلة الناس "مقاتلين" لأجل الحق، "مجاهدين" في سبيل الله!

لستُ أدري ما هي مصادرُ قراءة السيد حسين المأزومة لكتابتي. أهي القراءة العجولة وعقليتها ومنهجها؟ أم هو الحكم المُسبق وآثاره القادمة من خارج النص المنقود؟ أم أنه الإيحاء الآتي للناقد من مكان ما خارجه؟

لكنني، وبمعزل عن هذه الأسئلة وإجاباتها المحتمَلَة، استطيع القولَ، استناداً لكتابته، بأن من لا يُجيد قراءةَ الوردي يُسيئُ قراءة غيره. فلقد جمع السيد حسين في تناوله لكتابتي ناقدَ السلطة بواعظها، وهو جمعٌ غير موفَّق أبداً. ولو تمعَّن فيما قاله استاذنا الوردي عن "واعظ السلطان" لوجد أنه يذكر، مثلاً، "إن مشكلة الوعاظ عندنا أنهم يأخذون جانب الحاكم ويحاربون المحكوم" (وعاظ السلاطين، ص 12). وفي موقع آخر من كتابه هذا(ص 11) يقول الوردي: "ويُخَيل لي أن الطغاة وجدوا في الواعظين خير معوان لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم". فهل نقد السلطة، أيةَ سلطة كانت، إلهاء لرعاياها وتخدير لهم، أم هو سعي لإيقاظهم، وإيقاظها معهم؟ ألا يبدو الترويج، مثلاً، لمقولة "إن الوضع العراقي الشائك المعقد هو الذي فرض هكذا حكومة، فإما أن تكون بهذا الشكل أو لا تكون" نوعاً من محاولة لتدجين الرعايا وتخديرهم، ودعوتهم لقبول الأحول على سوئها، وتعطيل وعيهم بحقائقها؟

ثم ألا يجد السيد حسين صلة بين ما يذكره العلامة الوردي (ص 12) عن منطق الواعظ الأفلاطوني الذي يقول للناس : "لقد ظلمتم أنفسكم وبحثتم عن حتفكم بظلفكم"، وبين مقالته التي يرى فيها أن المتظاهرين لإصلاح الحال "يسيرون نحو الهاوية وهم نيام"!؟

ليس لي في ختام جدلي المتأخر هذا مع السيد عبد الخالق حسين غير أن أوردَ جملةً ذكرها هو، فأقول له بلسانه، هذه المرةَ: "لا بد لهذه الجماهير أن تستيقظَ يوماً فتصب اللعنة على من خدعها" ، آملاً له أن لا يكون من بين هؤلاء الخادعين الملعونين، وهم كثرٌ والعياذ بالله.

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة