نيجيرفان بارزاني: يتملكنا الاسى حين نرى مدينة مثل بغداد غارقة في الظلام

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

اربیل-KDP.info /في حوار أجرته صحيفة المدى ، اليوم الأربعاء، مع نيجيرفان بارزاني رئيس مجلس الوزراء في إقليم كوردستان، تناول الحوار عدد من المسائل الهامة المتعلقة بمستقبل العملية السياسية في العراق والعلاقات بين أربيل وبغداد والجهود التي تبذلها الأطراف السياسية لتطبيع العلاقات، وجملة من القضايا الحساسة مثل البيشمركة والنفط والغاز والأوضاع الراهنة على الساحة العراقية

رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق يتحدث عن "قصة النفط" و"الصبر" على فهم اللامركزية

    نيجيرفان بارزاني: بغداد على عيني وعلى راسي.. ولا يسعدنا ان تتقدم أربيل ويغرق الآخرون في الظلام

    لدي امل كبير بأن الساسة يتذكرون كل لحظة معنى استخدام الدبابات في العراق، وعجز تلك الترسانة عن صناعة أمة متآخية تتبادل مصالحها بشكل متحضر، وهذا درس كبير لنا جميعا

    عام 1970 شعر صدام بأنه ضعيف فأبرم سلاما معنا. ثم شعر بالقوة فأعلن الحرب علينا، وحين احس بالورطة تنازل عن نصف شط العرب. بعدها ادرك خطأه فشن حربا ضد ايران، وللتعويض عن الفشل اجتاح الكويت، وهذه ليست سياسة.

    قلت للمالكي: لقد كنت معنا في خندق واحد ضد نهج صدام في ادارة البلاد، وليس صحيحا ان تكون بيننا قطيعة، لذلك وقعنا اتفاقا لبدء حوار سينتج قواعد عمل تساعد في علاج مشاكل العراق عموما

    كوردستان انفصلت عن العراق بعد انتفاضة 1991، ثم مارسنا عودة اختيارية الى العراق بعد سقوط صدام، ولم يجبرنا احد على هذا

    البيشمركة شاركت في كل العمليات الخاصة ضد الارهاب. ولم نتردد في تلبية النداء كلما كان شركاؤنا في بغداد يطلبون العون. وهذا جزء من مسؤوليتنا التي نفخر بها ولا نمنّ على احد

    نلمس اليوم تفهما افضل للمطلب الفيدرالي لم يكن متاحا قبل 5 او 6 اعوام، والانتقال السياسي يتطلب وقتا في كل التجارب

    عمالقة البترول العاملون في كوردستان لديهم جيش من خبراء القانون، ولو شعروا ان فهم كوردستان للدستور حول النفط ينطوي على خطأ، لما تورطوا بعمل غير قانوني معنا

    عام 2005 عدت من بغداد وأنا مؤمن بأننا سنحتاج وقتا طويلا لجعل الحكومة المركزية تقتنع بمبدأ اللامركزية ونكون مهيئين لصناعة توافقات. لذلك وضعنا سياسة تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة

    قبل 8 سنوات لم تكن لدينا سوى ساعتين كهرباء، اما الان فالتيار متوفر 24 ساعة. ولم يكن هذا ممكنا الا حين اعتمدنا خططا منفصلة عن بغداد التي كان من الواضح ان خططها غير ناجحة

    مستعدون لاطلاع بغداد على تفاصيل صفقات النفط وسبق ان دعوناهم، اذ ليس لدينا شيء نخفيه، شريطة ان يتركوا فكرة السيطرة على هذه الاتفاقات وتحديد ما نفعل وما لا نفعل

    يتملكنا الاسى حين نرى مدينة مثل بغداد غارقة في الظلام وتعاني نقص الطاقة، مع انها عاصمة بلد لديه ثروات طائلة

    ليس من السهل علي ان اقول ان كوردستان تطورت بينما ظل باقي العراق متراجعا، فهذا امر لا يسعدني، لأن تطور باقي اجزاء البلاد سيعود بالنفع على وضعنا في اقليم كوردستان

ليست "الحِرفة" وحدها والتعود على اللباقة الحذرة في عرض الموقف السياسي، هي التي تتحكم بإجابات نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق، على أسئلة(المدى) في هذا الحوار الذي جرى بمكتبه في اربيل. بل هناك "المزاج الكوردي" الذي يتحسسه المرء في التعامل مع الجميع هنا.

حاوره/ سرمد الطائي (1-2)

لا يبدو راغباً بالزهو بما حققه الإقليم، وحين تسأله عن هذا يحاول تذكيرك بأن التنمية ليست مجرد بضعة طرق سريعة ومجموعة أسواق عملاقة. وعندما تقول له ان كوردستان تنجح بفضل خطط منفصلة عن فوضى التخطيط في بغداد، يسارع الى لملمة اطراف الحديث والتأكيد على ان المسألة تثير الشجن، وأن الكوردي لا يشعر بالسعادة حين يبدو انه صاحب المنطقة الوحيدة المزدهرة في العراق، وحتى لا يبدو متظاهرا بعاطفة مصطنعة يؤكد لك ان الأمر مرتبط بمنظور المصالح على طول الخط التجاري بموازاة نهري دجلة والفرات، ليسأل بلسان يتفهم متطلبات السوق الدولية: وكيف ستكبر أعمالنا وتزدهر لو بقيت المناطق المجاورة لنا قلقة وكاسدة وغارقة في العنف؟

وهناك ايضا الانحياز الواضح للصراحة، والتمسك العنيد بـ"الاتفاقات الأولى" التي شجعت كوردستان على "العودة الاختيارية" الى عراق ما بعد صدام، بعد انفصال دام 12 عاما منذ انتفاضة 1991.

عبارة "على عيني وعلى راسي" التي يسمعها المرء في مدن كوردستان حين يتحدث الأكراد معه بالعربية، ويعلنون ترحيبهم بطلب او سؤال، هي ذاتها التي يستخدمها رئيس حكومة الإقليم في الحديث عن رغبة بغداد بالاطلاع على تفاصيل عقود النفط مع الشركات الكبرى، لكنه ووسط عبارة الود هذه، يدافع عن فهم إقليم كوردستان للدستور ولـ"الاتفاقات الاولى" حول حق الاقليم في إدارةالآبار الجديدة، طالما كانت طريقة إدارتها متماشية مع القانون العراقي. وهو يسرد حكاية النفط بوصفها اختباراً لطريقة حكم جديدة "تحتاج بغداد وقتاً لاستيعابها".

والتمسك العنيد بهذا الحق حسب رئيس حكومة الإقليم، ترافقه مبررات عديدة يشرحها بأسف، ليؤكد في الوقت نفسه ان 100 عام من سيادة عقلية الحرب، ووفرة الثروات، وكل هذا الانفتاح السياسي الجديد، يحتم على جميع العراقيين ان يجلسوا للحوار حول المشاكل ويزيلوا الحواجز النفسية التي تكونت مؤخرا "بين القادة" ويصوغوا تنازلات داخلية مهمة كي لا تتحرك الدبابات نحو "هزيمة وطنية" اخرى، وهي دبابات فشلت على مدار قرن في صناعة "أمّة متآخية".

الحوار هذا يصلح ان يضعه كل سياسي عربي على طاولة مفاوضاته مع القوى الكوردية وغيرها، لأنه يلخص بالوضوح الكافي، رؤية جرت تجربتها لعراق يمكنه استيعاب الجميع. والحوار ايضا يعيد صياغة سؤال عراقي كبير حول قرن النزاعات الدموي: هل كان الأمر يستحق هذا؟

الجميع شعر باطمئنان حين زار المالكي أربيل اثر قطيعة سياسية وبعد مرحلة راقبنا خلالها بحذر حركة الدبابات في طوزخورماتو. ومن المؤكد ان الخلاف كبير، لكن التهدئة حظيت باهتمام بوصفها لحظة التقاط أنفاس وفرصة استئناف لحوار بمقاييس حل النزاعات في العالم المتقدم. السؤال الاساسي الذي يواجه الطبقة السياسية اليوم: بعد قرن عراقي من الدماء، هل بدأنا ندرك اهمية إبرام سلام متماسك يسمح لنا بالتمتع بالخير الوافر؟ ام أن "النفس القصير" للمفاوضات يجعل السياسي يستسهل "عقلية الحرب"، وهذا ما يقلق عموم العراقيين؟

- جزء من مشاكل العراق لا تزال تنتج عن الطابع الانتقالي لنظامنا السياسي اذ لا نزال في مرحلة تحول عميقة منذ سقوط صدام حسين. التحول الى الفدرالية في حد ذاته أمر جسيم وجديد علينا. اضف الى ذلك ان مشاكلنا تتصل بجذور تاريخية وهو ما يعني انها من النوع الذي يصعب التوصل الى تسوية كبرى بشأنه خلال بضعة أسابيع. لكن ما يجب ان نتذكره خلال هذا هو ان الصعوبات التي نواجهها في صناعة الاتفاق لا ينبغي ان تدفعنا للقتال. ولهذا فإن الحوار مع بغداد ظل على طول الخط واحدة من اكبر أولويات إقليم كوردستان.

في هذا الاطار قمت بزيارة بغداد مؤخرا وكان لي لقاء طويل مع السيد نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الاتحادية، وخصصنا جزءا منه لحديث على انفراد. وقد تحدثنا بشكل واضح جدا عن مشاكل العراق العامة، ومشاكل الاقليم. ووجدنا انفسنا نشعر معاً بضرورة انطلاق الحوار الوطني الذي كان يعاني الجمود.

وقد شعرت ان الأمر لا يتطلب مجرد دخول مباشر في حوار بين اللجان التخصصية، بل يتطلب تمهيداً ضروريا يتيح لنا ان نتجاوز الحواجز النفسية التي ظهرت بين القادة العراقيين، ولذلك اقترحت على السيد المالكي زيارة اربيل، وقلت له: كما أنكم عقدتم اجتماع الحكومة في نينوى والبصرة، فلماذا لا تعقدون اجتماعا مماثلا للحكومة العراقية في عاصمة اقليم كوردستان العراق؟

اذن كان مجيء المالكي مقترحاً طرحته انت؟

- نعم قلت له اذا وجدت ان مجيئك الى اربيل محاط ببعض الصعوبات، فستكون هناك صيغة مناسبة للجميع حين تنقل اجتماع مجلس الوزراء الى هنا. عندها يمكن ترتيب لقاء برئيس إقليم كوردستان السيد مسعود بارزاني ليساهم ذلك برفع جملة من الحواجز النفسية التي صعبت التواصل بين كثير من القادة العراقيين في الفترة الماضية. وحتى لو بقي جزء من تلك الصعوبات النفسية، فسيكون في وسعنا على الأقل أن نجلس لنتذكر مع بعض، ان الحرب ليست خياراً بديلاً حين نواجه بعض حالات العجز السياسي التي تحصل ضمن الملفات الكبرى.

  وهل تشعر ان هذا المعنى كان حاضرا في لقاء القادة، وأنهم استذكروا ذلك خلال اربيل، وأننا سنلمس نتائج طيبة؟

- ليس من الصعب ان نتذكر ما تحملناه في مختلف مناطق العراق من ظلم وهوان وخسارات بسبب الإدارة السيئة لخلافاتنا، فشعب العراق لاقى اصعب الويلات، بنحو من الصعب نسيانه، بسبب المسارعة الى الحرب كلما واجهنا جموداً في السياسة.

ان تجربتنا التاريخية مع عقلية الحرب امر مؤلم ودرس بليغ. التاريخ يثبت لنا ان القوة عجزت عن حل المشاكل. لذلك فإن شعور من يجلس على كرسي الحكم في بغداد بأنه اكثر قوة من الأطراف الأخرى، ليس مساراً للحل. وحين شعر الحاكم السابق بالقوة وأراد استخدامها في حل مشاكل البلاد فإنه فشل بوضوح وجرنا جميعا الى ويلات رهيبة.

عام 1970 شعر صدام حسين بأنه ضعيف فذهب الى المرحوم الملا مصطفى بارزاني وأبرم الصلح. ثم شعر بالقوة فأعلن الحرب على الأكراد، وحين احس بالورطة وكلفة النزاع راح يعالج ذلك بطريقة رهيبة فتنازل عن نصف شط العرب لشاه ايران عام 1975 كي يحاصر الجبهة الكوردية ويضعفها. بعدها بقليل فقط ادرك الخطأ الفادح في اتفاقية الجزائر مع الشاه وتنازلاتها فشن حرباً ضد ايران انتهت بعد 8 أعوام دون نتيجة. وبعقلية الحرب نفسها أراد تجربة أسلوب معالجة آخر فاجتاح الكويت، وبدأ خراب رهيب نلمس آثاره المؤلمة حتى هذه اللحظة.

سلسلة الأخطاء هذه لم تحصل قبل قرون، بل لا تزال جزءا من ذاكرتنا القريبة، ودرسها البليغ هو ان موازين القوة والضعف كما يتخيلها صاحب القرار لن تحل مشاكل "العائلة الواحدة" وليس أمامنا اليوم سوى استيعاب التجربة المحزنة، وأن نكون سعداء بامتلاكنا دستوراً وافق عليه 80٪ من أبناء شعب العراق، واستنادا اليه يمكن ان نواصل دعم تفاهم وطني متماسك ينتهي بحل المشاكل.

هل استعرضت هذا المشهد التاريخي المحزن في لقائك الخاص بالمالكي؟

- قلت له: لقد كنت معنا في كوردستان مرات عدة وفي خندق واحد ضد طريقة صدام حسين في ادارة البلاد، وليس صحيحا ان تكون بيننا هذه القطيعة، لذلك وقعنا اتفاقا لبدء حوار تستأنفه لجان الخبراء حول الخلافات الرئيسية. وحين جاء الىاربيل قمنا فعلا بتشكيل هذه اللجان ونأمل بأن تكون انطلاقة جدية، لا لحل مشاكل كوردستان وحسب، بل لكي تتمخض عنها قواعد عمل تساعد في علاج باقي مشاكل البلاد.

  لكن سلسلة الحروب التي استعرضتها تجعلنا نفكر احيانا بأن 100 عام من النزاعات والحروب تركتنا بلا مواهب تفاوضية كافية حتى لو اردنا ان نتحاور حقا، وحين نفشل بسبب ضعف امكانات التفاوض سنسارع الى ركوب الدبابة ثانية لأنه الأمر الوحيد الذي نعرف استخدامه (بمهارة نسبية).

إجمالا كيف راقبت مهارات الساسة العراقيين في صناعة التفاهمات والحلول، وهل تحسب انها تطورت خلال السنوات الماضية؟

- لدي امل كبير بأن الساسة يتذكرون كل لحظة معنى استخدام الدبابات والمقاتلات الحربية في العراق، وعجز تلك الترسانة عن صناعة أمة متآخية تتبادل مصالحها بشكل متحضر، لكن المشكلة ان بعض من يجلسون في المكاتب الحكومية في بغداد لم يتعلموا بعد المعادلة الجديدة التي تستبدل التاريخ الدموي بمعايير زمان مختلف.

المشكلة ان الجالسين في مكاتب حكومة بغداد يتصورون ان قوة الحكومة المركزية تتحقق حين تكون هي الممسكة بمفاصل كل شيء، والخطوة الاولى للحل هي ان يبدأوا بنسيان هذه المعادلة القديمة والتي ثبت انها غير مفيدة وتجر الويلات.

ما ينبغي ان نتذكره هو ان كوردستان العراق انفصلت عن العراق بشكل نهائي بعد انتفاضة 1991 احتجاجا على طابع القمع في نظام صدام حسين، وبعد سقوطه عام 2003 مارسنا ما يشبه العودة الاختيارية الى العراق، ولم يجبرنا احد على هذا.

بعد 1991 اصبح لدينا برلمان منتخب وحكومة، لكننا قررنا العودة الطوعية الى العراق استنادا الى معادلة جديدة اسمها "العراق الجديد" ودستوره. ولا يتخيل احد اننا ذهبنا الى بغداد متسولين نستجدي الصدقات، بل كنا ولانزال شركاء حقيقيين في التأسيس المتواصل لنظام تعددي حديث.

صحيح ان وضعنا الاقتصادي لم يكن عام 2003 جيدا كما هو اليوم، لكن الأوضاع لم تكن بذلك السوء وكان بإمكاننا ان نعتمد على انفسنا ونتمسك بالانفصال الذي كان حقيقة قائمة من 1991 حتى 2003. وما شجعنا على الاندماج ثانية بالعراق هو وجود شركاء حقيقيين كانوا يعملون معنا سنوات طويلة ضد الدكتاتورية، ومنذ ذلك الوقت لم نتوان عن الاشتراك في كل التضحيات. فأيام كانت بغداد تشهد تلك الأوضاعالأمنية الصعبة كنا لا نتردد في إرسال شباب البيشمركة لمساعدة القوات الاتحادية داخل بغداد. وفي وسعي القول بأن البيشمركة شاركوا في كل العمليات الخاصة الكبيرة التي تمت ضد تنظيمات الارهاب. ولم نتردد في تلبية النداء كلما كان شركاؤنا في بغداد يطلبون العون في الايام الصعبة. وكان هذا جزءا من مسؤوليتنا التي نفخر بها ولا نمنّ على احد.

 

وفي بعض اللحظات شعرتم ان الحاكم في بغداد نسي هذا؟

 

- كلا، ولكنني اتحدث عن دلالات الشراكة الجادة التي نتمسك بها. وكل ما نريده هو ان تستوعب بغداد طبيعة الوضع الكوردي. فطبقا للدستور كإقليم، لدينا وضع خاص يميزنا عن باقي محافظات البلاد، فبلادنا تتكون من قوميتين اساسيتين، العربية والكوردية، ولهذا خصوصية لابد من اخذها بعين الاعتبار.

وحين ارسلناالبيشمركة للمشاركة في القتال الى جانب القوات الاتحادية، كنا ننتظر ان بغداد ستدرك المفهوم الجديد لشراكتنا، مع حفظ خصوصيتنا القومية، ولم نتوقع منهم ان يأتوا بعد ذلك ليقولوا ان البيشمركة لم تكن جزءا من منظومة الدفاع الوطني.

يقول خصومكم ان النسخة الفيدرالية المطبقة في كوردستان متطرفة وغير مألوفة في العالم. ويقول بعض اصدقائكم انكم لم تبذلوا جهدا كافيا لتعريف باقي الشركاء بمستويات النموذج الفيدرالي في التجارب البارزة ومقارنة وضع كوردستان به. وربما اضاع العراقيون وقتاً في الاختلاف على الفيدرالية، اكثر من الوقت الذي خصصوه لفهمها. كيف تتلقى هذه الملاحظة؟

- أولا ماذا نتوقع غير صعوبات الفهم خلال تحولنا الانتقالي هذا؟ اننا ننتقل ببطء من نظام بوليسي صارم وفظيع لم يكن فيه اي معنى للمشاركة السياسية، وبين ليلة وضحاها أفاق العراقيون على نموذج منفتح يطمح لاعتماد شروط حديثة، وقد شهدنا انتقالة زاويتها 180 درجة، حتى انفتح النظام السياسي الى درجة لن يمكن لأحد بعدها ان يعيد اغلاقه.

انااوافقك الرأي، فنحن كطبقة سياسية لم ننجح بما يكفي لتوضيح المفهوم الفيدرالي بوصفه اسلوب حكم، لا نزعة انفصال. ولا ننسى ان اعداء العملية السياسية شكلوا دعاية مضادة وبنحو ممنهج ضد الخيار الفدرالي.

لكن من جهة اخرى عليك ان تتذكر ايضاان السجال الوطني قطع شوطا في هذا الاطار، ولذلك يمكنك ان تلمس اليوم تفهما شعبيا افضل للمطلب الفيدرالي لم يكن متاحا قبل 5 او 6 اعوام. ايضا فقد بذلنا جهدا للتواصل مع الحكومات المحلية في محافظات مثل النجف، وعملنا معهم ليطلعوا بشكل تفصيلي على التجربة الفيدرالية هنا لإزالةاي سوء فهم، ولنقارن بين نتائج صيغتي حكم، واحدة تابعة للمركز في النجف وأخرى فيدرالية في كوردستان.

 

دعنا نسمع منك توصيفا لمشكلة النفط في العراق، وهو اكثر خلاف يثير الحساسية مع بغداد؟

- النفط قصة حزينة جدا وغياب التدبير حاليا يهدر الثروة الكبيرة. ان الجالسين في مكاتب الحكومة ببغداد ينشغلون بقضايا خاطئة. انهم مشغولون بالتفكير في كيفية بسط الهيمنة على كل شيء، وأن كل شيء يجب ان يكون خاضعا للسيطرة من بغداد. وهذا امر شغل العقل السياسي كثيرا، عن القضايا الأكثرأهمية.

وعلى سبيل المثال فإننا نخوض 3 معارك سياسية حتى نحصل على موازنة اقليم كوردستان. واحدة داخل برلمان اربيل، والاخرى داخل مجلس وزراء العراق، والثالثة في برلمان العراق. وبينما يجري الأمر بسلاسة في الفدراليات المستقرة وتأخذ الاقاليم حصتها المعروفة، فإن قانون موازنة العراق يصبح بمثابة "قانون عقوبات" على اقليم كوردستان، بسبب عقلية "السيطرة على كل شيء".

هذا ما يتعلق بمحنة الفدرالية، اما الخلاف على النفط فأبدؤه بقضية مهمة ينبغي الانتباه لها. انني أسأل: هل هناك مشكلة قانونية ودستورية في موضوع النفط، أم ان طريقة تفكير بغداد بهذا الموضوع هي التي تنطوي على مشكلة؟

لدينا في كوردستان نحو 54 شركة نفط اجنبية تعمل في حقول النفط وبينها الشركات الكبرى المعتبرة وعمالقة البترول المعروفون، وهذه اطراف لا يمكن ان تقع في خديعة. ولدى كل من هذه الشركات جيش من المحامين وخبراء القانون على مستوى العالم، ولو شعروا ولو بمقدار أنملة، ان فهم كوردستان الدستوري لمسألة النفط يواجه مشكلة قانونية، لما تورطوا بعمل غير قانوني معنا.

لقد قرر هؤلاء استثمار مبالغ كبيرة في كوردستان لانهم درسوا الدستور العراقي جيدا وفهموا انه يمنح حق الإدارة للأقاليم المنتجة للنفط فيما يتعلق بالحقول التي لم تكن منتجة لحظة كتابة الدستور عام 2005. وفي النهاية فإن الأمور ستسير طبقا لقانون العراق، والعوائد المالية تذهب كلها الى الحكومة المركزية وسيربح الأكراد والعرب معا، ولن نأخذ منها سوى حصة 17٪، وما نطلبه هو حقنا في تحديد نهج ادارة هذه الحقول، واختيار الشركات الأفضل والظروف الأنسب لاستغلال الاحتياطي.

  يبدو ان التواصل مع اطراف الحوار الاخرى كان يمكن ان يكون افضل، فأنتم تشتركون في جوانب مهمة مع البصرة مثلا في ملف النفط، اذ تطالب مراكز القوى هناك ايضا بتصحيح أسلوب إدارة النفط وضمان إشراكها في وضع سياسات الطاقة، وهكذا في باقي مناطق العراق المنتجة للنفط والغاز. الا تعتقدون ان التنسيق في هذا المجال مع الممثلين السياسيين للمحافظات العربية المنتجة للنفط، سيساعد على بلورة رؤية وطنية تخفف الحساسية القومية حول ملف الطاقة؟

- النفط في زاخواو البصرة هو ملك لكل شعب العراق وهذا لا خلاف عليه، لكننا نختلف حول طريقة ادارة الاحتياطي النفطي، ففي بغداد هناك من يريد السيطرة على كل التفاصيل، ونحن نقول لهم ان النفط الموجود في كوردستان ملك لكل شعب العراق، لكن الدستور منح الحق لكوردستان كإقليم فيه آبار جديدة، لكي نتولى نحن اختيار الشركات العاملة والاتفاق معها بشكل نعتقد انه سيطور صناعة النفط، وخيرها سيعود لكل العراقيين. ومن حق الحكومة المركزية ان تجلس معنا وتبحث قواعد العمل، لكن ليس من حقها ان تقول لنا افعلوا هذا ولا تفعلوا ذاك، طالما كان عملنا شفافا ووفق الدستور الذي رسم المعادلة الجديدة للحكم في العراق.

وإذا جرى حل هذا في البرلمان وتفهم الجميع حقوقهم، فسيصبح الوضع ملبياً لمطالب أهل البصرة والرمادي ودهوك معا، اذ سنكتب الصلاحيات القانونية بوضوح وفقا للمبدأ الدستوري. وسيجري تثبيت امر قانوني لا يعطي بغداد حق الحديث بلغة تسلط لا مع أهل البصرة ولا دهوك، وعلى الحاكم ان يبحث عن لغة تواصل وشراكة بديلة لننتقل الى مرحلة جديدة من العدالة والمشاركة السياسية.

وفي الحقيقة ليس المالكي وحده مقصرا بشأن تشريع قانون النفط المهم، فالبرلمان مقصر ايضا، ويجب ان يكون هذا واضحا كي نتلافاه.

  لكن بغداد تشتكي من عدم الاطلاع حتى على عقود النفط المهمة التي أبرمتموها مع الشركات الكبرى، لماذا لم تبادروا مثلا الىاشراك الحكومة المركزية في الملامح الأساسية لاتفاقاتكم على الأقل؟

- دعنا نكرر مرة اخرىان الدستور واضح في هذا الاطار. الآبار التي كانت منتجة لحظة كتابة الدستور تدار بطريقة مشتركة بين الأقاليم والمركز، اماالآبار الجديدة فيحق للاقليم ادارتها وفق رؤية حكومته. لكن البعض في بغداد يقولون أننا ابرمنا العقود مع عمالقة النفط في غرف مغلقة لا احد يعلم ماذا جرى فيها، وهؤلاء لا يريدون ان يلاحظوا ان الشركات التي تعاملنا معها لا تتنازل عن مبدأ الشفافية العالية، ولذلك قامت بنشر العقود امام الرأي العام، ونحن ايضا نشرناها على الملأ وهي موجودة على الموقع الالكتروني لحكومة كوردستان.

ونحن في كوردستان كذلك ندرك بشكل جيد ان النفط مثل السلاح، يمكن ان يقتل صاحبه اذا لم يحسن استخدامه، ولذلك كنا حريصين بشدة على ان تتطابق صفقاتنا مع معايير الدستور والقوانين العراقية، الى جانب حرص الشركات الأجنبية على ذلك أيضالأنها من النوع الذي لا يتورط إلا في الصفقات السليمة قانونيا، وهؤلاء لم يعملوا معنا إلا حين تأكدوا من حقنا الدستوري.

  لكن لماذا لم "تسدوا الذريعة" وتقوموا بدعوة ممثلين عن حكومة بغداد ليحضروا مباحثات إبرام العقود النفطية، حتى لا يزعل احد، ورغم حقكم الدستوري في اتخاذ ما ترونه اصلح وأنسب لتطوير صناعة النفط في كوردستان؟ ألم تحاولوا معهم يوما؟

- اذا أرادوا وأحبوا فأهلا وسهلا، وعلى عيني وعلى راسي. نحن نحترم نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقةالدكتور حسين الشهرستاني مثل كل وزراء الحكومة الاتحادية، لكن هذا لا يعني التخلي عن صلاحياتنا الدستورية. في بداية الأمر كنا ندعو بغداد للمشاركة لكنهم كانوا يرفضون حضور اتفاقاتنا.

ولماذا كانوا يرفضون؟

- في السنوات الاولى من التغيير كنا نذهب مرات ومرات الى بغداد لتحريك تفاهمات قوية حول هذا الموضوع وحول موضوعات أساسيةاخرى في مجال الطاقة، وكي لا نتصرف بدون تنسيق مع الحكومة الاتحادية، الى ان أصابنا اليأس ولم نلمس تجاوبا. فعدنا الى كوردستان وقمنا بوضع مبادئ عمل وخططا مستقلة عن بغداد تجعلنا نكتفي في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية وتوفير مشتقات النفط. ذلك لأننا في قيادة الاقليم لمسنا، مع الأسف ان نوع التفكير المسيطر في بغداد كان يريد استخدام الكهرباء ومشتقات النفط وغيرها من المسائل، لإخضاعنا والضغط علينا وحرماننا من التصور اللامركزي الهائل الذي اتفقنا عليه اثناء وضع الدستور. كما ان بغداد كانت باختصار لا تمتلك خططا واضحة للنهوض بهذه القطاعات.

كان المسؤولون في بغداد يريدون التحكم بكل شيء، بحيث يمكنهم ان يسارعوا الىإطفاء الكهرباء عن اربيل في أية لحظة، اذا لم يعجبهم شيء تقوم به كوردستان. وهذه الرؤية ليست سياسة ولا إدارة.

عام 2005 عدت من بغداد وأنا مؤمن بأننا سنحتاج وقتا طويلا لجعل الحكومة المركزية تقتنع بمبدأ اللامركزية ونكون مهيئين لصناعة توافقات مناسبة. لذلك وضعنا سياسة تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، لا لنضمن امتلاك خطط صحيحة وحسب، بل بحيث لا يأتي احد ويمارس ضغوطه علينا متى شاء مستفيدا من تبعيتنا له في الكهرباء والبنزين وغير ذلك من القضايا الحيوية. ولذلك نجحنا وتقدمنا. فعام 2005 لم تكن لدى الاقليم ، سوى ساعتي كهرباء كل يوم، اماالآن فالتيار متوفر 24 ساعة تقريبا. وهذا لم يكن ممكناًالا بفضل إدراكنا لضرورة ان نتصرف وفق خطط منفصلة عن طريقة عمل بغداد، وكان من الواضح ان طريقة العمل في عاصمة العراق مليئة بالأخطاء، وهذا يمكن ان يوضح لكم، لماذا سرنا بشكل مستقل في ملف صناعة النفط وتطوير الحقول.

لقد كان بإمكان إخوتنا في بغداد ان يبرموا اتفاقا واضحا معنا عبر تشريع قانون النفط، ويكونوا مطلعين وحاضرين ضمن اتفاقاتنا مع الشركات الكبرى. لكنهم رفضوا بشدة وأرادوا التحكم بمصير حقول النفط في كوردستان.

واليوم ايضا، وبعد كل ما جرى نحن مستعدون لاطلاعهم على كل التفاصيل، فليس لدينا شيء نخفيه، وأهلا وسهلا بهم وعلى عيني وعلى راسي، شريطة ان يكتفوا بالمطالبة بتوفر الشفافية، ويتركوا فكرة انهم يجب ان يسيطروا على هذه الاتفاقات ويحددوا لنا ما نفعل وما لا نفعل.

لم يكونوا يرغبون بمجرد الحضور والاطلاع خلال الاتفاقات لنضمن مبدأ الشفافية، بل أرادواان يأخذوا الاتفاقات ويقوموا بدراستها ليقرروا هل هي صائبة ام يجب إلغاؤها، وهذا مستحيل ولن نوافق عليه والدستور الى جانبنا.

  اذن انتم تشعرون ان السماح لبغداد برسم سياسة الاقليم في مجال الطاقة والمجالات الحيوية الاخرى، كالكهرباء او توفير الوقود، سيؤدي الى تلكؤ صناعة النفط والتراجع في مجال الكهرباء وغير ذلك. ولهذا تصرون على ان يكون لديكم خطط عمل منفصلة ومدروسة يمكن ضمان نجاحها؟

- انا لا أريد ان اقول الاشياء بهذه الطريقة، لكن على العراقيين ان يشعروا بأن كوردستان جزء من العراق وأن اي تطور يشهده الاقليم فهو في مصلحة عموم العراق.

أننا جزء من العراق ولا شك، وحين تظهر مشكلة في أية منطقة من البلاد فإننا نتأثر بها مباشرة، وحين تضرب الاعتداءات الإرهابيةاي منطقة عراقية فإننا نكون جزءا من الشعور العراقي العام بالخطر.

وليس من السهل علينا ان نقول ان كوردستان تطورت بينما ظل باقي العراق متراجعا، فهذا امر لا يسعدنا، لأن تطور باقي اجزاء العراق سيعود بالنفع المباشر على كل وضعنا في إقليم كوردستان.

ولكن المشكلة هي ان الأخوة في بغداد وبعد مرور 10 سنوات على التغيير، لم يفرغوا من وضع خطة تليق بمستقبل البلاد كي يمكن لكوردستان تعزيز العمل المشترك والقيام بالتنسيق المطلوب مع الحكومة الاتحادية. وفي ملف الطاقة لدينا ملاحظات كثيرة على طريقة عمل بغداد، ووضع إنتاج الكهرباء خير دليل على ان هناك خطأ كبيراً، اذ لا يعقل ان تبقى الطاقة سيئة رغم انفاق مبالغ طائلة عليها. وهذه كارثة تجعلنا نشعر بحزن شديد وأسف لضياع فرص تقدم العراق، ويتملكنا الأسى حين نرى مدينة مثل بغداد غارقة في الظلام وتعاني نقص الطاقة، مع أنها عاصمة بلد لديه ثروات طائلة.

ولكن وبمجرد ان نقوم بالإدلاء بملاحظات نقدية على خطط بغداد، يرد علينا البعض بالقول: انتم تتحدثون بهذه اللهجة وتبررون وضع خطط منفصلة، رغبة في الانفصال!

بينما يستحق أخوتنا في كل مكان، حياة افضل وخططا مضمونة النجاح، لان الشعب عانى كثيرا وهو يستحق مصيرا احسن يعوضه.

 KDP.info

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة