حب في ظلال طاووس ملك / فصل : ميرزا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رواية في قيد الكتابة

فصل : ميرزا

حمودي عبد محسن

 

 قبل ساعات النوم في ليالي الشتاء الطويلة الباردة المظلمة ، وأثناء هبوب الرياح من وادي السنجق مدوية تلاطم بيوت قرية بحزاني ، وتندفع عاوية بين أزقة القرية الخالية من أهلها ، وهي تصفر ، وتهز أشجار الزيتون ، وتمايل أغصانها ، وتراقص أوراقها بعد أن أثارت الرعب في الحظائر والزرائب ، ثم تمر عابرة متجاوزة القرية إلى السهل المفتوح الشاسع ... وأيضا أثناء دوي وميض الرعد الذي يرسل بريقه فوق القرية ، وتنفجر السماء بوابل شديد من المطر ، فيتساقط هطالا هائلا يدق بعنف فوق السطوح ، وفوق قباب المزارات ، فتفيض المياه المنحدرة من وادي سنجق ، وتسيل في مجراها الذي يشبه وادي صغير مخترقا أعالي القرية ، وتتشبع الأرض فيضا ، وتتخضب بللا لأيام ، وربما أسابيع ... وكذلك أثناء توقف الريح ، وتوقف رعد السماء ، وتوقف سقوط المطر حينئذ تبرز النجوم خافتة من عتمة السماء ... كان هناك صوت الجد العجوز يتهدهد هادئا حميما وقورا في غرفة تدفئها نار تهسهس بالخشب المحترق في مدفأة ، وينبعث من خلال فتحة صغيرة ضوء احتراق الخشب . الغرفة ليست كبيرة ، تلم أفرشة النوم على أرضيتها فوق سجادة حمراء مزركشة  بورود سوداء ، ويضيئها نور الفانوس الباهت المعلق إلى الجدار ، هذا الصوت أيضا فيه دفء أنفاس ، أنفاس محببة للطفل ميرزا الذي في السابعة من عمره ، أنفاس تتصاعد وتنخفض في شهيق وزفير ، تختلط مع أنفاس ميرزا المسحوبة من صدره بلهفة سماع الكلمات ، لم يكن هذا الصوت مثل بقية الأصوات التي كان يسمعها ميرزا ، إنه صوت مميز وفريد ينسل إلى أعماقه ، إذ من كلماته يستمد عوالم مختلفة سواء كانت في السماء أو فوق قمة جبل أو في وادي عميق أو على سهل مترامي الأطراف ، عوالم تعود إلى أزمنة سحيقة أو أزمنة الطوفان ، أو أزمنة ما بعد الطوفان ، أو أزمنة عصور ليست موغلة في القدم . هذا الصوت المتقطع أحيانا ، المسترسل أحيانا أخرى يأخذه على الدوام بعيدا في حكايات عوالم غريبة وعجيبة ، فيفتح ميرزا عينيه بدهشة ، وهو يحدق إلى وجه جده التي غضنته السنون ، وأرهقته الليالي المضنية التي مرت على بحزاني ، فصار وجها صارما بتجاعيده ، تغور العينان في محجريهما ، لكن ماذا أراد الجد من حفيده في هذه الحكايات ؟! أأراد منه أن يتجبل مثل الجبل أم أراد من قلبه أن يكون غضا مثل غصن زيتون ؟! كانت تلك الحكايات دائما تتموج في ذهن الحفيد قبل أن يطفأ ضوء الفانوس ، وقبل أن ينام في عالم فسيح ملئ بالمفاجئات ، فغالبا ما كان ينام ميرزا في حلم بحر لم يره ، وأرض بيضاء لم تطأها قدماه ، قد تكون مغطاة بالثلوج ، ثلوج لا تذوب على مر الأعوام ، وقد تكون ذات أعشاب طويلة تعيش فيها حشرات عملاقة ، يلفها ضباب أبيض ساخن ينفث بخارا ساخنا ، وقد يقوده حلمه إلى أشجار سامقة ترتفع لتعانق السماء في غابات كثيفة ، أغصانها حمراء ملفوفة حول جذعها لتعانقه عناقا أبديا ، أجل ، كان ينام ميرزا في أحلام ، وتحتضن ذراعاه زهرة ذهبية من بستان الخيال ، ثم يحلق بجناحين مع طيور ذات أجنحة ضخمة تشق غيوم سوداء ، ويرى من خلف الغيوم مدن بأبراج شاهقة ، وأخرى مضيئة ليل نهار ، أجل ، كان ميرزا ينام في حلم لا ينتهي ، وقد يتكرر هذه الحلم في ليالي عديدة ، وحلمه لا ينتهي ، قد يكون رقيقا ، وقد يكون صاخبا يتصاعد مع أمواج البحر العاصفة الهادرة المخيفة ، إلا إنها أحلام دائما تمتزج مع نغمات البطولة والخير والحب ، ألم يقول كبير القوالين :

ـ سر نحو الخير بذاته

الطريق إليه ظاهر وجلي

يليق بالمرء الحسن

كان جده دائما يغرس فيه حب الآخرين والجمال والتآلف مع البشر ، لتكون روحه دائما نظيفة صادقة ، وهو يكرر دائما بعد كل حكاية :

ـ كن مثل وجه الخبز يا ولدي .

لكن نهايات تلك الحكايات كانت أحيانا توجعه ، وأحيانا أخرى تملأ قلبه فرحا ، وكان في أحيان كثيرة يغلبه النعاس ، وهو جالس قرب المدفأة ويتابع الحكاية ، فيغمض عينيه نصف إغماضة ، ثم إغماضة كاملة ، فيحمله جده إلى فراشه ، ويطعم خده بقبلة خفيفة لئلا يفززه ، ويقول بصوت خفيض :

ـ نم يا ولدي مع الحلم نوما هنيئا .

نعم ، كان ميرزا دائما في منامه يرتقي بحلم إلى الجبل ، ويتأجج قلبه في حب مكوناته ، وحيواته ، وأشجاره ، ويتوارى في أحلام متنوعة تنقله من عالم إلى عالم آخر ، تتراءى له فراشة ملونة بألوان الجبل ، لها عينان براقتان ، وجناحان شفافان ترفرف بهما فوق زهرة برية ذات جمال خارق ، فتتكلم الزهرة ، وتتكلم الفراشة :

الزهرة :

ـ أنا خائفة ...

الفراشة :

ـ لماذا ؟!

الزهرة :

ـ أن يقتلني الفرمان ...

الفراشة :

ـ من هو الفرمان ؟!

الزهرة :

ـ ألم تسمعي من ذلك الزمان ؟!

الفراشة :

ـ أجل ... الذئب أكال الزهور ...

الزهرة :

ـ لا ... إنه رجل عثماني يحرق حدائق الورود ...

الفراشة :

ـ نعم ... سمعت ... ويقتل أطفال بساتين الزيتون ...

هذا ما كان يستحضر ذهنه خوفا من ذلك الزمان ، ويستحضر أيضا أنغام صدى وأناشيد وترانيم مجهولة ، وذهنه يحلم وينبش ويكتشف أسرارا ، لذلك غالبا ما يردد في نومه كلمات تتهدج في الغرفة : شلال ... قمر ... شمس ... كهف ... عنكبوت ... بلبل ... غيمة ... مطر ... إذ كانت تتوالى عليه الأحلام في فيض متراكم ، بعضها تعبر ذهنه ، وبعضها تترسخ فيه ، وفي صباح اليوم ما بعد حكايات الليل يحكي لصديقته هنار التي تسكن في نفس زقاق محلة البرافية ، والتي يكبرها بسنة واحدة ، فيمسك بيدها ، ويهرعان سوية إلى آثار الناعور في الديلي أو يهرعان إلى الكوتل وهو أيضا بقايا آثار طاحونة أو يهرعان إلى حفر معامل الجص العميقة التي قد تتجاوز المائة متر والتي تمتد بمحاذاة الجبل بين بحزاني وبعشيقة ، وتبدأ حكايات الصباح ، وتستمع إليه هنار بانبهار ، وهي تقول بروح طفولة بريئة :

ـ أنا أيضا خائفة .

ـ لماذا ؟

ـ أخاف أن يقتلني ...

ـ من هو ... الذئب ... ؟ّ!

ـ لا ... لا ... الأمير الأعور ...

ـ لا تخافين ... إنه مات ...

ـ أنت تعرفه ...!

ـ سمعت جدي يقول : إنه مات منذ زمان قديم ...

في هذه الليلة كان ينساب صوت الجد ، وهو يمسد لحيته البيضاء المتدلية على صدره ، ويبدأ حكايته : يا ولدي كان في ذلك الزمان دبة شريرة قد خطفت الراعي درويش الذي كان يرعى الماشية في الجبل ، وحملته إلى الكهف ، وأغلقت فتحته بصخرة ضخمة ، ثم لحست قدميه ، وركبتيه كي لا يقوى على الهروب ، وتستخدمه كذكر ، وكيف يستطيع الهروب ، والدبة كلما خرجت من الكهف أغلقته بالصخرة التي لا تتزحزح من مكانها ... غير أن في ذات يوم سقط ثلج غزير ، وهبت عاصفة ثلجية ، فانزلقت الصخرة ، وسقطت في الوادي ، وأطلق سقوطها دويا مرعبا ، فخاف درويش أن تقتله الدبة ، لكن يا ابني لم ير درويش الدبة ، فقاطع الحفيد كلام جده ، قائلا :

ـ ماذا رأى يا جدي ، ماذا رأى ؟!

ـ نعم يا ولدي .. انتظر ...

رأى درويش ضوءا لامعا يتسلل إلى الكهف المظلم ، فانتابه فرح شديد وهو يصيح بأعلى صوته :

ـ أنا درويش ... أنا هنا...

 إذ كان يتصور أن أهل بحزاني جاءوا لينقذوه ... لكن يا بني ...  أهل بحزاني بحثوا عنه في كل مكان فلم يجدوه ، ولم يكونوا يعرفون إن الدبة أخفته في هذا الكهف الذي يجهلوه تماما ... لم تمر لحظات كي يسحب الجد نفسا طويلا حتى تعجل ميرزا بسؤاله :

ـ من كان جدي ... قل ... قل ... من كان ...؟!

ـ نعم يا بني ...

وراح الجد يواصل حكايته : رأى درويش شبحا ، فحاول النهوض إلا إنه لم يستطع لأنه صار مخلوقا بائسا هزيل الجسد ، إذ راح الشبح يقترب منه بخطوات بطيئة وديعة ، ويقترب رويدا رويدا ، ثم انحنى على وجهه ، فرأى درويش وجه غزالة أبيض مثل الثلج بعينين حالكتي السواد ، واسعتين براقتين ، ولها قرنان لمساويان بحلقات ، وأذنان طويلتان مدببتان نحيلتان ، وجبين بشعر قصير ناعم ، صارت أنفاسها ترتعش على وجهه دافئة ذات عطر مسكر ، لم يحس إلا بلسان الغزالة رقيق ناعم يلمس خده ، إذ راح يسيل من فم الغزالة ماء أبيض ، تبرق منه رغوة بيضاء كالبلور ، ما لبث أن لحس اللسان خد درويش برقة ، ثم أخذ يزحف على كامل جسده ، واستقر على جروح ركبتيه ، وقروح باطن قدميه ... وأخيرا يا ابني ...أخيرا ... وجد درويش نفسه مطروحا قرب مزار الشيخ مند ...

حدق إليه ميرزا باستغراب ، وهو يسأله باندهاش :

ـ الغزالة حملته يا جدي ..!

ـ نعم يا ولدي ... نعم ... يجب أن تنام ... الوقت متأخر الآن .

ـ نعم يا جدي ...

كان ميرزا ينظر إلى سقف الغرفة قبل أن يغفو ، وينقاد خياله إلى الغزالة ، وهو يردد مع نفسه :

ـ سأحكي قصة الغزالة غدا لبهار ...

 ثم غط في نوم عميق ، لينهض من رقاده في الصباح الذي خرجت الشمس فيه من خلف الغيوم ، فها هو ميرزا يقف قرب التنور الذي يقع في زاوية الحوش ، ينتظر أن تمتد ذراع أمه إلى فوهة التنور ، لتخرج رغيفا محمصا كي يهرع إلى ملاعبه ، وهو ما يحدث في أغلب الصباحيات إلا في تلك الصباحيات التي لا يفوتها إطلاقا حينما تمتد ذراعا أمه إلى قاع التنور ، وترفع القدر الفخاري الذي ترك كل الليل على جمر نار هادئة داخل التنور ، والمغلفة حواف القدر بالعجين كي لا يخرج البخار الحار منه ، إذ بهذا البخار يطهى الحمص والعدس والحنطة مع اللحم ، ويهرس سوية دون تحريك بآلة خشبية ، فتستوي أكلة لذيذة يشتهيها ميرزا والتي تسمى أكلة الدلي ، أما في عيد خضر الياس فيحق للجار أن يأخذ القدر الفخاري من التنور بغفلة من أهله سواء كان ذلك في منتصف الليل أو الهزيع الأخير من الليل ، ويفطر مع أهله بأكلة شهية مهيأة من الجار الحميم الحنون دون أن ينزعج أهل القدر ، ودون أن تتكدر علاقتهما ، عندئذ يردد أهل القدر الفخاري :

ـ ... بالعافية يا جيران ...

هذه عادة شائعة في بحزاني ، عادة حميمة منذ قديم الزمان ...أما الآن فإن ميرزا كان ينتظر أن تخرج له أمه من التنور رغيف البنداني المليء بقشور الحنطة ، ها هو الرغيف يخرج ساخنا يتصاعد منه البخار ، ويرمى على صينية مطروحة على الأرض ، فينحني ميرزا ، ويمد يده الصغيرة ، ويلتقطه من الصينية ، ويقلبه بيديه ، وهو يقول :

ـ إنه حار يا أمي .

ـ ألم أقل لك اتركه حتى يبرد !

ـ أنا أحبه حار يا أمي .

ما لبث أن رش عليه قليلا من العسل فوق الرغيف ، وأخذ يقضم أطرافه ، ثم شرب قليلا من الحليب الدافئ ، وأكمل فطوره الشهي ، وخرج راكضا ليلعب مع أقرانه كرة القدم أو الطفرة على انحناء الظهور أو الاختفاء خلف أبواب البيوت ، غير أن فرح صباح اليوم كان يشتعل شوقا في داخله ليقص على هنار حكاية الليل ، إلا أن وقت اللعب قد حان ، فها هم يتجمعون عند مجرى تجمع المياه قرب مزار الشيخ مند ، وهو ينتظر نهاية اللعبة التي كانت بمثابة تمثيلية مسرحية عن الحب البرئ ، فانقسم الحشد إلى فريقين متضادين متخاصمين ، فهذا فريق يعلن عن حب نشأ بين ميرزا وهنار ، ويدعو إلى زواجهما ضمن طقوس القرية ، فيجابهه فريق ابن عم هنار الذي يدعي إنه أحق له بالزواج من ابن عمته هنار ، فتشبثت ذراعا هنار بعنق الحبيب ميرزا ، وراحت تمثل دور الحبيبة الولهانة :

ـ يا حبيبي لنهرب إلى الجبال .

فيرد عليها الحبيب ميرزا بتفاخر :

ـ نعم ، يا حبيبتي لنفر إلى بعيد .

عندئذ أعطى ابن العم إشارة المعركة ، وبدأ الفريقان بعراك بالأيدي والتصارع ، فتلوت الأذرع ، وسقط البعض على الأرض متعفرا وجهه بالتراب ، والآخر حدثت خدوش في أنفه أو في ركبتيه حينئذ صرخت هنار بغضب :

ـ  كفى ... كفى ...

ثم هرعت راكضة إلى جوار المزار ، فتبعها ميرزا ، عندئذ لفت ذراعها حول شجرة الزيتون ودارت حولها ، وقد سألت ميرزا بغنج :

ـ صحيح ، أنت تحبني .

فأجاب بعجلة :

ـ طبعا ... طبعا ...

ثم جلسا عند طرف الكوم وهو أشبه بحفرة مياه ملأته مياه عين كاني زركي ، وعين القرية الرئيسية ، وعين باب الكاف ، وكذلك الأمطار ، وهو مسبح ميرزا في فصل الصيف ، ولم تمر لحظات حتى بدأت حكايات ميرزا النهارية مغيرا أحداثها ، ومتلاعبا بمنطقها ليلفظها بلغة طفل وديع ، ثم انتهت ، فسألته هنار ، والدموع كانت تترقرق في عينيها  :

ـ لماذا كانوا يقتلوننا ؟!

ـ لأننا أيزيدين ...

 

هذا ميرزا الطفل قد شدته الحكايات إلى عوالمها التي صارت تحتشد في ذهنه ، وصارت رؤيا له أينما يذهب أو أينما يلعب في بساتين الزيتون أو قرب المزارات ، تارة تتوقف الرؤيا في ملاعبه وتارة أخرى تنهال عليه مثل مطر عندما يكون وحيدا أو يكون منعزلا عن زملائه ، وتمر مشاهد مختلفة في ذهنه دون أن يدرك معانيها ، وتلك يدرك تماما مضامينها ، ثم تلوح له شخصياتها التي فرضت نفسها عليه سواء كانت خارجة من التاريخ أو خارجة من عمق البحر أو من وادي سنجق ، سواء كان ظهورها طفيفا أو ظلا يحوم حوله ، شخصيات كونية أحيانا تتراقص أمام عينيه وأحيانا تهرب منه ، إنها أثارته ، لذلك أراد أن يكون بطلا ، وأراد أن يكون داعية خير ، وأراد أن يكون مثل وجه الغزالة ، وأراد أن يكون فراشة أو زهرة ، إذ ثمة إصرار ولد في داخله أن يكون شيئا مهما يقدمه إلى بحزاني ، ولم يجده إلا في هنار التي كانت تصغي إليه باهتمام ، فيعود إلى البيت وفيه شغف كبير أن يسمع حكايات الليل .

 

وجاء الليل ، وجاءت الحكايات ، إلا أن حكاية هذا الليل تختلف عن كل حكايات ليالي الشتاء كما لو أن جده أختارها له من بين آلاف الحكايات التي يعرفها أو التي من خلق ذاته ، من يدري وهو العجوز المجرب الخبير في الحياة ، وقد عاصر أحداث ومشاهد ، وورث كنوز تراث ، ويحفظ تسلسل الأزمنة ، وكذلك هو دليل الجبل في ألغازه ، وعندما يرفع رأسه إلى السماء ، ويرى غيمة رمادية ، سيحدد وقت المطر ، ويحدد موعد الرياح ، ومتى سيظهر الصقر زائرا جبل بحزاني ، ولا ينفك أن يرشد أهل بحزاني إلى أعشاب أو زهور برية أو أوراق شجيرات أو نبتة تفرش جذورها بين الصخور لتستخدم كل تلك النباتات في علاج لأنها ستكون أفضل دواء . هو هذا الجد نفسه يدخل في هذه الليلة في امتحان ، لذلك كان حذرا في لفظ الكلمات :

يا ولدي كان في ذلك الزمان القديم ذئب يجوب الجبال ، ذئب شرس ، شديد الضراوة ، تهابه الوحوش ، وتخاف منه القرى ، عواءه يتردد صداه مثل طبول تقرع ، يغور على الماشية ، ويقتلها ، ويثير الرعب فيها ، ذات ليلة دهماء هجم على ماشية أهل بحزاني ، فارتعدت خوفا ، فصارت تخور ، وتئن ، وتشتت في البرية ، غارسا أنيابه الحادة في رقابها ، وبراثينه في بطونها ، تلك الليلة كانت فاجعة  تذكر في الليالي العميقة ، وكانت كارثة لا تنسى ، فصار الذئب يغور في الليالي خفية ويلحق الأذى بالماشية  دون أن يعرف أهل بحزاني كيف يتفادونه بالرغم من الجهود التي بذلوها لقتله لكنه كان يفلت بدهاء من كل شرك يحاولون أن يوقعونه به ، وصاروا يخافون على أطفالهم منه ، هكذا مرت شهور وأهل بحزاني في حيرة من أمرهم ، ومهما حاولوا أن يشددوا الحراسة ، ويزيدون عدد أفرادها ، ويشعلون النيران ، فإنه كان يباغت الماشية ، ويقتلها ، حتى بدأت الماشية بالانقراض ، فشاعت أخبار الهلاك الذي لحق بالماشية ، وإن أهل بحزاني لم يقدروا أن يقتلوا الذئب الوحش ، فحاول أهل القرى الأخرى أن يرسلوا نجدة إلى القرية من رجال وسلاح إلا أن أهل بحزاني رفضوا ذلك ، وكانوا يشكرون أهل العون ، ويرددون هذا شأننا مع الذئب الوحش ، وقد اجتمع وجهاء القرية ، وقرروا خططا للإيقاع به غير أن ذلك لم يجد نفعا ، وقد انتشر اليأس في القرية للتخلص من الذئب الوحش ، وهذا ما أحزن رجال القرية ، وذات ليلة رهيبة رآه أحد الحراس ، وقد وصفه كما رآه ، كان ضخم الجثة أسود ، عيناه تبرقان ضوءا أصفرا مثل نار ملتهبة ، يزمجر بغضب ، فكه كبير ذو أنياب طويلة بيضاء مدببة ، رأيته يسحل بقرة وأنا غير مصدق ما تراه عيناي ، فجفلت في مكاني مرتعبا ، ولم أقو على الحراك ، أو أقدر أن أتفوه بكلمة أو أصرخ ، كان يطلق أنفاسا رهيبة من منخريه ، ويحرك خطمه الطويل المرعب ، كنت ليس بعيدا عنه ، وأنفاسه اللاهثة النتنة تضرب أنفاسي حتى كدت أختنق من رائحتها الكريهة ، فتسمرت على الأرض كي لا يشرب دمي .

كان ميرزا يستمع إلى حكاية خاصة ، وينساب خياله مع صورها وأحداثها ، ليست بمتعة الحكايات القديمة ، فهذه الحكاية ممتزجة بالدماء ، والقتل ، فبدا ساهيا وهو يطوف بخياله ، ويتفرس في وجه جده متعجبا مستغربا ، ليقترن ذلك بسؤال :

ـ جدي ... الذئب قتل كل الماشية ... حتى الصغار ؟!

ـ ليس كلها يا ابني ... أكثرها ...

تابع الجد إيقاع الحكاية ، وهو ينسج الكلمات ، وتتدفق ، بينما ميرزا قد استغرق في صمت بعد أن أدخلته الحكاية عالما فيه القهر والجزع دون أن يعرف أشياء كثيرة فيها ، فها هو جده يواصل كلامه :

 وذات يوم يا ولدي حدث شيء لم يكن في الحسبان ، فقد اختفي الفتى جدنا الأول كنجي ، ولا أحد يعرف كيف اختفى ، فطارت الأقاويل والإشاعات ، فهذه تقول أن الذئب افترسه وشرب دمه وأكل لحمه ، ولكن أهل بحزاني بحثوا عنه فلم يجدوا أي عظام وهذا يعني أن الذئب لم يفترسه ، لكن أين اختفى ، لا أحد يدري ، وتناقلت إشاعات أخرى تقول أن كنجي صار يحيا مع الذئاب ، وطبعه صار طبع ذئب ، يعوي مثل الذئاب ، ويأكل مثل الذئاب ، وينام مثل الذئاب ، ويمشي على أربع ، وإشاعات أخرى راحت تقول إنه أصبح له خطما ، وصارت له أنياب ، وصارت له فروة ، لكن يا ولدي لم يكن جدنا كذلك ، فلم يمسخ ذئبا ، ولم يكن طبعه طبع ذئب ، ولم يكن على الإطلاق مثل الذئاب ، لأنه من أهل بحزاني ، وطبعه طبع بحزاني أصيل . فذات صباح باكر ظهر كنجي من وادي سنجق يمشي بخطوات بطيئة ، نحيف الجسد ، أشعث الشعر ، ممزق الثياب ، يبدو التعب والإرهاق عليه ، وهو يمسك رأس الذئب الوحش من أذنه ، ويتدلى من يده ، فكان أهل بحزاني ينظرون إليه فاغري الأفواه ، وهم يتجمعون حوله ، فرمى رأس الذئب الوحش على الأرض قائلا بصوت ضعيف :

ـ هذا رأس الذئب الأسود .

 فتعالت الهلاهيل والزغاريد في القرية إلا أن جدنا سقط على الأرض مغميا عليه ، وكان ذلك اليوم يوم فرح عظيم في المنطقة كلها ، إذ جاءت وفود القرى مهنأة ، تشارك بحزاني باليوم السعيد ، وبعودة الابن البار .

هكذا عرفنا منه لاحقا إنه كان يتابع أثر الذئب ليل نهار ، وهو يجمع الأفاعي من جحورحا ، ويضعها في كيس من صوف أخذه معه ، وأخذ سكينا أيضا معه عندما جاءته فطنة الإيقاع بالذئب ، فراح يعيش وحيدا في الجبال معزولا عن عالم البشر ، ينام في الكهوف والمغارات ، يسد رمقه من ثمار النباتات التي صار يميز طعمها وألوانها ، تلك التي كان يقطفها من الأغصان ، وتلك التي كان يخرجها من الأرض كالكعوب بعد أن يزيل الأشواك من نهاياتها الحادة لتظهر سيقانها البيضاء ، وكذلك جرب الكثير من الأعشاب البرية ، خاصة وقد وجد في سيقان الريواس الطويلة ذات طعم حامضي مستساغ  ، فقد مرت عليه الأيام صعبة مريرة وهو يتنقل من جبل إلى جبل ، يتحدث مع نفسه كي لا ينسى لغة بحزاني ، نعم ، مرت عليه أيام رهيبة ، وليالي مرعبة موحشة ، وهو يغامر بحياته من أجل بحزاني ، ويتابع أثر الذئب ، ويتربص به ، لم يظفره بسهولة ، لذلك كان يقتات على ما يسد جوعه ، ويشرب ماءا ما يطفأ ظمأه ، حتى وجد الذئب نائما ذات مرة وحيدا دون قطيعه ، فأرسل عليه الأفاعي التي راحت تلتف على جسده ، وتنهال عليه لدغا وعضا ، ولم يقدر أن يقاوم ، فصار يعوي ويزمجر ويدور حول نفسه كأي وحش متهالك ، عندئذ أيقن جدنا أنه هلك ، فتقدم إليه ، وقطع رأسه .

أخذت المفاجأة ميرزا من هذه الحكاية ، وسيطر عليه الذهول ، إذ كان احتدام أسى يتفجر في روحه العذبة ، تلك الفاجعة التي مرت ببحزاني ، فكم كانت الحكاية طويلة هذه الليلة إلا إنها سريعة مرت عليه لتولد اضطرابا في نفسه ، وهو لم يستطع أن يطرد النعاس من عينيه ، ولم يقدر أن يطرد أنين صغار الماشية الموجوعة تحت مخالب الذئب ، إنه قتلها ، وكذلك لم يستطع أن يطرد صور الأفاعي التي التفت حول الذئب ، وأشبعته سموما ، ومات الذئب ، وكان يصارع ميرزا سؤال : لماذا كل هذا ؟! فسحب نفسه إلى فراشه ، وهو يقول بأسى :

ـ أريد أنام يا جدي ...

ـ نعم ، يا بني ...

لكن صور الدماء ، والقتل ، والموت ، صارت ترهقه ، وهو يندس في فراشه قلقا مشوشا ، فنام نوما مضطربا مع تلك الصور ، والتساؤلات البريئة ، حتى بلغ منتصف الليل فانطلقت صرخة قوية من أعماقه ، وهو يرفس غطاء النوم ، ويستيقظ بهلع ، فهب إليه جده ، ومسد رأسه ، وهو يردد :

ـ لا تخاف يا ولدي ، إنه حلم .

فنطق ميرزا بصوت وديع مثل وداعة روحه ، وهو بين اليقظة والنوم :

ـ أريد غزالة ...

ثم غط في نوم عميق .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة