نيجيرفان بارزاني: قادة يعتقدون أن الزمن سيكون في صالح بغداد.. وآخرون يعيدون الدكتاتورية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

قال السيد نيجيرفان بارزاني، الرئيس السابق لحكومة إقليم كوردستان ، إن القيادة الكوردية دخلت الآن مرحلة المفاوضات الجدية لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من الشهر الماضي.

وأكد بارزاني، في حوار خص به صحيفة  «الشرق الأوسط» أنه لا «فيتو» على أي حزب أو كتلة سياسية، غير أن تحالفات الكورد  لن تبنى بعد الآن على «العلاقات» و«المواقف الشخصية»؛ بل على برامج القوى السياسية. وأشار إلى أن التحالف مع كتلة دولة القانون، بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، والائتلاف الوطني العراقي، بقيادة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بزعامة عمار الحكيم، الأقرب إلى التحالف الكوردستاني، مشيرا إلى أن هناك عناصر «معادية» للأكراد في القائمة العراقية، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.

 

وحول مبادرته بإجراء إصلاحات داخل حزبه، الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود بارزاني، قال: «جميع الأحزاب في العالم بحاجة إلى التجديد والتغيير، ولكن هناك من يتحدث وكأنني بصدد إجراء انقلاب حزبي، وهذا أمر غير وارد إطلاقا»، نافيا أن تكون تلك الإصلاحات متأثرة بظهور حركة التغيير بقيادة نوشيروان مصطفى. وحول خلافات بغداد وأربيل، قال بارزاني إن «هناك عقلية ما زالت تتحكم في بعض القادة العراقيين، وهي الاعتقاد بأن الزمن سيكون في صالح بغداد، وما دامت تلك العقلية مسيطرة، فمن المستبعد أن نتمكن، كقوى عراقية، من التغلب على مشكلاتنا».

 

وحول الحملة الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام التابعة لحزبه ضد حكومة برهم صالح، رئيس وزراء الإقليم الحالي، أكد بارزاني أن «هذه الحكومة حكومتنا، ورئيس الوزراء هو رئيس وزرائنا.. ودعم حكومته نعتبره واجبا علينا، ومن دون شك سوف نستمر في دعمها بكل قوة». كما أكد بارزاني انفتاح الإقليم على المحيط العربي وسعي القيادة الكوردستانية إلى تحسين علاقاتها مع الدول العربية، خاصة مع السعودية.

 

وفي ما يلي نص الحوار:

 

ما سبب هذا الغياب الطويل عن المشهد الإعلامي، خصوصا أنك تحتل موقعا مهما كنائب لرئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي لا تقل أهميته السياسية عن موقع رئاسة للحكومة؟

 

صحيح أنني ابتعدت عن الإعلام وسافرت إلى الخارج لبعض الراحة، ولكن ذلك لم يمنعني من المشاركة في العمل السياسي، خصوصا مع هذه الحركة النشطة من اللقاءات والمشاورات الجارية بشأن التطورات السياسية التي رافقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، والآن نحن منهمكون في المسائل المتعلقة بمشاركتنا في الحكومة العراقية وصياغة برامجها. حاليا نحن في طور التشاور والتباحث مع القوى العراقية وعبر اللقاءات المكثفة لرسم ملامح المرحلة المقبلة على ضوء التطورات الجارية لدعم وتعزيز المسيرة الديمقراطية في العراق.

 

قبل الخوض في الوضع العراقي نريد أن نبدأ معك، بالوضع الحزبي الذي شهد أخيرا حدثا مهما بتبوئك منصب نائب الرئيس، والذي زاد من آمال القاعدة الحزبية بحدوث تغيير كبير لجهة الإصلاح والتجديد، فهل تعتقد أن الحزب بحاجة فعلا إلى مثل هذه الإصلاحات.

 

أعتقد أن جميع الأحزاب في العالم بحاجة دائمة إلى التجديد والتغيير وبحسب الظروف المتاحة أمامها، هناك من يتحدث كأنني بصدد إجراء انقلاب داخل الحزب، وهذا أمر غير وارد في حزبنا إطلاقا، أما مسألة التجديد والإصلاح والتهيؤ لقيادة المرحلة القادمة على ضوء التطورات السياسية الجارية على الصعيدين العراقي والكوردستاني، فهذا أمر يتفق عليه جميع قيادات الحزب ابتداء من السيد رئيس الحزب (رئيس الإقليم مسعود بارزاني)، نزولا إلى القواعد الحزبية، كلهم متفقون على ضرورة إجراء هذه الإصلاحات. وأعتقد أن حزبنا استطاع خلال الفترة السابقة وحتى هذه المرحلة أن يحتفظ بشعبيته، وأن يديم نضاله السياسي على الساحة الكوردستانية والعراقية، ولكن ينبغي أن نعترف أن نهج الحزب وبرامجه قد صيغت في مرحلة كان النظام السابق موجودا، وكان أحد أهداف الحزب هو إسقاط ذلك النظام، وهذا على سبيل المثال، إضافة إلى الكثير من البرامج والأهداف التي رسمها الحزب لتلك المرحلة، ولذلك نشعر اليوم في قيادة الحزب أن هناك حاجة إلى المراجعة وإجراء تغيير جذري في برامج الحزب، وهذا التغيير لا يهدف إلى تبديل الوجوه والأشخاص، بقدر ما نريد أن نغير من شكل الأداء، وإعادة صياغة البنى الأساسية للحزب بما يتوافق مع متطلبات المرحلة القادمة، هذا هو الإصلاح الذي نسعى إليه، والانتخابات الأخيرة أكدت الحاجة كغيرنا من الأحزاب إلى التجديد والإصلاح وإلى مراجعة شاملة للأداء.

 

أنت تتحدث عن إعادة صياغة البنية الأساسية للحزب وهذا يتطلب تغييرا جذريا داخل الحزب، فهل تعتقد أنه مستعد لهذا التغيير؟

 

لست وحدي من يتطلع إلى هذا التغيير المنشود، بل جميع قيادات الحزب يشاركونني الرأي في ذلك، والتغيير الذي ننشده قد يتصور البعض أنه ضرب هذا الشخص أو ذاك، وهذا غير صحيح، لأننا نريد أن نعيد صياغة الحزب من الهرم بحيث نجعله مستعدا ومتهيئا دائما لخوض الانتخابات، فعلى سبيل المثال شكلت التطورات الجارية على قانون الانتخابات الأخيرة بالنسبة إلى الحزب مفاجأة لم يكن مستعدا لها، وذلك بتغيير صيغة إجرائها من القائمة المغلقة إلى القائمة المفتوحة، وهذه مفاجأة أضرت بنا كثيرا على الرغم من النتائج الجيدة التي حصلنا عليها في تلك الانتخابات، والمقصود هو أننا يجب أن نعيد صياغة تشكيلات حزبنا بشكل يكون متهيئا لكل التطورات والاحتمالات المستقبلية، وهذا الأمر يعمم على جميع مكاتب ومؤسسات الحزب التنظيمية والجماهيرية والإعلامية، هذا هو المقصود بالتغيير في البنية الأساسية للحزب. وما يفرق حزبنا عن الأحزاب الأخرى هو درجة الالتزام التي كانت - والحمد لله - من أعلى الدرجات خصوصا في الانتخابات الأخيرة، حيث إن جماهير الحزب التزمت تمام الالتزام بالتوجيهات الصادرة من قيادة الحزب، وهذا مبعث فخر لنا، ولهذا أؤكد أنه ليس لدينا مشكلة في التوافق الحزبي مثل بقية الأحزاب التي تعاني من تعدد أجنحتها وتكتلاتها الحزبية، فحزبنا حزب موحد لا كتل فيه ولا أجنحة.

 

أليست هذه الإصلاحات التي أنتم بصددها متأثرة بظهور حركة التغيير المعارضة في كوردستان؟ أليس بين هذه الإصلاحات وظهور تلك الحركة الشعبية الراغبة بالتغيير ربط؟

 

- نعم، ليس هناك أي ربط بين خططنا الإصلاحية وظهور هذه الحركة، ولم نتأثر بذلك أصلا، ولكننا نعتبر التغيير حالة مطلوبة باستمرار، وهو غريزة داخل الإنسان، ونرحب بظهوره حتى كقوة سياسية، والإصلاحات فرضت نفسها علينا نتيجة الوضع السياسي العام في كوردستان، وحزبنا ليس منفصلا عن الواقع السياسي في كوردستان والعراق، وهو يدرك تماما حجم التغييرات والتطورات الهائلة التي حدثت خلال الفترة الأخيرة، وهذا ما فرض علينا أن نتخذ قرارا جماعيا موحدا بالشروع في تلك الإصلاحات.

 

ترأست حكومة الإقليم لأكثر من 12 عاما، حققت الكثير من الإنجازات والمكاسب التي يلمسها الشارع الكوردي، وتركت وراءك الكثير من الخطط والبرامج لإعادة إنهاض كوردستان، فهل لك أمنية أو حلم لم تستطع تحقيقه، أو برنامج ومشروع لم تكمله؟

 

أود أن أشير إلى أنني تسلمت رئاسة الحكومة الموحدة في ظروف بالغة الدقة والحساسية، فالأوضاع السياسية في تلك الفترة لم تكن كما هي عليه اليوم، كنا طرفين خرجنا من مرحلة قتال دام واتفقنا على تشكيل حكومة موحدة، وفي ذلك الوقت لم يكن بيننا أدنى ثقة بعضنا ببعض، وفي هذه الفترة الحرجة والحساسة تشرفت بتسلمي لرئاسة الحكومة الإقليمية الموحدة. وخلال فترة رئاستي استطعت بالتعاون مع الإخوة في الاتحاد الوطني، وخصوصا مع نائبي الرئيس الأخ عمر فتاح والأخ عماد أحمد أن نعيد بناء الثقة بيننا، ونجحنا في إدامة هذه الثقة إلى حين انتهاء ولاية حكومتنا وتسليم الراية إلى التشكيلة السادسة. وهذا شرف كبير لنا، وأود أن أعود بكم إلى بدايات تشكيل تلك الحكومة الموحدة التي كانت أولى أولوياتها هي إقرار الأمن والاستقرار في كوردستان، وأستطيع القول إننا تمكنا بهمة أجهزتنا الأمنية وتعاون مواطنينا أن نحقق هذا الاستقرار بالوضع الأمني، ثم جاءت الخدمات في المرتبة الثانية من اهتمامات حكومتنا، فلقد ورثنا من النظام السابق تركة ثقيلة من سوء الخدمات وانعدام المشروعات الخدمية ومشروعات البنية التحتية، ولهذا أولينا اهتماما كبيرا بهذا الجانب، ومما لا شك فيه أننا لم نستطع أن نلبي جميع طموحات حكومتنا، ولكني أعتقد أننا سواء في التشكيلة الخامسة أو الحالية يكمل بعضنا بعضا، بمعنى أن ما لم نستطع تحقيقه، نعتقد أن الحكومة الحالية ستكمله، وأنا ألمس فعلا توجها بهذا الشكل من حكومتنا الحالية، لأن هدفنا المشترك في الحكومتين هو خدمة المواطنين وخدمة بلدنا، وما أراه اليوم من هذه الحكومة ورئيسها مكمل لما بدأناه في حكومتنا السابقة.

 

من هذا المنطلق وفي الإطار الذي تتحدث عنه، هل أنت مستعد لدعم الحكومة الحالية برئاسة برهم صالح؟

 

هذه الحكومة نعتبرها حكومتنا، ورئيس الوزراء هو رئيس وزرائنا. هذه الحكومة شكّلناها نحن والاتحاد الوطني معا، لذلك فهي حكومتنا، وعلى الصعيد الشخصي تربطني بالأخ برهم علاقة صداقة قوية وممتازة، وعلى صعيد أداء الأخ برهم فإنني أقدر هذا الأداء، وأعتقد أن بإمكانه أن يلعب دورا مهما في خدمة شعبنا، لذلك أؤكد لكم أن دعم هذه الحكومة نعتبره واجبا علينا، وبلا شك سوف نستمر بدعمها بكل قوة.

 

كنتم رئيسا لحكومة الإقليم وأعلنتم مرارا معاناتك من التدخلات الحزبية في شؤون الحكومة، واليوم تغير موقعك فأصبحت خارج الحكومة وتتولى مهمة قيادة الحزب بالنيابة، فهل ما زلت عند موقفك برفض التدخلات الحزبية في شؤون الحكومة؟

 

هذا مبدأ أساسي عندي ولن أحيد عنه مطلقا، وبالعكس أعتقد أن فترة رئاستي لمجلس الوزراء أفادتني كثيرا لفهم مساوئ التدخلات الحزبية في شؤون إدارة الحكومة، ورغم أنني استطعت إلى حد ما أن أضع حدا لتلك التدخلات، فإنني أرى اليوم أن موقعي في النطاق الحزبي سيحتم علي واجب تعويد الحزب على عدم التدخل في شؤون الحكومة، يجب أن أفهمهم بمساوئ وأضرار هذه التدخلات. إن هدفنا في الأساس هو تحويل نظام الحكم في كوردستان إلى النظام المؤسساتي، وهذه العملية لا تحتمل أن نتعامل بازدواجية المعايير مع هذه المسالة، علي أن أضع تجربتي السابقة بخدمة هذه الحكومة، وأن أحدد إطار وواجبات كل من الحزب والحكومة.

 

في أثناء ولايتكم حدثت خلافات عميقة بينكم وبين بغداد حول بعض الملفات التي ما زالت عالقة، ولم تستطع حكومتكم حسم هذه الخلافات فأورثتموها للحكومة الحالية، ما أسباب فشل جهودكم لحل تلك الخلافات؟

 

- أعتقد أن السبب الرئيسي لعدم حسم تلك الخلافات يتعلق بسوء فهم القوى العراقية للدستور، وبمدى رغبة تلك القوى في الالتزام بمضامينه وأحكامه، كما أعتقد أن عدم حل تلك الخلافات يعود بوجه آخر، إلى عدم وجود إرادة حقيقية من القادة العراقيين خصوصا من الحكومة العراقية لحلها. للأسف هناك عقلية ما زالت تتحكم في بعض القادة العراقيين وهي الاعتقاد أن الزمن سيكون في صالح بغداد، وما دامت تلك العقلية مسيطرة فمن المستبعد أن نتمكن كقوى عراقية من التغلب على مشكلاتنا. لقد أثبت التاريخ أن حل مشكلات العراق لن يكون إلا على طاولة المفاوضات وعلى أساس الأخذ والعطاء، فإذا أردنا للعراق أن يعيش بخير وسلام لا بد أن نتحاور، والمسألة باتت واضحة للجميع، وهي أن العراق يتكون من ثلاثة مكونات أساسية: الشيعة والسنة والكورد، مع الأقليات القومية الأخرى، وقد تكرست هذه الحقيقة في الانتخابات الأخيرة. صحيح أن نتائج الانتخابات غيرت بعض الموازين، ولكنها لم تغيّر الواقع السياسي، فالشيعة صوتوا للشيعة والسنة للسنة والكورد للكورد، وهذا هو واقع العراق، هناك من يتطلع إلى تقوية المركزية ببغداد، وأنا أتصور أن هذا مفهوم خاطئ، علينا أن نبحث في صيغة تمكننا من التعايش السلمي بيننا كعراقيين. ولكن للأسف لم نصل بعد إلى تثبيت فكرة أن النظام في العراق هو نظام فيدرالي تعددي، بمعنى أنه يجب اعتماد صيغة التعاملات الفيدرالية في علاقاتنا، هناك من يمنّي نفسه بالقوة بحيث يستطيع إرغامنا على القبول بتنازلات، ولكن هذا الطرح أثبت فشله ولم يُجدِ نفعا في التغلب على مشكلاتنا التي أعود لأؤكد أنها لن تحل من دون التفاوض على أساس مبدأ الأخذ والعطاء وبالتسلح بإرادة الحسم لجميع الخلافات العالقة.

 

ولكن في العراق الكثير من القوى السياسية التي لا تتقبل تحويله إلى نظام فيدرالي.

 

- يجب أن لا ننكر واقعا مفروضا على العراق، وهو أنه بلد منقسم إلى قوميتين أساسيتين هما العرب والكورد، لا يستطيع العربي أن يفرض نفسه علي لأنني كوردي، ونحن نعتقد أنه من غير المعقول بعد كل هذه السنوات من الحرية التي تمتعنا بها في كوردستان، أن نعود مرة أخرى للعيش في ظل نظام حكم مركزي، بقية مناطق العراق أحرار في اختيار صيغة الحكم التي تناسبهم، ولكن بالنسبة إلينا كشعب كوردي وبما تم تثبيته في الدستور العراقي يجب أن يكون في العراق نظام فيدرالي، ويكون الكورد جزءا من شراكة حقيقية بإسهاماتهم في صياغة العراق الجديد. هدفنا الأساسي هو عدم تكرار التجارب المريرة التي مرت بنا في العراق، وعدم تكرار سياسات القمع والاضطهاد التي عانى منها الكورد وغيره من قوميات العراق.

 

أنت تتحدث عن شراكة حقيقية في العراق، فهل تشعر القيادة الكوردية بوجود مثل هذه الشراكة؟

 

أعتقد أن جزءا من أسباب عدم تثبيت تلك الشراكة نتحمله نحن، نعم أسهمنا في إعادة صياغة النظام الجديد في العراق ويجب على الآخرين الاعتراف بهذه الحقيقة، ولكن ما زال هناك من لا يريد أن يفهم أن في العراق نظام فيدرالي برلماني، والمشكلة أن البرلمان العراقي ليس فاعلا بما فيه الكفاية، ولذلك يسعى البعض للأسف إلى إعادة خلق الدكتاتورية في العراق، وأقولها بصراحة، إن الثقافة البرلمانية لم تتثبت في العراق بعد، وهناك من يعتقد أن شخصا واحدا هو الذي يحق له اتخاذ القرارات، وهذا غير صحيح، لأن الدستور العراقي ينص على أن نظام العراق هو نظام برلماني فيدرالي تعددي، وأعتقد أننا نحتاج إلى المزيد من الوقت لتثبيت هذا المفهوم.

 

هذه الملاحظات هل تشمل أداء الكتلة الكوردية بالبرلمان العراقي؟

 

نعم، هذه الملاحظات أعممها على جميع الكتل البرلمانية بما فيها كتلتنا الكوردية التي نعاتبها في بعض المرات بسبب أدائها. كان يُفترض أن تكون كتلتنا أكثر فعالية ما دمنا شركاء في الحكم، فإذا كانت لدينا ملاحظات على رئيس الوزراء يفترض أن نضع تلك الملاحظات أمامه ونتحرك لتلبيتها، ولكننا لم نفعل شيئا من هذا القبيل ما عدا تكرار توجيه الانتقادات.

 

تحولت كوردستان أخيرا إلى مركز لاستقطاب القوى السياسية العراقية خصوصا مع ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، وسعي تلك القوى لحشد الدعم بهدف تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ما موقفكم من تلك التحركات المحمومة؟

 

نعم، صحيح أن كوردستان تحولت إلى مركز مهم وهذا مبعث فخر لنا. نحن الآن في طور التشاور والتباحث ودراسة العروض المقدمة، ومبدؤنا الأساسي هو التحاور مع الجميع من دون استثناء ووفقا لبرامج معلنة. ندرس برامج الآخرين ونضع برنامجنا أمامهم ثم نتفاوض، من يقبل ببرنامجنا فسنتحالف معه. ولن نتعامل من الآن فصاعدا مع الآخرين على أساس مراعاة علاقاتنا، وتقييمنا للمواقف الشخصية، بل على أساس برامج تلك القوى، ومع ذلك هناك واقع لا ننكره ولا يمكننا تجاوزه، وهو أننا حتى هذه اللحظة ما زلنا أقرب إلى كتلتي دولة القانون (بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي) والائتلاف الوطني (قيادة المجلس الأعلى الذي يتزعمه عمار الحكيم) من القوائم والكتل الأخرى. للأسف القائمة العراقية (بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي) تضم شخصيات جعلوا مهمتهم الأساسية هو معاداة الشعب الكوردي ورفض المكاسب الكوردية المتحققة، لذلك أؤكد أننا سندخل التحالفات القائمة على أساس برامج الأحزاب والكتل السياسية.

 

وما شروطكم؟

 

شروطنا واضحة وسهلة جدا: تطبيق الدستور وتنفيذ المادة 140 وحل المشكلات العالقة، وفي المقدمة ضمان مشاركتنا الفاعلة في الحكومة القادمة.

 

هذا اعتراف ضمني بعدم تطبيق الدستور حاليا؟

 

طبعا الدستور لم يطبق، هناك الكثير من النصوص والمواد التي لم تطبق، منها المادة 140 الدستورية التي يجب تطبيقها، وكذلك قانون النفط والغاز، وغيرهما من النصوص.

 

ولكن المادة 140، الخاصة بتطبيع الأوضاع في مدينة كركوك المتنازع عليها، وُضع لها سقف زمني وانتهى دون تنفيذ، ولذلك هناك قوى تعتبرها مادة ميتة، أو منتهية الصلاحية، وأنتم - القيادات الكوردية - تتحدثون دائما عن تنفيذها، فهل تريدون إحياءها مجددا؟

 

المادة لم تمت حتى نحييها، تأخير تنفيذ المادة مسألة، وموتها أو شطبها مسألة أخرى، ومن يقُل إن المادة 140 ميتة فهو خاطئ أو غير منصف، ومن يقُل ذلك لا يرِد الخير للعراق، ولا يرِد له الاستقرار، ويحاول إدامة التوترات بين العرب والكورد، ومن يحب العراق وتهمه مصلحته يجب أن يراعي هذه الحقيقة، إذا كان هدفنا هو استقرار العراق يجب تنفيذ هذه المادة لأنه لا حل غير ذلك، فلا بديل عن هذه المادة لتطبيع الأوضاع.

 

هذه المادة ظلت متوقفة عن التنفيذ منذ خمس سنوات، ألا تستطيعون تقديم بعض التنازلات حولها بدل الانتظار خمس سنوات أخرى دون حل؟

 

مشكلات العراق لا تحل بطريقة التنازلات، أن يطلب أحد كل شيء لنفسه ويحرم الآخرين حقوقهم، وفي التسويات وحل المشكلات فإن طاولة المفاوضات هي المكان الأنسب لذلك، يجب حل مشكلاتنا على طاولة المفاوضات وبحوار صريح ومفتوح، لا أن نبقى متفرجين على تلك المشكلات، فالزمن لا يحل المشكلات بل يعقدها.

 

ظهرت حركة التغيير حركة منشقة عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني، وبينهما مشكلات بسبب هذا الانشقاق، والحركة استطاعت أن تثبّت أقدامها في كوردستان وتحولت إلى معارضة فاعلة، هل أنتم على استعداد للقبول بهذه الحركة والتعاطي معها؟

 

كما أشرتم فإن الحركة خرجت من الاتحاد الوطني، ونشأت أساسا بسبب خلاف بين قيادات الاتحاد الوطني، ومن جهة أخرى هناك واقع تكرس أخيرا، وهو أن الحركة حصلت على 25 مقعدا في البرلمان الكوردستاني، وفي حدود 8 مقاعد في البرلمان العراقي أنا أعتقد أنه يجب أن نتعامل بشكل واقعي مع هذه الحركة وفقا لحجمها الطبيعي. لا يمكننا إنكار وجود الحركة بتحكيم صناديق الاقتراع وبعملية ديمقراطية، يجب أن نحترم خيارات المصوتين ورغباتهم بالتغيير ما دمنا نسعى لتثبيت الديمقراطية في كوردستان. وأعتقد أن الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني عليهما أن يتعاملا بشكل إيجابي وواقعي مع هذه الحركة، فالمعارضة ليست محصورة فقط بكتلة التغيير، بل هناك قوى أخرى معارضة داخل البرلمان، ولكن عندما ننظر إلى تجربة الأشهر الستة الأخيرة في البرلمان الكوردستاني مع ظهور هذه الحركة، ونسأل هل هذه المعارضة قامت بدور تخريبي، أم على العكس أدت دورا إيجابيا؟ فأنا أتصور أن أداء حركة التغيير كان إيجابيا داخل البرلمان، وفي المحصلة فإن وجود هذه المعارضة داخل البرلمان أمر ضروري وطبيعي لمراقبة أداء الحكومة، وبالتأكيد ستستفيد الحكومة من هذه الرقابة البرلمانية لتقويم أدائها، هذه الحركة كرست واقعا علينا أن نتعامل معه على أساس أمر واقع ومقبول.

 

ولكن إذا كانت علاقات الاتحاد الوطني مع حركة التغيير متوترة لأسباب معروفة، فلماذا لا تعقدون أنتم علاقات معها؟

 

نحن في الحزب لدينا علاقات من نوع ما معهم، ومع ذلك فإن حزبنا يلتزم ببعض الأمور منها ارتباطنا مع الاتحاد الوطني باتفاق استراتيجي.

 

هل هذا يعني أن في هذا الاتفاق بندا يمنعكم من إقامة علاقات طبيعية مع الحركة؟

 

قطعا ليس هناك أي بند بهذا الشأن، علاقاتنا مع التغيير طبيعية ومتواصلة، نتشاور ونتباحث في الشؤون العامة والوضع في كوردستان، ونسعى إلى إقناع الاتحاد الوطني للتعامل مع هذه الحركة كأمر واقع، خصوصا وأنهم طلبوا أخيرا ترخيصا رسميا من الحكومة، وهذا يعني أنه سيكون لهم وجود قانوني، وأتمنى أن يتعامل الاتحاد الوطني بنفس النهج مع هذه الحركة.

 

هل هناك مشروع معين منكم للوساطة بين الاتحاد والتغيير؟

 

السيد رئيس الإقليم (بارزاني) بذل جهدا كبيرا في تهدئة الأوضاع بين الطرفين، ووضع كل إمكاناته وباستمرار لمنع حدوث أي تصادم بينهما، وكان له دور إيجابي مشهود بهذا الصدد، وأعتقد أنه لولا هذا الدور من السيد رئيس الإقليم كانت مشكلات كبيرة ستقع بين الطرفين خصوصا في السليمانية، وهذه حقيقة، ولذلك فإن جهود السيد رئيس الإقليم وجهودنا ستتواصل من أجل عدم وقوع المشكلات.

 

عدم وقوع المشكلات شيء والمصالحة شيء آخر، هل هناك مبادرة منكم لإجراء مصالحة بين الطرفين؟

 

أعتقد أن مجرد الحفاظ على حالة الاستقرار الحالي وعدم التصادم شيء جيد، وستأتي الأشياء الأخرى لاحقا إن شاء الله.

 

هناك من يتوقعون ظهور حركة تغيير مماثلة داخل حزبكم، ويرشحونك أنت بالذات لقيادة تلك الحركة، ما حقيقية هذا الموضوع؟

 

الانسجام الموجود داخل حزبنا، والالتزام بقرارات القيادة عندنا تختلف كليا عما هو موجود داخل الاتحاد الوطني الذي تشكل أساسا كمحاور متعددة وأجنحة مختلفة تنضوي تحت خيمة الاتحاد الوطني كإطار جبهوي. ليس داخل حزبنا أجنحة ولا تيارات، توجد هناك توجهات وآراء مختلفة في بعض المسائل، حتى إنني في بعض الأحيان قد أختلف مع السيد رئيس الحزب، ولكن هذا أمر يؤخذ بشكل طبيعي، وتبقى الآراء والتوجهات المختلفة قابلة للمناقشة داخل القيادة ولكن الهدف واحد، وهو حماية وحدتنا الداخلية، فليس لدينا أي مخاوف من ظهور مثل هذه الحركة.

 

زرت قبل أيام تركيا والتقيت رئيس وزرائها، فماذا دار في محادثاتكما؟

 

كنت في إسطنبول لأشغال شخصية، وهناك دعاني رئيس الوزراء التركي لزيارته في أنقرة، وقبلت ذلك بسرور، وأنتم تعلمون أن علاقاتنا مع تركيا في السنوات السابقة شابتها توترات، ولكنها تحسنت منذ سنتين، والآن تسير تلك العلاقات على سكتها الصحيحة وتتطور يوما بعد يوم من جميع النواحي السياسية والاقتصادية، وطبيعي أن تركيا تعتبر منفذا مهما بالنسبة إلينا، كما أنها من الناحية التجارية شريك استراتيجي، ومن الطبيعي أن نسعى إلى تمتين علاقاتنا معها، وهذه الدعوة وجهت إلينا في إطار هذه المسائل، خصوصا وأنه كان لي دور في تدعيم تلك العلاقات، وبعد الانتخابات الأخيرة يبدو أن تركيا لديها برنامج محدد للقاء القادة السياسيين في العراق، وفي هذا الإطار دعوني للتباحث معهم حول مستجدات الوضع العراقي والتطورات السياسية وخطوات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

 

في مسألة العلاقات الخارجية نلاحظ تركيزكم على العلاقات مع تركيا وإيران على حساب توسيع وتمتين علاقاتكم مع المحيط العربي، فلماذا لا تهتمون بنفس القدر بالعلاقات مع الدول العربية؟

 

سياستنا الثابتة في كوردستان هي التطلع إلى إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، ولكن إيران وتركيا دولتان جارتان ترتبطان معنا بحدود طويلة، ولقد أثبتت حكومة الإقليم أنها أصبحت تشكل عامل استقرار في المنطقة، وفي هذا الإطار سعينا لإقامة أفضل العلاقات مع دول المنطقة، ونؤكد دائما على العلاقات المتوازنة مع الجميع، فلا نفضل دولة على أخرى، ويهمنا بالطبع أن نطور علاقاتنا مع جميع الدول بما فيها الدول العربية، وكما لاحظتم فإن السيد رئيس الإقليم زار السعودية والتقى العاهل السعودي، وسيسافر بعدها إلى لبنان، وهذه الزيارات تندرج في إطار سعي القيادة الكوردستانية لتحسين علاقاتها مع الدول العربية وخصوصا مع السعودية.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة