الفنان محمد حقون..تاريخ شفشاون واصالة الزمن الجميل حاوره: بدل رفو شفشاون ــ المغرب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

(إن احترقت مدينة شفشاون المغربية بأكملها فلا تحزن قتها ولكن ان احترق دارك المتحفي وقتذاك ستكون شفشاون بتاريخها قد احترقت وازيلت الى الابد)هذه العبارة قلتها للفنان الكبير الفوتوغرافي والتشكيلي المبدع المغربي الشاوني (محمد حقون)الذي ابهرني ولم اصدق عيناي عما رايته في داره التاريخية ،سبق وان زرت كبريات متاحف العالم ودور مشاهير العالم مثل (دانتي،موزارت،بيتهوفن،نابليون)ومن دون مبالغة ومجاملة فما رايته يختلف كليا عما رايته في حياتي ورحلاتي ..رجل يجمع تاريخ مدينته في داره الذي يقع على 3 طوابق ،فهو ليس متحفا ولكن اجمل من المتاحف،تاريخ من الكتب في التاريخ والجغرافيا والادب والفن واكثر من 20 الف صورة توزعت على شكل ملصقات على حيطان داره وسقوفها ..رسم لوحات رائعة لمدينته وفي زيارة مفاجئة له رحب بنا كثيرا واطلعني على متحفه الكبير واوصاني بعد زيارة ممتعة بان انقل تحياته للشعب الكوردي وخلال زيارتي له كان هذا القاء الخاص معه:

لقد بنى مولاي علي بن راشد مدينة شفشاون سنة 1471 فمتى يمكننا أن نقول أن الأستاذ محمد حقون بدأ ببناء شفشاون بطريقته الخاصة بجمع كل ما يتعلق بالمدينة عبر تاريخها؟

- مباشرة بعد استقراري بفرنسا بدا حنين قوي يتملكني لمدينتي شفشاون، فبدأت بحفظ كل ما تطاله يدي عنها (تحقيقات صحفية، روبورتاجات، أخبار، صور، طبائع بريدية...) ومباشرة بعد عودتي إلى شفشاون سنة 1985 انطلقت عملية بناء داري التي أحببت أن أجعل منها مرسما وأرشيفا مفتوحا في وجه الزوار من كل أنحاء العالم.


وصفت شفشاون بالمدينة الساحرة ولكن بعد أن رأيت داركم فأبهرتني أكثر مما أبهرتني المدينة بحد ذاتها، فهل داركم تعد المنافس لمدينة بحد ذاتها؟

- لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال، فشفشاون الأصل أغنى وأكثر تنوعا، وشاهدة على حيوات مختلفة ومتعددة ومتنوعة... ربما ألفة زيارة الدار والأنس بأصحابها هو السبب في ترك هذا الانطباع الأولي، خاصة وأن مدينة شفشاون لا تبوح بكل أسرارها منذ الزيارة الأولى، فإن تمكن عشقها من قلب أحد صارت عصية على التعويض أو المنافسة. منزلي مجرد صورة مصغرة ومنقحة عن المدينة الأصل لا أكثر.


أين تجدون حريتكم في هذه المدينة العتيقة؟ وهل كان للاغتراب دورا كبيرا بتعلقكم بهذه المدينة أكثر؟

- أجد حريتي في كل شبر من هذه المدينة، وتتملكني الطمأنينة كلما تنسمت هواءها بعد غياب عنها وإن قصر، لكنني آنس في منزلي أكثر صحبة هوايتي المفضلة وصوري الأثيرة. والأكيد أن للاغتراب دور مهم في ازدياد تعلقي بمدينتي، لأننا كلما كنا مهددين بفقدان شيء كان إصرارنا وتعلقنا به أقوى وأشد، وفي زمن الغربة كانت العودة إلى شفشاون هي الحلم الذي طالما راودني.


يقال بأن ثلاثية المبدع تتلخص بأن تجتمع فيه الموهبة الفطرية والمعرفة النظرية والممارسة العملية، فهل تحس بأنك كل هؤلاء؟ وإلى أي مدى أنت مع هذا القول؟

- أعلم يقينا أن كل إنسان هو موهوب بالفطرة في أمر ما، تلك عدالة سماوية، لكن ظروفا موضوعية معينة تكشف عن تلك الموهبة أو تطمسها، وفي مرحلة ثانية تكون المعرفة النظرية (بشقيها التأريخي والمادي) عنصرا أساسيا في تطوير الموهبة وإنضاجها، وأي موهبة كيفما كانت عظيمة ومتميزة تفقد قيمتها ما لم تتجسد إنتاجا عبر الممارسة العملية. هذا القول ينطبق على الجميع. في حالتي لا يختلف الأمر إطلاقا، وإني شاكر لله على الظروف التي دفعتني إلى اكتشاف موهبتي وتطويرها، وما دمنا نحيا فنحن نتعلم ونسعى للتطور.


خلال مسيرتكم الفنية الإبداعية لاحظت بأنكم قد نلتم العدد الكبير من الشهادات التقديرية المغربية والعالمية، فهل هناك برأيكم شهادة تضاهي حب الناس لكم ومكانتكم الكبيرة في قلوبهم؟

- الحمد لله أن جعل محبته في محبة الناس لي.. لا يستطيع إنسان في الكون أن يتبجح بنيله أي شهادة أو وسام مهما كانت قيمته أكبر وأهم وأغلى من محبة الناس له ولعمله. بهذا الخصوص لا يمكنني سوى أن أقول أن سروري وفرحي بالشهادات التقديرية هو رد للجميل ونابع من شكري لأشخاص وإطارات كرمتني، لكن تكريم الجمهور يبقى أهم.


ما هو الرابط الذي يجمع بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية والطرق على الحديد عندكم؟

- جميعها تتضمن رؤية للعالم، وتختزل نظرتي للأشياء، ففي الحدادة كما في التشكيل والتصوير الفوتوغرافي تحضر نزعة الإنسان لقول شيء ما، ربما ما أريده قوله دائما هو أن هذا العالم يستحق أن يكون أقل قبحا بأعمالي التي تبتغي لها الجمال عنوانا.


حدثنا عن المكان والزمان (الزمكان) في أعمالك

- الزمان متغير وغير قابل للتملك، وبالتالي فحبسه في صورة أو لوحة لا يمكن أن يتم خارج المكان، ويبقى بذلك الفن في صراع مفتوح مع الزمن، الإنتاج الفني كان دائما صرخة في وجه النسيان والفقدان والاحتياج. هنا يبقى المكان هو الضمان الوحيد لاقتناص الزمن والأشخاص والأشياء، وبما أن المكان بدوره يتغير في الزمان نلتجئ للفن (كاختيار شخصي). الزمان والمكان عنصران مهمان لعمل الذاكرة، وما الفن إلا ظلال للذاكرة الإنسانية.


بعد مشاهدتي لداركم الساحرة سميتها الرمز لمدينة شفشاون، فهل تمكن هذا الرمز بالازدياد في أسطورة جمالية المدينة؟

- كما قلت سابقا فداري مجرد اختزال شخصي لما أعشقه في مدينتين والاختزال لا يغني عن الأصل/النص، فزيارة الدار لن تكفيك لمعرفة خبايا واسرار الجمال والحضارة في شفشاون، قد أكون حريصا على أن ألفت نظر الزائر لداري لبعض جوانب الجمال الخفية في مدينتي شفشاون، لكن هذا الأمر لا يضيف إليها جمالا، لأنها فريدة في جوهرها، وليس في رؤيتي لها.


لقد جمعت تاريخ شفشاون كله في دارك وشعب شفشاون، ألا تخشى عليه يوما ما من الضياع والتشرد والوقوع في أياد غير أمينة بعد عمر طويل؟

- ذاك تخوف مشروع، ويشكل قلقا لكل إنسان أن يضيع إرثه، لذا سعيت إلى تفادي هذا الأمر قدر المستطاع من خلال إنشاء مؤسسة ستسهر على أرشفة الوثائق والصور والممتلكات ودراستها بعمق ونشرها لتصير ملكا للجميع ولا تضيع بمجرد رحيلي عن هذا العالم.


عن ماذا يبحث المبدع محمد حقون بعد أن امتلأ دارك المتحفي بتاريخ شفشاون؟ وهل من حلم يلاحقه؟

- الإنسان كائن طموح وحالم، أحلامي لم تنقض، ولا زالت بي رغبة في مواصلة جمع تاريخ مدينتي، وحلمي الأكبر أن أنجز موسوعة شاملة عن شفشاون بما أتوفر عليه من أرشيف بصري.


هناك ثلاثة أزمنة: زمن البدايات والبحث عن الذات، زمن يحلق صوب فضاءات الحلم، وزمن الواقع، فهل يحتضن متحفكم كل هذه الأزمنة عبر تجربتكم الإبداعية؟

- في مجال التصوير الفوتوغرافي توقف الزمن بي عند فضاءات الحلم، حيث أجد الواقع غير مغر كثيرا بمزيد من الإطارات الكاملة، لكن التشكيل والتأريخ يتجاوز هذه الأزمنة الثلاث إلى زمن رابع مفترض هو زمن الطموح والأمل في إنجاز المزيد والمختلف.


هل سمعتم ببلاد الكورد (كوردستان)؟ وهل التقيتم بأكراد في مدينتكم؟ وهل تنوون زيارة كوردستان إن وجهت إليكم دعوة لزيارتها؟

- سبق لي اللقاء ببعض الأكراد في فرنسا، لكنها المرة الأولى التي يزورني كوردي في منزلي بشفشاون، وهو شرف لي أن ألتقي بأحد أفراد الشعب الكوردي الذي يعاني كثيرا في سبيل الاستقرار في وطن حر ومستقل وهادئ. والأكيد أنني سأكون سعيدا بتلبية أي زيارة إلى بلاد كوردستان.


كلمة أخيرة من مبدعنا الكبير محمد حقون.

- أتضامن مع الشعب الكوردي في طريق تحرره، وأني أدعوه إلى التشبت برسالته ما دام مؤمنا بها، وإن كنت أرجو أن يتم له ذلك بطرق سلمية عبر الحوار والمفاوضات، لأن الحرب والعنف يدمران الأجيال الصاعدة وينشران الخراب في الأرض وفي القلوب، ولكن إن ظل هو الحل الأخير فالوطن يفتدى بالغالي والنفيس.


حاوره بدل رفو في المغرب

badalravo@hotmail.com

www.badalravo.net

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة