المأساة في مذكرات أول طالب إيزيدي (أحمد ميرازي)، اعداد وترجمة – داود مراد الختاري

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


الجزء الاول.....


المقدمة:


حينما قرأت مذكرات الاديب (أحمد ميرازي) باللغة الكردية السلافية، تأثرت بها نتيجة للمحن والويلات والتشرد التي حلت بقومه من قبل الترك العثمانيين، والامية والجهل التي كانت سائدة في تلك الحقبة الزمنية، ولاقيت صعوبات في الترجمة لانه استعمل العديد من المفردات الارمنية، الروسية والتركية، ومفردات تستعمل في لهجاتهم في قرى محافظة بايزيد، وأطلعت على نص المذكرات في مجلة المجمع العلمي الكوردي في بغداد لسنوات 1985و1986 نقلها الاستاذ شكور مصطفى الى الحروف العربية باللغة الكرديةـ دون تغيير الكلمات بل نقلها حرفياً، فحينما قمت بالترجمةـ استعنت بالقواميس ومساعدة بعض الاخوة ممن يجيدون لهجة هذه المنطقة بطلاقة ولهم مني جزيل الشكر والامتنان.

أتمنى إني قد وفقت في ترجمة معاناة هذه المنطقة من خلال مذكرات هذا الاديب والذي يعتبر أول طالب ايزيدي في محافظة بايزيد، بل عند ايزدية تركيا والعراق أيضاً، نتيجة للمظالم المستمرة على الايزدية من جهة، ومن جهة أخرى حينذاك كانت المدارس إما في الجوامع الاسلامية أو الكنائس المسيحية، تدار وتدرس من قبل علماء الدين، لذا كان الايزديون بعيدين عن التعليم والمعرفة.

الكاتب والشاعر والمغني احمد شويش ميرازوف ميرازي، احتل مكانة مرموقة في خزينة الادب الكردي في الاتحاد السوفيتي السابق، لقد جمع العديد من الاغاني والملاحم الشعرية والحكايات والامثال والحكم الكردية ولحن الاغاني، كان اجتماعياً و كوردياً مناضلاً .

ولد عام 1899، في قرية توتك التابعة لناحية ديادين (كيهادين) التركية، ونظراً لحاجة العائلة الى انسان متعلم لتمشية امور قريته، بالرغم من عدم السماح له من قبل مجتمعه الايزدي أن يدرس على يد ملا مسلم، لكنه أصر ان يعلم نفسه لمدة سنتين عند الملا، وان ينقذ مجتمعه من الامية والجهل.

انه كان يود الدراسة في بايزيد، لكونها مركزاً للثقافة والفلكلور الكوردي، وتعلم منها الكثير، واول كتاب مهم حصل عليه هو (مم و زين) لاحمدى خاني، ووقع تحت التأثيرات والضغوطات التركية من اجل قوميته الكوردية .

في سنة 1918، اهل توتك اصبحوا قسمين، الكورد الايزدية أرادوا التوجه الى ايريفان عاصمة ارمينيا، بينما الكورد المسلمين توجهوا نحو مدينة (وان) الكوردية في تركيا .

حينما هاجر أهل توتك والقرى الايزدية (قَرَدنكز، قزلدزو، حَمقول) والقرى المجاورة لبايزيد، تركوا موطنهم وتوجهوا نحو منطقة (الكز)، وينضَم أحمد الى رجال جانكير أغا من أجل النضال مع الارمن ضد القوات التركية، وفي معركة (آخ باران) قاتلوا بضراوة وطردوا القوات التركية، وبرز الميرازي في هذه المعركة ببسالة.

وبعد ثورة اكتوبر وتطبيق القانون، قضى حياته الطبيعية في ارمنستان واذربيجان وجورجيا(كورجستان)، يمتهن العمل الثقافي، حفظ الكثير من المواد والامثلة الشعبية والحكم الكوردية.

وقد عمل مع كل من لازو (هاكوب كازاريان) وزوجته (اولكا كازاريان)، كامل بدرخان، أسد جانكور، أمين عفدال، هوف سيبان، وآخرين في مجال الاهتمام بالثقافة الكوردية.

فتح العديد من الجمعيات للغناء واللحن والرقص الشعبي، داخل المدن والقرى الايزدية، وفتح المدارس المسائية للطلبة.

أحمد ميرازي عمل الكثير في جورجيا وتوليش والمناطق الاخرى من أجل الكورد، في سنة 1937 جاء الى ارمنستان في منطقة هوكتيبيريان، عند أقربائه، هناك حمل مسؤوليات كثيرة، واحيل الى التقاعد وبقي في هذه المنطقة .

منذ صغره كان مولعاً في الادب، وقرأ العديد من الكتب الروسية والارمنية والجورجية والتركية.

حينما ألحقت سنوات الابادة بين عامي (١٩١٨ ـ ١٩٢٠) أضراراً جسيمة بمناطق الأكراد، فكانت دور الأيتام في أرمينيا والملاجئ في المدن الجورجية: تبليس وتيلاف وباطم مليئة بأطفال الإيزيديين الأيتام. في عام ١٩٢٢ وبمبادرة من أحمد ميرازي ولازو وآخرين، فُتحت لهؤلاء الأطفال في مدينة تبليس مدرسة (١٠١) ، كان الأطفال يتعلمون فيها الكتابة والقراءة والعمل أيضاً، فضلاً عن أنهم كانوا ينامون فيها. لقد أصبح طلبة هذه المدارس فيما بعد من أشهر علماء الكرد من أمثال: قناتي كوردو وجركز باكايف، وكذلك الكاتب وأول مسؤول لجريدة ، جردو كينجو، وأيضا بطل الإتحاد السوفياتي سمند سيابندوف وكثيرون غيرهم.

كان اليتامى من أطفال الكرد، الذين فقدوا آباءهم وأُمهاتهم في سنوات ١٩١٨ ـ ١٩٢٠ وتربوا في ملاجئ الأيتام ودرسوا فيها حتى المرحلة المتوسطة، يشكلون الكوادر الكردية الأولى، وكان معظمهم قد نسي اللغة الكردية ويتكلم الأرمنية. يذكر المثقف الكردي الشهير حاجي جندي دائماً كيف أنه ذهب هو وصديقه أميني عفدال بعد خروجهم من دار الأيتام إلى قرى الكرد ( قونده ساز وآلاغوز) ليتعلموا هناك لغتهم الأم مرة أُخرى، وقاموا بالتدريس لمدة سنتين هناك، حيث يقول حاجي جندي عن ذلك: "كنا نُعلّم الأطفال ونتعلم منهم اللغة الأم". أُرسلت في تلك السنوات مجموعة من الطلبة الكرد إلى لينينغراد لمتابعة دراستهم العليا، حيث أصبح عدد منهم علماء كباراً وكتبوا اسمهم بأحرف من ذهب في تاريخ أدب وثقافة شعبهم. وهكذا أُعدت الكوادر الأولى حيث انضمّ كل من: حاجي جندي، أميني عفدال، قناتي كوردو، جردو كينجو، وزير نادري، جاسم جليل، وعتاري شرو إلى أحمد ميرازي وعرب شمو من أجل طباعة الكتب الكردية، فتح في المطبعة الحكومية في أرمينيا قسم المطبوعات الكردية.

كتب ونشر العديد من المقالات والقصائد الشعرية في جريدة (رييا تازة) وكتب في العديد من المجلات والمنشورات الكوردية.

في عام ١٩٣٢ أصدر لغة الجبل Zimanê çiya .

في عام ١٩٣4 صدر كتابٌ مختارات لنتاجات الكتاب الكرد الأوائل في أرمينيا: أحمد ميرازي جردو كينجو، حاجي جندي، أميني عفدال، ، عتاري شرو.

عام ١٩٣٥ صدر كتاب متضمناً نتاجات كل من: أحمد ميرازي، عرب شمو، أميني عفدال، جردو كينجو، حاجي جندي، وزيري نادري وعتاري شرو.

وفي نفس السنة 1935نشر وقدم مسرحية (زَمانى جؤيي – العهد الماضي) ، كانت المسرحية تتحدث عن مظالم الترك العثمانيين ضد الكورد، من حيث السلب والنهب والاضطهاد والتشريد والهجرة من الوطن.

سنة 1936 نشر مجموعته الشعرية وكتابه هذا (مذكراتي) .

في سنة ١٩٣٧ بدأ ظلم وجور الديكتاتورية الستالينية يعم سائر أرجاء الإتحاد السوفيتي. توقفت في هذا الوقت النشاطاتُ الثقافية الكردية، وتم اعتقال الكثير من المثقفين، في حين نُفي آخرون، وتم طرد قسم آخر من أعمالهم، فتم نفي عرب شمو إلى سيبيريا، واعتقل أحمد ميرازي ، حاجي جندي، وجردو كينجو، وتوقف التدريس بالكردية في المدارس، بعد فترة وبقرار من ستالين، تم استبدال الأحرف اللاتينية بالكريلية. في عام ١٩٤١ أصدرت حكومة أرمينيا قراراً باستبدال الأبجدية الكردية ذات الأحرف اللاتينية بالأبجدية الكريلية.

في منتصف الخمسينات أيام ازدهار وتقدم ثقافة أكراد الإتحاد السوفياتي (أرمينيا) تعود من جديد، فعادت جريدة Riya taza إلى الصدور مجدداً، وعادت إذاعة يريفان إلى بث البرامج باللغة الكردية، وفُتح مركز اعداد المعلمين من جديد، واستأنف إتحاد الأدباء الكرد نشاطه ثانية، وتم إفتتاح قسم للدراسات الكردية في كل من أكاديمية العلوم الأرمنية ومعهد الإستشراق. لم تكن الساحة خالية هذه المرة من المختصين والقادرين على العمل، فازداد النشاط الإبداعي أكثر بعد عودة عرب شمو من المنفى. كان كل من: حاجي جندي، أميني عفدال، أحمد ميرازي وجاسم جليل في أفضل سنوات عطائهم وابداعهم،

توفي سنة 1961 في قرية (أغيكونتى - قامشلو) ناحية هوكتيمبيريان في ارمينيا السوفيتية، ويبقى أسم أحمد ميرازي خالداً الى الابد لما قدمه من تضحيات في سبيل الارتقاء بمستوى شعبه نحو الذرى والمجد، وما ترك لنا من أدب زاخر، وهو أول من خطى الخطوة الاولى للدخول الى المدرسة بالرغم من المعوقات والتحديات .


هذا هو الجزء الاول من المذكرات، أما الجزء الثاني فيدور حول تفاصيل الهجمات العثمانية على قراهم وكيفية إبادة الاهالي وهجرة المتبقين من المتشردين الى بلاد الروس، والجزءين سوف يتم طبعهم في كتابي (الثالث عشر) سيصدر في المستقبل القريب انشاءالله ... ودمتم.




داود مراد الختاري

الاربعاء - 18/ نبسان/2012(عيد رأس السنة الايزدية)

dawd_2009@yahoo.com

موبايل 07504866239 - 07701633752



من الذاكرة:



تووتك كانت قرية في بلاد الروم (الترك) ضمن ناحية ديادين/ سنجق بايزيد، تلك هي قريتنا قي فم تل بركاني، وما بعدها تلال الى حدود (اوديش) وبعدها جبال ومرابع، في الربيع كنا في القرية، اما في الصيف في الزومات (زوزان)، صيحات رعاة الاغنام والخرفان، وكذلك صدى اصوات عازفي الناي ونغمات أغاني الصبايا والشباب والكنٌات (الكنائن ـ زوجات الابناء) تحت ظلال الاشجار، تلك اصوات نقية، وفي الطريق تسير القوافل ويعبرون، ومن تلك القوافل تأتي صوت المغنيين كأصوات الطيور(قولنك)، في الربيع تأتي أسراب الطيور من الصحراء القاحلة، أو كصوت اسرابهم حينما يعودون في الخريف الى موطنهم الصحراوي.

في أسفل القرية وجوانبها كانت الخضار والمرابع، وتزدهر بالمراعي الربيعية خاصة في اسفل القرية تنبت أنواع الحشائش، حينما تنمو و ترتفع الحشائش، كانت تصل الى أقدام الفرسان وظهور الحصن وبالاخص قي الربيع حينما تتفتح أنواع الازهار والورود وتبوح بعطرهم الى الفضاء.

عند الغروب تلاحظ بقايا الثلوج، وحينما تنهض في الصباح الباكر ترى بروز الورود بين بقايا الثلج، الخلاصة أود ان أنعش رأسكم ، الانسان كلما يرى يلاحظ الحشائش، الادغال، الورود، ازهار السوسن، الرياحين، البيبون، ورد الخشخاش الاحمر، وكذلك (نارجوان) الملونة قد سطت على الارض ـ الحدائق والبساتين ، الورود تزدهر جمالاَ بعد هطول الامطار وظهور قوسُ قزح وتصبح على شكل منحني، المياه تصبح عذباً وتشتد الحرارة في الارض، البرد ينقلب دفئاً، الطيور تظهر رويداً رويداً من فوق التلال والمرتفعات والاحجار، بعضهم قد عاد الى عشه، وصغارهم نشٌفوا اجنحتهم من قطرات المطر والندى، تراجعوا واتجهوا نحو الشمس فنشفوا بسرعة واكتسبوا الحرارة.

(مقسورك) يتراكضون أمام الفرسان، لم يبقَ شيء لتدوسهم الحصن بارجلهم ، تنتابهم الفرحة بخروجهم ودورانهم حول الناس والحيوانات، لم تكن لديهم الحواس وينظرون الى الاشياء، تراهم يتساقطون بسرعة، يتراكضون على الخيارات الصغيرة الطرية كي يبنوا فيها عشهم، كانوا يبحثون عن الطعام لصغارهم مفتوحي الفم، إنهم بانتظار الأم والغذاء .

بعد هطول المطر، الاطفال يخرجون من دورهم ، يتوجهون نحو المرابع والحدائق، يذهبون للإستراحة والمنام ، يتراكضون على الحشائش وكان هناك (جفيكير كورةمةلسؤك)1 كانوا يخرجون من بين أقدام الاطفال ويصرخون (ويت ويت) ، أتعلم لماذا كانوا ينادون ويقولون (لماذا تخوفوننا إذ كنتم أبطال امسكوا بنا) وفي الجهة الثانية أصوات القبج وخاصة (قبج اللوزلبون) أكثرهم صفاءاً للصوت الغنائي .

رويداً رويداً أصوات الطيور (زق زق) وقوت قوت لزارا اندمجت مع صيحات الرعاة واصوات الناي عند المطر تحت صخرة كبيرة، انه وضع المعطف على الصخرة ليجف، ستسدل عليهم ظلام الليل، (خاخا) ايضاَ جالس على صخرة يعزف على الناي، كي يخفف من الام الحب.

هذا الصوت وصداه قد امتزجا بحيث لم تفرق بين تلك الاصوات واصوات العود والتنبور.

وافضل شيء ، حينما كانت تأتي الرياح الجنوبي وتتأرجح الورود والزهور ويتداخلون فيما بينهم، تمتلك إحساساَ كأن تلك الورود والزهور قد امتلكت ارواحاً، لقد رقصت، بعض الورود انحنت بقامتها نحو الارض، وآخرى تعانقت، واخريات اندمجن مع بعض آخر كأنما من صنف واحد، وبعد حين آخر انفصلا ، بعض الورود والزهور أصبحت متماسكات حينما تراها كانها شباب وصبايا وعرسان بدأوا بالافراح والرقص.

العديد من عيون ومصادر المياه، ذات مياه صافية من (عين الروس) تجري الى اسفل عين الخليفة ويلتقيان وتجرى الى مطحنة القرية تبدأ كأن هناك حجر يعمل بواسطة الماء .

كي لا انسى واقول لكم لماذا سمينا هذا العين ب (عين الروس ) في الحرب الروسية الرومية (التركية) سنة 1877 -1878، عساكر الروس قد خيموا على هذه العين ومكثوا فترة من الزمن عليها.

كان للعين طعم ونكهة خاصة ، اتذكر جيداَ كان أعا القرية (سعيد أغا) يطلب ماء هذه العين لشرب الشاي، وحيتما يأتون اليه بشاي من عين آخر يدرك بانها ليست من عين الروس، لان الشاي من هذه العين بعطي طعماَ خاصاَ ، يتلذذ به الانسان.

تلك الورود والزهور والرياحين الرقيقات تتلف وتذبل تحت اقدام زةظتيا والنعل التي تحت ارجلهم، وبعض الاحيان الغزاة خانلةردين الايرانيين، اللصوص، المهربين لبعض الاغوات لوطن الروم وفي الكثير من الاحيان تتموج اوراق الورود نتيجة تساقط الدماء وتجف تلك الدماء فتتيبس الاوراق رويداً رويداً ثم يتيبس الورد بعدها.

انتعشت وازدهرت الحياة في منطقة (تووتك) بعد مجيء عسكر الروس في 1914

تبين مصداقية قول (حسن سليم) حينما قال: (اقدام الروس بالخير والبركة، انه شعب يمتلك الرحمة)، في الحقيقة اصبحت المعيشة منتعشة وارتاحوا نفسياً، لهذا كان الجماعة يقولون :

(صخور الروم مزودة بحلقة) ، (سطوحهم تتوسع)، (ليذهبوا ولن يعودوا أبداً) (لم نرَ منهم لذة الحياة) .

كنا في قرية توتك من ستين الى سبعين عائلة من الكورد، نصفهم من الكورد المسلمين، والنصف الاخر من الكورد الايزديين، كنا نعيش سوية، بحسن الجيرة ، كاولاد أعمام ، لم تكن هناك تفرقة بيننا، كنا متحابين كأخوة، سوية في الحياة والموت، كنا نقول لبعضنا البعض (خالي، عمي، عمة، خالة، ابن العمة، ابن الاخت) كان في سنجق بايزيد خمس قرى ايزدية كانت نصفهم من المسلمين ايضاً.

منذ القدم كان يفرق بيننا الشيوخ والملالي والحكام ، الدين كان سبباً لتأخرنا ، مع ذلك لم تكن هناك فرق بيننا غير الاختلاف في الدين، وفي اعيادنا الايزدية الجميع كانوا يهنئون بعضنا البعض في العيد ، وفي عيد رمضان كنا جميعاً نُهنئهم بعيدهم ايضاً، وكذلك في جميع الاعياد والمناسبات، خلاصة قيافتنا واحدة، لهجتنا واحدة، عاداتنا واحدة، أود ان أقول ، لولا الفرق في الدين لم يكن هناك اية فوارق تذكر، لاننا كنا اولاد العم وابناء الاب الواحد.

في وطن الروم الحكومة لم تهتم بالكورد ولا بلغتهم الكوردية، وكذلك الاغوات والشيوخ لم يكونوا ميالين للتدريس، لم تكن هناك مدارس في كافة القرى (الصغيرة والكبيرة) بل في المدن فقط ، وكانوا يسمونه (مكتوب)، أغاوات الكورد كانوا يرأسون العشائر في القرى، لكل قرية يرأسها أغا وبعض الوجهاء، الجميع كانوا أميين، في منطقة بحيرة (أدمادا) كان هناك من (50-60) بك و أغا، وكان (محمد بك عمر أعا) هو الوحيد من بينهم يجيد القراءة والكتابة، لقد درس في استنبول ، شخصية معروفة ورزنة، ونال رتبة (بينباشي) ، كان عضداً لشعبه، وساعد الارمن.

كان لكل شيخ او أغا يمتلك كاتباً او ملا، يجيدون القليل من التركية، الكتاب كانوا من الترك او نصف تركي، وبقية الجماعة كانوا أميين في ظلام دامس، ولم يكن هناك حتى الاقلام والورق، وحينما تصل الينا رسالة مكتوبة على الورق، ليس الاطفال لوحدهم بل حتى النساء يلتفون حولنا وينظرون الى كتابة الرسالة ، وعندما كنا نضعها بين ايدينا، نحس بان ايدينا ترتجف، وان الرسالة تتأرجح يميناً ويساراً، قالت النساء: (ابيض واسود، انظروا انها كيف ترتعش) انهن ادركن بان المعجزة في هذه الرسالة لهذا يقولن: انها من الخطيئة ادراجها في ماء جاري) إذن، فكروا بعقولكم ، ان الجماعة كانوا في غاية التخلف والامية ، الفقراء البائسين نسبتهم كانت عالية ، لعدم توفر العمل، العمل فقط عند الاغوات والاثرياء في رعاة الاغنام والمواشي، كانت هناك نوع من الغلاء، مهنة الرعاة لا تكفي للجميع.

الكورد لم يكن يودون الترك، لكن هناك طبقة من البكوات والشيوخ الكورد ، قد انخدعوا ببعض القروش من الروم، لذا كانت الحكومة الرومية تمارس بزيادة الجزية على الكورد، الموضوع، كان باستطاعة البك او الاغا للقرى ان ينهب القرية، وبامكانه طرد أي شخص من القرية، واي شخص لم يعمل على اهواء الاغا كان يُضرب بالعصى، بالاضافة الى ظلم الروم كان هناك ظلم الاغوات على الاهالي.

من اجل توسيع الحدود واملاء العشيرة كانت تدور المعارك الطاحنة، يقتل الرجال من بعضهم البعض، والقتلة كانوا من الفقراء، لم يكن هناك من يقول الحق ومن هو المسبب، من اجل توسيع اراصي البكوات نتقاتل فيما بيننا؟

الروم ايضاً كانوا يودون باستمرار القتال مابين العشائر الكوردية، والبكوات الكوردية كانوا ينظرون الى انفسهم بالعظمة ويقولون:

روم ايادينا، لا عمل لنا.

الكورد كانوا يهربون من الجيش التركي، ويودون بوضع الحبل في اعناقهم، ولا يقولون لهم ( تعالوا واخدموا في الجيش، حينما كانت تطلق طلقتين نارية ، الكورد يهربون وينتشرون، لا يودون ان تسيل دمائهم من اجل الترك، وحينما تسنح لهم الفرصة يتوجهون فوهة بنادقهم الى الترك، الروس كانوا يمدون الكورد بالمساعدات، في حرب 1914 ، الفرسان الحميدية لم يحاربوا الروس من بايزيد الى ارض الروم، انتشروا وذهبوا الى الحدود الايرانية، وكذلك في وادي (كوتوري) لم يحاربوا الروس، بل فسح لهم المجال.

الكورد كانوا يدركون بان المساعدات الرومية (التركية) ضعيفة، ويعلمون انهم السبب في عدم منحهم الامن والاستقرار والحرية والاستقلال.


أرشدني إلى الدراسة:


في يوم من الأيام أرسلوا لأبي رسالة، والملا (كاكا شيخ) لم يكن موجودا في البيت، ولم يكن هناك من يجيد القراءة في القرية كي يقوم بقراءة تلك الرسالة. وفي كل القرى الكوردية لم يكن هناك من يجيد القراءة غير الملا.

لقد رأى أبي بأنه لا يوجد أحد يقرأ تلك الرسالة، حينها فكر وقال: - تيمور (وهو أخي الكبير) بني، إلى متى سنبقى أميين في الظلام، المرء الأمي كالدجاجة العمياء، لا فرق بينهما، لنقم بإرسال أحمد إلى الدراسة. وألتفت ناظرا إلي، كأنه قال شيئا: "هل هومقتنع؟".

قال تيمور: - نعم، إن أذنت لي، فأنا راض بمئة سلفة، ليدرس ويصبح إنسانا، وأن لا يبقى مثلنا أعمى وأخرس.

أمي لم تكن راضية، قالت: - سوف ترسلون أحمد إلى الدراسة، وبعدها من يعرف إلى أي بلد سيرسلونه، لا، أنا لا أريد أن يبتعد عني أبني. وقد وضعتنا في حضنها حينها.

لكن بعد ذلك أقتنعت أمي أيضا، وعبرت عن رضائها لإرسالي إلى الدراسة.

في تلك الليلة نمنا، وإنتظرنا كاكا شيخ، حتى يعود، وقد عاد بعد يومين، في البداية ذهب أبي الى زيارته وقال له: - يجب عليك أن تقوم بتعليم أحمد القراءة. وهو بدوره قال: على الرحب، سوف أقوم بتعليمه مع عبد الله (عبد الله هوابن سعيد أغا، وكان صديقي وكنا أغلب الأوقات نلعب معا، وبعدها كنا نذهب ونرجع معا، وهو يدرس منذ سنتين عند كاكا شيخ).

في اليوم التالي أخي تيمور جلب لي الحبر وعلبة الحبر، قلم رصاص، أوراق وكتاب الألفباء. (قلم الرصاص كان عبارة عن عصا رفيعة وسوداء، ومطلية باللون الأصفر، ويتم أستخراج رأسها بواسطة سكينة مبراة، وذلك كل يومين مرة، وعند الكتابة كان يصدر منها صوت (جرك – جرك).

لقد درست مع عبد الله، لكن لكل منا درسه الخاص، لأنه كان يعرف القراءة الا إنني لم أكن أجيدها بعد.

بعد شهر من الدراسة، مثلما يقال شب حريق في القرية، وبدأ الجميع يرغب في أرسال اولاده للدراسة، والكثيرون ترجوا الملا كي يدرس أبناءهم، حينها أصبح عددنا ثمانية أطفال.

وقد سأل الملا الأغا: - لدينا ثمانية طلبة، ولكن إننا ليس لدينا مكانا للتدريس، فماذا نفعل؟.

سعيد أغا قال للشيخ:

  • أنت مخير؟

وقد رد عليه الشيخ:

- أنا مخير ، فليدرسوا، على الأقل سيفيدون أنفسهم.

فرد سعيد أغا عليه:

  • سوف نعطيكم قسماً من الديوان، لك ولتلاميذك.

في الصباح الباكر كنا نذهب الى الديوان، بأمر من سعيد أغا حصلنا على جانب من الديوان، عبد الله كان يجلس بجانب الشيخ، وكنت بجانبه، والأخرون كان يجلسون في الأسفل، ولم يكن يأتي ناحيتنا أحد، عندما ننهي الدرس نذهب، حينها كان الرجال يتوزعون على نواحي الديوان، ايهاي الذي يحضر القهوة في الديوان كان يكنس تلك الناحية من الغرفة، كي يجلس البعض مكان الأحذية، الأطفال مشاغبون، كان بعضهم ينعل الأحذية المثقوبة، وأخرون كانوا يرتدون أحذية أمهاتهم، وكانت تمتلئ بالثلج، وحين خلعها كانوا يأتون على السجاد المفروش وبأرجلهم أكوام من الثلج، لكن الأغا لم يكن ينزعج ، وكان يقول: - ليدرسوا، من الممكن أن يفيدوا شعبهم في يوم ما.

لقد درست من الخريف حتى السنة التالية عند الأستاذ، الأستاذ كان راضيا جدا عني، لأنني كنت أتعلم بنقاء.

في ذلك الوقت لم تكن هناك برامج، والذي يحفظ درسه جيدا يأخذ العلامات الكثيرة، والذي يهمل الدروس يأخذ العلامة القليلة.

كنت أدرس بجد، ولذلك كان الأستاذ يعطيني العلامات الجيدة، لكن عبد الله كان مهملا، ورويدا رويدا بدأ يتأخر في الدراسة، وقد وصلت الى دروسه في السنوات الأخرى وكنا نتلقى الدروس نفسها.

القاعدة المتعبة في ذلك الوقت هي أن يحصل الطالب على درسه، بجلوسه على ركبتيه أمام الأستاذ، ويفتح جزيئه (كتاب) ويضعه أمامه فوق السجاد، واجهة الكتاب يجب أن تصبح مقابل الطالب، وظهرها موجهة للأستاذ، والأستاذ بعصا رفيعة او ورقة حادة كان يضعها فوق الحرف أو النقطة التي يجب على الطالب قراءتها، وهكذا كان الطالب يتعلم.

هكذا كنا أنا وعبد الله نجلس أمام الملا ونأخذ دروسنا، كنت أتعلم بسرعة، لكن عبد الله كان يتأخر في الحفظ. وكنت أرغب بأن أتقدم على عبد الله، لكن الأستاذ لم يكن يعينني على تجاوز عبد الله في الدراسة.

كنت أنزعج في داخلي، لماذا لا يعطيني الأستاذ دروسا أكثر، لكن فكرة الأستاذ هي الباقية، فهي مرتبطة بإنزعاج سعيد أغا. في حين أخر أخذت أشكوا الى أبي، أنا أقرأ بشكل جيد لكن الأستاذ لا يقدمني على عبد الله. وأبي بدوره قال هذا للملا، ورد الملا كان (شاويش)، أنا أيضا أعلم بأن أبنك شاطر، لكن حين يتقدم على عبد الله فسوف ينزعج سعيد أغا من ذلك وسيقول "أبني يدرس منذ عدة سنين، وأبنه يدرس منذ سنتين وهو الآن يتقدم على أبني" ولهذا لا أقوم بتقديم أبنك في الدراسة على أبن الأغا، وعليك أن تستمع الى ما سأقوله لك، أرسل أبنك في السنة القادمة الى مدرسة الديانة، وليدرس، سيتخرج شيئا مهما).

والنتيجة، الملا وحتى الربيع قام بأدارتنا، في النهاية جاء لنا بكتاب البيولوجيا لى ولعبدال، علمنا الشعر والغزل، لكي أتعلم انا وعبدال الحروف التركية بشكل جيد، مثل المدرسة الرومية كى لا نتعب معها. ظهر، الاستاذ كان يريد قراءة ذلك الكتاب، وكنا حجته، لأن البيولوجيا كانت صعبة للغاية، مثل الكتب الأخرى التي كنا نقرأها، التكهن، كانت على الاغلب كلمات عربية وفارسية، ولم نكن نعي معناها.

لا بأس، لقد درسنا حتى الريبع، وبعدها قمنا وأبتعدنا عن البعض.

بيوتنا قامت، ذهبنا الى مصايف (كاني سبى) جبل عالى ومصيف رائع، الينابيع كانت منتشرة في كل مكان، الورود وزهرة السوسن كانت كثيرة جدا، في أي مكان تذهب تجد رائحتها تصل الى رأسك، الاوراق بقدر سقوطها الورود وزهرة السوسن كانت تتكاثر، مرات كنا نذهب الى بوابة البلكى، ثلوج البارحة ذابت، ومكانها كانت تنمو قالجيجك، الطيور تغني الهيلة، الاجنحة ترفرف وتنظر الاسفل، والعصافير تزقزق ذهابا وايابا، وكانت ازواجا، الفراشات كانت تتجه نحو المرء، ومن الخلف كانت تأتي وتذهب، ويبشرون (أبشركم بمجيء المصيفين). البنات والكنة والشباب يفرشون تحت الاشجار، اصوات الحان مزامير الرعاة تملئ المكان، الفرسان يأتون قوافلا – قوافلاً، اصواتهم ورياح وخيولهم المحملة كانت تمر، المغني كان ينشد كاكه – كاكا، يغنون وهم يمرون، وكأنهم فرسان الاعراس، بعض الرحل كانوا يترجلون للتو، الحمولة والاطفال الصغار لم يكن يُرَون بين الأعشاب الطويلة.

لقد ذهبنا الى المصايف وأخذنا أماكننا، بعدها بيومين آل سوسن أفندي جاءوا من (ضياء الدين - ديادين) الى تلك المصايف، سوسن أفندي كان متدرجا، هم أربعة أخوة، خيمته لم تكن بعيدة عن بيتنا، تل صغير كان يقابل الخيم، كانوا يترددون على التل للجلوس، والجيرة الباقون كانوا يحلسون حوله ويمضون أوقاتهم بالحديث، وكانوا يخرجون كل ما يعرفونه هناك.

لقد أعجبت سوسن أفندي، وكان يحبني لأنني أدرس بجد، ومن جهة أخرى كنت أرعى غنمه في أوقات الحلب، وطبعا الغنم كانت تهرب من الحالبة، وأينما تذهب الأغنام كان علي أن أجلبها، وبالأخص تلك النعجتين الهاربتين كانا يهربان من الحالبة بتكرار، وعند هروبهما، كانت تصرخ الحالبة:

  • أحمد، ذهبا.

وكنت أهرول خلفها، وأعيدها بصعوبة وجهد كبيرين.

في أحد الايام الجيران كانوا متجمعين في تلك الغرفة، حينها قال سوسن أفندي:

  • شاويش، يمدحون أحمد كثيرا، ويقولون بأنه يدرس بجد.

قال له أبي:

- سأرسله هذه السنة الى مدرسة المدينة، ليدرس التركية.

قال الأفندي:

  • ليبقى بيتنا، إذهب وتعلم في المدرسة .

هذا اساس هذا الوعد بدءوا بتحضيري، لقد أستعد في الخريف أخذني أبي وأخي تيمور الى بيت سوسن أفندي، وفي اليوم التالي أخذني الأثنين الى المدرسة ولحسن الحظ قبلت فيها.

كان يطلق على تلك المدرسة (المكتبة الإبتدائية). من المفروض أن أدرس سنتين فيها، وبعدها أذهب الى مدرسة السنة الثالثة، وكانوا يطلقون عليها (روشدي)، والنتيجة، سجل الأستاذ أسمي في سجله، وأدلني الى مكان جلوسي، كي أجلس هناك كل يوم وأدرس.

مدرستنا كانت غرفة كبيرة، بالقرب من جامع، نافذة وحيدة، نصفها من الزجاج، والنصف الأخر مكسور، وبدل الزجاج كان يوضع ورق الدراسة السميك، ومغطاة تماما، وكان الضوء يمر من خلال تلك الأوراق، والنتيجة، الاطفال كانوا يفتحون عيونهم بعناء حتى يروا، ويقرأوا ويكتبوا دروسهم، لم تكن هناك كراسي أومنضدة، لقد أفرشوا حصيرا يجلسون عليه، وكنا جميعا نجلس عليه ما عدى الاستاذ كان لديه منضدة صغيرة وحصيرة جديدة يجلس عليها، وكان لديه فضلا عن ذلك اثنين من العصي، واحدة سميكة قليلا والاخرى ضعيفة، الضعيفة كانت لضرب الطلبة في ايديهم، والسميكة كانت للفلقة والجلد على ارجلهم.

الفلقة كانت تتم بعصا مدورة، تقارب الثمانين سم طولا، وعرضها ثلاثة سم، شريط حبل ثلاثة – اربعة أمتار، كان تعقد من كلا الطرفين، الفلقة وكلا عصوين كانتا تحت منضدته، وفي الصباح عندما يرتاد المدرسة، يقوم التلاميذ، ولم يكن ينظر الى الاطفال الواقفين حتى يأخذ مكانه جالسا، كان يخرج الفلقة وعصوين من تحت المنضدة، يضعها بجانبه، وكان يسأل عدة أطفال عن دروسهم، وينظر الى ما كتبوه من وظائف بيتية، وعندها كانت تبدأ أدوار الفلقة والعصي، الاطفال يعلمون بشكل جيد بأن الاستاذ سيمسهم بالعصي والفلقة، الذين لم يحفظ الدرس، لم يحترم المدرسة، أولم يحترم مدينته، ويمكن أن يكون هناك من اشتكا من أحد هؤلاء الطلبة لدى الاستاذ.

مثلا، إذا ضرب طفل الجيران، كان الجيران يشتكون للاستاذ والاستاذ بدوره يربيه.

ومهما كانت ذنوبه خفيفة، فالاستاذ يطلب منه الجلوس على ركبتيه ويقول له: مد يديك أمامي.

بتلك العصا الضعيفة كان يضرب من ثلاث الى عشرة ضربات على أيدي الطالب، ولم يكن هناك أقل من ثلاث ضربات، لكن الفلقة كانت أشد بكثير، أصحاب الذنوب الثقيلة كان الاستاذ يمددهم على الارض ويدعوا أخرين لشد الحبل على قدميه المرفوعتين، ويبدأ بضربه بالعصا السميكة، ولم يكن يعدها، وتبقى مسألة مرهونة بتحمل الطالب وأنصاف الاستاذ.

أحوالي كانت سيئة في تلك المدرسة، من الخريف الطلبة الذين قد أخذوا أماكنهم، والذي كان يقرأ بصورة جيدة، كان يجلس في الصفوف الأمامية، والذي مستواه أقل يحلس بعده، والمسألة متعلقة بالعلامات، فالذي حصل على علامات جيدة في الأمتحان يجلس في المقدمة، واصحاب العلامات القليلة يجلسون وراءهم، ولكن أنا... لم أكن حاصلا على اية علامة، ولا كنت أجيد اللغة التركية، والتحدث باللغة الكوردية ممنوع في المدرسة، مكانى كان في المؤخرة تماما، والذي يدخل يأتي لي بالبرد والصقيع، ويضعون أحذيتهم أوجواريبهم على مكانى، ولهذا أعضاء عائلتي أصبحوا حميمين لدي، الاطفال الذين كنت أتشاجر في البيت كثيرا أصبحوا حميمين لدي، والأكثر من الجميع صارت حميمة لدي هي أمي.

في الشهور الأولى كنت أتحجج، في يوم أقول أبي مريض، وفي مرات أخرى أقول أمي مريضة، وحجة الدنيا والخداع مليئة، كنت أبقى لعشرة ايام في المدرسة، وأذهب ثلاثة أوأربعة ايام الى البيت.

في كل الاوقات كان أبي وأخي ينصاحني قائلين: لا تترك دروسك من أجل المجيء الى البيت.

كان هناك صاحب حانوت في بلدة (ضياء الدين - ديادين)، وأسمه سعيد عبدالله، أخي تيمور كان قد سلمني اليه، كي يعطيني ما قيمته أربعين ليرة من الكشميش واللبلبي، وهكذا ايضا من أجل الكتب، والاوراق والاقلام والحبر، عندما كنت احتاجها كان يعطيني ويسجلها في دفتره، وبعدها يستلمها.

الخلاصة، الكشميش واللبلبي (الحمص) كانت تربطني بالدراسة، وخاصة بدلوا ملابسي، ببدلة الدراسة، (الفينوالاحمر، والصدرية السوداء، الجاكيت والشال، وحافة الجاكيت كانت ملونة).

الملا خلال سنتين علمني جيدا، كنت أقرأ وأكتب جيدا، لكن نقصي الكبير كان عدم تمكني التحدث باللغة التركية، وهذا النقص كان سببا للكثير من المتاعب.

بنصيحة من الاستاذ بدأت بأنشاء ما كان يسمى (لوغاتنامة) خاصة بي، وهي شبيهة تماماً بالقاموس، حيث أكتب الكلمة التركية وأمامها أكتب معناها باللغة الكوردية، وكنت أسأل زملائي في المدرسة وكانوا يعلمونني التركية برحابة صدر – ومعها قاموسي كان يكبر والمفردات تكثر فيه، كانت تؤرقني بالليل والنهار، لأنني كنت أعلم بأن إجادتي للغة التركية ستمكنني من الحصول على الدرجة الثانية أوالأولى ربما في المدرسة.

ولأجل تعليمي التركية وأكثر من الجميع كان مصطفى النحس يهتم لأمري بين زملائي، صحيح بأنه كان نحسا، لكنه صديق رائع في نفس الوقت، والى الآن لم أنسَ معروفه.

كنت أستمع بشكل جيد وأقرأ بشكل جيد ايضا، في اواسط الشتاء نقلت مع أثنين أخرين من (ضياء الدين - ديادين) الى المجموعة الثانية، وفي الربيع الذين أنهوا السنتين الأوليتين للدراسة كلهم ذهبوا الى مدرسة الرشدية.

حينها كنت أعرف اللغة التركية بطلاقة، في السنة التالية بعد إنتهاء العطلة، عدنا الى مدرسة الرشدية، وكنا المجموعة الأولى، وبدأنا الدراسة، والدراسة بدأت تحلوفي عيني مرة أخرى، كنت أدرس ليلا ونهارا، ويوما بعد الأخر أزيد من معرفتي، وحينها لم يكن أبي يمرض، ولم أقم بمخادعة أستاذي، وأخي تيمور كان يأتي أحيانا الى (ضياء الدين - ديادين) ويسألني: لنذهب الى البيت، أ لم تشتق لأمك؟؟

  • لا، سأتأخر عن الدروس.

هوكان يضحك وقد أحب جوابي هذا، وكان ينقل كلامي هذا الى أمي وأبي، وهم بدورهم كانوا يفرحون بكوني أجد المرح في الدراسة ومرتبط بدراستي.

كنت أدرس بجد، في السنة التالية – المجموعة الثانية، أصبح الثاني على الصف، والأول كان أحد الاطفال الأتراك، بالعمر كان أصغر مني، لكنه مجتهد، وأبوه كان يعلمه في البيت، والخلاصة، كنت أدرس بجد وكنت متربيا، عندما كنت امر بشوارع السوق، كان الناس يقولون : أنظروا هذا هوالولد الذي قدم من القرى ويدرس هنا. لأجتهادي كانوا يأشرون علي بأصابعهم، المرء الكسلان اين ما كان كسلان، والمجتهد وصاحب الغيرة، اين ما كان في البيت اوفي الوظيفة اوفي الدراسة سيبقى مجتهدا، العمل مثل الدابة، فأن سقته سيذهب أمامك، وإن لم تسقه، فسيخرج من الطريق.

في مدرسة الرشدية، تجمعنا خمسة أكراد من القادمين من القرى: كنت أنا، ميرزا محمد علي أفندي القاسكي (كان من قرية تاشكستان) عمو إبن حسين دشتي آغا (من قرية بازركان) نادر إبن الفقي محمد الكوزي، مصطفى بيته كان في كوران، نحن الخمسة كنا أصحاب، كنا معا في السراء والضراء، كنا أربعة في نفس العمر (13 – 14 سنة) عمو كان أكبر منا في العمر.

كنا متفقين، وأن تعرض أحد سكان (ضياء الدين - ديادين) الي أحد منا كنا نذهب جميعا لنجدته، ولهذا كنا محميين ولم يكن هناك أحد يعترض طريقنا، وعندما كان أخي أوأبي يقدمون من القرية، أصبحت لديهم عادة كانوا يجلبون الفواكه، او يشترون لنا البذور (الكرزات)، ويحسبون حساب خمسة أشخاص دائما، لأنهم كانوا يعلمون بحبنا لبعضنا، ولا نفترق، ولم نكن نفرق بين بعضنا، مثل شخص واحد، وعندما لم يكن أحدهم أواثنين منهم حاضرين كنا نخبئ حصتهم حتى نسلمها لهم أنفسهم، حينها كانوا يسألون من الذي جلب لنا هذا.

في أخر الأمر، في المجموعة الثالثة، أصبح لدينا صديقين أخرين، داود رمضان (من قرية كولسورا عجما) وأونيكي إبن ميلكون أفندي ساكي آغا، مدرسة الرشدية كانت مبنية بالقرب من قلعة مهدومة، ولم يكن هناك حطب للوقود، الأطفال كانوا يحضرون الفحم من بيوتهم، وهكذا كانت المدرسة تتدفأ.

في الخريف كنا قد قدمنا الى المدرسة، وأنا لم أذهب الى البيت بعد، أمي كانت تطلب مني الحضور لرؤيتها، ولكني لم أكن أرغب بالذهاب الى هناك، كي لا أتأخر عن الدروس، ولكن في يوم قمت وطلبت الأذن من الأستاذ، وذهبت الى البيت، كنت منزعجا جدا، سأقول لكم سبب شدة أنزعاجي، في يوم قدمت من المدرسة الى البيت، بيت سوسن أفندي (زوجة سوسن أفندي، جواهر خانم، أمرأة تغضب بسرعة، وعندما تغضب من أحد أبنائها كانت تقوم بضربه، ولم تكن تضرب أبنها البكر بحري) لقد سمعت أصوات ضجة من غرفة سوسن أفندي، توقفت وبدأت أستمع اليهم، جواهر خانم كانت تضرب أبنها محمد، وتقول له: هذه هي السنة السابعة وأنت تدرس، لكنه في سنة ونصف جاء الى هنا ولم يكن يعرف التركية، وكانا غريبا ولم يكن يعرف أحدا، وغير هذا هوكوردي من الجبال، وأنت أبن سوسن أفندي، حفيد عيسا آغا الدرجكية، لماذا عليه أن يعرف الدرس أفضل منك؟ أ ليس عاراً على أسمها هذا ومكانتنا؟

عندها فهمت، بأن الخانم تتحدث عني، في الحقيقة أبنها لم يكن يتعلم، ولكن الكلمة التي أوصدت أزعاجي تماما، هي (كوردي الجبل)، (كورمانج القروي...).

عندها لم أذهب الى الغرفة، لقد عدت الى المدرسة، وحين وصولي لباب المدرسة، كان الأساتذة الأثنين قد خرجوا للتومن الباب ليذهبوا.

أعضاء عائلة سوسن أفندي كانوا يحبونني على العموم، سوسن أفندي وأبنه وعماله، فقط جواهر خانم لم تكن كذلك، فحين تتحدث معي لم تكن تنظر الي، وحينما كنت أتحدث الى أحدهم وأضحك معهم، كانت تعبس وجهها، وفي المساء عندما كانت توزع على أفراد البيت الجرزات لم تكن تدعوني مثلما كانت تفعل مع الأخرين، ولم تكن تضعها في يدي، كانت تعطيها لأحدهم وتقول: أعطوه.

دائما كنت أتجاوز هذه النقطة، لكن في المرة الأخيرة نفذ صبري تماما، وقد قلت هذا كله للأستاذ، ورجوته بأعطائي الإذن لمدة ثلاثة أيام، كي أذهب الى عائلتي، كي يأتي أبي ويغير مكان إقامتي. لقد تحدثا معا، وجاءوا الى (ضياء الدين - ديادين)، وذهبت الى قريتي.

البشارة كانت قد وصلت الى أمي، وجاءت تستقبلني، حضنتني، وذهبنا معا الى البيت، كان عندنا أربعة ضيوف، أبي وضيوفه الأربعة تقدموا الى تقبيلي، صحيح كنت صغيرا ولكنني كنت متعلما، مثلما كانوا يقولون كنت أرى الأبيض والأسود، ولهذا كانوا يعتبرونني مثلهم أنسانا.

لقد جلست معهم، وبعدها خرجت من الغرفة وذهبت الى جانب التنور، المكان الذي تخبز فيه أمي، تحدثت معي، هي والاطفال فرحوا بي، فهي ليست مزحة، أبنها اليوم يذهب الى المدرسة، سينهي الدراسة، وسيحصل على راتب، وسيجلب راتبه الى البيت مرفوع الرأس.

الخلاصة، كنا في حديث فرح وسعيد، وقد جاء أحد خدم سعيد آغا، قال: الآغا يريد رؤيتك.

هذا الأمر لم يكن مرغوبا بالنسبة لي وكذلك لأمي أيضا، لأننا لم نكن قد رأينا بعضا بالقدر الكافي، لكنني قمت وذهبت الى ديوان الآغا، اين تعلمت الهجاء، أخي قميز أيضا جاء معي، وظهر بأنه كان يريد أن يعرف ماذا يريده الآغا مني، والأمر لم يكن على عادته، أن يحتاج الآغا الي.



أبناء علي تيلي


ذهبنا الى ديوان الآغا، قال سعيد آغا:

  • أهلا وسهلا وعلى الرحب يا أفندي الصغير، تفضل أجلس هناك.

ذهبت وجلست في المكان الذي طلب مني الآغا الجلوس، وجلست على ركبتي، في الديوان كان سعيد آغا جالسا على منضدته، حمزة إبن مامد بك وأخرون كانوا يجلسون متفرقين في أماكن الجهلاء، لم أكن أعرفهم، أحدهم كان عمره ثلاثين أو أثنتان وثلاثين سنة، ثلاثتهم شباب بارزون، أسلحتهم كانت مازر روسية (يضعونها في السيارة) لكل واحد ثلاثة أسلحة، والعادة إما أن يعلقوا أسلحتهم أو يضعونها في أحد زوايا الغرفة، لكن هؤلاء كانوا يحتفظون بأسلحتهم بالقرب منهم على حائط الغرفة، وبدوا وكأن شيئا سيحدث، وخفت فجأة أن يحملوا الاسلحة ويبدأوا بالقتل، الكبار كانوا يتحدثون عن أحداث وقعت بهذه الطريقة، فحينما تكون الاسلحة بعيدة، والوصول اليها صعب فالعدو سيتمكن من إزاءك قبل أن تصل اليها، هنا كانت العداوات كثيرة، الجرائم والتهريب، وكنا نوصد الأبواب بسبعة أقفال.

بعدها علمت بأن الثلاثة كانوا أخوة، أبناء علي تيلي، بيته في أحدى قرى ابخي، والثلاثة كانوا فارين من الروم، وقد جاءوا الى بيت سعيد آغا، ورجوه لأجل شيء ما، والآن سنعلم ما سيرجونه من سعيد آغا.

ملابسهم وأشكالهم الى الآن بقت محفورة في ذاكرتي، لكنني نسيت أسمائهم.

سعيد آغا توجه الى الشاب الثلاثيني وقال له: حدثنا، لماذا فررتم من الروم، أي رسالة أبعثها الى عمي؟

  • نعم، - قالها الأخ الأكبر – في يوم كنت أنا وأخي هذا – مد يده ليشير الى أخوه الأوسط – لم نكن في البيت، لقد كنا في بيت أحد أعمامي، وكان لنا عمل عنده، وأخي الصغير بقي في البيت – مد يده ليشير الى أخوه الأصغر.

  • في ذلك اليوم جاء ضابط وستة جنود روم الى قريتنا، كان يجمعون الضرائب، في تلك السنة كان الآغا هو من أهتم بحصاد القرية، وكان يريد أن يجمعوا الضرائب بسرعة، ويسلمها لهم، أنتم تعلمون بأن الضرائب كثيرة في بلادنا، لكن لا يوجد في أيدي الفقراء المال، لا أعرف كم بيتا غنيا يوجد في القرية ولكن يفترض أن تكون الأموال عندهم، عند جماعتنا لا توجد اية أموال، ولهذا عليهم عدم التعرض لنا، واستدانة الاموال وأعطائها للحكومة.

الخلاصة، الضابط مع إبن الآغا كانوا ينادون على أهل القرية، واحدا – واحدا، كي يدفعوا ديونهم، وهكذا صاحوا جارنا بكر، وقال له (تعال وأدفع ديونك وضرائبك) . بكر كانت ديونه وضرائبه ثقيلة. محومختار القرية مرة طلب منه ان يذهب معه الى ايلام ولكنه رفض، وعينة الضرائب أصبحت كثيرة عليه. الضابط قال له (يجب أن تدفع ديونك)، بكر يقول (سيدي، لقد تعرضت للغبن، ضرائبي كثيرة جدا، ولا استطيع دفعها). الضابط يرد عليه (لم أتي الى هنا كي أسجل الضريبة، لقد أتيت لأجمعها) بكر يقول (لدي أربع دواب، وبقرة وأستطبل، خذها كلها بدل الضريبة)، المختار محويقول : حضرة الضابط حسبما أرى هذا غير عادل – ينظر الى بكر ويضيف – أين هي بدل العمل الذي كنت تقوم به في الصيف للناس؟) بكر يقول (بدل العمل كله أخذته وأشتريت به المشط والصابون والملح، الملابس، كابل، الإبر وما الى ذلك، النقود كلها ذهبت هكذا).

- سأقول لك يا آغا، الضابط قام بضرب بكر بالسوط، ضربا كافرا، حتى أبقاه بين دمائه، والخلاصة، أوصلوه الى حالة الذبح، ولا يتدخل أحد بينهم، أخي هذا يغضب بسرعة ولا يقبل الغبن بهذا الشكل، فقام بأمساك الضابط من ياقته، كي يخلص بكر من يده، لكن الضابط هذه المرة يترك بكر ويبدأ بضرب أخي بالسوط، وأخي طبعا لا يتردد في سحب ساطوره من الخاصرة ويطعن بها في بطن الضابط حتى قبضة الساطور ويبرمه في داخله وعندما يسقط الضابط يقوم بضربه مرتين بالساطور على الأرض أيضا. البقية مع إبن الآغا يقومون بإمساك أخي، ويربطون يده من الخلف، عندها بكر يصحوقليلا، يفتح عينه من الدماء، ويرى ما حدث، والسبب في هذا كله هوالمختار محو، (صحيح أن بكر كان عاملا بسيطا، لكنه كان رجلا جيداً) فيسحب الساطور ويهجم على محو، وحتى يصل إليه الأخرون يقوم بضرب محوثلاثة ضربات في بطنه، ويمده بجانب الضابط، بعدها يقومون بالإمساك به ويضعون بكر بجانب أخي.

في ذلك الأثناء بلغنا القرويين بما حدث، والجنود بدءوا بالتحريات، وعلينا ألا نذهب الى القرية، ونأخذ الحيطة والتدابير، وقالوا أيضا بأن المسألة وصلت المركز أيضا كي يأتي أهل الحكومة. كنا نعلم بأن المركز بعيد، ولن يصل أهل الحكومة في هذا اليوم، لذلك فكرنا في البداية، بإنقاذ النساء والأطفال، كي لا يمسكوا من قبل الروم. ونبهنا وقلنا (عند مجيء الظلام علينا ترحيل العائلة، كي نرتاح من مغبة الإعتقال) حضرة الآغا، شكرا لأنك تعلم، أنها العشائرية، عند التوجه الى أي عشيرة كالسمكة التي ترمي بنفسها في النهر، لا أحد يعلم أين ذهبت، لأن خيانة الشعب والتآمر غير موجودة في العشائر، وإن وجد لما كنا نستطيع الاختباء بينهم لمدة ثلاثة سنوات، فنحن مطلوبين لدى الروم، ومتلصصين كل يوم في أحدى الأماكن والقرى، لكانوا أمسكوا بنا وكنا الآن في يد الروم.

لقد رحلنا الى قرية، وقطعنا عنها، وفي أي ماكن ذهبنا اليه كانت تأتينا أخبار مجيء الحكومة اليه، وسوف يأخذون في الظهيرة المعتقلين الى المركز، وكنا قد أرتحنا من الأطفال، وكانوا قد خلصوا أنفسهم، والآن نحن نفكر بأي شكل نستطيع أن ننقذ أخونا وبكر من أيدي الروم، وقد قطعنا العهد نحن الأخوة (أما أن نحرر أخونا وبكر أيضا، لأنه أصبح لنا أخا أيضا، وأما ألا نبقى على هذه الحياة).

كان لنا أثنين من أبناء العم، كانوا في قرية أخرى، وسمعوا بالأمر وجاءوا وأنضموا الينا، وصرنا أربعة، وقررنا أن نذهب الى كيدوكا السقلتوتة، وهومكان عاص، لنقطع الطريق أمامهم، وبالأطلاقات القنص نهجم عليهم بشدة، وسيسرعون في الهرب، لكنني رأيت بأننا قليلون لهذه المهمة، ونحتاج على الأقل الى شخصين أخرين، وأرسلت الطلب الى أخواننا أبناء كريفنا من توماسرا، وبعد ساعة، جاء الأثنان مسلحان، وأشهد بالله بأن الرجلين جاءا مجهزين وقالوا: نحن مستعدين للموت معكم. وحين قلنا لهم ما ننوى القيام به، لم يقبلوا فكرتنا وأتجهوا نحوالسقلتوتة، توماس قال في الطريق (يا أخوتي، أنتم تعلمون، عندما يعلم الروم بهذا، يعني أنضمامي اليكم، سوف يقومون بإعتقال خمسينا أرمنيا، وسيقومون بقتلهم أوسجنهم، وسيقولون (توماس عدوللدين)، ولكنكم تعلمون بأنني شخص مقيم في القرية، ولكنني أتعهد لكم حتى لوقام الروم ليس بإعتقال خمسين بل مئة أرمني وسجنه وقتلهم في سبيل الكريفاتية، لم أخف أبدا من معلقة الدم، واليوم أيضا لست خائفا، يدي بيدكم). وقد سعدت، عندما رأيت موقف رفاقي المحكم.

كان الوقت عصرا، وصلنا الى سقلتوتة، ولم يكن قد وصلوا بعد، وأخذنا أماكننا، ناصبين كمينا بإنتظارهم.

- نعم، أقولها لآغايى وجماعته، ذاك الشاب الذي في الثلاثين من عمره صاح به، - لقد رأيناهم في الكمين، الروم جاءوا بالمعتقلين، أخي كامل قام على صخرة كان يريد أن يصيح بهم (لا تنزفوا الدماء، أتركوا المعتقلين وإذهبوا). أمسكته بيدي وسحبته خلف الصخرة، وقلت له (لا تظهر نفسك، يمكن أن يتعرفوا عليك) وقد اقتنع، ولم أكن قد أنهيت كلامي حتى انهالوا علينا برشقاتهم واتجهوا نحونا، الطلاقات التي كانوا يطلقونها تقع بعيدا عنا، ولم يكن يعلمون بأنهم محاصرون، وعند بدأ الهجوم علينا، ضربناهم من الإمام وضربهم توماس وابن عمي من الخلف، الطلقة الأولى من توماس ضربت سجانا منهم، لأن توماس يكبت قهره الكبير تجاهم.

- من الذي لا يكن لهم الكراهية، - قالها شكو.

- الحراس عندما رأوا السجان مقتولا، ونحن نرشقهم من الأمام والخلف، هربوا، كان معهم ثمانية فرسان من خدم الآغا، وهم عند التعرف علينا لم يحاربوا، بل ذهبوا خلف الحراس، ونحن أيضا لم ننوَ قتل أحد، الجنائز على العربة والمعتقلين بقوا على الطريق، وحينما كنا نطلق الطلقات على رؤوس الحراس كي لا يعودوا أدراجهم، توماس وصل عند المعتقلين، فك أيديهم، وأمسك برجل السجان الميت ورماه من على العربة.

تجمعنا والى أن جهز الحراس أنفسهم ، كنا قد خلصنا أنفسنا، وهناك عرفنا بأن توماس قد جاء بسلاح أحد الحراس معه، وقال لأخي (خذه، هذه البندقية مقدمة إليك) توماس كان رجلا خطيرا، طلقته لم تكن ترتاد الأرض، يصيب الطائر في السماء، ومن حسن الحظ لم يعلم الروم بأنه معنا.

منذ ذلك اليوم ونحن فرار، ونعيش في الجبال، الآن حتى أولادنا لا يتعرفون علينا جيدا، في كل يوم نحن في مكان مختلف، مثلما يقولون (للمالك الحزين، أين مسكنك؟)، فقال (مالك الحزين، اتجاه الرياح يعرف هذا). وكذلك نحن نقوم من مكان ولا نعلم أين سنتوقف في المساء، وحين نعرف أين سنكون فالروم أيضا سيعلمون به، ولهذا فنقضى يوما بين الرعاة، وأخر بين عمال الحقول، وفي يوم أخر نكون في الجبل، وأخر في الكهف، في المراعي الصيفية، وفي السهل، نعيش يوما تحت أشعة الشمس وأخر تحت البرد، وهكذا.

- لكن متى سنرى الحرية.

قال حمزة – مثل الأرنب المطارد من قبل الجوارح، لا يتحرك حرا، مرة في الجحور، ومرة بين فجوات الصخور، فقط يتحرك بحرية في الليل.

- إيه، سنبقى على هذه الحالة، ما دام ملك الروم جالسا على عرشه – قالها شكو بحسرة. مستو الريحاني كان رجلا في الاربعين، له شوارب سوداء سميكة، وعينين كبيرتين، يرتدي عباءة واسعة، كان رجلا بازرا بشهامته ورجاحة عقله، قال:

- هذه حقيقة، شيخنا أنت تقول الصدق، كلما بقينا تحت هذا الظلم فنحن لسنا بأحرار، هم قاموا بقتل موظفي الحكومة، لا يستطيعون التحرك بحرية، لكن البقية؟ نحن كلنا صغارا وكبارا هل أحراراً؟ لا، فنحن أيضا في دلو القير والقطران نغلي...

- الآن أي ورقة تريد أن نكتبها الى عمو؟... – قالها سعيد آغا ودار بوجهه نحو الضيوف الثلاثة.

- نعم، - قال الأخ الأكبر، - كلمتنا هي، مادام نحن فرار من الحكومة منذ ثلاث سنين وأكثر، وأكثر من أربعين مرة تعرضنا لهجمات جند الروم وموظفيهم، وأرادوا أعتقالنا. الى الآن لم يتحقق هذا، ولم نعتقل بعد، في كل مرة يتعرضون لنا، نحن نضربهم، والى الآن قتلنا العديد من الموظفين، وجرح العديد منهم أيضا، وعدد من خيول ضباطهم قتلوا، لأننا نعلم بأنه حين يمسكون بنا، سوف يقتلوننا، نحن على يقين من هذا، لهذا مادمنا نحيا فلن نسلم أرواحنا في أيديهم، - تقدم وأصلح سلاحه وأستمر بالكلام – الآن كيف يقوم عمر بك الضابط بذاته بجمع الجنود ويهجم علينا. فإذا ضربناه لا يجوز هذا، فأيدينا لا ترفع عليه، إنه إبن ممد بك، ممد بك أبوعشيرة الآدامية، كيف سنقوم بقتل إبن أبونا؟ وإذا لم نعمل شيئا فسوف يقوم باعتقالنا، وبيد الروم سيطلق علينا النار، ولهذا نحن جئنا الى هنا، عندكم، ونرجوا منك لأنه أبن أخوك، أن تكتب إليه – لعمر بك – وتقول فيها، بأن لا يتعرض لنا هوبذاته، وليرسل الحراس والجنود لوحدهم، نحن لا نخشاهم، لقد رأى الجنود والحراس الأمرين على يدنا، وسوف يرونه من الآن فصاعدا، ولكن خشيتنا الوحيدة هي من عمر بك، لأنه يمثل عشيرة، ونحن غير قادرين على ضرب عشائرنا، ونحن نعلم بأن الحكومة تطلب منه القيام باعتقالنا، وكلما طلبت الحكومة منه هذا الأمر عليه أن يرسل الموظفين والجنود، وعليه أن يتقدمهم وأن لا يأتي معهم قطعا. – لقد أنهى الأخ الأكبر شكواه – قال سعيد آغا : - يا أحمد، الإمام غير موجود هنا، لقد ذهب الى بيته، عليك أن تكتب رسالة الى عمو.

قلت: نعم، آغا. – أخرجت قلمي وناولني قاسم الورقة.

- فليقولها لك قاسم باللغة التركية، وأنت أكتبها، - قالها الآغا.

لقد جلست على ركبة واحدة بجانب قاسم، وبيدي اليسرى وضعت الورقة على ركبتي اليمنى، ورفعت القلم للإيحاء باستعدادي ومنتظرا ما سيقوله قاسم.

قاسم كان يعرف قليلا من اللغة التركية، وكذلك كان يعرف قراءتها، ولكن لم يكن قادرا على كتابتها.

بدأ قاسم يتحدث بالتركية، وقال أكتب كما أقول، لقد رأيته يخطأ، لذلك قلت للآغا: - آغا، قل ما تريده لي بالكورمانجية، وما تريد أن أكتبه في الورقة، وبعدما سأكتبها فليقرأها قاسم بعد ذلك إن كانت صحيحة أم لا.

قاسم قبل ذلك.

لقد كتبت الرسالة وأنهيتها وناولته إياها.

كتبت في تلك الورقة (سلام. الدعاء من طرف الآغا والباقين، لقد دخلوا شباكنا، ولا يجب أن يدخلوا مصيدة الروم بأيدينا، غدا لن يتحدث العالم بشكل جيد عن هذا العمل، العشيرة هي أبوالعشيرة، وخاصة أبوك آغا عشيرة الآدامية، الجميع يحسبونه أبوهم، ومنذ القدم لم يخن أحد منا شعبه، نحن نريد الحرية للشعب، ويقول المثل "أربعة رجال أكثر من الكورد، يعني تقليل أربع مصائب"، لكنك الآن تريد أن تمسك هؤلاء الشباب وتسلمهم إلى الروم. الخلاصة، عليك أن لا تقوم بهذا، وإن فعلت فأنا سأتبرأ منك ولن أكون عمك، ولن تكون أنت أبن أخي، وهكذا أيضا (ممد بك) لن يكون أبا لك، ولن ينظر في وجهك مرة أخرى. لأنك أصبحت عدوا لقومك، ستبيع الدين والغيرة بلقاء الروم، أنت سكبت أمام خيمتنا الدم في الماضي، والآن تريد أن تكرر نفس الشيء؟).

لقد أخذها الآغا قاسم وقرأ كل ما جاء فيها.

الآغا سعيد أبدى إعجابه بكتابتي، والآخرين كانوا سعداء لأنني كتبتها بفائدة ووضوح، أحدهم كان فرحا لأنه لم يكن في الماضي هناك أحد يقرأ بينهم والآن صار لديهم من يجيدها، ومتى ما أرادوا يستطيعون أيجاد من يكتب ويقرأ لهم الرسائل، وسيقرأ لهم الأوراق الرسمية، كورقة القوجان والمصاريف والعائدات، والروم كان يضعون ضريبة على رؤوس (تعشير) وكذلك على (قمجور) رؤوس الماشية.

- أحمدي، - قالها شكو، - سوف أتي بأوراق الضرائب إليك، أقرأها، لقد اختلطت الأوراق القديمة للضرائب والسندات مع الجديدة، سوف تقسمها لنا، كي لا يأخذها منا جامعوا الضرائب مرتين.

- نعم والله، أطال الله بعمره، إلى الآن لم يكن هناك أحد يستطيع قراءة وكتابة ورقة، أنا أيضا سوف أتي إلى أحمد كي يكتب لي ورقة، وسأرسلها الى قرية (برا عردي) لأبن أخي، - قالها يونس أحمد.

الآغا قاسم قام بطي الورقة، وأعطاها للأخ الأكبر، لم يكن هناك ظرف، لقد أخذها من يد قاسم، وطوها أيضا بدوره مرة أخرى، ووضعها في الجيب الداخلي تحت الصدر، وقال: - خادمك أنا، ليجعلنا الله غير محرجين أمامك في أي يوم من الأيام – رما القماشة للآغا وجلس في مكانه.

الديوان كان يمتلئ رويدا بعد الأخر، والقادم كان يسلم على الآغا ويجلس مكانه المعتاد، الوجهاء كانوا يجلسون في المكان العالي والقريب من الآغا، وأهل الآغا كان يجلسون بالقرب منهم، وفي الأسفل كان مكان الجهلاء. الجماعة أكتملت تماما، الغرفة ضجت بهم، وأهلي أيضا جاءوا، أبي وأخي تيمور وقيمز. أعتقد بأنهم كانوا يأتون ويذهبون معا، وأبي كالبقية، جاء وسلم وجلس. سعيد آغا توجه إليه وقال له:

- شاويش، اليوم أحمد أسعدني جدا.

- وكيف ذلك يا آغا؟ لقد سأله أبي.

- لأن اليوم لا نحتاج الى أحد، كان يجب أن نكتب ورقة الى عمو، وقد كتبها أحمد، ولم نحتج الى الآخرين.

قال أبي برضاء: - جيد، التعب الذي صرفناه لأجله لم يذهب هدرا، وهو خادم لك وللجماعة.

في ذلك الزمن لم يكن هناك الكينو، ولا التاترون، ولا اللمبة، ولا الجرائد والكتب. الجماعة في وقت جلوسهم في الديوان، الحضور كان يتحدثون عن أخبار اليوم وينهونها، ومرات يقولون عن الشتاء: "شتاء هذه السنة طال كثيرا، الثلوج متراكمة، التدابير صعبة" كانوا يشتكون من التجار، الذين يقدمون من الشام وحلب وبيروت في كل سنة مرة واحدة، ومن البلدان الأخرى الذين كانوا يـأتون لشراء الأغنام والدواب، وكانوا يأخذون معهم قطعانا من الماشية ويذهبون.

في المجلس كان الحديث عن التجار مستمرا، وكانوا يريحون قلوبهم بالحديث عن سعر الماشية في الربيع، هل سيكون غاليا أم رخيصا، في بعض المرات كان يحدث ما يشتهون، وفي الربيع يبيعون الماشية بالسعر المجدي.

بعد انتهاء الحديث عن هذا كله، كان يجب ان يتسلوا بالحكايات والقصص أوالغناء (الحكايات كانت عن "روستم الزال"، "البطل القاتل"، "أبا المسلم"، "سعيد بطال الرازي" وأخرى كثيرة).

في كل القرى كان هناك الرواة والمغنين، الراوي كان حمزة العلبلكي والمغني كان أسمه بكر نبي.

عند انتهاء الجماعة من حديثهم هذا، سعيد آغا كان يجدد قدم سيجارته (هوكان مدمنا على السجائر، يشعل السيجارة من السيجارة) قال: بكر غني لنا كم أغنية، لأننا مهما تحدثنا فلن تقل همومنا، ولن نتحرر الآن من يد الملوك والسلاطين.

  • نعم آغا، - بكر قام على ركبة واحدة، وأجلس عمامته بالتواء "كانت عادة المطربين أن يضعوا أيديهم على آذانهم) وكنت أعشق المغنيين والأغاني، وكنت أستمع بانتباه، والأغنية الأولى كنت أعرفها.

((دةردىَ من عةظدالىَ خودىَ ثر طرانة،

ئةو طرانة قاسى ضيانة

خودىَ خراب بكة وةلاتىَ روَمىَ ، جيىَ تالان تووران خةرج و خةرجانة

ئيدارةتطا من و كةلةشى كاوة من تيَدا نابة

ئةزىَ دكم دةستىَ كاوةخوة بطرم ،بةرىَ خوة بدمة وةلاتىَ ئوورس_جيىَ رةحميَية ،

ئةوذى خودىَ ئاظاكرى دةرازة ذمة ويَدانة

هايلىَ دينىَ ، هايلىَ دينىَ.

مور ادىَ خوثان وىَ ذوردا تىَ فوورة_ فوورة،

قةراخى تةنكة ، ئوَرتة كوورة،

وةلاتىَ روَمىَ جيىَ تالان، توورانا ، خةرج_خةرةجانة ،

ئيدارةنطا من و كةلةش كاوا من تيَدانابة،

ئةزىَ دكم دةستىَ كاوا خوة بطرم بةرىَ خوة بدمة وةلاتىَ ئوَرس،جيىَ رةحمة خيَر بيَرىَ

ئةوذى خودىَ ئاظا كرى طةلةك ذمة دوورة،

هايلىَ دينىَ، هايلىَ دينىَ)).


"أنا عبد لله همومي ثقيلة

ثقيلة ثقل الجبال

ربي يهدم بلاد الروم، مكان النهب والسلب والضرائب

لا يتدبر أمري وأمر كاوتي فيها

سوف أمسك بيد كاوتي، وسأتجه الى بلاد الروس – مكان الرحمة

بانيها ربي وهي بعدنا بقليل

هايلى يا مجنونة هايلى يا مجنونة

موراد الواسع ينزل من العالي خريرا – خريرا

في الجوانب ضيق وفي الوسط عميق

ربي يهد بلاد الروم، مكان النهب والسلب والضرائب

لا يتدبر أمري وأمر كاوتي فيها

سوف أمسك بيد كاوتي، وسأتجه الى بلاد الروس – مكان الرحمة والخيرات

بانيها ربي وهي بعيدة عنا

هايلى يا مجنونة هايلى يا مجنونة"


كنت أحب هذه الأغنية كثيرا، وأردت أن أتعلمها، ولهذا كنت أرددها في داخلي، ولم أكن أستطيع الاستماع الى أغاني بكر الباقية.

والى أن قال بكر عدة أغاني عذبة، كنت قد حفظت تلك الأغنية، وكنت في تلك الساعة قادرا على غنائها.

الأخوة الثلاثة الضيوف أيضا كانوا يسمعون الى أغاني بكر.

الأخ الأكبر ألتفت الى أخوه الأصغر وقال له:

- أخي العزيز، أعتقد بأنك أيضا تعرف ترديد بعض الأغاني، عليك بمساعدة بكر لأنه تعب.

- بعد إذن الآغا، سأغني بعض الأغاني، - قالها الأخ الأصغر.

- تفضل، تفضل يا بني، قل، نحن أيضا نريد أن يكون هناك مغنيين، لا تخجل هيا – قالها سعيد آغا.

الأخ الأصغر هذا كان طويل القامة، كان يرتدي ثلاث – أربع فانيلات جديدة، في صدره صورة زهرة الفتون والسمكري، وقبعة صوفية تغطي رأسه، عليها شعار الدياربكرية سورمة ذات الريش الطويل حول القبعة، شعر منسدل، متموج في الرقبة، وهو ذو شوارب سوداء خفيفة، ومن بينها كان يظهر شفاهه، عيونه كبيرة وحواجب سوداء، جبهته سمراء وواسعة، وعندما كان ينظر الى المرء كانت عيونه السوداء تضفي جمالا أكثر على ملامحه، وهكذا أعتقد بأنه متزوج جديدا.

مستو الرحماني أيضا قال: أيها الشاب العزيز، أتينا ببعض الأغاني.

الشاب بدأ، صرخة صوته كانت تشبه صراخ مالك الحزين، وكأنك تدق جرسين معا، في الحقيقة كان صوت بكر عذبا، ولكن صوت هذا الشاب ونبرته كانت حلوة أكثر، وكان يردد الأغنية بخبرة، المجلس كله أحتار في أمر الشاب وكان يتمنون أن يستمعوا إليه أكثر.

الجميع كان يئن مع غناء الشاب، والأكثر ميلا لترديد الآنة، هم قاسم وحمزة.

لقد غنى كثيرا، وأسعد المجلس كثيرا، وقطع الغناء وقال:

- لقد أخذت بردا في الطريق، وصوت لا يأتي كما يجب.

- يا صاحب الدار الحية، هل تجد قصورا في هذا الصوت؟ لقد جعلتنا ننصهر بأغانيك هذه، - قالها حمزة.

سعل شكو سعلتين كان كهلا في السن، وجه يده الى الشاب وقال له: - يا بني، لقد قلتها بروعة، وأسعدتنا كثيرا، وأتمنى من الله أن يسعدك بهذا القدر، وأن ينهي مشكلتكم وتتخلصوا من ظلم الكافر، آمين يا بني، آمين!

من أغانيه العذبة، التي كانت تصهر المرء، أغنية (معركة كوَضكانا).

شةرةكىَ ل مة قةومى كوَضكانى خوَيان ل ديارىَ روَمىَ ، عةلى ب سىَ دةنطىَ طازى كر ،طوَت:

((بةشير ،باظىَ منبى، ميَر بة ، ضيَبة، ضىَ بخةبتة.

ئيرؤ ل مةيدانىَ لسةر مة تةمام بووية، بيلووكةك ئةسكةرىَ رؤمىَ

دة تو هةلانا ل خؤرتا خة

ئةز ئيرؤ شةرةك ئوسا ب رؤماخايينرا دايينم ، مينا شةرىَ ثار

ظى ضاخى سةحيد عوبيد ب رؤميَرا دانى سةر خورومىَ))

فةرمانة، وةلة برا، فةرمانة

فةرمانا رؤمىَ فةرمانةكة ذ ضيا طرانة

دة برا نةيىَ سةرىَ طؤرىَ ضيانة

ئيَرؤ هاتية سةرىَ مة هةردوو برانة

طولى عةينةليا ماويزةرا سةر مةدا دبارن ،تو دبيَذى هم تةيروَكة هم بارانة هنةك دبيَذن ئاخرى يادةوريَية

هنةك دبيَذن رابوونا ديجلةية

هنةك دبيَذن ئاخر زةمانة

ضاوا كةسةك توونة بيَذة

شةرىََ عةشيرةتىَ ب رؤما رؤؤتكرا شةرةكى كولى ها ب دةمانة

ئيرؤ ل مةيدانىَ شةر خؤشكرية زةينةليَ منى بؤزبةرانة، هىَ وىَ...

شةرةكى قةوميية ل كؤضكانيَ شةوتى وىَ ل نكة

عةلى ب سىَ دةنطا طازي كر و طؤت:

(بةسير برا، تو ضةند طولةكة ثاظيَذة كؤما ثيَشيىَ

ئةو ئةسكةرىَ قةرةنيزامة ، زابتىَ رؤمىَ ل ثيَشييَية

رؤمة ترسينؤكة، وىَ ذ هةظ بفةركة

ثيَشى وى سةر ثاشييَدا بسلكة

تو هةلانا ناظ خؤرتانة

وةكي قؤماندارىَ بتليسىَ

تازة ئؤرديك عةسكةرىَ رةش

هلدة، وةرة سةرمة

ذ مة هةردوو برارا هىَ هندكة

ديسا ثاشمقام

فةرمانة وةلا برا فةرمانة

فةرمانا رؤمىَ فةرمانةكة ذ ضيا طرانة

دة برا نةيىَ سةرىَ طؤرىَ ضيانة

ئيَرؤ هاتية سةرىَ مة هةردوو برانة

طوللى عةينةليا ماويزةرا نةكةظتة بةرىَ كةظرانة

طوللة سةر مةدا دبارن ،تو دبيَذى هم تةيروَكة هم بارانة

هنةك دبيَذن ئاخريا دةوريَية

هنةك دبيَذن رابوونا ديجلةية

هنةك دبيَذن ئاخر زةمانة

ضاوا كةسةك توونة بيَذة

شةرىََ عةشيرةتىَ ب رؤما رؤؤتكرا شةرةكى كولى ها ب دةمانة

ئيرؤ ل مةيدانىَ شةر خؤشكرية زةينةليَ منى بؤزبةرانة، هىَ وىَ


لقد حلت علينا المعركة كوجكاني القادمة من ديار الروم

علي بثلاث صرخات نادى وقال:

"بشير، ليكن أبي، ليكن رجلا، وشهما، ويطبق الشهامة

اليوم في الميدان تكومت علينا سرية من الجنود الروم

أدعوا الشباب

سوف أحارب اليوم روم الخونة

مثل السنة الماضية في هذا الوقت

سعيد وعبيد حاربوا ضد الروم في الخروم

فرمان، والله العظيم فرمان

فرمان الروم أثقل من الجبل

ولا يبتلي به حتى الذئاب في الجبل

وقد أبتلينا به اليوم نحن الأخوة

رشاشة العينلية والموزرية يجب ان لا تخبئ بين الحجارة

رشاشة العينلية والموزرية ترش علينا، وتشبه المطر مرة وتشبه البرد مرة أخرى

البعض يقول أنها نهاية العالم

وبعض أخر يقول بأنها قيام الدجلة

البعض يقول بأنه أخر الزمن

ولا يوجد من يقول

إنها حرب العشيرة مع الروم حرب الجراد الممتد

اليوم في الميدان الكبش الأشقر زينل غزا المعركة.. هى وى..

قامت حرب في كوجكانى المحروقة وهوعندها

علي بثلاثة أصوات نادى وقال:

"أخي بشير، أطلق بعض الأطلاقات نحوالكومة الأولى

هم عساكر مشاة نظامية، وسوف يتفرقون

أقلبهم رأسا على عقب

أنت حلة الشباب

كضابط البدليسي

تعال علينا بجيش من العساكر السود

وهم قليلون بالنسبة لنا نحن الأخوة"


وكذلك الكورس:

فرمان، والله العظيم فرمان

فرمان الروم أثقل من الجبل

ولا يبتلي به حتى الذئاب في الجبل

وقد أبتلينا به اليوم نحن الأخوة

رشاشة العينلية والموزرية يجب ان لا تخبئ بين الحجارة

رشاشة العينلية والموزرية ترش علينا، وتشبه المطر مرة وتشبه البرد مرة أخرى

البعض يقول أنها نهاية العالم

وبعض أخر يقول بأنها قيام الدجلة

البعض يقول بأنه أخر الزمن

ولا يوجد من يقول

إنها حرب العشيرة مع الروم حرب الجراد الممتد

اليوم في الميدان الكبش الأشقر زينل غزا المعركة.


كنت عاشقا للأغاني، عند أنتهاء الأغاني، تذكرت أمي، كنت مشتاقا إليها جدا، فأخبرت أخي قيمز:

- قم، لنذهب الى البيت، فأنا نعس.

أنا وقيمز خرجنا، وقد خرج معنا علو زوج أختي عيشان وبعض الجيران. علو في ممر الديوان أمسكني وحضنني ثلاث – أربع مرات وقال: - أنت أبي، أنت روحي، لقد كتب بروعة!

وذهبنا الى البيت، أمي كانت بانتظاري وقالت:

- هذا أيضا صاحب ديواني، لقد تعبت عيني من انتظارك؟

وقامت بأحتضاني، وقبلت رأسي.

أمي وأهل البيت تجمعوا حولي، وبدأ بسيل الأسئلة، قالت أمي لأخي قيمز:

- الآغا كتب الى عمر بك تلك الرسالة.

- من الذي كتبها؟ سألت أمي.

- لقد كتبها أحمد، - أجابها قيمز، وقد فرحت هي أيضا وديوان الآغا كان قد تفرق، وأبي وأخي تيمور قد عادا الى البيت.

- أحمد يعرف كتابة الرسائل؟ - لقد سألت أمي.

- يكتبها، ويكتبها بصورة جيدة، - قالها أخي تيمور – ولهذا الآغا سعيد بارك أبي، - وقد جلس بجانبي، ومد يده على كتفي، وأحتضنني.

البيت كله كان فرحا، لأنني كنت أعرف بطلاقة كتابة الرسائل.

في تلك الليلة ما عدا الأطفال الصغار لم ينم أحد، كنا نتحدث طوال الوقت.

أخي تيمور كان كبيرنا نحن الأخوة الثلاثة، كان جريئا وصاحب معرفة، وكذلك راجح العقل، كانت لديه خاصية كالخادم، كان يقف أمام أبيه، حتى ينام أبي ومثل صاحبة البيت يقوم بتغطية أبي باللحاف، ويضع المخدات حوله وقرب ظهره، وبعدها يقول له "ليلة سعيدة، الله يعطيك العافية". وبعدها يذهب لينام، وفي تلك الليلة أيضا ذهب تيمور لينم أبي مثل كل الليالي، وذهب هو أيضا ليرتاح وينام، ولكن أبي نادى عليه، وقام من الفراش، وجلس، تيمور عاد وغطى كتف أبي باللحاف كي لا يبرد.

- نعم، تفضل أنا أسمعك، - قالها تيمور.

لقد أخرج أبي علبة الدخان من تحت الفراش، وبدأ بلف سيجارته، وبعدها قدم له تيمور النار ليشعلها، لقد أشعلها وقال:

- تيمور أبني، أنت تعلم بأن في ديننا تعلم الكتابة وقراءة حرام، الشيوخ والبيرة يقولون (بأنه ذنب كبير)، ويصبح الشخص بلا دين ولا أيمان، وسيذهب مع أبيه وأمه الى الجهنم، ولن يدخلوا تحت طائلة شفاعة الملك طاوس، والذي لا يدخل تحت شفاعة الملك طاوس، لا مكان له لا في السماوات ولا في الأرض، الملا سوف يصبح تاتا ضد ديننا".

والآن بدءوا يرسلون الينا الردود، يقولون "أ ليس عارا، الذي أرسل أبنه للدراسة، لماذا يصنعون الأعداء لديننا، ألا يخاف على إبنه؟" والى الآن لم نستمع الى أحد منهم، ولكن كلما يمضي الوقت يزدادون.

- من هم، الذين أرسلوا الردود؟ - سأل تيمور.

- ألا تعرف. – ممو الحكيم، عمر خوديدا، جمشيد سمو، شيخ دوريش، بير زاده والكثيرين.

- لا تستمعوا إليهم، - قالت أمي – فلينهي ابني دراسته.

- كوزى ، - قالها أبي – مشكلتنا ليست هذه، كي يضع مهام قاسم على كتفه، مشكلتنا هي، أن يتعلم ويمد العون لشعبنا الغير متعلم – والمتأخر وينافس أمثال الآغا قاسم. فعندما أعمل بحسب كلام الكبار منا، الشيوخ والوجهاء لن يقبلوا. فماذا تقول، ابني أريد أن أعرف وجهة نظرك في هذا.

- أبي، حسبما أرى، علينا أن لا نذهب باتجاه الهموم، وان لا نهدم حظه، - أجاب تيمور.

- اليوم الرسالة التي كتبها لعمو، كانت بالنسبة لنا تساوي الكثير؟ - أخي قيمز قال هذا، - شخص مثل سعيد آغا أعطاه القيمة، وبارك أبي. ليدرس، علينا أن لا نجرح مراده، أبي العزيز، أنا خادمك، - أن وجد وأن لم يوجد، فالكلمة هي كلمتك في النهاية، ولساننا لا يستطيع أن ينطق بما لا تريده، وحسبما أرى بأن حظه الجيد بدأ للتو، تعالوا لا نتعس حظه، المرء لا يأكل بفم الآخرين، فليدرس الولد، وليقولوا ما يقولون.

- نعم، يا بني، الكلمة الصحيحة هي كلمتك، وأنا أيضا على هذه القناعة، كنت فقط أريد أن أعرف رأيك ورأي أخوك وأمك، عفية لكم، ما دمتم على هذه القناعة، فعندما لا ندع الولد يدرس، فسنكسب الذنوب لأنفسنا، كالرجل الذي يذهب إلى المزار، ويمسكه الآخرين بيده لحفزه على التراجع من أداء الفريضة، وكي لا يقول البعض (لماذا تخرجون الولد من المدرسة مادمتم أرسلتموه إليها) لا يا بني، عليه أن يدرس، وأن لا يتخلف مثلنا، بدله حلال عليه، وسيفيد شعبه، والخير الذي يأتي من هذه الأقاويل، ليذهب من حيث أتى. وقد قرروا أن أستمر بالدراسة.

كانوا يتحدثون وأنا كنت أستمع، لماذا كنت أريد أن أدرس، كي أصبح مثل الأستاذ عالما بكل شيء. لقد قلت:

- سأستمر بالدراسة، لكن يجب أن تضعوني في بيت أخر، لن أبقَ في بيت سوسن أفندي بعد الآن، جواهر خاتون ليست حسنة معي...

أبي مع أخي تيمور أفهموني، بأنه (سيكون عار على سوسن أفندي وأولاده، في اليوم الواحد يضيفون المئات من الأشخاص، فماذا سيقول العالم علينا، حين ننقلك من بيتهم؟ سيكون مصدرا للقلق بالنسبة لهم، لا يجوز، لا يجوز!

- لا يا بني، لقد بقى بعض الأشهر على العطلة المدرسية، في الخريف سوف نضعك في بيت أخر.

في اليوم التالي عدت الى مدرستي في (ضياء الدين - ديادين)، ووجه جواهر خانم لم يبدوعليه الراحة.

أيضا في المدرسة:


في اليوم التالي كنت في المدرسة مع الأولاد جالسا في الصف، المعلم كان يعطينا الدرس، مصطفى كان يشاغب، كنا لا نعلم هل نتعلم الدروس أم نضحك على مصطفى المشاغب، المعلم لم يكن يحس بضحكنا المكتوم، لأننا كنا نعرف بأن من يضحك في وقت الدرس، ستناله الفلقة، وفي ذلك اليوم أيضا أنهينا الدرس، في النهاية سمعنا صوت جرس الآذن، حيث كنا بانتظاره منذ مدة.

كانت هناك قاعدة متبعة في المدرسة: حين الخروج من المدرسة، يجب أن نخرج أربعة – أربعة معا، المعلمين الاثنين كانا يسيران في الخلف، وثلاثة طلاب كان يجب أن يرددوا الأغاني حتى وسط المدينة، وهناك كان الجمع يتفرق وكل شخص يذهب الى بيته، كنت أنا من بين الثلاثة الذين غنوا في الطريق، الثلاثة كان أسماءهم أحمد.

أحمد علي إدارة، وأحمد أخ موسا أفندي بروكي أخومصطفى النحس.

كنا حينها في الدرس عندما جاء البواب يوما وقال:

- حضرة الأستاذ، هناك امرأة تنتظر في الخارج، تريد أن تأتي الى الصف.

وقد آذن لها الأستاذ بالدخول، فدخلت المرأة ذات الخمسين ربيعا، كانت قصيرة، ملابسها جديدة، ونظيفة للغاية، سلمت على الأستاذ، ورد الأستاذ على تحيتها وسألها:

- قولي، ماذا تحتاجين؟

- حضرة الأستاذ، يلزمني، - قالت المرأة – لا شيء، فقط لدي رجاء منك، أن ترسل معي طالبا الى البيت، كيف أقول لك، يعني أن يستطيع الكتابة، كي يكتب رسالة إلى إبراهيم ولدي في العسكرية.

- حسنا، - قالها الأستاذ وألتفت الى الطلاب. – ثلاثة، أربعة أشخاص رفعوا أيديهم للتطوع في هذه المهمة. لكن الأستاذ لم يختر أحد منهم، بعدها نظر إلي وقال:

- أحمد أفندي، قالق كيت (يعني قم وأذهب باللغة التركية)، وقد قمت وذهبت مع العمة.

تربة (ضياء الدين - ديادين) تربة قاسية كالصخر، من طابوقه كانت تبنى البيوت، وكان يقاوم أكثر من الصخر نفسه. والذي لم يكن يستطيع بناء البيوت، كان يحفر الأرض، وبجانبه كان يعمل اسطبلات للبقر والعجول، وكان يفتح باب الاسطبل على البيت، وأثنين اوثلاثة أكوام من الحجارة تحاصر مكان البيت أوعدة طبقات من الطابوق، والبيت كان يصبح سردابا يعيشون فيه، ومرات كانوا يمدحون تلك السراديب بقولهم "سرداب الشخص الفلاني ممتاز" بيت العمة أيضا كان أحد تلك السراديب.

نزلنا ثلاث درجات، ودخلنا تحت، فتحت البات الصغير أمامنا، كانت الغرفة نظيفة ومرتبة. أثاث البيت كان قليلا: بعض الأغراض كانت مكومة في الزاوية، وطنجرة صغيرة مغلقة، أعتقد بأنها كانت لحليب البقرة، وثلاثة أحجار كانت بجانب الحائط، عليها بعض الأخشاب، والأغراض الخفيفة كانت مرتبة عليها.

وعسيرة ممدة للبقرة الصغيرة كي تجلس عليها، وتنور صغير في الزاوية، كانت فقط تسع القدمين. كان هناك ثقب في سقف الغرفة، بغرض إضاءة الغرفة وأيضا حين تشعل الموقد يخرج من الثقب الدخان. باب التنور والثقب كانا نفس القياس. وكان هناك باب صغير في الغرفة، يبدوأنه مكان نومها، مكان بقرة وعجلها، لم يكن فيه باب.

سألت:

- يا عمة (أمي – ئةمىَ)، أ لا تأخذ البقرة هذه الأكوام الى الداخل؟

- كثيرا ما تفعل – قالت العمة أمي – في اليوم الأول عندما أتيت بها، لم تكن ترضَ الدخول الى الداخل، كانت خائفة فهي حيوان وليست صاحبة ذنب في هذا، الآن أباءنا وأجدادنا أنا وهي كنا قادرين على المجيء والذهاب من على الدرج.

ونظرت الي بابتسامة العجائز الجميلة والودودة وضحك - كنت محتارة في ماذا أفعل؟ وقد ربطت البقرة في الخارج تلك الليلة، ولم أنم أيضا حتى الصباح، وبسبب حكومتنا هذه، فبلادنا مليئة بالذئاب واللصوص.

لقد أمضيت تلك الليلة على كل حال، ولم أكن قادر على الجلوس عندها طوال ليلة أخرى، في الصباح لم أرسل بقرتي مع القطيع، وقد غطيتها بستارة أخرى، وقلت "كي لا تقطع ستارها". وقد أبقيتها حتى المساء جائعة في الجحيم، واليوم تعطي كمية أقل من الحليب أيضا. وذهبت وجلبت بعض العشب، في المساء وضعت العشب عند الباب وتركت البقرة من مربطها وأتيت بها بالقرب من الباب، وعندما رأت العشب، وحينها نزلت الدرج (الدرج المبني في التربة، لم يكن مبنيا من الحجارة) نزلت وجاءت على العشب، وكأن أبائها وأجدادها ماتوا على هذا الدرج – العمة أيضا نظرت الى وضحكت. بضحكتها النابعة من القلب كانت تريد أن تسعدني.

العمة ذهبت وجلبت معها علبة ورق جديدة، ورق من الصوف، وفي زوايا تلك الأوراق كانت ماركة المصنع ظاهرة عليها، وأنا جهزت الورق والقلم وانتظرت العمة أمي.

  • أكتب يا بني، أكتب، أكتب لأخوك رسالة، أنا بخير وسالمة، ولا يقلق بشأني، والبقرة أيضا بخير وسالمة كذلك، في اليوم تدر علي أربع صلاحيات حليب، أبيع أثنين منها للفقهاء، وأثنين أعمل منها شلة شوربة، وأتدبر أمري بها، ومرات أعطي صلاحية واحدة لأولاد أختك كارى، فهم جياع.

  • أكتب يا بني، لقد سلمت أربع عرائض للقائمقام، ولم أحصل منه على أي جواب.

قلت لها:

  • يا عمة أمي، عثمان أبن الكوفي أوسب أيضا أخذوه الى العسكرية، لكن الكوفي أوسب قدم عريضة للقائمقام وخلص أبنه حسب القانون إبراهيم أيضا يجب أن يذهب الى العسكرية.

  • يا بني، القانون هذا فقط للأثرياء، من يسأل عن حال الفقراء اليوم، الفقراء هم خدم، والكل قادر عليهم. إذا كان ذهب صوفي أوروس بيدي، لكنت خلصت إبراهيمي منذ القدم، والفقراء كانوا موجودين قديما أيضا.

فكرت بأن العمة أنهت شكاويها، لكنها بدأت بالقول:

  • أحمد، أترجاك، أكتب له أن يهتم بنفسه، أن لا يعرض نفسه للبرد، وقد قلت له في الرسالة الماضية من قلة فهمي، بأن السرداب ينقط من سقفه الماء. قل له بأنني أتيت بأبن أحمد القادي، وهويعرفه تماما، وقل له بأنه قام بتغطية السرداب بالتراب، ودار عليه، والآن حتى لو قامت الفيضانات أيضا فلن ينقط الماء من سقفنا، أنا أعرف بأن هذه المسألة تقلق أبني إبراهيم الى الآن.

لقد كتبت رسالتها، وودعت العمة، وهي أيضا قالت:

  • ربنا يخليك لأمك، صحيح بأنك قريب منها، لكنها الأم، وهي الآن تفكر بأن لا يصيبك مكروه.

عند اقتراب الأمتحان، كان هناك شهر الراحة، يعني ننقطع عن الدروس خلال شهر. كنا نحفظ الدروس خلالها. فقط الامتحان يختصر على مادة الرياضيات والقراءة، الهيئة الامتحانية كانت مؤلفة من خمسة – ستة أشخاص، كانوا يجلسون وأمامهم الكتب، يدعون الطالب الى الدخول، كان الطالب يجلس الركب، وحسبما يرونه مناسبا يسألونه من الكتب الموجودة أمامهم، كان المطلوب ترديد ما هوموجود في الكتاب، وبدون أخطاء، وان أجبت على أسألتهم فذلك يعني النجاح في الأمتحان، والذي لا يجيب على المطلوب فهو باقي في مكانه. – كانوا يصنعون ثلاثة – أربعة أنواع من الشراب، يضعونها في زاوية من زوايا المدرسة، ويقف شخص على حراستها. كانوا يعطوننا قدح واحد ويسألوننا (أي نوع من الشراب تريده؟).

حجرة الفقهاء ايضا كانت بجانب مدرستنا.

وقت الامتحان كان الفقهاء يأتون عندنا، ويذهب الطلاب إليهم أيضا. الفقهاء كانوا يكتبون النفشت والطلاسم، كانوا يضعونها تحت القبعات (في بلاد الروم لا يوجد من يرفع قبعته) وكانوا يقولون: "هذا الطلسم سوف يربط أفواه الهيئة، ولذلك سوف تجيبون بشكل جيد في الامتحان". لكننا لم نكن نستفد منها شيئا، والذي منذ الخريف كان يستمع الى المدرس وأعد نفسه بصورة جيدة، كان ينجح في الامتحان، والذين لم يكن تؤثر فيهم لا نصائح المدرسين والفلقة لم يكن يستطيع الخروج بإفلاح في الامتحان وكان تعسا وكئيبا ينظر الى الآخرين بدون أن يرفع رأسه بينهم.

بصدد الفقهاء أريد أن أحدثكم عنهم قليلا، كي تتعرفوا عليهم بصورة أفضل. في ناحية (ضياء الدين - ديادين) كانت مدرستنا الوحيدة وكذلك حجرة الفقهاء وحيدة فيها. مدرستنا مبنية من ثلاثة غرف، ولكن حجرتهم غرفة ومرفق. ثمانية عشر شخصا كان يدرسون في تلك الغرفة وينامون فيها.

المنتمين الى مدرستنا كانوا كلهم من ناحية (ضياء الدين - ديادين) عدى فقط أثنين من العجم القادمين من كولسورا تاشليجاي، لأنه لم يكن لديهم مدرسة في ناحيتهم، اسم أحدهم حسن والآخر اسمه داود، لكن الفقهاء كانوا قادمين من العديد من البلدات والنواحي، فحجر الفقهاء كانت قليلة جدا وغير متوفرة تماما.

تلك الحجرة كان أهل الناحية قد بنوها طوعا من أنفسهم، غذاء الفقهاء ووقودهم للشتاء، كان يجمع من الأهالي وبالدور، ونصف درزن من الفقهاء يوميا كان يذهب الى المدينة لجمع الغذاء، كل واحد منهم يحمل عصا طويلة في يده، وجماعة (ضياء الدين - ديادين) كانوا يعرفون دورهم جيدا، وكانوا يقولون "اليوم راتب الفقهاء علينا". يحضرون الطعام، وروث الحيوانات لهم.

(في تلك الأماكن كان الروث يستعمل وقودا، لم يكن هناك حطب يستطاع جمعه) والفقهاء كانوا يأتون ويأخذون هذا الروث.

كان أحد الفقهاء يدعى فقي مخسو، طويل وبارز، ملابسه نظيفة، كان قد جاء منذ مدة من بلدة حسن، وهومغني أيضا.

في (ضياء الدين - ديادين) كان هناك من يدعى حجي قادر، كان شخصا كهلا، وهو غني تزوج من فتاة شابة، والفقي مخسو عند جمع رواتب كان قد رأى تلك الفتاة الشابة، وقد عشقها، وفي يوم يكون الراتب من بيت حجي قادر كان مخسو يترجى رفاقه ويقول لهم:

- سوف أذهب بدل عنك، لا تذهب أنت. كي يذهب ويرى تلك المرأة الشابة، والخلاصة إن مخسو كان قد أرتبط بها جدا.

من المعلوم عندما يدرس المرء، عليه حفظ الدروس، لكن مخسوكان يحفظ الدروس والأغاني معا.

الفقهاء كانوا يأخذون دروسهم ويذهبون خلف المدرسة والحجرة، وعند الحائط أما يجلسون على حجر أويتمشون على أقدامهم ويقومون بحفظ الدروس، والفقي مخسوأيضا كان يذهب خلف الحجرة و(يقرأ دروسه) يفتح كتابه ويبدأ:

(يعني أبدأ بسم الله، لأنه الرحيم، إنه الذي يرحم)

بالتمام كان يبدأ بهذا الشكل، مخسو كان يجب أن يبدأ بالدرس بعد بسم الله، لكنه يبدأ التأويل:

((دلىَ من كانينكا دؤر ب قجى

ذىَ دفرى جؤت وةردةكيَد بةر نارنجى خؤزلا من وى عةظدى هاتى ، ب ضةعظىَ خؤ ديت ب نيَننا دلىَ خؤ زةوجى))

"قلبي يبحث عن النبع البعيد

التي تتطاير منها زوج البط ذات الأجنحة النارنجية

طوبا لذلك العبد، الذي يرى بعينه

وبنية قلبه يتزوج"

عندما كان يأتي أحدهم رأسا يفتح كتابه ويردد:

( بسم الله الرحمن الرحيم... الحمد لله رب العالمين.. )

وعندما يصبح وحده يعود مرة أخرى لأغنيته:

((ئيَلىَ دينىَ ، تة ضةعف رةشن ذ كانيا كلا

تة ثؤرىَ رةش ل ناظا ملا

ئةزىَ حةليما خؤ (ناظىَ ذنكىَ بوو) برةظينم

ثاظيَذمة جوجانىَ طوندىَ ملا))

(يا أيتها المجنونة، عيونك سود من النبع الكاحل

على كتفيك شعرك الأسود

سوف أخطف حليمتي (أسم المرأة حليمة)

سأخذها الى هضبة قرية ملا".

مخسوكان مستمرا على هذا العمل، حتى أستطاع في النهاية أقناع المرأة وخطفها. وبعد البحث الحثيث لحجي قادر وأهله عنهم، لم يستطيعوا أن يعرفوا أين أخذ مخسو زوجة حجي قادر حليمة.

الفقهاء لم يكن يتخرج كلهم أئمة، أغلبهم كان يصبح لصا، قطاع طرق أو مجرمين.

لنعد مرة أخرى الى العمة أمي، فعندما كانت تأتي، الأستاذ كان يعلم بأنها سوف تطلب الإذن لأخذي معها.

كانت تصل الى الباب وتنظر إلي، أنا أيضا كنت أعرف، بأن الأستاذ سوف يقول (أحمد أفندي قم أذهب) كنت أقوم، وأذهب، ومرة أخرى أرى تلك الغرفة نظيفة جدا.

وفي أحد المرات حين كتبت كل ما قالته العمة، وعند قيامي للذهاب، ربت يدها على كتفها وقالت:

- أجلس، أيها الفتى الجيد، أجلس، ستذهب الآن. – أعتقدت بأنها تريديني في عمل ما. لكنها ذهبت عند الموقد، جاءت بطاوة مغلقة بين بخار التمر، وجاءت أيضا بالصلاحية، نظفت الصلاحية (الطاسة – كؤتك) بالماء، وسكبت من الطاوة حليبا فيه، ووضعت قطعة سكر كبيرة فيه وأخلطته وناولتنى:

- اشرب، يا بني، اشرب الحليب الساخن، أنت صاحب شعر أسود وتنظر الى الورقة البيضاء، وسوف تساعدك على الالتقاط أكثر.

قلت لها:

  • يا عمة، أنا أقيم في بيت سوسن أفندي، تفكرين بأنني لا أملك ما أكله؟

  • لا يا بني، اشرب فأبني إبراهيم أيضا في الغربة، من الممكن أن تكون هناك أم أخرى تناوله كأس الحليب الآن. وجلست على ركبتيها أمامي حتى أنهيت من شرب الحليب.

نحن الفتية الخمسة الكورمانج من القرية كان لنا موقف واحد، ومتفقون، لمدة شهر لم يكن هناك دروس، كان علينا تعلم الدروس الماضية، وحفظها جيدا للتحضير للامتحان، ولهذا كان أربعة – خمسة فتية يتفقون في المدرسة على استئجار غرفة ومراجعة الدروس فيها ليلا ونهارا، وحفظ الدروس فيها، ونحن الخمسة كنا قد استأجرنا الغرفة، محمود كان تركيا وهو أخ ممد أفندي كاتب النفوس، وبقى معنا في الغرفة للدراسة معا.

أخوه كان يشرب الخمر، قال لنا محمود: - تعالوا معا نذهب الى هايرو الدنجي، لشراء العرق، وشربه هنا.

تناول الخمور كان ممنوعا، الأتراك كان يشربونه، وذلك بسرية، لكننا اقتنعنا بكلام محمود، وذهبنا، ومن الهايرو أخذنا كل واحد نصف كأسا من عرق الكشمش، وجلبناه الى الغرفة. أغلقنا الباب على نفسنا، كي لا يحس أحد بفعلتنا، الخبز والجبن موجود، سوف نفرش سجادا. الآن لم تأخذنا النشوة بعد، الأول يقول للثاني: "في البداية اشربها أنت"... وكنا خائفين من تناولها بحرية، نشرف نقطة – نقطتين، ونقول للبعض: "احرقها".

ولم يكن هذا مهما كثيرا، الشرب أولا صار من نصيب محمود. قلنا له: "أنت تركي، اشربها أولا، وبعدها سنشربها جميعا". على كل حال أقتنع محمود. وكي لا أطيل عليكم حتى العصر نحن الفتية الستة استطعنا إنهاء تلك النصف قدح، ولكن هايرو الدنجي في اليوم الواحد كان يشرب عشرة كؤوس منها، بدون أن يهتم للأمر.

كل واحد منا بعد الشرب غسل فمه عشرة مرات، كي يتخلص من رائحتها، وإذا أحس أحد بنا فالجلد المبرح سيكون من نصيبنا، ولكنا ببساطة تخلصنا منها. ولم أرَ وجه العرق بعد ذلك، حتى عمي بكر في بلدة إغدر كان خادما حينها ناولني كأسين أحدهم بإلحاح والأخرى بالقوة، ولذلك كنت قد غبت عن وعيي في ليلة وضحاها، وأخواتي كانوا ينحبون علي وكأنني مت.

حتى أنهيت الامتحان، العائلة اتجهت نحو المصايف. وقد وصلت اليهم في نقطة تماشا، وقد فرحوا بوصولي إليهم كثيرا بالأخص أمي. وأنا أيضا سعدت برؤيتهم، فمنذ الخريف كنت الطير داخل القفص، والدروس كانت صعبة علينا، بالكاد نستطيع اللحاق بها، ولم يكن لدينا الوقت للحظة في الاختلاط مع الأولاد للعب، وإذا لعبنا معهم مرة، كان علينا الكف عن اللعب بسرعة والعودة الى الدروس، في الصباح والمساء وعلى طريق الذهاب والإياب للمدرسة كنا نشاهد الأولاد وهم يلعبون، فدائما كنت ألعب حتى أنهك من اللعب، والآن قد خرجت من تحت هذا الجبر، كنت أمير قلبي. كنت أجمع الأولاد ونلعب، حتى المساء لم أكن أحس بالجوع والعطش، بالرغم من كثرة الينابيع المنتشرة في المصايف.

عملنا حتى المساء كان اللعب فقط ، وكأنك دائب على درس، كنت متراجعا في تأدية الألعاب، أنا ألعب باحتراف، وقد علمت الأولاد بعض الألعاب الجديدة، تلك الألعاب المتواجدة في (ضياء الدين - ديادين)، فأطفال القرية لم يكن يعرفونها.

على الهضبة الأمامية للمصيف الذي كنا فيه، كنا نرى من الحدود الايرانية حتى سهل زنكيزوري وبيازيد، وجبال جوبان، قلعة كوجو، ويالوفا حتى (ضياء الدين - ديادين)، حتى تاشليجاي ومنها الى دير نادو، بدو(أسمها كان دير أوجليكليسة) جبال سوران وقوملبوجاخي (قرية والد الكاتب الأرمني الشهير رفيق هراجيا كوجر)، جبال وهضاب الملاقري، تابخيج وقَرَجي، وصولا لمنطقة وادي زيلان على اليسار، ذلك التل الذي لا يرى رأسه واسفله، ومن رحلة الكا، تل نيريا، كهوف شيفَدَري حتى رؤية زوج تندورَك. لم أكن أرَ تندورَك، كانوا يقولون، بأنه مزار، يأخذون القرابين لذبحها هناك. من فوقه يخرج الدخان الأحمر والأخضر، تشبه التنور، يجهزون لحوم القرابين على تلك النار. حسبما أظن أنها كانت بوابة بركانية، وآثارها مازالت متماثلة.

المصيف كان يليق بأسمه (تماشة)، ذلك المصيف الذي ترتاده عائلتنا في الصيف. والصراحة كان المرأ يرى فيه، كان فيه عينان للماء العذب، إحدهما هو لآل الآغا، ولم يكن يذهب إليه أحد غيرهم، وأخرى في قدمات أو بيدا، كانت للقرويين. وجداول البلكية أيضا كانت تخرج من نبع أو بيدا، البلكية كانوا باقين في القوس، كان الرياح فقط تهب عليهم، وزرقة النهار أيضا. مرات في أوقات الحر، كانوا يضعون الأغنام على بوابة سلَكية ويضعونها هناك، بعض الأغنام السيئة كانوا يتركوها على ثلج البلكية، الرعاة كانوا يقولون: "إنهم يريدونها أذناب وأمعاء محمصة".

في أوبيدا كانت هناك أرملة جاهلة، أسمها كَوي. خلوت بي مرة وقالت لي:

  • أحمد، أسمري تحبك.

حينها لم أكن أعلم عن (الحب) شيئا، وقد قلت لها:

  • انا لدي سمرائي، - وركضت هاربا حتى وصلت الى الأطفال.

وفي المرة الثانية أيضا لم تستفد كَوي شيئا مني، وفي المرة الثالثة خلوت بي، أمسكت يدي، ألبستني خاتما من النحاس وعليها عاج أحمر وأعطتني كيسا منقشا بالحباب الملونة وقالت:

- أسمري أرسلت إليك إشارة.

نظرت إليها بصمت، والصمت إشارة الرضى في بعض الحالات.

وهي كذبة، المرء الضعيف ينخدع بسرعة، وخاصة النساء، يبحثون عن ذلك الشخص الضعيف كي تصل الى ما تريده، ومن ضعفي استطاعت كَوي أن تعقد علي، وكم من مرات بعد حلب الأغنام في الظهيرة، كوي تلك المرأة ذات القامة القصيرة ، وبسرية كانت توصلنا ببعض. أسمري كانت تحتضنني وتقبلني، لكنني لم أكن أفعل. وفي المرة الثالثة علمتني كوي القصيرة القبلات أيضا.

أسمري كانت أكبر مني بالعمر، وكانت فتاة مكتملة، وأنا صحيح بأنني طويل بالقامة، لكنني لم أكن حسنا في الشكل، وضعيفا في المظهر، وأنفي كان أكبر من أنوف الأخرين بقليل. حسبما أعتقد بأن أسمري لم تكن عاشقة لي، بل بنصيحة كَوي القصيرة عشقت مستواي في الدراسة وكذلك ملابسي، وخاصة تلك القياتين الملونة على كتفي، وصرة السوداء. حتى نهاية العطلة تعودت على تلك الفتاة، ومن حسن الحظ، بعد ذهابي للدراسة وعودتي بعد شهرين للبيت قالوا: "لقد تزوجت أسمري وذهبت". وبهذا لم يرَ مرادي ومرادها النور.

في الخريف تجمعنا في المدرسة، لكن هذه المرة لم أكن في بيت سوسن أفندي، مكاني كان في بيت عمر جاويش.

عمر جاويش كان رجلا بخيلا، أبنه عبد الحميد كان زميلي في المدرسة. أمه كانت في الخامسة والثمانين. في زمن ذهاب عمر جاويش الى عسكريته ذات السبع سنوات (في ذلك الوقت كانت العسكرية سبع سنوات)، قامت أمه بأخذ ملعقته التي يتناول بها الطعام وحملها معها لمدة سبع سنوات، وفي الليل كانت تضعها عند رأسها وتنام، وعند عودة إبنها عمر من العسكرية تقول له "يا بني هاك هذه هي ملعقتك".

عمر جاويش كان يقدرها كثيرا. ولكن زوجته حلي، كانت بعيدة عن النظافة، ولم يكن لها أي عمل نظيف تقوم به، الطعام التي تطبخه حلي لم أكن أستطيع أكله، إلا في أوقات الجوع الشديد كنت أتناوله، وذلك بصعوبة.

ولدى عمر جاويش أخت أسمها خجي، زوجها مقتول، وهي في العشرين من عمرها ولديها ولد واحد، لقد كانت تركب مع الفرسان خلال سنتين استطاعت أن تنتقم لزوجها. ولم يكن أحد قادرا على قول أي كلمة لها. وعندما كانت تأتي لبيت أخيها عمر جاويش، كانت تقول لزوجته حلي "أعتني جيدا بأبن أخي الجاويش، فنحن أهل، ولكن ويلك لو تزعلين أحمد، مع أبوك العجوز سأدخلكم في حلقة الطلقات وأبيدكم معا". حينها كان الجميع يضحك.

في الأسبوع الأول الدراسة لم تكن حلوة بالنسبة لنا، لأننا تعودنا في الشهور الماضية على العطلة واللعب والحرية في الجبال والمصايف، لكننا أستسلمنا الى في النهاية ورويدا وريدا لنيرنا.

العمة أمي، عندما تراني، تسعد كثيرا، كانت تربت على كتفي وتلمس بيدها رقبتي، وتقبلني، وكانت تسأل عن أمي:

  • أحمد، يا بني، منذ ذهابك فقط أرسلت رسالة لأخوك إبراهيم، لم يكن هناك من يكتبها لي، وتلك الرسالة كتبها لي أخ الملا بكر في منطقة خيرالدين.

وقد وعدت العمة، أن أكتب لها رسالة بعد الدروس وقد ذهبت بعد أيام. وكتبت الرسالة، وشربت صلاحية الحليب. (لأنني إن لم أشربها فسوف تزعل العمة). وقد خرجنا من البيت معا، كان هناك حمار يأكل القش والعشب الذي جمعته العمة، لأجل بقرتها في الشتاء.

- هوشة... هوشة، يا أيها الحمير، فليهدم الله بيت صاحبك، - العمة أمي كانت تقول، - من سيجمع العشب لي، وأنت تأكله بكل يسر؟ - وقد رمته بحجرٍ صغيرٍ – كم مرة قلت لصاحبه ان ينتبه له. لكنه لوكان شخصا جيدا لجاء يرعي حماره. وهو أيضا يقول : "أنا حفيد سورملي ممد باشا، وإبن أحمد بك..." ولهذا يقول المثل: "من الأولياء يخرج التافهون ومن التافهون يخرج الأولياء...".

- يا عمة، لماذا هم أولاد البكاوات؟

- صحيح يا بني هو إبن أحمد بك، الذي قتل مع إبنه عبد الله على يد الجركس في قلعة توبراخقلي، إنها قصة كاملة، سأرويها لك فيما بعد.

- يا عمة إذا كان من البكاوات، لماذا جاء ليصبح راعيا للحمير؟ (رعاة الحمير، كان يحملون على الحمير الأخشاب والحطب ورؤث الحيوانات ويبيعونها، ويتدبرون أمرهم بها).

- يا بني، عندما لا يكون هناك آغاوية لهم، فكلهم رعاة الحمير، فماذا سيفعلون إذا؟ فهم لا يعرفون القراءة، ولا يعرفون أي مهنة، وحين لا يكون لديهم المال كلهم سيصبحون كسعيد بك رعاة للحمير.

لقد ودعت العمة وذهبت، ولكن القصة التي كانت تريد أن تقولها لي العمة، لم أكن أعرفها، ولذلك كنت متشوقا لسماعها منها.

كان يوم الجمعة، يوم عطلتنا، نحن والكثيرين من ابناء (ديادين - (ضياء الدين - ديادين)) ذهبنا الى الميدان الكبير، مكان العرس الفخم.

البابا أفندي (أحد أغنياء بيازيد القراح) خطب ابنة مصطفى الأفندي جميلة، لأبنه مصطفى. الرقص كان موجودا في مكانين: الأول في داخل الدار الكبير لمصطفى أفندي، والأخر خلف السور. البابا أفنديٍ كان قدٍ جاء بثلاث مجموعات عزف الطبل والزرناية. داخل سور البيت كان المدعوٌون، شباباً وبناتاً وكنائن (كنات) الأفندية وآغاوات (ضياء الدين - ديادين) يرقصون، وفي الخارج كانت جماعة الوسط والفقراء يرقصون، وهم الأكثرية.

ومع اقتراب ركوب العروسة الخيل، جاءت المجموعات الثلاثة للعازفين الى الميدان الكبير، عزفوا نغمة ركوب الخيل، الفرسان بدأوا بالرقص على خيولهم ولعبوا الجري.

بين الفرسان كان علي محي الدين، علي كان قصيرا، ولكنه فارس جيد، وكذلك مسخرة، أينما جلس، كان يضحك مجلسه، الآغا والغلام عنده سيان، وكلامه سيان أيضا، وإن جاءه الكلام فعليه أن يلفظه بدون أي حساب لأحد.

علي كان قد جهز رمحه وجعبته ذات الست خانات، في أيام الأعراس كان يركب ويلعب بهم. كان يفتح حبال الزينة من على ظهر الخيل، ويدعه يركض بكل قوته، كصوت الجرس كان يصدر من على ظهر حصانه، كان يطلق رماحه بقوة سرعة الخيل. وكانت تنغرس أمامه، فيحملها مرة أخرى. لم نرَ ولكن كان يقال: "في شبابه، وبتلك السرعة كان يضرب برجليه معا على الأرض ويركب من جديد من دون أن يوقف الحصان". في ذلك الميدان أنقسم الفرسان الى قسمين، الفرسان بدأوا اللعب، الآغاوات وأفندية (ضياء الدين - ديادين) وموظفوا الحكومة تراجعوا الى جانب، يشاهدون اللعبة، علي كان يسير بحصانه بدون أن ينعطف لأي اتجاه، والأخرين كانوا يتراكضون من أمامه، علي أطلق من جعبته ذات الست خانات، طلقات من البارود الخالي من الرصاصة، ومع كل طلقة كان الغبار والتراب يرتفع عالياً، وبعدها يتراجع هولوسط الميدان، يهجم على الفرسان. وهم يتراكضون هاربين من أمامه، حتى يوصلهم أطراف الميدان وبعضهم كان يجلس.

كان هناك شخص أسمه حاجي المسكين، لم يكن يحلق ووجهه، ووسخ المنظر، وصاحب عقل خفيف، يحمل كيسا للتسول، كان يمسح المدينة للتسول، ولسوء حظه مر الحاجي المسكين بالميدان في ذلك الوقت، في وسط الميدان هاجمه علي وضربه بطلقتين من البارود الخالي من الرصاص، لقد ضاع الحاجي المسكين بين الغبار المتصاعد، وأبتل بلباسه الذي إلتف حوله، حتى استطاع أن يعدل نفسه ويبدأ بالهرب، وصل إليه علي مرة أخرى، وأيضا ضربه طلقتين من البارود، لقد أنكمش بين التراب والغبار، وصل إليه علي، والفرسان الأخرون أطلقوا عليه وثلاثة – أربعة ضربوه مع حصانه، لم يضع علي الوقت، ولم يكن الحاجي المسكين قد استطاع ان يعدل نفسه بعد حين سمع صوت طلقتين أخريين على رأسه أبقته في الغبار أكثر. علي ترجل من حصانه، وأخذ كيس الحاجي المسكين من على كتفه، وصعد على حصانه مرة أخرى وهجم على الآغاوات، تفرق جمعهم رأسا، أستمر بالهجوم على بابا أفندي، ووصل إليه، ووجه إليه البندقية ذات الخانات الستة، أقسم بلا مجال له، ومد إليه كيس التسول وقال له:

  • إذا لم تحمل هذا الكيس على كتفك، فسوف أضربك بالطلقات حتى نهاية الألم، وسأجعل منك علاوات بين الخلق. – هيا.

بابا أفندي من الخوف من ناحية ومن ناحية الأخرى هو أب العريس (هكذا مزح كان عادة) أخذ الكيس ووضعه على كتفه متسولاً.

  • كان يجب – قال له علي – أن تكون متسوليا هكذا، كي تعرف قيمة الفقراء والخدم، فأموالك هي من تعب وعرق الفقراء، وحسبما أرى فالبلاء كله منك أنت، - مع كلامه هذا كانت فوهة البندقية موجهة إليه – إذهب بسرعة. اليوم أبتلى بك الفقراء وأصحاب الكسب، فأن لم يكن عرس إبنك فلأي سبب كنت سأجزر هذا الفقير؟ نعم؟ بسرعة هيا، أخرج مجيديتين وأعطيه، كي يذهب الحاجي المسكين ويدعو للعروسين.

بابا أفندي أخرج مجيدية واحدة كي يعطيه، لكن علي وجه الطلقة البارودية الى يده، فأخرج بسرعة مجيديتين ووجهها الى علي. (المجيدي كان يساوي غرامين من الذهب)، وقال له – خذ أمسكها، بلاك الله، - قال البابا – لقد أنهنتنا. وأنزل الكيس من على كتفه.

قام علي بإعطائه للحاجي المسكين، وقام بالرتب على ملابسه كي تنظف من الغبار، الحاجي كان ترتجف يده من الفرحة ولم يكن يعرف ما يقوم به، لأنه في حياته كله لم يرى مجيديين في جيبه.

  • خذها وأهرب، أنا رفيقكم، - قالها علي، أنا لا أستطيع ان أصبح رفيق هؤلاء، أموالهم هي جهد العبيد، وهم سيذهبون الى الجهنم، - الجماعة من الصغير وحتى الكبير ضحكوا لدرجة بعضهم كان يمسك ببطنه. والحديث عن هذه الحادثة كان مستمرا حتى بعد ثلاثة – أربعة أيام منها في المدينة وكذلك في المدرسة.

في الفرصة، كنا قد خرجنا من المدرسة، رأيت العمة أمي واقفة بجانب الحائط، توجهت إليها، وسألتها:

  • يا عمة، لماذا أنت واقفة هنا؟

  • أنا بانتظارك يا بني، كي تأتي معي، وتكتب ورقة الى أبني إبراهيم.

وذهبت معها، وكتبت لها رسالة الى إبراهيم، وسألته فيها: "متى ستأتي في إجازة؟" وهو بدوره كتب بأنه سيأتي.

كنت على وشك توديع العمة والخروج، إلا أنني تذكرت تلك القصة التي كان يجب أن تخبرني بها العمة.

خوزان وممد الباشا


  • يا عمة، أ لم تقولي بأنك سوف تحدثيني عن ممد الباشا؟

  • نعم يا بني، إذا كان لديك وقت، أجلس سأرويها لك. فأنا أيضا أرغب بأن يكون هناك شخص أتحدث إليه، وأن لم يكن هناك أحد فأنا أصبح صماء وغائبة العقل. أجلس يا بني...

  • سورملي ممد الباشا كان رجلا شديدا كثيرا – العمة بدأت، - لم يكن يحسب حسابا لموته. عندما قام ببناء قلعته، كان يأخذ الناس لأعلى القلعة ويسألهم (هذه القلعة كم سنة ستبقى؟) والناس يقولون له (ستستمر على الأقل مئة سنة). هو يقول لهم: (بعد مئة سنة سوف أبنيها من جديد).

  • كان ظاهرا من الخالدين، - قالت العمة – سأسردها لك يا بني العزيز، خوزان بلاد الرمل والسهول. الناس فيها كانوا جريئين وأوفياء، كانت تقف في وجه آل عثمان، ولم تكن تعطي الضريبة والخراج للدولة. والدولة اضطرت لارسال الجند إليها، ولكنهم لم يفعلوا بهم شيئا. يقال بأن حماة خوزان كانوا ينقسمون الى قسمين على طريق الجند ويدفنون أنفسهم في الرمال، وعندما يمر الجنود، لم يكن يرون شيئا، فيتقدمون الى الامام، القسم الأول كان يخرج لهم من الأمام من تحت الرمال والقسم الثاني من الخلف، يحاصرون الجند ويبدءون بضربهم حتى الإبادة، والجندي الأفضل هو الذي لم يكن قد أتى من بيته. وهكذا يا بني.

ويقال أيضا بأنهم عندما كانوا يركضون على أرجلهم، لم يكن الفرسان قادرين اللحاق بهم على الأحصنة، لأنه لم يكن لديهم صفائح في الركب، والمكان كان حارا ومشمسا، فهزيمتهم صعبة للغاية.

في النهاية أضطر سلطان الروم طلب المساعدة من سورملي ممد باشا، دعاه الى استانبول وقال له: لا نستطيع حل معضلة خوزان، يجب عليك جمع العساكر من العشائر وتهاجم خوزان، وتهزمهم، وتجمع منهم الضرائب المترتبة عليهم، وبدل ذلك سوف أرفع من رتبتك. – ولأجل الترقية قام بجمع الآلاف من الجند وإعلان النفير العام... ولم يعد نصف هؤلاء الجند، ولكن خوزان سقطت في أيديهم وقاموا بجمع ضرائب لسبعة سنوات، وجلبها.

والشؤم نزل به وبجنده في طريق العودة، وسط الطريق هبت رياح سامة عليهم، رياح حارة، والذي يقف في وجه تلك الرياح إما يموت أو يعمى أو تصيبه بمرض مميت. سأقولها لك يا بني العزيز، والمرض الخطير ينتشر بين جنود ممد باشا، والذي يموت كان يدفنونه، والمرض كان ينتقل فيصيب الأخرين أيضا، وبعضهم قبل أن يموتوا كانوا يدفنون، وهكذا حتى وصلوا الى بلاد سرحد (في الأناضول).

عفدال زينكي كان مطرب ممد باشا، فيغني عليهم مرحلة – مرحلة، وفقط لأجل ترقية رتبة ممد باشا قتل العديد من جنده وخيالته، وأكثر من نصفه أبيد بالرياح السامة.

سنقول هنا بعض أغاني عفدال زينكي التي قالها على خوزان:

((ظان نةخؤشا نالة.. نالة

ل وةلاتىَ غةريبيا نة جية، نة نظينة، نة بةرثالة

دةردىَ ظان نةخؤشا تاسةك ئاظا زؤزانيَد سيثانى سارة

ضوومة خؤزانىَ ، سةرىَ سووكا

رؤذىَ تةباتيا مة تونة ذ دةست طةرمىَ

شةظىَ خةوا مة ناييَ ذ دةست واقة واقا ظان واويكا

كولىَ تو بكةظى مالا خوديىَ ظىَ خؤزانىَ

ضاوا ذ هةظ قةتانديية دةستىَ طةلةك زاظا و بووكا

وةى خؤزانىَ، وةى خؤزانىَ

دة برا خودىَ خراب بكة ئاظا تة زؤزانىَ

ئةزىَ ضةعظىَ خؤ ل ناظا سيارا دطةرينم

ئةز نزانم قةيمزىَ ئيَزدى ـ سيارىَ قولة ، فةقى عةلى ـ سيارىَ طةورؤ كانى)، (قةيمزىَ ئيَزدى ، فةقى عةلى ذ ميَرخاسيَد مةمةد ثاشة بوونة)

وةى دونيايىَ، وةى دونيايىَ

قةدا ب هةر سىَ رؤذيَد فةلةكىَ ، دووما تة دونيايىَ

فةلةكة خايينة ، ب سور مةلى مةمةد ثاشا

فةقى عةلى ـ سيارىَ طةورؤ كانى، قةيمزىَ ئيَزدى ـ سيارىَ قولةرا نايىَ)) .


"هؤلاء المرضى مستمرون على الآه.

في بلاد الغربة لا مكان، لا فراش، ولا حتى ما يتكل عليه

هؤلاء المرضى مرضهم كأس من الماء السليباني البارد

قد ذهبت الى خوزان، عند حافة الأسواق

لم نكن نتحمل الحر الشديد

في الليل لا يخلد الى النوم أحد بسبب أزير إبن أوى

يا ريت العاهة تصيب بيت صاحب هذا البلد خوزان

فكيف فرقوا أيدي العديد من العروس والعريس

يا أيتها الخوزان، يا أيتها الخوزان

خرب الله مياهكي الأتية من المصايف

أنا أبحث بعيني بين الفرسان

وأنا لا أرى بينهم قيمز اليزيدي – فارس حصان القولة

والفقي علي – فارس حصان الكوروكاني (قيمز اليزيدي والفقي علي كانوا من أبطال ممد باشا).

أه يا أيتها الدنيا، أه

اللعنة العارة على أيام الفلك، وأستمرار الدنيا

الفلك خان سورملي ممد باشا

ولا يأتي من يعيد الفقي علي فارس الحصان الأسود، وقيمز اليزيدي فارس الحصان القولة.

سأقولها لك يا بني، جنود مع ممد باشا يأتون حتى يصلوا الى سرحد حيث المياه الباردة والجو اللطيف. في الليل يخلد الجنود بعد التعب الشديد للنوم، خيمة ممد باشا كانت قائمة على الجنب من خيم الجنود، في مكان هادئ، وعند النوم يسمع ممد باشا صوت جلبة حصانه، فيخرج ليرى ما يحدث، ويرى أفعى من النوع زيا في الوادي متجهة نحو خيمته، وحين يحاول العودة الى الخيمة وجلب سيفه، الأفعى تمسك به بذيلها، وتسحبه إليها، وتلتف حوله.

زوجة ممد باشا جواهر خانم، تخرج، وترى تلك الأعجوبة بعينها، فأفعى الزيا ملتفة تماما حول الباشا، والباش يداه مرفوعتين الى الأعلى، خارج لفة الأفعى، ويقول لزوجته: "جواهر، بسرعة هاات لي بالسيف". زوجته تأتي بسيفه، وتخرجه من الغمد وتقول له: "يداك لا تتحركان، دعنا أقطع الأفعى بالسيف من وسطك".

يقول الباشا: "لا، العالم غدا سيقولون: - زوجته أنقذته، ناوليني السيف فقط". ويداه لا تتحركان تماما، وحتى يتمكن هو من قطع الأفعى، هي أيضا تتمكن من عصر أمعائه، فتتهشم حتى البطن. ممد باشا مع الأفعى يسقطون على الأرض.

سأقولها لك يا بني، في قلعة التوبراخ كان هناك الجركس. كان قيصر الروس ينفيهم هناك، حكومة القلعة كانت بيدهم، وسورملي ممد باشا لم يكن يضع على رؤوسهم الشمس. وعندما سمع الجركس بموت ممد باشا، رئيس الجركس عمر جركس وقائمقام قلعة توبراخ يدعوا عازفي الطبول والزرناية لداره ويطلب منهم العزف. وقد أدى اللئيمة الشديدة.

كان للباشا عشرة أبناء، عبدالله أكبرهم سنا، لم ينتظر أخوانه، ويذهب لديوان عمر الجركسي ويسأله:

  • ما هذه الطبول والزرناية؟

عمر الجركسي يقول:

  • أ لا تعلم؟ إنه عرسي على أمك جواهر خانم.

عبد الله يغضب بشدة، وبدون أن يدعه يتحرك من مكانه، يطعنه بالخنجر في قلبه، فأرده قتيلا، حاشية ديوان الجركسي تهاجم عبد الله، ولكن أخوانه يصلون في الوقت المناسب، ويقتلون البعض، عبد الله عند مدخل الديوان يضرب بسيفه على أحد الجركس فتمر منه لتنغرس في الباب، وفي هذه الأثناء يصل إليه أحدهم وهو جركسي ضخم، ويضربه بسيفه على قمة جمجمته، فتطاير جلدة رأسه، وتنسدل على جبهته، وحسبما يقال فأن أهل القلعة كانوا يضربون الجركس بالحجارة حينها، وقتلوا العديد منهم على لئيمتهم هذه.

الروم تتدخل بينهم، وتفرق معركتهم ولكن لا تقوم باعتقال أحد.

عبد الله بك ينجرح في المعركة، فيأخذونه، ويضمدون رأسه وبعد عدة أيام يتعافى رويدا رويدا من جراحه.

في وقت أخر، يستنجدون بأن: "جنود الجركس بدءوا الهجوم عليهم".

عبد الله بك يقول لهم: "بسرعة أتوني بسلاح، وأسرعوا في تحضير حصاني للمعركة". زوجته وأمه وأهل داره يمسكون به ويقولون له: "أنت جريح، لا تستطيع أن تحارب، لا تذهب أنت، الباقون ترجلوا وذهبوا أيضا".

فيقول لهم: "لا، لا، بدل أن أموت في فراشي، فالموت أفضل في ميدان المعركة".

يأتونه بالحصان، فيصعد بقوة وحسم، لكن عند الركوب ينزف رأسه ويفتح الجرح، فيسقط من الحصان. وحتى يوصلوه للفراش، يغمض عينيه، ويصل إليهم خبر، يصرحون لهم بأنه "لا يوجد هجوم للجركس، أنهم أخوال عبد الله بك جاءوا لمساعدته". لكن بدون فائدة، الأخوال وصلوا على جنازة عبد الله بك، ولم يروه حيا، فعاهدوا أنفسهم، بأن لا يترجلوا من الأحصنة، وهاجموا الجركس. وقد أبادوا الجركس تماما، وعادوا أدراجهم. والروم لم يتحركوا.

وقد ألفوا الأغاني على تلك المعركة.

قلت لها:

  • يا عمة، أسمعيني تلك الأغنية، فكيف هي؟.

  • أعرف يا بني، بأنك تريد أن تجعل مني مطربة، لكن أقولها لك فمن عائلتنا لم يخرج أحد من المطربين، كي أصبح أنا مطربة، - وبدأت تضحك بضحكتها العجوزة الحلوة، وقد أنشرح قلبي أيضا بضحكتها، وضحكت معها. – لكن سأقولها لك بالكلمات فقط:

((من نةزانى دنيا ضما واية

عةبدللا بةطىَ طؤت: هةرىَ ضةركةز ئؤمةر

ئةظ ض دةفة، ض دةعوةتة، ض زورنةية

ضةركةز طؤت: ضما تو نزانى، ئةو دةعوةتا من و جةواهر خانما دايكا تةية

ظان ميرةكا خؤ دا ثالىَ

خانملةرا جنياز كشاندنة يالى مالىَ

قةمةكىَ ل سةر ىَ عةبدةللا بةطىَ دانة، ضاوا

كةس تونةية جابةكى ببة ئيَلا زيلا مالا خالىَ)).


"لم أكن أعرف لماذا الدنيا بهذا الشكل

عبد الله بك قال، نعم يا جركس عمر

ما هذا العزف على الطبول، وما هذا العرس، وما هذه الزرناية؟

الجركسي قال، أ لا تعلم، إنه عرس زواجي من أمك جواهر خانم

هؤلاء الرجال تدافعوا عليه

والخوانم سحبوا الجنائز ناحية الدار

لقد ضربوا رأس عبد الله بك بالسيف

فكيف لا يوجد أحد يعطي الخبر لعشيرة الزيلا بيت خاله".

عُمى عفدال زينكي2




بعد برهة من الحديث قالت العمة أمي:

  • أحمد، يا بني هل ترغب بأن أسرد لك قصة عفدال زينكي أيضا. فعندما تكبرون ستقولها لأولادك. فأنا أدعوا بأن لا يرى أسلافنا خيرا، لأنهم لم يعلمونا القراءة والكتابة، كي نكتب ما نريده، وليبقى حيا ولا يموت. – لقد نظرت الي وأبتسمت رغم محاولتها أخفاء ابتسامتها – حظي التعيس، لا يوجد من يكتب لي رسالة الى الولد في العسكرية، فبقى أن يكتبها صاحب الطريقة.

سأسردها لك يا بني، عفدال زينكي كان مغنيا، وقد غنى على الفرسان والجرحى مرحلة بعد أخرى، حتى وصلوا، الرياح السامة كانت قد ضربت عفدال أيضا، ولم يمت من المرض، لكنه لم يبصر من العينين بعد ذلك.

في يوم ما، يمسك بعض من العاملين في الحقول طائر مالك الحزين مكسور الجناح، ويأتون به الى القرية، عفدال يترجى من العمال: "أعطوني هذا الطائر، فهو مثلي جريح، أعطوني أياه فسوف أضمد جناحه المكسور، من الممكن أن يتحسن، ويطير ليصل لرفاقه، وان لا يصبح مثلا منقطعا عن سربه إلى الأبد.

العمال يتعاطفون مع عفدال ويقولون له: "تفضل، إنه لك يا عمنا عفدال".

عفدال يأتي بالمالك الحزين، ويجبر جناحه المكسور، وفي وقت قصير يتعافى الطائر، ويتعود على عفدال ويصبحان صديقان.

قدم الربيع، تفتح وجه الأرض، الطيور تهاجر من سرحد في الشتاء الى المناطق الدافئة، بعدما يمضي فصل الشتاء في تلك السهول الدافئة تبدأ بالعودة الى بلاد سرحد رويدا بعد الأخر، كي تقوم مرة أخرى بالتجول في سهوب المصايف وتتغذى على زهرة السوسن وأنواع أخرى طيبة من الورود الجميلة، وكذلك تبحث عن بحيرات المياه الباردة، فتبني على أطرافها الأعشاش حتى شهر أيلول، فتفقس البيوض وتخرج الفراخ، وفي فصل الخريف تتجه مع فراخها الى المناطق الدافئة.

عفدال كان ينتظر أسراب طيور مالك الحزين، لأنه قد عاهد على شفاء جناح الطائر وإعادته لسربه بين رفاقه. "فأنا بقيت متأخرا، ولذلك لا يجوز أن يبقى الطائر مثلي، عليه أن يصل الى رفاقه"، - هكذا كان يتحدث عفدال.

وكان ينتظر بفارغ الصبر وصول سرب مالك الحزين وكي يسمع أصواتهم الحنينة.

ذلك اليوم الذي أنتظره عفدال ها قد جاء، لقد سمع قرقرة طيور مالك الحزين، مروا فوق القرية، رقابهما كانت طويلة، ويندفع من أجنحتهما الكبيرة صوت تضاربها مع الرياح، لقد مروا من القرية وأخذوا مكانهم في مراعي خلف القرية، وكان باديا للعيان بأنهم قادمون من بلاد بعيدة، وعند المرور من القرية وكأنهم كانوا يقولون بقرقرتهم "سلامنا العذب لكم، لقد جئنا مرة أخرى لمصايفكم، وسنودعكم في الخريف".

في تلك الليلة لم ينم عفدال، كان ينتظر ضوء النهار، كي يأخذه طيره ويدعه بين سربه، ويصل الى رفاقه. في الصباح عفدال مع بعض من شباب القرية، والكثير من اولاد الأطفال ذهبوا الى منطقة مرعى المعشب، وعندما رأوا نسل مالك الحزين، أعطوا الطائر لشاب خفيف الحركة، وأخذ الطائر ودفعه نحو أبناء جلدته، وعندما دخل عليهم الطائر الجديد أجتمع عليه الطيور الأخرى وبدؤوا بضربه بالمناقر، وإن لم يتمكن الطائر من الفرار، والعودة الى البشر، لكان موته مؤكدا.

عفدال عندما سمع بذلك، قال: "جيبوه، جيبوه(اتوه)، من الواضح بأنهم يقدمونه لي، ليبقى لي رفيقا".

وهكذا تعود عفدال ومالك الحزين على البعض، ولم يكن يتحمل أحدهم لفراق الأخر، وكل ليلة يتأخر فيها عفدال كان الطائر يصرخ بقرقرة عالية، طبعا كان يطلب منه أن يغني له، عفدال كان قد غني عن نفسه كثيرا، ومن تلك الأغاني سوف أخبرك أثنتين منها.

كان عفدال يردد الأغنية والطائر يقرقر معه، تأويلة للأغنية.

((قةمةكىَ ل سةرىَ عةبدوللا بةطىَ دانة

ضاوا كةسةك تونةية جابةكىَ ببة ئيَلا زيلا مالا خالىَ

(ئةز عةظدالم، ئةز عةظدالم)

ذ بؤنا طؤتنيَد قؤمسى و نةماما

ذ جةطةرىَ بريندارم

ئةزىَ ثرس و ثسيارا بكةم

كىَ هةرة تبليسا خودىَ ئاظا كرى سةر حةكيما

ذ بؤنا نوقسانيا هةردوو ضاظا ئةز هةظالم

قولنطؤ مال خرابؤ، ظىَ بةربانطىتة سةر مندا ضما ها قيرينة؟

مالخرابوو ، ضةعظيَن من كؤرن، قاناتىَ تى شكةستينة

وةرة ئةمىَ هةرن خؤ ثاظيَذنة سةر ئوجاغا شيَخ شةمدينة

بةلكى خودىَ ضاعظىَ من ساخكة، قاناتىَ تة بجةبرينة

هةيلا وايىَ، هةيلا وايىَ

فةلةكة خاينة، ب عةظدالىَ زةينىَ

طولا طؤظةندارا نايىَ)).


"ضربوا بالقم على رأس عبد الله بك، فكيف لا يوجد من يقوم بايصال الخبر لعشيرة الزيلان بيت الأخوال

  • أنا عفدال، أنا عفدال

من كلام القومسي والنمام

جريح من الكبد

سأسأل الأسئلة الكثيرة

من سيذهب الى تبليس التي بناها الله فوق الحكماء

فمن أجل النقص في بصري من العينين أنا رفيق

  • يا أيها المالك الحزين، يا صاحب الدار المهدمة، لما تقرقر فوقي منذ الشفق؟

يا ذا الدار المهدمة، عيوني لا تبصر، وجناحك مكسور

تعال لنذهب ونترجى على سلالة الشيخ شمدين

من الممكن أن يشفي الله عيوني، ويتعافى جناحك

هيلا وايى، هيلا وايى

القدر خائن مع عفدال زينة

لا يأتي لنجدة زهرة دبكة الأعراس".


تمضي سبعة سنوات على حالة عفدال هذه، ولم يجد الأطباء الكثر أي دواء لحالته، وفي ليلة يقرقر الطائر، عفدال يقوم كالعادة ليغني، وأثناء الغناء يرى النافذة، يفرك عينيه، يظن بأنه يرى الشوائب، ومرة أخرى ينظر، ولم يعد يرى الشباك فحسب بل يرَ النجوم في السماء أيضا، فيصيح على أولاده النائمين، ويقول لهم: "أبشركم، قوموا من النوم، لقد عدت بصيراً ".

ولكن لا أحد يصدق، فيشعلون القنديل، عفدال يقول: "أنتم لا تصدقون؟ أها، فملابس فلان بهذا اللون والأخر باللون الفلاني، وأن كنتم لا تصدقون أتوا بالخيط والإبرة، وسأدخل الخيط في ثقب الإبرة".

وهكذا يا بني ربنا قد رحم هذا العبد مرة أخرى.. الله في كل المصائب يرحم المرء، وأتمنى أن يرحم ولدي إبراهيم بهذا الشكل.

في المصايف وعرس عبد الله



توجهت الى أمي، وإلى تلك السهوب العزيزة، ينابيع شبيهة بمياه الكوثر، تلك الزهور والسوسن بأنواع كثيرة والألوان العديدة والجميلة، تلك الطيور التي تتحدث بلغات شتى، مزقزقة بكل الأشكال، وعند الغناء، آلة البلور التي كان يستخدمها الرعاة تئن في أعماق المرء، أصوات عذبة، وصفارة رعاة الغنم، التي يجيدها الصغار قبل أن يكبروا ويستخدموا آلة البلور، وفي مضاجع البنات والكنائن (الكنات)، كان تأتي الأصوات الحنينة واللذيذة، وتلك القوافل من الفرسان المارة من السهوب، المغنيين ينشدون كاكا – كاكا، حافات الخيم كانت تصهر الثلوج وتنهمر خريرا في جداول، وهناك حيث كان الكبار يعلموننا ركوب الخيل، واستخدام البنادق، وعدوني بالملابس الجديدة حين يأتي الخريف وأعود للدراسة، كل هذه كانت سببا للمرح والسعادة، وأمور جذابة للغاية بالنسبة لي، لكن حبي لأمي، كان أكثر من نشوة، ويجذبني بقوة لا تقهر.

في المساء تأخرنا قليلا في الوصول الى تلك السهوب، وبانضمامي إليهم أتمت فرحة أمي أكثر من الجميع.

في الصباح تأخرت في النوم، بعدما صحوت رأيت بضع فرسان مجهزين عند باب خيمة سعيد آغا، وسألت (من هم هؤلاء الفرسان؟) قالوا لي: "أنهم خطاب سيذهبون الى منطقة أرديش لطلب يد بنت عثمان علي بك المعمودي وأسمها سورمه من عشيرة كالكا سيطلبونها لعبد الله بن سعيد آغا". (ذلك عبد الله نظيري في الدراسة). لقد سألت: "أليس صغيرا؟".

قالت أمي: - أنهم فراخ المغران، يكبرون بسرعة، ليس صغار الفقراء، كي يلبسوا ملابس جديدة في السنة مرة واحدة، وفي السنة يشبعون ليوم واحد، والمثل يقول (زرع الحقل باكرا، وتزويج الولد باكرا، وأخذ الحق لصاحبه بالقوة) فهل إذا كان المال وفيرا وزوج المرء إبنه سيء؟ حيث يصبح لديه أولاد بسرعة والأحفاد يزيدون... الآن إذا كان بامكاننا تزويجك لفعلنا، ليكن سيئا قدر ما شئت". وقد غمرني الخجل لدرجة أخذت على خاطري. قالت أمي: "انظروا إليه يزعل، فلماذا أصبحت عاشقا للأسمري؟".

الأطفال بدءوا بالضحك علينا، وأنا من طفح الخجل ذهبت خلف الخيمة، والفرسان الخطاب اتجهوا نحو أرديش.

بعد أيام كان أخي تيمور يحدث أبي عن مهر تلك العروسة، الذي أصبح مئة قطعة ذهبية، وحصان مزين، وبندقية ماوزرية ذات الخمسة الأطلاقات، وقيمتهم أيضا تساوي خمسين قطعة ذهبية مع خمسة هدايا أخرى.

وكانوا يسرعون في اجراءات التزويج كي يتحقق وهم في السهوب، في الخريف هم أيضا سوف يعودون أدراجهم، مثلنا، وفي القرى هم بعيدون عن البعض، ولهذا كان الآغا يسرع في المجيء بكنته، كي يتحاشا برد الخريف والطريق الطويل.

المهر لم يكن غالياًَ عليه، لأنهم كان من المتمكنين وكل شيء في بيتهم جاهز، لقد أخذوا المهر، مثل ذلك اليوم الذي ظهر فيه الفرسان الخطاب. بعدها قرروا إرسال فارسين، كي يعلموا بيت أهل العروسة، بأن العرس سيكون يوم الجمعة القادم.

أحد الفارسين عاد وقال بأن عثمان يطلب حصان ممد بك المربي لديه، وإلى أن تأتوني بذلك الحصان، فلن تأخذوا العروس.

  • يا تيمور، حضر نفسك، ستذهب أنت وقاسم علي إلى بيت عثمان آغا، أي حصان يريده سنعطيه، لكن الحديث عن حصان ممد بك يجب أن يتوقف، إذا قبل فليأتي قاسم إلى هنا، وسنرسل معه فرسان لجلب العروسة، وإذا لم يتوقف عن المطالبة بحصان ممد بك، فلن يكن هناك أي زواج، أخبروه بهذا، - هذا ما قاله سعيد آغا وختم كلامه.

كان قد تم دعوة آغاوات وفرسان قبائل شمسك، قاسك، بادوي، زعفدو وقبائل أخرى، ومجموعتين للطرب والعزف على الطبل والزرناية، والرقصة الشعبية كانت مكتملة تتموج بالحركة والدوران.

في ذلك الزمن كانت كروت الدعوة عبارة عن تفاح، يضعون تفاحة أمام المرء، ويقول "تفضل أنت مدعوا للعرس". وإذا كان الشخص من الوجهاء أو البارزين، كانوا يضيفون قطعة سكر. ولذلك إلى الآن هناك مقولة مشهورة بين الجماعة، يقولون "يا صاحب البطن، وكأننا أرسلنا تفاحة حمراء على إثرك".

في كل يوم ليلا- نهارا كان يخبزون أربعة – خمسة مرات على الصاج، كانوا قد جمعوا القصع من عدة أماكن، بالقرب من خيمة الآغا كانت النار مشتعلة للطهي عليها، القصع ممتلئة بالأرز واللحم هي تغلي باستمرار، والجيران كذلك وحتى العوائل الفقيرة كانت قد ذبحت خروفا أوأثنين.

في الصباح الباكر كانوا يجتمعون ويبدءون بالدبكة، رقصاتهم كانت مخملة باللونين الأحمر والأصفر، ملابس بنات الفقراء كانت بيضاء، وهم عادة يأخذون أماكنهم في مؤخرة حلقة الدبكة، وكل من يأتي كان يأخذ مكانه قبلهم وهم يبقون في النهاية. الفرسان كانوا يذهبون لتروية الأحصنة، ويعودون لتناول الفطور، بعد الفطور كان العازفون يدقون انشودة الفرسان المتسابقين، والفرسان يبدءون بالجري، وهي لعبة سرعة الجري بالحصان، بعدها كانوا يتناولون الغداء، وبعدها يضعون الإشارات لضربها بالبنادق، وهي لعبة الرمي، الكثيرون كانوا يصيبون الهدف، والبعض كان سيء في الرماية، ولكن من بينهم جميعا كان يأتي في مقدمة الرماة المهرة بيت الحاجي، وهم في المقدمة أيضا في لعبة الجري بالأحصنة.

وفي سباق الربيع للأحصنة، في بلدة قراكليسا المنظم من قبل العسكر فاز حصانين منهم، حصان سعيد حاجي، والأخر لإبن أخيه معمود. الأثنين كانا في نفس السن.

أستمر العرس لستة أيام بلياليها.

تلك السنة لم تكن سعيدة بالنسبة لعائلتنا... مع إقتراب العودة الى القرى، توفي أبي، وبقيت متروكا لأخوتي، لكن مع وجود أمي، هي لم تدعني أحس بهذا اليتم.

حزن الكورد



حين وفاة أحد الرجال المعروفين، كان النحيب، والحزن يبدأ، كانوا يضعون قماشا أحمرا على جنازته. (في القدم كانوا يضعون على جنازة القتيل قطعة قماش حمراء، لون الدم، كي يعرف كل من يراه بأنه قتيل). والنساء يضعن قطعة سوداء على كوفياتهن، ويلبسون الأسود على العموم. والرجال أيضا كانوا يضعون شريطا من القماش على قبعاتهم، وكانوا يعبرون عن حزنهم بهذا الشكل، والنساء قريبات المتوفي، فضلا عن لبس السواد، كانوا يقطعون ثلاثة – أربعة ضفائر ويضعونها على كفن المتوفي، (هذا كان فقط إذا كان المتوفي رجلا). وبعد أصدقاء المقربون للمتوفي كان يضعون أيدهم في العباءة السوداء. (قديما كانت هناك عباءات الحزوي السوداء، كان يلبسها الرجال فوق ملابسه).

الرجال والنساء يجتمعون على الجنازة، بعضهم جالسون وبعضهم قيام، النساء وبالدور يولولون غناءا على الميت، وينحبن، ومرات كان بعض الرجال يأخذون كفن الميت بيدهم، ويقولون (يا قلبي). وملابس الميت كانوا يضعونها بالعادة في كيس مفتوح، وينوحون عليها.

وعندما كان يأتون من القرى لعزاء الميت أومن المرتفعات الجبلية كانوا يربطون (الكوتل)، ومن بيت الميت كان ينطلق باتجاه المعزين، والكوتل عبارة عن حصان مسرج يربطون ببطنه وأرجله الأقمشة الملونة، ويضعون ملابس الميت فوق سرجه، مع ربط سلاحه بالسرج ليتدلى منه، وشخص يجيد الغناء يسحب عنان الحصان، ويردد (يا قلبي)، متقدما على الجماعة.

والمعزين أيضا كانوا يأتون بكواتلهم. ويرددون (يا قلبي) في المسير، وعندما كانوا يصلون بعضا، وبخفة يضربون أكفافهم على رؤوسهم، ويقولون: "أخوي... أخوي...". ويختلطون، متوجهين نحو بيت المتوفي، وبهذا الشكل في البداية يتنحبون قليلا على الميت، وبعدها يوزعون السجائر الملفوفة خصيصا للضيوف عليهم.

وكان يجب بالضرورة أن يأكل الضيوف، وبعدها يعودون، ولهذا كان الجيران يقومون بالواجب حيث يأخذ كل واحد منهم عددا من الضيوف لبيته ويذبح ذبيحة لهذا الغرض، ويودعون الضيوف بعدها، وجاء معزين أخرين فالجيران البقية كانوا يقومون بالواجب.

بعد الأكل المعزوف يعودون بالعادة لبيت الميت، ويترحمون عليه وينشدون السلوى لأهله، يودعون أهله ذاهبين.

وربط البيارق كان بهذا الشكل: قطعة قماش حمراء محربلة، يربطون أطرافها برمح، وأحدهم كان يضعه على كتفه، ويقول (يا قلبي) حتى يصل الى بيت الميت، ويغرسه بالقرب من باب الميت، وفي المدة الأخيرة كانوا يستخدمون عمامة ويربطونها مع حربة البندقية، والآن أيضا يستخدمون عصا لهذا الغرض بدل البندقية، البيرق والكوتل كانت رموز المحارب الشجاع، ولهذا لم يكن يستخدم في تعزية الجميع.

وكي لا تبقى الجماعة كلها حزينة، حين يكون الضيوف المعزين على أهبة العودة، كان أهل المتوفي يرفعون تلك الشعارات الحزينة من على رؤوسهم، وكذلك العمامات السوداء من على رؤوس كوفيات نساءهم. لكن قوم المتوفي، لم يكن يرفعون السواد من على أنفسهم، حتى يوم يوزعون خير الميت، المعزين كانوا يتوافدون خلال أسبوع أوعشرة أيام، وبعدها يوزعون ما يسمونه (دفخانة) وفي الكثير من الأماكن يقولون (لرفع فم الميت من الأرض)، وبعدها الجيران يدعون أهل الميت، ويرتبونهم والنساء يحضرون المياه الدافئة لغسلهم، فيغتسلون وتغسل النساء ملابسهم، وفي توزيع خير الميت الكبير، (كان يستمر ما بين ثمانية حتى عشرة أشهر) يرفع السواد عن أهل بيت الميت.

وإذا صادف فرح في القرية، صاحب الفرح كان يذهب لأخذ الأذن من بيت المتوفي، وبعدها يرفع ملامح الحزن تماما على الميت من القرية.

وفي تلك السنة أيضا درسنا في المدرسة، وفي الربيع أفترقنا، كل الى بيته، لكن في تلك السنة كانت الكآبة قد بدأت في بدايات الربيع، ضباط الروم كانوا يتجولون لتسجيل أسماء الناس، ويسجلون ويسجلون، ويحسبون المتبقين، وكذلك جامعي الضرائب جاؤوا الى المضارب في السهوب وطبع على الأحصنة، لتعدادها.

صدى الحرب في عام 1914





الكل كان يعلم بأن هناك مسألة، لكن الروم لم يكن يظهرونها للعيان، كانت سنة 1914.

جاء الأمر بجمع العسكر، كل آغا عشيرة عليه جمع عساكره، الألوية ربطت وتوجهت نحو (ضياء الدين - ديادين)، في قرة حسار بالقرب من نهر موراد نصبوا الخيام، وخيمت الألوية هناك، العسكر المجتمعون ملابسهم كانت متنوعة، فقط البنادق والذخيرة الموزعة عليهم كانت من الروم، وواحدة الشكل، وكل لواء دخل عليهم عدة ضباط من الروم، وكل يوم يتدرب الفرسان عدة ساعات.

ولواء ممد بك أيضا جاء الى (ضياء الدين - ديادين)، وقاسم إبن آغانا كان قد قلد رتبة الضابط، وهو بين اللواء.

كان لدى بيت سعيد آغا عربة يسمونها الدوكو، يحملون عليها كل إسبوع الخبز والكعك، الحلاوة...إلخ. وكنت أركب فوقها، وكذلك عبد الله إبن الآغا، وكنا نأخذها الى (ضياء الدين - ديادين).

وغير لواء ممد بك كان هناك ألوية كالكا، والحسنية وغيرهم المتواجدين في (ضياء الدين - ديادين).

في أحد الأيام أيضا ذهبت مع عبد الله الى هناك، ورأينا حينها بأن الجميع يعتلون الأحصنة ومصطفين ذلك السهل، كان عدد من ضباط الروم ورؤسائهم متقدمين على العسكر المصطف ويتحدثون إليهم، كانوا يقولون: "في حربنا مع البلغار واليونان والصرب والقرباغ وإيطاليا سودت وجهنا، وقد فقدنا القيمة، وفي هذه الحرب علينا مسح تلك السمعة السيئة عن وجهنا". وكان يتحدث عن أشياء كثيرة ولكن صوته لم يكن يصلنا كي نفهم.

حسن سليمان وأخرون كانوا واقفون يستمعون إليهم.

حسن كان يقول لهؤلاء الناس: "لا تصدقوا هذا، فإذا كان في الحرب الماضية سودت وجوه الروم برقعة من الفحم، في هذه الحرب سوف يمسح وجههم برماد الصاج، كي يسود تماما، فأنا أعرف خصوصيات الروم، فإذا كثروا في الكلام فصدقوا بأنهم سوف يهربون بسرعة من الحرب". كان يقول هذا وينظر في وجوههم، وكأنه يريد أن يعرف هل هم يصدقون أم لا؟ - سوف أقول لكم يا أولاد أعمامي، في الحرب الماضية جمعوا الشيوخ وأطفال المدارس في الجامع وطلبوا منهم أن يدعوا لله كي يقوي جندنا على الأعداء، القضاة والمفتي كانوا يدعون، والشيوخ والأطفال كانوا يرددون (أمين، أمين) فهل تعود الطلقة أدراجها بالدعاء يا سادة؟

  • يا روحي، فعندكم عقلكم، وقد أكلنا الأكل بأفواهنا، ولم تأكله الأذان؟ انظروا، لقد جمعوا العسكر هنا، في هذا الوادي، ليس هنا أرزاق، ولا ذخيرة، على الأقل كان يجب أن يأتي بأربعة بطاريات مدفعية، لا، فكيف سيذهب هذا العسكر ليواجه المدافع والمخترعات الروسية؟ - هكذا قال محمد صاحب الستة قروش.

  • يقولون في الليل جاءت طائرة روسية حطت على تلك الصخرة هناك، - وقد مد يده ليدل على الصخرة – وقد نظرت حوالي ساعة الى هؤلاء الجنود وبعدها طارت وذهبت...

  • يا ليت الله يساعد الروس في هذه المعركة، كي يأتوا وننجوا من بلاء هؤلاء، - قالها أحدهم.

  • يقولون بأنهم رحماء مع الفقراء – أضافها أخر.

  • إذا كان الأمر كذلك، فليضرب سيف الروس على رقاب الروم، - قالها أخر.

بين تلك الألوية لواء الحسنية كانوا يأخذون مكانهم في المقدمة، أحصنتهم جيدة، وكذلك ملابسهم ومعداتهم، وهم اكباش وهذا معروف من شجاعتهم المشهورة.

كان يوما خريفيا والرياح باردة، الغيوم كانت تتحرك في السماء، كتحرك سرايا الفرسان، الجماعة عبوسون، فمنذ عدة أيام وأصوات الحرب لا تنقطع. غابت الشمس، وكلما مضى من وقت برد الجو أكثر، الغيوم غطت الجبال وأصبحت حالكة، والليل أخذ يسدل ستاره على الأرض، القرية صارت ضبابا، لم يكن أحد يدري ما يحدث في الأطراف.

الثلوج بدأت بالتساقط قليلا – قليلا، وقد تجمد وجه الأرض، وبعدها صار البياض منتشرا، نوافذ البيوت غطت بالأعشاب وكذلك الأسطبلات، كي لا يأتي منها الثلوج الى الداخل. ثلوجنا وعواصفها كانت صعبة للغاية، الكلاب أيضا كانت قد أخذت مكانها في السكون، وكانت قد وضعت أنوفها في ذيولها للدفء، لم يكن يسمع صوت العواء من القرية كلها، القرويين تعشوا، ورموا النير خلف الأبواب، أشعلوه وجاءوا للنوم.

نوم تلك الليلة كان لذيذا للغاية، لأنها كانت الثلوج الأولى، ومن الممكن بأن البعض رأى أحلاما أيضا، ولكن أحدا لم يكن يعرف بأن في تلك الليلة سنتعرض لهجوم الروس، وستتفرق الألوية الحميدية تلك، لن يحاربوا وسيقصدون بيوتهم بالأغلبية، كي ينجوا بأهلهم من على حافة الحرب، لأنهم جميعا يدركون، بأن الروس ليسوا كالروم فقط ينهبون، فإذا جاءوا فسوف يمسحون كل شيء في طريقهم. لم يكن أحد يعرف في تلك الليلة من النساء والأطفال، بأن الأحصنة قد سقطت فوق الثلج، الجميع يسحبون أنفسهم سائرين، لكنهم لا يعرفون أين يذهبون، وأين سيستقرون. البعض كان حافي القدمين، والبعض جياع، بالقرب من البكاوات والأغنياء يسيرون، فهم كانوا يسيرون بدون أن يعوا إلى أين متجهين، الثيران محملة، العربات مربوطة بها، متتالون، يسحبون أنفسهم. الكثير من العاملين قد تأخروا في بيوت آغاواتهم، ولم ينتبهوا مطلقا من أطفالهم وبيوتهم، وكانوا يسيرون ويسيرون، إلى أين؟ لم يكن يعرفون.

في وقت ما فتحت عيني، رأيت أهلي كلهم واقفين ومحملين على الأظهر، فقط لم يكن بينهم أخواي الأثنين.

كنت من ناحية ألبس ملابسي، ومن ناحية أخرى أسألهم: ماذا حدث؟.

وقد عرفت بأن الأعداء قد طوقوا القرية، لكن لم يكن يسمع أصوات النار.

كان الضجيج يتصاعد من القرية، أصوات كلاب جولو كانت فوق كل الأصوات.

الرحيل، العربة، الثور، الحصان، المركب، وحتى البقر أيضا كانت محملة، وكلها مختلطة مع البعض، النساء والأطفال والشيوخ كانوا قد أخذوا أماكنهم بالقرب من جدران البيوت، والبعض كان يدخل فناء الدور، وكان يتحاشون إلى جنبات العربات أو الأحمال. الخلاصة، الجميع كان في بحث، عن مكان أمين لنفسه، كي لا يتساقط عليه الثلج.

الرجال البقية كانوا يحتمون خلف الحيوانات، الغنم والماشية الباقية.

الثلج كان قد أرتفع فوق الأرض شبراً، ولم يتوقف، وكانت ذرة الثلج كبيرة، الكبار يقولون: "الذرة الكبيرة تعني بأن الثلج سيتوقف". لكن الضباب والبخار يحجب الرؤية، والذي كان يراه المرء كله أبيض، فقط عند مداخل البيوت كانت هناك جوانب ترابية مرئية.

أينما حللت صوت نحيب وويلات المتشردين، الأطفال كانوا يبكون، والأمهات كانت تنتحب فوق أطفالها الرضع في المهد، الأيدي مبللة، الأقدام مبللة، والكثير منهم جياع.

طريقهم كان يمر من عندنا، المرحلين يمرون من القرية على طريق بيازيد، على طريق (ضياء الدين - ديادين) لم يكن يتوقفون، كانوا يسيرون كي ينهوا طريقهم البعيد جدا، حتى أرديش، ومن هناك لم يكن يعلنون ما الذي سيحدث وإلى أين سيتوجهون.

القرويون جميعا قاموا، بأخذ هؤلاء المتشردين من على الثلوج بدون أن يعرفوهم الى بيوتهم، كانوا نساءً وأطفالاً، يشعلون التنانير، لتدفئة المتشردين وتجفيف ملابسهم المبللة، بعض منهم كانوا والدور يذهبون عند عرباتهم وأموالهم لتفقدها، والبعض الأخر كان بدون حمولة فقط كانوا يقومون بالتدفئة وتجفيف ملابسهم، الغنم والدواب كانت قد أختلطت، وأصوات الخراف كانت تتصاعد من القرية، وهي تتحرك من هنا وهناك، وكذلك كان صوت الدواب.

لم يبقَ في القرية بيتاً الا وذبح خروفاً، رائحة اللحم المشوي كانت ترتفع من على التنور، البيوت امتلأت بالمتشردين، ولم يكن الوضع مستورا، فحتى الأسطبلات امتلأت بهم، فقط كي لا يتعرضوا للوقوف تحت الثلوج المتساقطة، ويحافظوا على ملابسهم يابسة.

خمسة – ستة عوائل كانوا قد جاءوا الى بيتنا، أحدهم كان بيت حسن سليمان الذي لم يكن يحب الروم والبكاوات، بيت آرتيم وميلو، كانوا معارف قدماء لنا، وحسن كان صديق أبي.

لقد فرشوا السجاد السميك المصنوع من الصوف، تيمور، حسن والباقون كانوا يجلسون عليها، ويتحدثون، حسن قال وهو يغير مكانه:

  • يا حبيبي، قلت لهم تعالوا لا تهربوا، الروس شعب رحيم، وسوف يصفي مياها لشعبنا، إنهم الروس، فكونوا شاكرين لله، لأنكم سوف تتحررون من الروم. فكان علينا أن نأخذ بعض الطعام لهم، ولن يتعرضوا لنا أبدا. ومهما فعلت فلم يسمع كلامي أحد، وهم قالوا: لا، الحرب مستميتة، تعالوا نبتعد عن الطريق الى الأطراف، لنرى بعد ذلك ما يحدث. في الماضي كنت قد قلت لهم: "في النهاية سوف ينتهي الروم الى الحضيض، فهي غير قادرة على الروس ذوو العيون الحمراء، ساريموسكوف قد عقب الدنيا على رأسها، فلا أحد بإمكانه محاربة الروس، فهم جذور الأرض، فعند الحدوث، يستقدمون على الجثث، لكنها لا تتوقف عن الحرب، ولم يكن الكثيرون يصدقونني.

  • الآن سيرون بعيونهم، ليصدقوا ذلك، - قالها تيمور.


***




الكورد كانوا يريدون حكم الروس لهم، حتى أمثال محمد بك أيضا سلموا أنفسهم للجنود الروس.

محمد بك كان أحد ضباط الألوية الحميدية، لكنه لم يكن مثل البكاوات الأخرى غير متعلم ٍ، فهو درس لسبع سنوات في مدرسة إستانبول.

وكان يساعد الأرمن كثيرا، لم يكن يستحقرهم، ولم يكن أحد قادرا على الإساءة للأرمن خوفا منه، وهو كان يحب قومه، وكذلك كان يحب الأرمن، فعندما تقدم الروس لم يهرب هو، لأنه لم يكن يحب الروم، كان يرى حرية الكورد في يد الروس. لقد ذهب الى بلدة (ضياء الدين - ديادين) وسلم نفسه للروس، لقد أعطاه الأرمن مجموعة وأخذوه الى تبليس عند نامستنيك، وبقى لأيام في تبليس، وبعدها أعطى النامستنيك جيني بولكوفنيكي لمحمد بك وعاد الى بيته.

أهالي (ضياء الدين - ديادين) سمعوا بأن محمد بك سلم نفسه للروس، فالذين لم يهربوا بقوا في أماكنهم ولم يهربوا بعد، والذين فروا وكانوا قريبين عادوا أدراجهم.

من (ضياء الدين - ديادين) وبيازيد هرب الأفندية والآغاوات وأيضا الأتراك، بعد عدة أيام رجع حسن أيضا وذهبوا الى (ضياء الدين - ديادين)، وبعدها صار حاميا للمدينة.

الروس جاءوا وتقدموا، القوزاق والعسكر يأتون للقرية، ولم يكن يتعرضون لأحد، وكل ما يأخذونه كانوا يدفعون ثمنه، بدون دفع الثمن لم يكن يأخذون أي شيء، وعدى ذلك كانوا يدفعون ثمن الشيء أضعافا، حتى النساء كانوا يبيعونهم السمن والجبن والحليب والقشطة، وكلما تقدم الزمن كانت الحال تتحسن وتتعدل وتحلو أكثر.

النقص كان عدم وجود مدرسة، لقد تركت الدراسة.

عند قدوم الربيع، صرت راعيا للخراف، بهذا كنت أخجل من نفسي، وكنت أفكر مرات، غاضبا: "كيف يحدث هذا، في البارحة كنت أفنديا في المدرسة، واليوم صرت راعيا الخراف".

كان هناك البعض من الرعاة نحساً، كانوا يحاولون إغاظتي، ويضحكون علي، أحدهم كان يقول: "يا جماعة أحمد أنهى الدراسة وتخرج، خالنا قيمز وضع الحطب على كتفه". (كانوا يقصدون أخي قيمز الذي جعلني راعيا للخرفان). كانوا يتسائلون "أين هوالحطب؟" ويجاوبون "أ لا ترى الهبانة على كتفه؟" والأخر يقول: "أنها هبانة رائعة وجديدة!" – يبدءون القهقهة ويضحكون مع بعضهم. "يا أحمد أكتب ورقة، كي أرسلها لحبيبتي"، - فيعودون للضحك والسخرية مني وهكذا كان يقضون وقتهم علي في اليوم.

الخلاصة، بصعوبة تعودنا على بعضنا، القدماء والمنضمين الجدد للرعاة توحدوا معا، بعد ذلك لم يكن يدعوني أذهب لإرجاع الخراف وجمعهم، فقد كانوا يجمعونها بدلاً عني، وكنت أقرأ لهم كتب الحكايات، وكذلك كتب العشق، وكنت أشرحها لهم باللغة الكوردية، وقد علمت البعض منهم طرق الحساب وبعض الرياضيات، ولذلك أصبحنا أصدقاء.

لأجل الدراسة




في الخريف حل علينا عباس إبن أخ الرومي، هو من مناطق الروس، بيته في قوربناز التابعة لناحية آغباران.

في المساء أتي الحديث على دراستي.

  • الولد كان يقرأ بجد، ويتعلم بصورة جيدة، - قالها عثمان خضر.

  • ماذا أفعل، فقد ذهب جهده بدون فائدة، - قالها لهم تيمور.

  • غير ذا أهمية، فلا نرغب بعودة الروم، وليذهب جهد أحمد بلا فائدة، - رد عليهم برو بشو.

  • لا تهتموا كثيرا للأمر، - أخبر عباس آغباراني الحاضرين، - عندنا في القونداغسازية مدرسة روسية، سوف أخذ أحمد معي، وسوف يدرس هناك، لا تقلقوا بشأنه.

تلك الكلمة أعادت إلي بعض الروح. قلت:

  • هل أصدق هذا.

الحقيقة إن البلاد كانت بعيدة، سأكون غريبا فيها، لكنني قد تعودت على الغربة. وتيمور أيضا أقتنع بالأمر، أمي حاولت نهيه بسبب بعد المسافة، ولكنها أيضا أقتنعت فيما بعد.

لقد رأينا طريقا، أنا وعباس في نقطة تجمع الذئاب، افترقنا عن أولاد أعمامي الذين رافقونا وسرنا على الطريق معا، وعند الوداع بكيت مع نحيب أمي، ولكنني مسحت دموعي بسرعة كي لا تراها أمي، وكي لا تصيبها الهموم عند تذكرها لدموعي.

الوقت صباح باكر، طريقنا بعيد جدا، سنذهب من توتك الى قوروبوغاز.

لقد وصلنا الى منطقتنا بهارخيرى – منطقة الهم. – الفلاحون قد وصلوا الحقول للتو، يجهزون آلة الفلاحة لبدء العمل. الغنم كان يقوم للتو لتبديل مكانه في المربض، وينفضون أنفسهم، كانت ذاهبة للتعشيش، طيور المقص تجول ذاهبة هنا وهناك، كأنها تعطيني الطريق.

لقد دخلنا سهل الجوبانية الخالية، لم يكن فيها لا بشر ولا غنم ولا دواب، بالقرب من الطريق كانت صخور جبل الجوبانية قد سقطت على الطريق، وكأنهم ينظرون إلينا ويتسائلون "إلى أين يتجه هذا الراكب على الحصان والولد الذي يلحق به؟" كانوا يطمعون للأستفسار ويحدقون بنا.

على كل حال قضينا ذلك اليوم، في اليوم التالي انحدرنا في حدود الروس والروم، حتى استضافتنا قرية زورى.

في المساء جاءوا بالعشاء لنا، كان برغلاً، مرقَ البصل والفلفلَ الأحمر، كلهم كانوا يتناولون الفلفل الحار، وكذلك أنا قد قلدتهم في هذا.

لم أكن قد رأيت الفلفل الأحمر، فلم يكن متوفرا في بلادي، فأكلت البرغل وعليه قضمت الفلفل، لم أكن أعرف، بأن الأخرين يأخذونه قليلا عند القضم، شعرت بالنار في فمي، وانهمرت الدموع من عيني، وقد أحس الجميع بأن الفلفل قد أحرق فمي، فأحرجت نفسي بهذا.

في الظهيرة، انحرفنا من قرية الخرفقية الى الأسفل، وبدأنا نرى اغدير، فمن الأعلى عند النظر إليها، كانت تبدو كبحر أخضر متموج، من كثرة الحقول والبساتين لم تكن ترى البيوت، في حياتي لأول مرة أشاهد أشياء بهذا الشكل، ففي بلادنا لم يكن هناك مثل هذه الحقول والبساتين، فعندنا فقط يربون الحيوانات.

في اليوم الأخر غادرنا أغدير، وسرنا مسافة، حذائي (الجارخ) صلب في قدمي، وقد هرش قدمي، لدرجة أصبح جلد القدم طريا وغير متماسك، وقد أنهكت، ركبتاي والفخذين كلها تتألم. أينما كنا نرى جدول ماء كنا نتوقف عنده، لأرتاح، كنت أضع حذائي في الماء، كي ينعم قليلا، ولكن بلا فائدة فعند بدأ السير تعود لحالتها القديمة، قيظ سهل روان القاف يحرق المرء.

من جهة كنت غاضبا، لأنني كنت أتعب بشدة، ومن جهة أخرى كنت سعيدا "فعندما أصل الى المكان المطلوب، سوف أذهب الى المدرسة الروسية، وسأدرس باللغة الروسية".

في اليوم ثلاثة مرات كنا نأكل الخبر والجبن والعنب، والخلاصة وبصعوبة وصلنا في المساء متأخرين لقوروبوغاز، الناس اجتمعوا حولنا، لم أكن أعرف أحدا منهم ولا هم كانوا يعرفونني.

عباس قال لعمه الرومي، من أكون، فعمه كان يعرف أبي. قال حينها:

  • قبل ثمانية عشرة سنة جئت لزيارتكم، أنا وأبوك أصدقاء. أهل القرية كانوا يأتون بالجملة لرؤيتي، فهم لم يكن قد رأوا أهل بلادنا. وقد جاء أحدهم وقال:

  • غدا باكرا يا عباس، عساكر محو مع بعض الأولاد سوف يذهبون الى تبليس، لأنك قلت بأنك سوف ترسل ضيفك الى تبليس، فهم رفاق طريق حاضرون الآن، ليذهب معهم.

عباس كان قد جاء بي كي أدرس في مدرسة القونداخسازية، لكنهم قالوا: المدرسة لن تفتح أبوابها هذه السنة، بسبب الحرب، ففي وقت الحرب من يتذكر المدرسة، لهذا فعباس الرومي مع عمه كانوا يريدون إرسالي الى تبليس لعند دوريش إبن الرومي، فهو هناك يرعى الدواب، وكي يرسلني دوريش للمدرسة، لهذا قال رومي:

  • عباس، إذهب لعند العسكر، قل لهم "عمي يرغب بالاٌ تذهبوا اليوم، كي تأخذوا أحمد معكم الى بيت دوريش" أحمد اليوم محسوم بالبقاء هنا، فقد قدم من طريق طويل.

وفي المساء أصبحت الغرفة ضاجة، ولم يكن يرددون أغاني بلادنا، فهي غير موجودة هنا، والمغنيين قليلون هنا، والموجودين أيضا لا يجيدون الغناء مثل المغنيين عندنا، لهذا كانوا مجتمعين حولي لأغني لهم.

"قوروبوغاز" باللغة التركية تعني (البلعوم الصلب)، في الحقيقة القرية كانت مبنية في مدخل وادي صخري صلب مكسور، وحين كان يتقدم المرء على الطلعة التي تتقدم القرية كان يحس بضيق للنفس، فكلها صخور متكسرة... لكن قبالتها ذلك الجبل كان غنيا بالعشب والمراعي. الهواء فيه منع وسليم، لكن وسط القرية؟ كانت ترتفع رائحة الدم والقتل، كان البعض يأتون من هناك، الغضب يمتلئ محياهم، لدرجة يشعر المرء بالفزع منهم، كلهم مسلحون، بالقرنية، الرماح كانت قد غدت من الماضي، لكن قرية قوروبوغاز والقرى المحيطة بـ أغباران مازالوا يستخدمون الرماح في الحروب. وغير هذه الأسلحة كانت هناك (قم) وهم يسمونها (يساي، على إسم مخترعها يساي) فكانت طويلة، فحينما يتسلحون بها على أكتفاهم، كانت ترتفع على رؤوسهم أربعة أصابع، وتصل الى الأسفل حتى تحت الركب، وحينما كانوا يسحبونها للقتال، فكان عزرائيل يفر، بدون أن يلحق على أخذ روح المرء الميت.

رجال قوروبوغاز حتى أثناء العمل كانوا يجلبون سلاحهم هذا، وأيديهم دوما على مقابضه.

القرية كانت مؤلفة من قبيلتين (بلا ومهمدا) المهمدا كانوا عدة أفخاذ: مندسورا، بوتكا، هويريا وغيرهم أيضا.

هؤلاء الأفخاذ بهذا الأسم كانوا متحدين في القرية، كي لا تتعرض لهم قبيلة بلا، لأن قبيلة بلا هي نصف أكثر من نصف القرية، وهم شديدون في التعامل مع الأخرين.

والخلاصة إن القبيلتين كانتا في عداوة فيما بينهم، لم تكن تمضِِ ِسنة وأ لا تكون هناك ضحايا في النزاعات بينهم، وبعدها تكون الشكوى، التعويض والأعتقال، مصاريف وترشية فلان وفلان، لأطلاق سراح الجاني.

ولهذا كانت القرية فقيرة، غير بيت دلو، فرحو، جلو وأثنين – ثلاثة بيوت أخرى حيث كانت وارداتهم تأتي من تبليس.

البعض منهم لم يكن يخرج من تبليس، ويقضون عمرهم في الفروع الغامضة، بعضهم كان يكسب المال من العمل كبواب أو كحمالين، ويرسلونها الى أولادهم لتدبر الأمور.

في اليوم التالي خرجنا أنا ورفاقي في الطريق من القرية، الوقت قريب من الظهيرة، حين جلسنا على عين في وادي المساكين، كان الوادي عميقا جدا، كلها صخور متناهية، جبال عمودية، وحين النظر الى القمم كانت تسقط قبعة المرء للخلف أو من الرأس من شدة العلو.

لقد قمنا بغسل أيدينا وأرجلنا ووجوهنا، وتناولنا الغداء هناك.

كنت أفكر: "كانوا يصفونها ويقولون، إنها تشبه بلاد الروس أينما ذهبت تجد الماكينات، ولكن أين هي تلك المكائن؟ هنا كله وديان، صخور ومرتفعات جبلية، لكن أين هي تلك الماكينات؟".

كنت أسأل العسكر، كانوا يردون: - بقى القليل، بقي القليل، - لكننا كنا نذهب ونذهب – ولم نكن نصل الى المكائن.

في المساء وصلنا الى قرة كليسا في بمبك (كيروفاكانى). وذهبنا الى خان على الأطراف، طلب العسكر من الكهل هناك:

  • اغلي لنا فيدرومن البطاطا.

حينها كانوا يبيعون البطاطا بالفيدرو، نحن خمسة أشخاص أكلنا البطاطا بالخبز وقمنا وذهبنا الى ستانس، وكنا متأخرين لكننا قطعنا التذاكر. وحينها صعدنا الماكينة، وتوجهنا الى تبليس. عند المغادرة في المحطة كان البعض يلوح لنا بأيديهم، والبعض يلوح لنا برفع قبعاتهم. سألت: - لماذا يفعلون هذا؟ - العسكر ورفاقي قالوا لي: - إنهم يقولون بالخير والسلامة حتى تصلوا، وداعا.

قلت: - هذا الأمر (يعني التلويح باليد ورفع القبعات للتحية) ليس موجودا في بلادنا، أنا أرى هذا لأول مرة. قال العسكر: - تريث، سوف ترى الكثير، هذه هي بلاد الروس...

في الصباح الباكر نزلنا في تبليس.. عندما شاهدت المدينة، فقط عرفت بأنني ابتعدت وصرت غريبا. قبل الجميع تذكرت أمي وحزنت لأجلها.

كانوا يقولون مدينة تبليس، كنت أظنها تشبه (ضياء الدين - ديادين) أوعلى الأغلب مثل بيازيد تلك المدينة عندنا.

هنا البيوت مرتفعة بعدة طوابق، البولفار، حيطان ملبسة بالحجر، الفايتون، مباني ضخمة محاطة بالنوافذ، الناس كلهم ذوملابس نظيفة، فقط الحمالين ملابسهم مهترئة وعليها متسع من الوساخة. فقط في تلك الساعة رأيت ورأيت الكثير، وقد سألت العسكر كثيرا، حتى تعبوا من الإجابة، لكنني لم أكن أعي الكثير من الأجوبة، وقد وصلنا لقصر ميليتونسكي، المكان الذي فيه سنلتقي دوريش الرومي.

قرويي عسكر كانوا كثر، جاءوا إلينا وبدأوا يسألون عن حال القرية.

وقد قالوا لعسكر: "دوريش ذهب الى قصر آل كانسكي، في الحجرة يأكل الخاش". وقد عدنا ذاهبين إليه. لقد رأينا المكان ممتلئ بالناس، كلهم يأكلون الخاش، يشبه سرير كبير مدور يجلس عليه ثمانية أشخاص، يأكلون الخاش، وقد أخذنا العسكر إليهم وبعد السلام والكلام، لم يتحدث عسكر عني بعد، بعد مدة نظر إلي وقال:

- يا أحمد، من من هؤلاء تظننا نبحث عنه؟ إذا عرفت فأنك تاجر لا مثيل له، قل هيا.

لم أكن قد رأيت أحدا منهم قبل الآن، لقد نظرت الى الجميع، وقد لاحظت أحدهم، حيث أن جبهته ضيقة، وعيونه صغيرة، يشبه الرومي تماما.

قال عسكر:

  • هيا قل، لنعرف كيف هي بداهتك؟

أشرت بيدي لدوريش وقلت:

  • حسبما أظن، فأن دوريش هوهذا الشاب.

نظروا لبعضهم وضحكوا جميعا. قال عسكر:

  • عفية على ذكاءك، دوريش بذاته. وعاد محدثا دوريش عن كل ما قاله رومي وعباس بحقي، بعدها تحدث إليه على إنفراد أيضا.

أخذني دوريش إلى سريره، السرير كان صغيرا للغاية، عليه فرشة من العشب مغطاة بلحاف قديم مهترئ، الأرضية كانت مرصفة بالخشب وبعض القطع محترقة في بعض الأماكن، وعدد منها مكسر ومثقوب. بعدها رأيت أثناء تنظيف الغرفة يضعون الوسخ في تلك الثقوب.

دوريش سألني العديد من الأسئلة، عن دراستي، كان يريد أن يعرف ما عندي من معرفة، في الحقيقة لم يكن متعلما هو، لكنه كان شابا ذكاياً، وصاحب معرفة، وكذلك يجيد اللغة الروسية.

وقد وصفت نفسي له، حيث أنهيت الصف الخامس في مدرستنا باللغة التركية، وكذلك أجيد الرياضيات والحساب، وكذلك أعرف الأبجدية الروسية.

- يقولون بأنك درست الروسية هناك في بلادكم أيضا؟ هل أحدثك بالروسية.

في وقت ما عندنا، قالوا، بأن الآغا جانكير جاء بمعلم روسي لأجل إبنه بافو ليدرسه. أخذني أخي كي أدرس مع بافو والأولاد الأخرين، لكننا رأينا بأن الآغا قد جاء به خصيصا لأبنه فقط، ولن يدرس معه الأولاد الأخرين. وقد عدنا راجعين للبيت.

قريبنا حمد حسو أرسل لنا خبرا كي أذهب وأدرس مع أبناءهم.

حمد أتى بعبيد إبن الشيخ حامو من قرية العسلانية، كان يدرس أولادهم، أرسلني أخي لبيت أختي، كي أدرس مع ابنها جاجو.

كنا أربعة تلاميذ، ثلاثة من بيت حمد، والرابع أنا، عبيد في الصباح كان يعطينا بعض من الدروس، وحين يصبح الجو دافئا، يقول "هيا قوموا، اجمعوا كتبكم، سوف نذهب للبيادر لندرس هناك". وحينما نصل إلى البيادر، عبيد كان يقول:

  • يا أولاد ضعوا الكتب في الزاوية، لنلعب معا قليلا بعدها سنعود للدراسة.

كنا نرمي الكتب، وأولاد القرية كانوا ينضمون إلينا وكنا نستمر باللعب حتى المساء.

مدرسنا حين كان معنا، كان خفيفا وبسيطا، كنا نتعارك أمامه، ونركض ونلعب كثيرا، وحين كنا نلعب لعبة اللكمة، كنا نضربه كثيرا حتى النهاية.

في المساء كنا نجوع كثيرا، ولذلك نعود بدون أن ندرس، نعود للبيت، في بعض الأحيان كان الأولاد والمدرس يتعاركون عن جد.

عبيد لم يناسبنا حسبما رأينا في النهاية، حيث أفترقنا بدون أن نتعلم شيئا منه.

  • إذا درست بهذا الشكل هنا، فسوف تتعلم بصورة جيدة – قالها دوريش لي.

  • عبيد لم يكن يعرف شيئا، لذلك لم نكن نتعلم شيئا منه، لكن هنا إذا أرسلتني للدراسة سترى كيف أتعلم بشكل جيد، كنت كذلك في مدرسة الروم.

  • لأنك تعلم الدراسة التركية، تلك التي يكتبونها بالعكس؟

قلت له:

  • نعم، أنا أعرفها جيدا، لقد أنهيت الصف الخامس هناك.

  • ولأنك تعرف تلك الكتابة المعكوسة، فسوف تتعلم الروسية بسرعة.

ثلاثة أولاد من قريتنا قد جاءوا قبل سنة الى تبليس، كانوا يعملون هناك، سألت عنهم دوريش. قال دوريش:

  • نعم أنا أعرفهم، إنهم في زقاق فارنسوف، إذا كنت ترغب سوف أخذك إليهم.

قمنا وذهبنا إليهم.

لقد فرحوا كثيرا، لقد سألوا عن عوائلهم في القرية، لقد أخذونا الى المطعم وطلبوا لنا كل أنواع المأكولات.

جاءت مجموعة من أبناء بلاد البحر الأسود، هم أيضا أكلوا، وشربوا الكرخوان، الأولاد لم يكن يعرفونني، لكنهم يعرفون أبي، ولأجله كانوا يقدرونني.

  • أنتم الزقورية جيدون، لكن ملبسكم ليس جيدا، - قال دوريش، - فهي قصيرة.

  • اللباس الطويل هو للمرأة، - قالها عكو من قريتنا – بلاد الروم كانت كلها عداوات، حروب، ودعوات، صراخ وعويل، لكن في ماذا كان موجودا في بلادكم أنتم؟ اللباس الطويل لا يساعد على ركوب الخيل، وكذلك في الركض والقفز، يقع المرء على يديه.

قال لي دوريش:

  • خلال كم يوم تنزه في المدينة، واعرف الطرقات والأماكن، بعدها سأرسلك لمكان الدراسة.

بعد عدة أيام، أخذنا دوريش الى مدرسة روسية، وهناك لم يقبلوني، وقالوا: "لا يجيد الروسية، لذلك لا نستطيع إدخاله المدرسة".

بعدها قال بعض العارفين بهذه الأمور لدوريش: "أمن له مكانا للعمل، من الممكن أن يتعلم الروسية خلال سنة، بعدها يستطيع أن يدرس".

دوريش وبعد بحث، وجد عملا، بواب، هذه المرة لم يكن عندي أية وثيقة لأدخالي في دفتر العائلة لديهم.

حينها اضطررت للذهاب الى أولاد قريتي، وهم أعطوني وثيقة، وأدخلوني في دفتر العائلة لديهم.

صاحب البناية كان أرمنيا من ولاية قارس، يسمونه حاجي آغا، لقد عرفت للتو بأن الآغاوات موجودون في بلاد الروس، زوجته وكنته وبنته وولداه، أحدهم كان صانعا للجلود والأخر ضابطا، والضابط كان أعذبا.

دوريش أتفق معهم: إبنه صانع الجلود سوف يعطيني الدروس لمدة ساعة ونصف في اليوم، الأكل والمنام منهم، وأنا علي أن أنظف البيت، وأخرج الحطب من الكوخ، وأكسره وأخذه الى الطابق الثاني، وفي الصباح علي أن أحمل السلة وأذهب مع حاجي آغا الى السوق، وأجلب الأكل للعائلة.

وقد بدأت بإيفاء ما يترتب علي.

سريري كان صغيرا، لكنه نظيف، ومرقع بالألوان. كانوا يعطونني الأكل الزائد، لم أكن أشبع فحسب، مرات كان يأتي دوريش والأولاد الأخرين للأكل معي.

لكن مهمتي كانت فيها من الصعاب الكثيرة، في الصباح الباكر كان حاجي آغا يأتي يناديني بالقرب من نافذتي: "هيا قم لنذهب للسوق". كنت أحمل السلة الكبيرة، يتقدمني حاجي آغا، صوت دقة عصاه على الأرض تسمع من بعيد، كان يضع قبعة الروم على رأسه، وكذلك يضعها بانحناء على رأسه، ولم أكن أستطيع اللحاق به من بيت الكانسكي حتى السوق، وهناك كان يشتري كل ما يحتاجونه ويعبئ السلة تماما، ولم أكن أعرف إلى أين يذهب، تلك السلة الممتلئة التي كنت أحملها ثقيلة، وفي الطريق حتى البيت أستريح لخمسة مرات، وفي كل يوم هذا كان حالي مع الآغا.

لقد بقيت لأربعة أشهر عندهم، خلالها لم يعطني لعشرة مات دروسا، في كل مرة كان يتحجج بشيء، والخلاصة أنا أعمل للحاجي فقط لمعيشتي، السلة والسوق، كذلك دقة عصا حاجي آغا كانت تغضبني.

في أحد الأيام قلت لدوريش:

  • لن أستمر بهذا، أن أعمل بدون مقابل، وبدون دروس.

وقد وجد دوريش كلامي معقولا، قال لي:

- لا تتحدث عن هذا لهم، أعمل، حتى أجد لك مكانا أخرا للعمل.

وقد عملت هناك حتى وجد لي دوريش مكانا أخرا.

دوريش وضعني في خدمة زوجة أحد السياسيين، زوجها قتل في حرب ساريقاميش، كانت تستلم راتبا لمقتل زوجها، لديها ولد وبنتين تصرف عليهم، إبنها كان يدرس في كيمنازيا، فقط يأتي في أيام الآحاد.

دوريش أتفق معهم، على أن يعلموني في اليوم مرة واحدة، وإعطائي كذلك سبعة مانات في اشهر، كي أصرفها على شراء الكتب والدفاتر والأقلام والحبر.

وما يترتب علي هو أداء مهام البيت، مثل أخذ الطعام ووضعه على المائدة وجمعه بعد الأكل، وغسل الصحون ومهام صغيرة للبيت.

كانت المرأة جيدة وذات قلب رحيم، وكانت تهتم بي كثيرا، مثل الأم، لم تكن تشبه بيت حاجي آغا حيث أكل ما تبقى من الأكل بعدهم، بل كنا أنا وهي مع أولادها نأكل على مائدة واحدة، وكنا كأولاد عائلة واحدة باختصار.

السعادة تحولت إلى هموم



لكن الدراسة لم تتم كما يفترض، لقد تركت الدراسة، لقد عملت مع أولاد قريتي لعدة سنين في تبليس، وقد أصبحنا عمال الفرخونجية، وفي ذلك الوقت كانت حالة الحرب مستمرة.

وفي أحد الأيام تشاور الرفاق معا وقرروا العودة الى ديارهم، واستطعنا بصعوبة قطع تذاكر الماكينة واتجهنا نحو البيت معا حتى (ضياء الدين - ديادين)، وهناك تفرقنا، كل ذهب لقريته.

بعض الناس سمع بالخبر فأخذوه كبشارة للقرية.

لقد اقتربنا من القرية وكنا نأمل أن تكون هناك فرحة تتقدم مجيئنا، والناس سوف يأتون بشوق لرؤيتنا، لكنهم لم يأتوا.

حول القرية كانت الأغنام والخراف تسرح في المرعى، لكن بدون أن نسمع أصوات الرعاة وأغانيهم مع آلة البلور، وكذلك كاكا العمال والمسافرون. كان يجب الآن أن يلعب الأطفال بالقرب من حواف القرية، كي يرونا ويأتوا لأستقبالنا، وهذا أيضا لم يكن موجودا، في السابق كان الأطفال ينطلقون في القرية ركضا، وأصوات أقدامهم تشبه جري الأحصنة والفرسان، لكن الآن؟ فهم يتحركون بيأس وتعاسة، ويتحدثون بهدوء للبعض. في السابق كأزهار الربيع كانت ملابس الأطفال ملونة بالأحمر والأصفر، أما الآن؟ أغلبيتهم بالأسود، وكذلك يربطون الأسود على رؤوسهم.

حتى الشمس كانت تبدو حزينة، ولهذا فهي لا تعطي أشعتها كما كان، السماء غائمة، الضباب منتشر على الجبال، والسهول كذلك مغبرة، والخلاصة كان يوما كئيبا، يشبه حالة أهل القرية.

على كل حال جاء إلينا عدة أشخاص كانت أمي المريضة بينهم، وهي مهمومة مثلهم.

في عقار القرية لم يكن هناك شيء من العشق، حتى العصافير كانت رمادية الشكل، المروج والمراعي كانت حزينة، ولا ترى فيها الورود، ويعرف المرء بأنها قد خلعت زينتها، وهي حزينة مع القرويين.

فقط كنا نذهب بعشق الى التوتك، فحينما رأيناها بعيوننا، ذبل العشق، وطفأ.

لقد حضننا البعض وقبلنا بعضنا، واتجهنا معا الى البيت، وهناك علمنا الخبر.

منذ الصيف قطاع الطرق الإيرانيين بقيادة خان ماكوو ولثلاثة مرات هجموا على القرية، في المرة الأولى قتلوا ثلاثة رجال و جريحوا أخر، وفي المرة الثالثة جاءوا ستمئة مسلح، كانت الخسائر فادحة ثمانية عشر شخصا ً ضحايا بين قتيل وجريح، وفي المرات الثلاثة لم يستطيعوا نهب القرية.

رجال وأبطال أمثال تيمور، علو زوري، قيماز كلش محو، عثمان خدر، حمزة نبي وكثيرون حالوا دون أن تتعرض القرية للنهب. فهم لم يكن يتراجعون خوفا من الموت، وقناصين في إصابة الهدف، وطلقاتهم لم تكن تذهب سدى، فكيف يمكن لهؤلاء الأبطال أن يدعوا القرية تسلب من قبل قطاع الطرق الإيرانيين؟

فقط كانوا يتحدثون عن هؤلاء الناهبين وحربهم، لكنهم لم يتحدثوا عنها بالتفصيل وبالشيء الوافي، حتى في يوم من الأيام جاء الى بيتنا حمد حسو (من قرية ساريبيخ، وهو من أقاربنا) وفتي تيجو (من قرية زورى، وهو أحد أولاد الأعمام).

  • يا عثمان، بالله عليك، تحدث لنا عن لحظات النهب والحرب، وإلى أين تتجه حتى الآن.

في بلادنا يتحدثون عن معركة (توتكى) يقولونها حكاية ويتغنون بها، وعن عيشان بنت بدا كتبوا في صحف تبليس (امرأة كوردية قامت بقتل رجلين على جنازة زوجها انتقاما له).

عثمان بدأ:

  • فلتكن سهرتنا هذه الليلة أيضا هذه الحرب، لم أكن أريد أن أتذكر تلك الأيام الأليمة، لكن يا أخ فتي كما تريد سأتحدث لك بالتفصيل عن تلك الحرب.

لقد أخذ عثمان نفسا عميقا وبدأ.

  • يا ليتني كنت متُ في تلك الحرب أيضا، كي يتحدث عني اليوم أحد الباقين، - وقد بدأ يتألم في أعماقه، والحاضرون كانوا يعلمون لماذا يتألم وذلك بسبب إبنه، الشاب الأعزب الذي قتل في تلك الحرب.

  • يا أخ فتي، كنا في الربيع، والماشية لم تكن قد عادت بعد لديارها، سمعنا إستغاثة (ساعدونا فقد نهبت الماشية) ويومها قطعاننا كانت قد ذهب الى منطقة كولي، قمنا جميعا، الراكب على الخيل والبعض على أقدامهم، وذهبنا جميعا، فكيف لا نذهب، ففي وضح النهار يأخذون مالنا، ولا نذهب!. بالقرب من (كرا روراي) وأنت قد مررت بها وتعرف أين تكون، كان أخي أمين يسقي حقله، وقد رأيت أثنين من الغزاة يهجمون على أمين بسرعة، فالله لا يقبل، فماذا فعل هذا الفلاح الفقير كي يهجموا عليه، لقد أطلقوا عليه النار معا، وقد سقط... ورأيت اطلاق النار أمامي، أحد الفرسان مع صوت أطلاق النار سقط من على حصانه، ولكنه تماسك ولم يسقط على الأرض، لكنه أغمي عليه ولا أعرف ماذا حدث له.

قلت: "يا تيمور، أنت من ضربته؟" فقال تيمور:

  • أنا أيضا أعرف بأنني ضربه، لأن الهدف بالبندقية جاء تلقائيا، لكن ما الفائدة، إذا لم تقع جنازته الى جانب جنازة أمين.

وفجأة سمعت صراخ علو زوري فوقنا.

وهناك رأيت بأن تيمور وعلو معا قد إنحدروا الى الأسفل، ووصل إليهم فرسان أخرون ودارت المعركة بشراسة.

لقد أخرجنا ماشيتنا من أيدي الغزاة، لكن يا حيف إبني طاهر الذي لم يتحقق مراده أيضا قتل... في ذلك اليوم قتل ثلاثة رجال منا وأثنين منهم.

  • يا ليت لم يقتل الشاب طاهر العزيز على قلوبنا، وبدل من ذلك كانوا أخذوا قطيع الغنم، لكان أفضل، - قالها عفدال جانكو، - المال غبرة الأيدي، لكن الرجال إن ذهبوا لا يعودون.

  • في المرة الثانية، - أضاف عثمان، - الوقت ظهيرة، الدواب كان قد جاءت الى مرابض أمام القرية للاستراحة، قيلولتنا (قةرةول) في رأس الشحيد، تلك الجماعة الشبيهة لنا الآن. تيمور كان قد ذهب الى (ضياء الدين - ديادين)، وعند عودته اجتمعنا حوله في هذه الغرفة، وقد سألناه كثيرا، عن حوادث الدنيا، سأقولها لك يا فتي يا إبن عمي، الناس إستغاثوا صراخا من رأس الشحيد (لقد أخذوا القطيع، أخذوا القطيع) فقمنا جميعا لنخرج من الدار، لكنهم لم يكن ليعطوا المجال لخروجنا، فهم قد أخذوا بتطويق كل أطراف القرية، وطلقات النار تمطر على القرية، ولا أحد يستطيع أن يخرج رأسه من الباب حتى، قال تيمور: اسحبوا فرسي.

  • الفرس مزينة، وقد أخذوها للإسطبل للتو. علي سمع كلامه:

  • لكن، - قال عثمان، - سحبوا الفرس قريبا من البوابة، لكن الطلقات لم تكن تعطي المجال كي يخرجوها، تيمور أخذ عنان الفرس، ارتمت أمه عليه وأمسكت بصدره فقال لها: "أماه، لقد أخذوا مالنا، المرء يموت لأجل الغيرة والناموس". قال هذا وركب الفرس وخرج من البوابة، وقد رشوه بوابل من الرصاص، لكنه لم يتوقف، وبعده خرج فرسان ورجال القرية رويدا رويدا من القرية، الغزاة أخذوا قطعان الدواب، وبقى في الموزلانة فقط حمار واحد، قيمز أخ تيمور ركب مع تيمور على فرسه، لقد قتلوا حصانه تحته.

  • أدعوا ان لا يصيبه مكروه، لم يكن حصانا، بل عاصفة، - قالها عفدو سمو وتوقف قليلا، كان بكو علي في حسنه، لم يخلق الله أمثاله، عربي أصيل.

  • وكذلك حصان عفدال أيضا قتل تحته، وكذلك لم يكن أقل شأنا من حصان قيمز، - قالها بروبشو.

  • الله يطول عمر أولادكم يا جماعة ولكنكم بقيتم في الحديث عن الأحصنة، ليكن الرجال بخير وسلامة، فلا يهم ما يحصل للمال، - قالها تيمور: - يقول المثل "إذا جاءت الطلقة فلتصب الحصان لا الفارس".

  • يا عثمان، بالله عليك لا تنسَ أن تستمر بحديثك، - فتي قال هذا، (فتي كان من بلاد الروس، كان يهوي سماع الحوادث على هذه الشاكلة.

  • سأقولها لك يا سيدي الكريم، - عثمان قال، - تيمور وصل الى القطيع، والله أقول لك، بأن رجلا واحدا أستطاع أن يرجع القطيع من يد أثني عشر فارسا، وقد أجبرهم على ذلك، تركوا القطيع ونشروا الخيول أمامهم وأركضوها، وذهبوا، فلماذا يقولون بأن الرجل فقط يعرف حساب الرجل، فطلقة تيمور لم تكن لتذهب سدى في الهواء.

الرجال الباقون من القرية وصلوا عند تيمور، بعدما كسروا الطوق عن القرية ووصلوا الى الغزاة، وبدءوا بضربهم، وأخذوا الأحصنة منهم، وقتلوا ستة رجال وحصانين منهم، فقط أستطاع الغزاة أخذ جنازتين معهم، والأجساد الباقية حفرنا لهم حفرة ودفناهم، هذه كانت الغزوة الثانية، لكن الثالثة، كانت مصيبة ثقيلة مازالت باقية.

التوتكية يحكمون الحراسة ويزيدونها، بعضهم على رأس الشحيد يقابل القرية، - ومن هناك يرصدون تلال تندورك، تل ديم، معتك، حتى سهل جبال جوبان تترأى لهم، وبعض أخر كان يرصدون كورامانكا من وادي كزوحتى رولرشان، حتى مضارب حاجيخالتي وتشكسان.

في المساء جاء الحرس متأخرين، قالوا بأنهم رأوا فرسانا في مضارب كورامانكا.

تيمور، جمشيد، علو وكلش اجتمعوا وتشاوروا وبعدها نادوا على مسلحي القرية وقال لهم تيمور:

  • غدا في الصباح الباكر لا تخرجوا الماشية، سوف نقوم بالكشف في أطراف القرية، وإن وجدنا بأنه لا يوجد شيء أخرجوا الماشية للرعي، لا تخافوا المراعي كثيرة، فلن تبقى حيواناتكم بلا رعي، وكان يبتسم مع كلامه وقد نفذوا ذلك برحابة صدر.

  • والأمر الأخر والضروري هو أن لا تخلدوا للنوم في هذه الليلة، لا تتركوا القرية بحماية الحرس المناوبين وحدهم، فالذين سيأتون للغزو سيأخذون أماكنهم في الليل وفي الصباح الباكر سوف يبدؤون بضربنا، ولهذا سوف يقطعون طرق القرى كلها، كي لا تصلنا المساعدة منهم، كي ينفردوا بنا حسبما يشاءون.

الآن حينما تعودون لبيوتكم، أعطوا لكل فرد من العائلة سلاحا، ليس من الضروري أن يكون السلاح بندقية، بل السيف والخنجر وحتى السكين يمكن أن تكون نافعة، من الممكن أن تمتد المعركة الى داخل بيوتكم حتى، فأنتم تعلمون بأنه لا يمكننا الهرب، فالحرب هي على المتشردين، ولهذا أقول أحضروا حتى الأطفال والعجائز للدفاع.

  • على بختي، تيمور يتحدث بايجابية كبيرة، - قالها عثمان خدر، الوقاية مفيدة للغاية.

  • والأمر الثالث، - قالها تيمور- في الصباح الباكر قبل ضوء الشمس، أن يأخذوا أماكنهم ويسيطروا على المرتفعات، فإذا سيطرنا على المرتفعات، مهما كان عددهم كبيرا فلن يتمكنوا من الدخول الى القرية، هل نحن ننزف الدم وهم ينزفون الماء؟ الآن سوف نحدد من هم الذي سيأخذون أماكنهم في المرتفعات، وسنحدد مواقعهم، وإذا لم نفعل ذلك فسوف نتعرض مع أرضنا وأولادنا وناموسنا للنهب.

لقد قام تيمو مع علو بتوزيع الرجال على المرتفعات.

  • أشهد بالله إذا كان هناك ضابط يستطيع أن يرتب الأمور بهذا الشكل. – قالها جمشيد صادق.

وعند الصباح، قام البعض بإخراج دوابه، تلك العناد والتمزق مازال موجودا بين أكرادنا.

تيمور تشاجر مع بعض الفتية.

  • لأنهم أخرجوا الماشية خارج القرية؟

ئيبو عثمان كان رجلا نشطا، لكن يا حيف فهو عنيد جدا، حصانه في داره مزينة ومربوطة، لقد ركض ورمى بنفسه راكبا الحصان وقال:

  • ما هذا بالله عليكم، حراسنا حين يرون طائرا يقولون "الفرسان جاءوا" الخوف يمزق أحشائكم؟

لقد ذهب صاعدا على التل وأنحدر الى الأسفل، وبدأت أصوات الأعيرة النارية فوقه.

ورأينا بعد ذلك حصانه عاد ولم يكن ئيبو عليه.

هم منذ المساء كانوا قد أخذوا مواقعهم حول القرية، ئيبو حين خرج، ذهب بإتجاههم وقد شاهدهم وأراد أن يعود ولكنهم أطلقوا عليه النار معا، وسقط ئيبو من حصانه الذي عاد لوحده الى القرية.

بمقتل ئيبو بدأت الحرب على القرية، وارتفعت أصوات الأعيرة النارية من أطراف القرية وفي داخل القرية حدثت القيامة، ئيبو كان قد أثر في الكثيرين من القرويين الذي خرجوا من بيوتهم، الطلقات كانت تنزل كالمطر على القرية، امرأة أرادت جلب بقرتها تحت النار وأخرى أرادت جلب العجل، الطلقة أصابتهم، وقتلتها مع البقرة، ووصل عدد الدواب المقتولة في القرية حتى الأربعين.

لم يكن هناك نجدة من أية أماكن، فقد سدوا طريق (ضياء الدين - ديادين) والقرى القريبة، ولم يكن بأستطاعة الطائر أن يمر بهم.

توسعت الحرب، نادوا بأن "يوسف أوسو قتل، سفر محو قتل، رسو مريري قتل، قتل وقتل. صراخ الحيوانات، وعويل النساء، ونحيب الأطفال وصرخاتهم، وكذلك أصوات الغنم المصابة بالهلع، وأصوات الأبطال في المعركة، وهم يضربون على صدورهم، ويشجعون رفاقهم. كأنها يوم القيامة والحشر.

الأعداء أخذوا زمام المعركة ضد علو، وضربوه حتى سقط، وصرخت النساء "قتل علو" حاول دوريش الوصول لعند علو فضربوه، وسقط هو أيضا، زوجة دوريش بسي، ذهبت على جنازته، فضربوها وقتلت، بنت أخ علو ألماست أيضا ذهبت الى جنازة عمها، ضربوها وقتلوها أيضا، بعدهم جميعا ذهبت أخت تيمور عيشان، ضربوها ولكن لم تصب، عيشان كانت زوجة علو، سحبت جثة زوجها لتحتمي خلف الحجارة، فتحت جعبة علو وربطته على خصرها، وحملت بندقيته وبدأت بحرب الغزاة.

والحرب كانت تزداد ضراوة، والدم يسكب بكثرة أكثر، وعويل النساء يزداد أكثر فأكثر.. والمتحاربون أصبحوا مصرين أكثر في الحرب، وقد أرتفع روح الانتقام، وكانوا يريدون أن ينتقموا لعلو، ذلك الأسد العزيز على قلوبهم، وكذلك الرجال الأخرين الذين قضوا نحبهم، وهم أيضا قتلوا الكثير من الأعداء، لكن قلب تيمور وحمزة كلش لم يكن ليهدأ.

ولسوء الحظ أصابت التوتكية بلاء كبير، والبلاء كان انتهاء الذخيرة لدى بعض منهم، ونقصه لدى البعض الأخر، فمنذ الصباح والآن أقترب الوقت من الظهيرة، العدو يهاجم من هنا وهناك، لكن ما الذي كان يوقفهم، ويجعلهم يتراجعون، بعضهم كان يقتل أثناء الهجوم على القرية وجثثهم بقت ملقاة على الأرض، لكن هذه البطولة كلها كانت تتم بالرصاص، ماذا أقول لكم، فهم أنكمشوا دون الذخيرة، البعض كان يترجى رفيقه كي يعطيه طلقة واحدة فيقول "أعطني طلقة واحدة، كي أطلقها على هذا الفارس هناك".

رويدا رويدا قدر التوتكية كان ينقطع، حول القرية كانوا في ضائقة شديدة، تيمور حمار – حمار لقد أرسل الناس لداخل القرية، كي يجلبوا السيوف والخناجر والسكاكين، أصبر فلم يبقَ الكثير لتصبح المعركة داخل القرية، وبقى لدى تيمور أيضا القليل من الذخيرة، لكن أخاه قيمز أتاه ببعض الطلقات من البيت، وحتى لو أصبح البعض (علي شير) أيضا، فلن يتمكنوا من صد جيش من الذئاب المفترسة.

من قرية التوتكية ترتفع أصوات النار، لم يكن أحد يعرف الأخر، من دخان الأعيرة، غرقت القرية في الضباب، ومن الجبال التي تقابل القرية كانت أصوات الأعيرة ترتفع، الدخان المتصاعد من البنادق كان كالغيم في شهر نيسان أسودا، وكان يلامس صدر الجبل، صوت الأعيرة وصهيل ذكر الأحصنة، وحتى الحجارة أصبحت صماء من تلك الأصوات، وعمياء بسبب الدخان، وإن كان لديهم أرجل لهرب من الميدان القاتل والدم... لكن فرسان أولو كندي، جانقز، داود وحاجي خالتي كانوا يتدفقون لنجدة التوتكية، والغزاة الصادين للإغاثة، كانوا يطلقون بوابل الرصاص عليهم، لكنهم بلا حرج ودون أي تردد كانوا يتقدمون، أولهم يتقدم أخرهم، كانوا يخبئون رؤوسهم تحت ركاب الأحصنة ويهجمون عليهم، وسدود الغزاة كانت تسقط واحدا تلو الأخر، وفي النهاية بدءوا بالانسحاب، وكل هذا بفضل قيادة الآغا جانكير، في ذلك الوقت جاءت عائلة الآغا جانكير من البحر الأسود الى (أولو كند) في قضاء (ضياء الدين - ديادين).

الأعداء المتواجدون على أطراف القرية يحاولون الهجوم لدخولها، لكن تيمور وكلش من جهتين كانوا مازالوا قادرين على ردعهم من دخول القرية.

تلك الغيمة السوداء الثقيلة رويدا رويدا بدأت تنسحب، لكن الغزاة على أطراف القرية، كان القرويون يرونهم، فقد حاولوا مرارا دخول القرية، في البداية بدأ الانسحاب على مهل، وبعدها بدءوا بالهرب كلهم، وعلى طريق (ضياء الدين - ديادين) أيضا حصلت معركة كبيرة، وهناك أيضا ضربوا فرسان قطاع الطرق هؤلاء، وهي كانت مساعدة من قبل كوجو قوملو بوجاخي (كوجوهو أب الكاتب الأرمني عيان هراجيا كوجارا) كوجوكان رجلا وسيما، له شوارب حمراء مبرومة، عند الضيق كان رجلا للمساعدة والإغاثة، رجال كوجو هاجموهم من الناحية اليسرى، ومن اليمنى منذ حوالي ساعة يحارب رجال الآغا جانكير، والمبادرة كانت في أيديهم من ذلك الحين، ولم يكن يعطون الغزاة المجال حتى للهرب، والقرويون كانوا يضربونهم من القرية أيضا.

كوجو كان يدرك بأن الذخيرة على وشك الإنتهاء، جاء بسرج كامل من الذخيرة وأعطاه لتيمور، وقد قام تيمور بتوزيع الذخيرة على الفرسان، وبدون تردد هاجموا على العدو، ومثلما يقول المثل "أفضلهم هوالذي لم يأتِ من بيته" والخلاصة كانت طردهم شر طردة، وقد ندموا بشدة على الخسائر التي تكبدوها هنا.

من ناحيتنا ثمانية عشر شخصا ً بين قتيل وجريح، أبيدت العديد من رؤوس الماشية والدواب، لكن منهم.. جاء البعض من عند خان ماكو وقالوا: "عدد ضحاياهم أثنان وستون شخصا بين قتيل وجريح". في تلك الليلة أنهى عثمان كلامه بهذه الجملة.


المترجم في سطور:

- داود مراد الختاري/ مواليد 1964، قرية ختارىَ/ قضاء تلكيف / الموصل .

- خريج كلية التربية، بكلوريوس في التاريخ

- في سنة 1986، عين في سلك التعليم بناحية الاسكندرية، قضاء المسيب، محافظة بابل.

- سنة 1988 سجن ونفي لمدة سنتين وشهرين الى (أم قصر) على الحدود الكويتية نتيجة كتاباته ومواقفه القومية .

- الان مدرس لمادة اللغة الكردية في اعداية سيقال المختلطة في قرية ختارة، وطالب ماجستير في التاريخ الحديث/ الجامعة الهولندية الحرة في الموصل.

- رئيس مركز لالش الثفافي / ختارة ، لثلاث مؤتمرات انتخابية .

- عضو اتحاد الادباء والكتاب الكورد/ دهوك

- عضو نقابة الصحفيين الكورد/ موصل

- رئيس تحرير مجلة (زمزم لالش) / سابقاً

- نائب رئيس تحرير جريدة (صوت لالش) في دهوك، سابقاً

- نائب رئيس تحرير جريدة (كانيا سبي –العين البيضاء) في الموصل، سابقاً .

- عمل في الاشراف والمتابعة التربوية في تربية تلكيف / الموصل، لمدة اربع سنوات .

- منذ سنة 1981 يكتب في الصحف والمجلات في العراق واقليم كوردستان وأوربا ، مثل ( هاوكارى ، عيراق ، خةبات ، كانيا سثى ، زمزم لالش ، نور لالش ، دةنطىَ لالش ، خازر، رؤز في المانيا ، ضرا في هؤلندا ، ئةظرؤ ، ...... الخ )

- قدم حوالي مائة محاضرة ثقافية وتاريخية.


- من نتاجاته المطبوعة، في هذه المؤسسات ودور النشر:


1- العيد الكبير للايزديين) الكاتب المانى كارل ماى) ترجمة الى اللغة العربية.

2- نامرم (ديوان للشعر)

3- هةر سترانةكىَ ضيرؤكةك، (لكل أغنية قصة) معهد التراث الكردي. ،

4 – د.أديب معوض، الكورد الايزدية، ترجمة الى اللغة الكردية، جامعة دهوك.

5- د عبدالسلام التلالوة، توند و تيذي دذي ذنان (العنف ضد المرآة)، ترجمة الى اللغة الكردية، بتعضيد من جامعة دهوك.

6- الايزدية في الوثائق العثمانية (1886- 1893م) )، جامعة دهوك.

7- الحملات والفتاوى على الكورد الايزديين في العهد العثماني، دار سبيريز في دهؤك.

8- مم وزين ل دةظةريَن ئيَزديان (قصة مم وزين في مناطق الايزدية) معهد التراث الكردي

9- الايزدية في المخطوطات الكلدانية، مديرية أوقاف الايزدية-بغداد.

10- معبد لالش والمراسيم الدينية الايزدية، مديرية أوقاف الايزدية-بغداد.

11- جون س طيست، ذيان ل ناف كوردان دا (ميَذوويا ئيَزديان) تاريخ الايزدية، ترجمة الى اللغة الكردية، وزارة الثقافة، مديرية الطبع والنشر، دهوك.


من نتاجاته (غير المطبوعة)

1- د. أديب معوض، الاكراد في سوريا ولبنان، ترجمة الى اللغة الكردية.

2- المأساة في مذكرات الاديب أحمد ميرازي، ترجمة الى اللغة العربية.

3- تاريخ ختارة.

4- منشورات بيرانية الايزدية.

5- الصراع بين ولايتي الموصل ودياربكر حول جزيرة بوتان وسنجار في الوثائق والمراجع العثمانية.

6- الصراع الانكلو فرنسي على سنجار.

7- هةظثشكيا ل نيَظ بةرا زمانيَ كوردي و زمانيَن كةظن دا، (المشتركات بين اللغة الكردية واللغات القديمة) باللغة الكردية،.

8- طاووس ملك عند الاقوام والمعتقدات.

9- شخصيات ايزدية.

10- سترانيَن فلكلوري ذ دةظةريَن ئيَزديان، (أغاني فلكلورية من مناطق الايزدية).

11- علاقة زعيم الاشورية أغا بطرس مع الايزدية.


1 مقسوك/ طير اصغر من العصفور ، ذيله متفرج الى نصفين

2 . في هذا السياق يتحدث يشار كمال في القسم الثاني من ثلاثيته تحت أسم (زةوى ئاسن وئاسمان مس) والآن هي جاهزة للطباعة، مستندا فيها الى (كاريته) فالأناضول قد عاش فيه منذ القدم الكورد، وكل شعوب الأناضول ليست أقدم من الكورد.

يشار كمال يؤكد بأن الأكراد كانوا معلمي الشعوب القادمة الى الأناضول كضيوف عليهم على مدار التاريخ كله. عاشق كجل هوأحد المغنيين، الذين كسبوا فنهم كله من عفدال زينكي. وحسب يشار كمال فأن الفنون القديمة كلها جاءت من الشعب الكوردي والشعوب الكوردستانية، الذي سكن القسم الأكبر منه في الأناضول، الصيد، العمل، عزف الجيتار، الغناء، سرد الملاحم، الدفاع والعيش بسلام، والصدق، الحرية والجرأة في قول الحق، وتحدي الظالمين، والضيافة.. إلخ. في البداية من المعلمين الكورد وبعدها أنتشرت بين الشعوب الأخرى. (شكور مصطفى).  

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة