حب في ظلال طاووس ملك / عصا الراعي ... حمودي عبد محسن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رواية في قيد الكتابة

حب في ظلال طاووس ملك

فصل : عصا الراعي

اصطفا الجد أن يكون ميرزا راعيا في جبل بحزاني ، ليقوى عظمه ، ويشتد أزره ، ولا تخور قواه أو تهن في الأيام الصعبة ، إذ في ذلك تكمن حكمة المعرفة بأسرار الجبل ، وليبسط الجبل ظلاله على ميرزا ، وتقيل عنه العثرات إذا حدثت ، ذلك يجعله طينة صلبة حسنة تتشكل كجزء من سلالته الأيزيدية التي كانت دائما طينة حسنة صلبة في شعبه عبر مر العصور ، هذا كان مآرب جده لتتعاظم روح ميرزا ، ويتعاظم حبه للجبل ، ففيه يبتهج قلبه لسماع أنغام القطا والدراج وحمام الحب الذي غالبا ما يسمى حمام الصخر الرمادي أو حمام زهرة الجلنار ، فهو المختار في الرعي ، وهو المختار في منزلة القلب ، القلب الذي يصطفي بالصفاء ، ويتدفق بالنبل عندما تبسط على جسده ظلال الأشجار ، فقد أراد الجد أن تكون روحه أيزيدية صالحة طيبة ، فيها قدسية لعهده الأيزيدي الذي كان هذا الشعب يساق من فرمان عثماني إلى آخر في أسر ، ويساق إلى الموت على أيدي الطغاة ، فتصادر أراضيه ، ومواشيه ، ومحصولاته الزراعية التي جناها بعرق الجبين ، هذا التاريخ الذي ارتبط بالمذابح في قطع الرؤوس ، والتمثيل في الأوصال ، وجر حشود الأيزيديين بالحبال مقهورين دون أن تهزم أرواحهم أو تتلوى ألما ، لكن لا ، الراعي البحزاني يرعى الماشية من جديد ، فها ميرزا في السابعة عشرة من عمره ، فتى وسيم ، ذو شعر أسود نحيف القامة ، قوي البدن ، وقد نبت الشعر في ذقنه وشاربيه ، شديد سواد العينين مع سعة المقلتين ، بيده عصا الرعاة يهش الماشية أمامه ، يقودها بكلمات : دع ... دع ... دع ... ثم يصفر ، ثم يصرخ ، فيكون لصراخه دويا في وجه الماشية التي يقودها كبش أبيض قوي قد علقت في رقبته أجراس فضية ، هذا الكبش راعي الرؤوس البيض المتعفرة بالتراب ، ماشية مدجنة من خراف تلتهم الحشائش والأعشاب وأوراق الأشجار ، وتنهل المياه من أحواض صنعتها طبيعة الجبل الصخرية لتكون ورود الماشية ، فالكبش يقفز فوق الصخور ، ويتسلق ، ويمد رقبته لينهل من أوراق البلوط الخضراء ، وأجراسه ترن ، وتتبعه الماشية ، فهو الراعي المرشد ، وهو الرئيس للقطيع ، يتقدم دائما مع صفير أو كلمات ميرزا ، ويقود القطيع على السفوح والوديان يطيعه القطيع ، ويستسلم إليه ، وهو دائما يتقدم أقرانه ، وميرزا يهش بعصاه على رؤوس الماشية ، ويصفر ، فالمراعي خصبة ، والكلأ وفير ، ومجاري المياه متدفقة في هذا الربيع الأخضر ، ربيع الإخصاب ، تارة يتوقف القطيع على بركة مياه بينما ميرزا يشم روائح عطرة منبعثة من أزهار برية أو تفتقت توا من براعمها ، تارة يتفيء في ظل شجرة عندما تكون الشمس في أوجها الربيعي ، فيوغل ذهنه إلى عالم فيه صور متعددة : فهذا جدي يتسلق شجرة عملاقة هاربا من سبع يلاحقه ليوقع الشر فيه ، فالشجرة العملاقة ملاذه الأمين ، يستجير بعلوها وضخامتها ، وهذا كائن خرافي مجنح يطلق دويا في الوادي ، فيلوذ القطيع إلى الكهوف والمغارات ، وبعصا الرعاة يقاوم ميرزا الكائن الخرافي ، ولا يسمح له أن يلحق الأذى بقطيعه ، فعصا الراعي تكون دائما سلاح المقاومة ، فبها يقاوم الوحوش الضارية ، والطيور الجارحة ، والماشية ترفع رؤوسها إليه ابتهالا وتوسلا لعصاه التي تقاوم المهاجم الشرس ، وحتى الغزلان الكثيرة التواجد في أرض بحزاني تلتمس الحماية من العصا كأنها تؤدي طقوس البقاء ، طقوس مباركة دينية في رد هجوم الكائن الخرافي ، هكذا تكون عصا الرعاة تؤدي واجبها في مكافحة الشر ، وبث إحساس الأمان ، فالعصا رمز الحماية ، ورد الأذى حتى إذا كان هجوم الضواري من الخلف .

وفي لحظات تخيلات ميرزا يجد نفسه تارة رامي نبال باتجاه سبع مهاجم ، لتمط الماشية أعناقها ، وتطاول أوراق الشجر ، عندئذ لا يستطيع أن تطال مخالب السبع القطيع ليبطش بها ، فيردعه ميرزا من أن يكون وحشا دمويا ، وتارة أخرى يجد نفسه يحمل رمحا ، ويوجهه ضد الحيوان الخرافي المجنح ، ليمنعه أن ينقض على بقرة تلد ، ويمنعه أن ينقض على وليدها لافتراسه ، فيعاجله بطعنة في بطنه ، وتتمزق أحشائه ، ويسقط على الأرض وهو ينزف دما ، أجل إنه يسقط بين قدميه ، وميرزا يرى مولودا جديدا يخرج من رحم أمه . في هذه الصور التخيلية صارت العصا مرة قوسا ونبالا ، ومرة رمحا ، ومرة عصا تقدح نورا في رد عدوان الظلام ، ثم قدم نفسه منقذا حاميا مصارعا منتصرا على آفة الشر ، وبذلك يكون قد صان القطيع ذا الرؤوس البيض ، آمنا في الكلأ الوفير ، يرتوي من المياه العذبة ، وبذلك صارت عصاه خير ، وصارت حماية ، وفيها صان شجرة الحياة ، ومياه الحياة ، وتجدد الإخصاب ، ووضع قدمه على صدر آفة الشر ، ذلك رمز القوة والمناعة التي راحت تتجذر في أعماقه ، حينئذ يكون الرضيع يرضع من ثدي أمه بأمان ، حينئذ يستطعن البيريات أن يستدرن  الحليب من الماشية . أهذا ما أراده جده أن تتجذر روح ميرزا في الرؤيا وتأمل الذات ؟! أن الراعي دائما يتأمل أيضا ما يحيط به ، ويتأمل السماء ، والأفق الممتد بعيدا ، لكن في هذه المرة كأنما يرى أعجوبة الأرض ، وهو يتجاوز بقطيعه قمة جبل بحزاني الممتدة بفسحة عدة كيلومترات شرقا وغربا ، وهي أرض الحنطة والشعير منذ أقدم الأزمان ، فكانت قديما تعج بسنابلها الذهبية التي تحصد بالمنجل ، والتي كانت تدرس أولا بأقدام الحيوانات ثم تكدس بأكوام عالية كبيادر خير ، ثم تنقل على ظهور الحيوانات إلى القرية ، لتدرس نهائيا بآلة الجرجر الشهيرة البدائية ، التي امتهنت صناعتها عائلة النجار سليمان قطي ، وقد توارثت المهنة أجيال بعد أجيال ، والتي يطلق أهل بحزاني على هذه الآلة الجغجغ ، آلة خشبية عجلاتها من حديد ، تجرها حيوانات ، فتدور بدوران الحيوانات ، وينفصل القش عن بذرات الحنطة والشعير . أجل ، الآن ينزل بقطيعه إلى أسفل تاركا أرض مزارع الحنطة والشعير ، وهو يرى مندهشا أن الأرض مزينة بخواتم زفاف زهور برية ذات ألوان جذابة مبهرة ، ألوان بنفسجية وقرمزية وأرجوانية وقرنفلية وصفراء وبيضاء ، هي على مقربة من قمة جبل بحزاني التي تسمى العقبي وغالبا ما تسمى سنكي ، كانت مكسوة بالأبهة والحلي ليغدو ميرزا مبتهجا في أسفل عقبة الجبل ، وكانت تتشرب روحه بروائح عطرة زكية تفوح من أنواع العطور ، لكن كان يشد بصره إلى تلك الزهور ذات الحمرة الشديدة المتشربة حمرتها بحمرة الدم ، والتي سلبت الجمال من كل زهور أسفل عقبة الجبل كما لو أنها تخجل من كبريائها ، ومنظرها المختال ، فهي تنتصب وسط عشب أخضر بساق رفيع غض متفرع بأوراق رمحية ، حافاتها مسننة ذات أعناق ، إذ من آباط الأوراق يبرز الساق الطويل الوحيد ليرتفع بتاجه الأنيق ، بزهرة أحادية رائعة ، ذات أربعة وريقات شفافة تستقر في كأسها بقعة داكنة من بذور سوداء محاطة بدائرة بيضاء ، فمد ميرزا يده الخشنة ، وداعب شعيرات بيضاء منتشرة على الساق ، وتذكر حديث جده الذي غرس حب الجبل في روحه عندما سأله ميرزا :

ـ جدي لماذا تسمى شقائق النعمان ؟!

ـ ذات يوم يا ولدي قبل ظهور الإسلام ، أمر طاغية بلاد فارس كسرى بن برويز بن هرمز الذي كان يحكم سواد العراق من ملك الحيرة العظيم النعمان بن المنذر أن يسوق إليه أجمل نساء العرب ، وأن يزف ابنته الجميلة هند إلى ولده ، بعد أن سمع كسرى بجمال هند الذي لا يوصف ، وذكائها الخارق ، فما كان من الملك النعمان إلا أن يستشير ابنته بطلب كسرى ، فقالت له :

ـ يا أبي ، ما لي وديار الغربة .

ما لي بالعجم يا أبي .

فقال الملك النعمان بن المنذر للرسول الذي أرسله كسرى :

ـ ابلغ اعتذاري للملك كسرى بن هرمز .

لكن الرسول كان يحقد على الملك النعمان ، وقد أراد الشر بالنعمان ، فقال لكسرى :

ـ يقول النعمان : ستجد في بقر العراق ما يكفيك .

فغضب كسرى الذي كان يتخذ من المدائن عاصمة له ، واشتد غضبه طالبا من النعمان المجيء إليه ، فأدرك النعمان بأنه مقتول لا محال ، فأودع عند عرب البادية نسوته وأسلحته ودروعه وخزائنه ، وكانت في استقبالهم حجيجة ، وهي صفية من بني شيبان ، التي عرفت بشجاعتها وعدلها ، وذهب النعمان بن المنذر إلى كسرى ، فسجنه ، ثم قتله تحت أقدام الفيلة ، فنبتت من دمه في نفس المكان الذي قتل فيه هذه الشقائق الحمراء ، فسميت بشقائق النعمان .

توقف ميرزا قرب عين فنجان ، وترك القطيع يرتوي من المياه المتدفقة بين الصخور ، وروحه تهفو حية متقدة مزدهرة في ربيع زاه ، وهو يكتشف في هذا الربيع سحر وألق هذه الألفة الفريدة المرحة الشفافة الطاهرة تتجاوب مع لحن متناسق من ألوان وتدفق مياه وروائح عطرة وسجع طيور الحب . تقدم إلى عين فنجان التي تشبه في شكلها الفنجان ، لذلك أطلق عليها البحزاني عين الفنجان ، كانت قطراتها تنساب سريعا ، وقد ضرب وجهه رذاذ مياه هابطة من بين الصخور ، وكان ينتابه إحساس سخي مدهش فاتن ، إذ أن حلمه كبير ، ويزداد فرحا بتدفق المياه ، وعلى حين غرة وجد كوبا خشبيا مطروحا على صخرة قرب العين ، وتحت كهفين منقورين في الصخر يعودان إلى أزمنة سحيقة ، ملأ ميرزا الكوب من مياه عين فنجان ، ورفعه بتأن بكلتي يديه إلى ثغره ، وسقا نفسه ماء عذب ، ثم رفعه إلى أعلى بيده اليمنى ، وصبه فوق مفرق شعر الرأس ، ليندمج مع المياه بوحدة عميقة مثلما اتحدت روحه مع الجمال الصامت أو المتكلم ، ثم حلق بخياله إلى حكايات جده عن شجرة الرمان البرية الفارعة ذات الأوراق الخضراء الداكنة التي تتلألأ في يوم الربيع المشرق ، الباهرة في جمال ساحر ، شجرة الرمان أجمل كل الأشجار ، ذات الأزهار القرمزية الساطعة التي تغازل العشاق ، وتدعوهم أن يحبوا في موسم الربيع ، شجرة الرمان رمانها أحمر بلون الدم ، وبذورها ذات حمرة أرجوانية ، أحبها سرب من مئة حمام ، فاختارت واحدا منهم ، وتركت تسعة وتسعين حمائم ، لا أحد يعرف سر اختيار الحبيب صاحب الطوق الأحمر ، هناك من يقول إنه قطف منها رمانة ، ولم يأكلها أعوام طويلة أما التسعة والتسعين حمام ، فحملوا منها سلالا من الرمان ، حتى صاروا يستخرجون صبغة الأرجوان منها ، فكان الحبيب يسجع سجعا حزينا يندب نفسه وعزلته ، مرددا : أين أنت ... أين أنت ... وصار التسعة والتسعين حمام يلقبونه الحبيب خارج سرب الحمام لأنه كان يأتي في كل ربيع إليها ، يقترب من زهرة الجلنار وهو يرفرف بخفة ، ويتنفس من عبيرها ، ويتيمم به ، ثم يسجع سجعا لا شبيه له : ريمون ... ريمون ... ريمون ... ويضمها في دفء جناحيه فتردد هي صوته ، وتهدر بترنيمة : أنا لك ... أنا لك ... أنا لك ...  وكان الحبيب يرفرف فوق عين فنجان ، ولم ينقر فيه ، بل يشرب نفسا نفسا حتى يرتوي ، ويقال أن ريشه سقط وغدا يمشي في القفر ، وصار صوته كله هدير حب حتى مات وحيدا منعزلا ، فبكته شجرة الرمان واختفت عن الظهور إلى الأبد .

فكان ميرزا يطوف بخياله وترتسم له زهرة الجلنار الذي تحدث عنها جده في حكايته وهي تسهر لتكون نفسها ولونها وعبيرها ، ولا تعرف الذبول ، أهذا اتحاد في الحب البريء ؟! غير أن ميرزا كان يسبح في خياله إلى الرمانة هنار ترتسم في عينيه ابتسامتها اللطيفة العذبة التي افترشت على وجهها ، ثم يغوص في رؤاه إلى رقبتها ، وكفيها باطنهما وظاهرهما ، فيهما نفح الطيب والعطر الذكي ، إذ في قلب ميرزا زنار قداح الحب راح يقدح فيه ، ويضرمه الشوق إلى هنار . أجل ، قداح يوري قلبه ويستولي عليه ، ويستثيره متمثلا في كلماته :

ـ أنا أحبك يا هنار .

وقرع صوت هنار في أذنه :

ـ أنا أيضا أحبك يا ميرزا .

من يدري .... لربما قطفت هنار بيد رعشة زهرة الجلنار ، ووضعتها بين نهديها ، وقد أحييت الحب ، ودفأتها في صدرها ، وعيناها المدهشتان الغائصتان في جمال شجرة الرمان الفارعة التي لا يضاهيها أي جمال ، قد ولدت الحب في أعلى درجاته وكماله وتمامه ، وسيبقى ميرزا يحوم حولها خارج سرب  الحمام ، سرب تسعة وتسعين حمائم ، فجأة انتبه ميرزا إلى نفسه ، وهو يلملم شتات أفكاره ، وقرر حينما يكون قد وصل إلى عين شيخ وبكر ، ويأتن البيريات يحلبن الماشية ، سيظهر قداح قلبه :

ـ أنا أحبك يا هنار .

ثم صفر ، وقد خرج توا من مليء رؤيا في عالم آخر ساحر ، ومن مليء نشوة ذات إثارة ، لاسيما كانت تحف به لحظة البدء في رغبة تجره أن يكتشف المزيد خارج نفسه ، لتحيى نفسه في يقظة حاسمة مؤثرة في الربيع ، وهو يحمل عصا الرعاة ، ظل الكبش ساكنا في مكانه دون أن يتحرك ، وهذا أثار اندهاش ميرزا ، حتى لم يحرك رأسه يمينا أو شمالا ، فاستغرب ميرزا ، وراح يحث قدميه إليه ، ويقترب منه ، فانسابت إلى أنفه رائحة طيبة ذات نكهة خاصة ، فكان يواجه نبات الكبر المعمر الشوكي ذا الأوراق الكثيفة التي تنمو في أبط أوراقها براعم زهرية بيضاء أرجوانية ، فراح ميرزا يستنشقها بعمق حتى أحس بمدى تأثيرها على نفسه التي أصبحت هادئة في غير المعتاد ، وهو يتطلع إلى زحف النبات بفروعه المتعددة ، المتسلقة على صخرة كبيرة بأوراق خضراء مدورة كأنها ترنو لتلامس الكبش أو أن الكبش يبتغي ملامستها غير إنه كان مجفلا في مكانه لربما كان يخشى أشواكها ، ثم لم تمض لحظات حتى تحرك الكبش من مكانه إلى شجيرة الزعتر ، هذه الشجيرة التي يطلق عليها البحزاني مفرحة الجبل أو مبهجة الجبل لرائحتها العطرة القوية المميزة ، ولأن فروعها تكسو الأرض زاحفة منبطحة بملاءة خضراء من أوراقها البيضوية المتقابلة ذات الزغب الأبيض ، تعلو قمتها أزهار صغيرة أرجوانية ثلاثية الفصوص بتاج سفلي ، وذات كأس أنبوبي زغبي بشفتين عليا وسفلى . عندئذ أدرك ميرزا أن لغة الروائح صامتة ، فيها نشوة رقيقة يتمخض منها انجذاب مكتوم في النفس ، حيئذ صرخ ميرزا : دع ... دع ... دع ... ولوح بعصا الرعاة ، فتحرك الكبش نازلا باتجاه وادي سنجق ، فتبعه القطيع منحني الرؤوس ليمر متجاوزا جداول من المياه ، ومتجاوزا حدائق أقامها الربيع ، حدائق من زهور تبيض في النهار وتصفر في الليل العميق ، وأخرى أزهرت بها الحياة الدنيا كدرر زهراء بيضاء صافية أو شديدة الحمرة ، وكذلك تلك زينة متناثرة بين الصخور ، وعلى حافات المياه ، بزينتها البيضاء العتيقة كأنها في ثوب عروس ، إنها زهور النرجس الجذابة بمنظرها البراق ، فرفع ميرزا العصا ولوح في الهواء ، وهو يتجاوز بركة مياه ، ويتذكر كلمات جده عن النرجس : إنها تميل بساقها دائما إلى المياه ، إنها تعشق الماء ، إنها عدائية غيورة أنانية ، تحب ذاتها ، وتقتل النبات القريب منها .

لكن في هذا الربيع بالذات الذي لا يشبه ربيعا آخر مضى ، قد أسفر عن وجهه تماما ، وهو يزهر تماما ، ودرة الزهراء قد أضاءت في قلب ميرزا الحب ليعلنه ، وهو يلوح بعصا الراعي ، وتكون كلماته صدى في ربيع زاه :

ـ أنا أحبك يا هنار .

 

حمودي عبد محسن

2012/ 1 / 14

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة