حب في ظلال طاووس الملك ... حمودي عبد محسن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رواية في قيد الكتابة

فصل : هنار

                                           هنار

 

إن لقرية بحزاني حكاية موغلة في القدم قد خلعت قناعها وخلعت ردائها في هذه الليلة بالتحديد التي لم تكن مثل تلك الليالي الماضية ، ليلة غير عادية تعلن الحكاية عن ظهورها بعد غياب طويل بالرغم من أن الصدأ لم يأكلها ، ولم تأكلها الليالي الموحشة القاسية أو الليالي الهانئة التي تلتقي فيها نظرات العيون لتتشابك أكف وأصابع في مفارق أصابع ، إذ ظلت الحكاية تشتعل حتى في أعوام الحزن والحروب أو فترات قطف الزيتون ، تشتعل في لحظات الليل العميق على تراتيل هادئة في ظل ضوء سراج باهت ، ترددها أصوات خفيضة وقورة ترتقي بكلمات البطولة . ها هو الليل يمر ، وهو الآخر يعلن بعد الساعة الثانية عشرة عن بدء يوم جديد ، يعلن عن بدء عالم يتوغل في حلم ، خاصة وإن القمر البدر قد بلغ منتصف السماء ، تحيطه نجوم لامعة متلألئة لتهبط الضياء فوق عراقة القرية ، ولتفرش عليها ظلال أشجار الزيتون ، ضياء نازلة حرة مشعة بلا قيود ودون هدى في هذه اللحظة الأبدية لتشرق الحكاية في حلم بتجديد ، وليشرق أيضا وجه هنار الرائعة الحسن ذات الأعوام السادسة عشرة ، النائمة في الحلم ، والتي تكاد عينيها تتفجران في نور ، تتفجران في نعمة عذبة لترتيل :

أيتها العذراء الفاتنة  !

المشتعلة في حلم أبدي

يا من أخفيتي بكاءك

وأخفيتي دموعك الغزيرة

في سر الليل الحزين

وفي ظلام السنين

ولم تخبرين أحدا

عن بكاءك

عن دموعك

في الليل العميق

أتريدين مركبة مشعة

أتريدين جناحي طير

لتحلقين في حلم

حلم السنين

كانت هنار تنام باستمتاع مع ضوء البدر دون أن يوقظها الصوت العذب الذي قد يكون هو الآخر هابطا من السماء ، ولم يوقظها العرق المتصبب من عنقها وظهرها في صيف دافئ بينما النسيم القادم من جبل مقلوب ووديانه راح يهدهد حلمها ، ويجفف جسدها هامسا في أذنها بلطف :

ـ تعرقي كي أجفف جسدك .

هذه هنار التي لأنفاسها صوت خافت ، ولثغرها شفتان رقيقتان ينمنمان قبلة ، ما تزال غافية تتقلب في فراشها ثم فجأة تكورت على ذاتها كما لو أن لمس النسيم لها أشبه بلمس شخص غريب ، لذلك خبأت وجهها في الوسادة ، حينئذ شبكت أصابعها في الفراش ، وارتعشت أناملها ، وأدارت ظهرها ، وانزلقت في حلمها الذي رسي عليها :

رأته يخرج من قلب الظلام المكفهر على إيقاع عواء هستيري مرعب برؤوسه السبعة ، وهو يزحف بثقل جسده ، ويهز رؤوسه في الفضاء ، وينفث نارا ملتهبا . إنه هو الثعبان الوحش ذو الأنياب الحادة الطويلة ، واللسان الأحمر المدبب ، والعينان الصفراويتان الكبيرتان ، الذي تغطي جسمه حراشف حادة خضراء ، وقد استقر على ينبوع ماء القرية ليسكت خريرها ، ويوقف جريان المياه العذبة التي ترتوي منها بحزاني ، تروي بساتينها ومزارعها . كان ينبغي أن يهلك كل شيء حي في القرية ، مهددا إياها بالموت والهلاك بقطع شريان الحياة ليس ليعاقبها على إثم أو خطيئة ارتكبته ، فبحزاني لم ترتكب سوءا على الإطلاق ، فهي مسالمة تتوق إلى الخير والمحبة ، وأهلها لطفاء يحبون الآخرين ، ويحسنون استقبال الضيف أو عابر سبيل ، وإنما ما أراده الوحش إيذاء بحزاني ، ذلك لم يكن إلا نزوة شرير أناني طماع بخيرات القرية ، ولم تكن أيضا منه إلا رغبة في العدوان ليلقح الأذى بالقرية بالرغم من أن أهل بحزاني قد قدموا له المواشي في كل أسبوع كي يتركهم بسلام حتى نفدت أغنامهم وأبقارهم من شراهته في افتراس الضحية . ارتجفت هنار في في مكانها رعبا ، وفاضت عيناها بالدموع ، خاصة وجرت القرعة في القرية واختيرت أن تكون الضحية بغية أن تنقذ القرية ، بغية أن لا يهلك الأهل عطاشى ، وبغية أن تدوم القرية التي شيدها الأجداد من صخر وحجر وجذوع أشجار ، ولهاث وتنهدات وعرق الجبين منذ أقدم الأزمان . ثبتت في مكانها متسمرة في الأرض التي أحبتها ، وأحبت وجوه أبناء قريتها أثناء طلوع الفجر ، وأثناء حمرة الغروب ، وجوه بريئة تطفح نبلا وصدقا للحب . أجل ، تسمرت هنار في مكانها لتكون قربانا بروحها وجسدها ، أليس هي العذراء في وجه السماء كأن السماء تكرر الترتيل منبعثا هذه المرة من الأرض التي ينورها القمران بلون آخر ، بطعم آخر :

وداعا يا سماء الدنيا

هنار فيها القمر

هنار فيها البصر

وداعا يا هنار :

ابنة بحزاني

ابنة الدماء في العروق

والروائح في الزهور

وداعا يا هنار :

أنت رحيق العهود

وأزمان الدهور

أنت رحيق عطر

قارورة عطر

وبرعم في الشجر

ونجمة زهر

جن ثغر هنار من الارتعاش ، وجنت عيناها في الدموع ، ورفت خصلات شعرها كلما أطلق الوحش فحيحه ، وهو في انتظار ، وهنار في انتظار الموت ، لكن في لحظة مدماة بالقهر تقدمت بخطوات واثقة بطيئة إلى الأمام ، والوحش المستبد في انتظار الذي يختبئ في أحشاءه الموت ، تعثرت وكادت تسقط على وجهها إلا إنها تشبث بقدميها على الأرض ، ولم تسقط مكابدة الموت والفراق ، صارت رابطة الجأش وواصلت تقدمها كفريسة للشر ، لم تفكر أن تهرب ، ولم تفكر أن تتراجع حين وقع عليها الاختيار أن تكون الضحية لأنها أعطت كلمة عهد أن تنقذ القرية ، أن تموت مخضبة بدمائها بين أنياب الوحش ، فارتسمت على شفتيها ابتسامة خالدة ، وتفجر في عينيها نور الحب لبحزاني .  فجأة ، وهنار في لحظة خارقة صهل حصان ، وقرعت الأرض بحوافره ، توقفت مبهوتة مندهشة في مكانها ، فلاح في نور عينيها فارس مقدام يمتطي صهوة حصانه الجموح ، ثم راح يرمي سهامه اتجاه الوحش ، ها قد أصاب الرأس الأول ، فاستعر هائجا الوحش ، ها قد أصاب الرأس الثاني ، ها قد أصاب الرأس الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع ، فتعالت الأهازيج والهلاهيل ، وأذرع تحتضن أذرع ، وقبل ترتسم على الخدود ، وكذلك تتعالى أصوات فرح إلى وجه السماء :

هنار لم تمت في الظلام

هنار أنقذها الفارس المقدام

ثم أطلق الفارس رمحه لينبعث أزيزا عاليا في الهواء ، ويصيب عنق الوحش ، الفارس يتقدم مستلا سيفه من غمده ، ويضرب الثعبان العملاق الذي صار يتلوى ويصرخ ، والفارس يضرب وجه الشر ، ويقطع الرؤوس السبعة حتى خمد الثعبان خارج ينبوع الماء ، وكف صراخه المرعب ، وعلى حين غرة تفجرت شمس النهار : نور جديد في عالم جديد ، ويذهب الظلام ، وتمتلأ الدنيا بالضياء. تفجرت عين الماء أيضا من جديد ، وجرت المياه صافية براقة مخرخرة في سواقي إلى بساتين الزيتون وتفتحت أبواب الخير ، فامتدت أذرع أهل بحزاني وغرفت بأكفها إلى المياه لتطفأ ظمأها ، بينما هنار تقدمت إلى جثمان الثعبان الوحش ، ووقفت تتطلع إليه ، وتلقي عليه نظرات متفحصة وهي تقول بخفوت :

ـ مات الشرير الوحش .

 انحنت ، وطبعت كفها بدمه ، ورفعتها إلى قرص الشمس الذي راح يرسل أشعته بحنان ، ثم مشت صوب الفارس المنتصر الذي كان يلقي النظرات الأخيرة على الجثة الخامدة وهو يمسك سيفه الذي يقطر دما ، ورسمت كفها على ظهره لتعلن حبها إلى الفارس الذي توج بالمجد والفخر والبطولة عند البحزانيين ، فدقت الطبول واهتزت الدفوف وعزف الزنار ورقص الشعب فرحا مبتهجا بهذا الانتصار ، وكانت الأصوات تزغرد :

 ميرزا أنقذ العذراء

ميرزا الفارس المقدام

هكذا صار اسم ميرزا يتردد على ألسنة أهل بحزاني عندما تطحن حبوب القمح بالراح الصخري ، وعندما تتقاطر خمرة الأعياد ، وعندما ينسج خمار الأعراس سواء أمطرت السماء أو هبت رياح صفراء ، فشاع وانتشر اسم المنقذ المختار في كافة الأرجاء ، في كافة أنحاء تواجد الأيزيديين ، وتناقلته الألسن من بيت إلى بيت ، ومن حقل إلى حقل ، بل من مدينة إلى مدينة ، ومن بلد إلى بلد : صار ميرزا الزوج الحبيب لهنار ، وفاز بالرمز العجيب .

 

ما زالت هنار نائمة فوق سطح البيت ، وما زالت الحكاية الحلم تدور فوق القرية ، وفوق العذراوات الجميلات لتتناغم الكلمات على الشفاه في أحابيل مزهرة :

ـ ألم تكن هنار هي زهرة جلنار حمراء ؟!

فكانت قبلة خفيفة هادئة تستريح على ثغرها من الفارس الشجاع ميرزا أشبه بلمس رضاب عسل لذلك تنهدت في حلمها ، وهي تبحث بعينيها عنه وقد ذابت صورة ملامحه في الحلم ، عندئذ فتحت عينيها في ألوان الفجر المهيب كأنها تبحث عن ميرزا ، أيقنت إنها كانت في حلم ، فراح الفجر يمتع بصرها ، ثم يمتعها نجم الصباح ، عطارد نجم الصباح في يوم الأربعاء المعلق في السماء ، وبياضه المرتعش أيضا راح يتعلق في أهداب عينيها  كأنه يكلمها :

ـ هنار زهرة جلنار ، زهرة الصباح .

حينئذ عرفت نفسها لأول مرة إنها وقعت في الحب ، حب كان قابعا في عين فلك الدنيا أو في الدرة البيضاء التي تفجرت في الحلم ، وكشف عن لوح القدر المحفوظ تكتما في الصدور على مر تناسل البشر لأنها رأت بريق النور في عيني ميرزا ، وإن قلبها قد شغف به ، وإن روحها صار كأسا لهذا البريق ، فنهضت من سموها ، ولملمت نفسها وفراشها ، وقد يممت وجهها نحو بحزاني من سطح بيتها الذي يشرف عليها ، ويقع أسفل جبلها الذي هو امتداد لجبل مقلوب المنفرد في أساطيره ، وجدت قريتها حسناء في منظرها ، عامرة في بيوتها المتلاصقة ذات الفتحات الكثيرة التي تسمى ( الخشيم ) ، بيوت ترتبط بأزقة معبدة بالحجر ، أبوابها خشبية مقوسة ، نقشت في واجهاتها صور الشمس ، هذه الواجهات التي تعلق عليها ورود شقائق النعمان الحمراء في شهر نيسان من كل عام . تشق القرية ساقية تتلوى نابعة من عين فنجان لتسقي مزارع وبساتين الزيتون ، خاصة بستان الشيخ آدي الذي حمل فسائل الزيتون منذ عصر قديم في سفره من بيت فار ( بيت النار ) في بعلبك داعيا للمعرفة والمثل العليا في أشعاره وأقواله ونصوصه الدينية والذي اشتهر بقوله :

ـ اطلبوا الخير والسلام للجميع كي يتحقق الخير والسلام لكم .

استغرقت لحظات بنظرها إلى المزارات المنتصبة في أرجاء من القرية برموزها التعبدية ، بقببها المخروطية، لتعانق أشعة الشمس ، ولتكون واجهة ارتباطها بين السماء والأرض من نهاياتها المدببة ، ثم توقف نظرها عند كنيسة مار جرجيس الوحيدة الذي يعتلي برجها الصليب في الفضاء . لكن نظرها كان يمتد إلى سهل وراء القرية ، سهل يبتعد إلى ما وراء الأفق زاحفا إلى مدينة الموصل . ذلك وفر متعة في نفسها لا حدود لها فنزلت إلى الحوش كإطلالة نجمة لامعة هبطت في حلم ، متقدة بلحن خافت ، ومتأججة في نشوة روح لتندفع من البيت بخطى هادئة بطيئة لتكون في مسار آخر كما لو إنها خرجت ملتهبة من صباح هذا اليوم بأروع طهارة نفس ، وأروع حماس ذاتي لاسيما وقد تعاظم عندها الحلم في أبهى حلي وأبهى زينة ، وهي تنطق من صدرها النابض الذي تفتح برعمه توا ، فرفلت شفتاها :

ـ أحبك يا ميرزا .

توقفت مندهشة عند شجرة زيتون قرب مدخل وادي سنجق والتي تواجه مزار شيخ مند ، فداعبت خصلة شعرها السوداء المتدلية على جبينها برفق . حفزها هذا الانتعاش أن تقطف ثمار زيتون وتطعم فمها بنضجها ، ولتسد رمق الصباح ، وهي تلح عليها بنظرتها ، فتجلت لها رؤية طائرها الجميل واقفا بهيا مزهوا على الشجرة ، يطوق عنقه لون الإخصاب الأخضر ، دافعا صدره إلى أمام ا اللون الأحمر متبهرجا بريشه الملون بألوان قوس قزح ، المصفف باتساق وانتظام ، ناشره إلى الخلف أشبه بمروحة عظيمة ومخطط ببقع سوداء تشبه عيون البشر كأنه يريد أن يستعرض نفسه أمامها ، كأنه يواجه صمتها وجرأتها ، مرت لحظات خالدة وهو ما زال ينظر إليها متدفقا إلى أذنيها همس هواء منعش :

ـ محبوبة أنت أيتها العذراء !

كانت الرؤيا ذات قرار إذ تشكلت عندها في ذروة معنى وإثارة وغموض لذلك تراجعت إلى الوراء وقلبها يخفق بأجنحة الحب ، وتنبعث ترانيمه في المدى :

ـ الحب ذو قدسية ، مبارك في هذا الصباح .

تقدمت بسفرها المفاجئ تخطر بمشيتها متباهية تتخضب في روعة أنشودة صفاء الروح ، وموغلة في صميم الهوى الذي قادها إلى شجرة الحياة وماء الحياة ونور الحياة في بداية هذا الصباح الذي لا يشبه أي صباح آخر ، صباح أشبه بميلاد جديد فيه نشوة ، فيه هوى القلب ، فيه توهج القلب في الضوء العظيم ، أليس بمقدورها أن تلتقي من تحبه نفسها ؟! أليس من حقها أن تجد عريسها لتحضنه إلى صدرها ، وتضمه بين ذراعيها في دفء وأمان ؟! كانت تمشي بتوق ، وهي تلملم نفسها ، وتلملم صور الدفء وصور الملاذ ، ثم أصبحت خلة من نفسها ، وعلى حين غرة توردت وجنتاها ، ورمشت جفونها بارتباك ، وهي تقترب من عين الصفراء ، انحنت وغرفت بكفيها المياه ، وصبته على وجها ، ثم غسلت يديها ، ونهضت ، كانت قطرات الماء ندس في صدرها ، وتنسل إلى مرفق نهديها الصغيرين المدفوعين إلى أمام مثل خوختين تكادان تنفجران . فجأة زحفت حية على صخرة ، وواجهتها رافعة رأسها باتجاهها ، جفلت هنار في مكانها وهي تحدق إليها ، والمياه تجري راقصة فوق الأحجار ، إذ كان يفصلهما هذا الجريان ، وقد ساد صمت ثقيل بينهما ، أهذ الحية أكالة الأفاعي ، كانت تلتقي نظراتهما دون أن تتحرك هنار من مكانها فتسمرت فيه لئلا تزعج الحية ، لئلا تنقذ عليها بلدغة ، هل كان ذلك اتحاد وتحالف بالنظرات ؟! لم تفهم هنار ماذا سيكون ؟! وكل ما كانت تعرفه أن مريدي شيخ مند كانوا يتجولون بين القرى ، والأفاعي تلتف على أعناقهم دون أن يتعرضون للدغاتها ، وهم يرددون أن الأفاعي من أتباع الشيخ مند . هذه الحية ليست مثل الأفعوان الوحش ليلتف على قرص الشمس ويلتهمها ، ليسود العالم في ظلام ، وليقضى على نور الحياة ، هذا ما أقنعت هنار نفسها به ... لا ... لا ... هذه الحية السوداء حارسة نبع الماء ، وحارسة معابد الأولين ، وريثة الحية الأم منذ زمن الطوفان ، تلك سفينة النجاة تطفو فوق المياه ، تلاطمها أمواج مجنونة بعد أن تفجرت السماء بالأمطار ، وتفجرت باطن الأرض في مياه ، وأغرقت الصفراء والخضراء ، ها هي سفينة الطوفان تصطدم في جبل ، وحدث ثقب الغرق ، إنه انقراض نسل البشر لا محال ، فتعالت الأصوات من الأحياء في السفينة ، أصوات رعب وفزع ، إنه الموت لا محال ، أين المنقذ المختار ، فجأة تعالى فحيح هائلة ، فانزلقت الحية من جحرها السفينة ، والتفت على نفسها ، تكورت وحشرت جسمها في الثقب ، كان ذلك صراع ما بين الموت والحياة ، صراع ما بين انتصار أو هزيمة ، صراع ما بين بقاء أو انقراض . كانت الأمواج تضربها بعنف لتزيحها عن الثقب كي تتدفق المياه إلى السفينة وتغرقها ، بينما كانت الحية تقاوم بضراوة حتى هدأ الطوفان بعد سبعة أيام ، وظهرت اليابسة .

وفي كل لحظة تلو لحظة أخرى كانت هنار أيضا تقاوم ليس في ضجيج بل في سكون ، وتلك حمامة برية بيضاء تمسك غصن زيتون بمنقاريها ، وتقاوم وحدها في الفضاء كي لا يسقط الغصن منها ، تلك كانت إشارة الوجود : حمامة بيضاء ومياه وغصن زيتون . كانت الحمامة ترفرف فوق سفينة النجاة ، وتحوم ، فجأة أشرقت الشمس من جديد . ها هي شجرة الحياة ، ماء الحياة ، نور الحياة ، ويتجدد نسل البشر بعد الطوفان ، وبعد سبعين ألف عاما من الطوفان .

كان وجه هنار منكفئ إلى وجه الحية التي رفعت جسدها لترتقي إلى الشمس بازغة توا من كبد السماء كأنها تكلمها :

ـ انظري إلى أعلى ، ها هي الشمس أليفة دافئة .

فاستدارت هنار لتواجه الشمس ، ثم حركت يدها على صدرها ، صلت لها بإشارة ، ثم تلت دعاء الشروق ، ثم تلت دعائها الخاص :

ـ احفظي لي هذا الحب .

ثم التفتت ، فلم تجد الحية ، فقد اختفت بين الصخور ، حينئذ مشت حرة مستقلة في ممر ضيق لتطل على فسحة وادي السنجق الواسع ، وليفاجئها طائر الكاو وهو يمشي متبخترا هادئا وببطء ، كان واثقا في مشيته ، وواثقا من هديله الذي كان يرتفع وينخفض ، ويردد لحنا متسقا ، أيقنت إنها أنثى الكاو متلهفة إلى ذكرها ، ثم لم تمض لحظات فازداد هديله ، وانبثق من عمق الوادي هديل وتغريد وسجع طيور أخرى كأنها استيقظت توا من نومها ، فضج الوادي بالأصوات الرقيقة الناعمة ، لتتردد أنغام متنوعة مختلطة منعشة لروحها ، ذلك كان خلق الصباح المميز بالبهجة ، وتلك كانت لحظة التوحد مع موسيقى كونية فريدة وديعة ، وانبهار بأزهى ألوان حيث ضوء الشمس وخضرة الأشجار ورمادية الصخور ورفرفة فراشات ، هذا المشهد العجيب كان يمتع عيني بهار بمواجهة فيض كوني غامر وبديع لتروي عطش روحها إلى همس حلم يغور في داخلها عميقا . فجأة لاحت لعينيها رفرفة هدهد فوق زهرة الدفلى البنفسجية الكبيرة ، وراح ينقرها برقة ، تعجبت بهار لأنها تعرف أن طعم زهرة الدفلى مر ، أكان يقبلها ؟! هذا ما سألت نفسها ، ربما كان يقبلها قبلة خفيفة لرائحتها العطرة ، ثم رأته يداعب أوراقها الحسنة المنظر المستطيلة الرمحية الجلدية الخضراء المتفرعة من أغصان متشابكة ، تلك كانت مواجهة حقيقية توجت في سمو كوني وادع عجيب لا نهاية في حنانه ، ثم التصق رأس الهدهد في كأس الزهرة كأنه يدفن وجهه في رحيقها ، وقد رفع رأسه أخيرا ليواجه بهار بعد أن استقر على غصن ، أأراد أن يريها جذوة التعلق الشغوف أم أن يكشف لها سر الوجود ؟! فلم يعد يهم بهار أن ترى اللغز العجيب في هذا المشهد الحنون ، بل كانت شغوفة أن تحس بطعم القبلة ، وذوقها النقي ، قبلة قصيرة خفيفة تفرش أجنحتها على فمها ، قبلة مخضبة بطعم رضاب ، ورائحة أنفاس عطرة ، فأطرقت رأسها إلى أسفل باستحياء ، والهدهد يشدو بلحن جميل ، ويصفق بجناحيه ، ويهز رأسه بمرح ، ويرقص بانتشاء مرح ، وينتقل إلى غصن آخر ، ويرفرف بجناحيه إلى أعلى ، ويمرق فوق رأسها ، فأحست بوخز في جسدها ، ورغبة في داخلها أن تغني مثل الهدهد أو أنثى الكاو ، ذلك كان نبضا جديدا لتفتح زهرة في الشمس لتنساب بهار وحيدة في دفء عالم أليف ، وهي تقترب من شجيرة السماق مستعدة منتظرة لاستقبال قبلة ، الآن بمقدور ميرزا أن يقبلها ، أجل ، إنها مستعدة أن تندفع بشفتيها ، وبلهب مستعجل نحو شفتيه ، فلاحت على وجهها ابتسامة ساكنة ناعمة ، وقد بدأت عيناها تطرفان سرورا ، وهي تشد بصرها إلى شجيرة السماق ، وتستمتع بمنظرها في صمت ، وخفة روح ، إذ ثمة إصرار غريب كان يدفعها إلى أغصانها المتدلية المتشعبة الممتدة ، وذات الأوراق المركبة في أزواج ، ثمارها عناقيد عنبية الشكل ، حمضية الذوق ، بلون أحمر شديد ، الحبة الواحدة منها سماقة تتلألأ في عينيها تلألؤ سراج زاهر مستنير بأحسن لون ، ثم في هذه اللحظة بالذات تراءى لها أن السنجق قد أخرج من غرفته الخاصة ، من خزانته المغلقة كشمعدان نحاسي مركب من أجزاء تتدرج من أعلى إلى أسفل ، مبتدئة من علو طائر طاووس يربض برمزه على صولجان الدنيا ، والذي يشرف على كأس الحياة ، كأس الحياة الذي يفيض فيه شراب الخلود المنعش وقد جلب من شجرة مقدسة . كانت أيادي تروم إلى كل أجزاء السنجق بدقة وعناية ، وتغسل بناقع ثمار السماق الحامضة ليذهب عنه صدأ الأيام ، ويطهر من غبار أربعة شهور ، إذ دورة احتفاله بعد كل أربعة شهور ، ويبدأ الاحتفال في وادي السنجق بقصة الخليقة التي يرويها كبير القوالين بلغة حسنة متدفقة ، وبلاغة منطق ، ورقة كلمات ، بصوت وقور رخيم كأنشودة تاريخ طويل ابتدأ من معبد ايزيدا في مدينة بورسيبا على ضفة الفرات التي كانت تواجه أسوار بابل العظيمة وبرجها الشامخ الذي يعانق السماء ، ومن الإله نابو صاحب الحكمة والمعرفة والوعي الذي يعتلي ظهر طاووس ، وبيمناه حية ، وبيسراه لوح القدر ، ابتدأت قصة الخليقة في ترتيل قبل سبعة آلاف عام من اليوم الأول الذي خلقت فيه الشمس ، واليوم الثاني الذي خلق فيه القمر ، واليوم الثالث الذي خلق فيه المريخ ، واليوم الرابع الذي خلق فيه عطارد ، واليوم الخامس الذي خلق فيه المشتري ، واليوم السابع الذي خلقت فيه الزهرة ، واليوم السادس الذي خلق فيه زحل ، تلك كانت كواكب سيارة خلقت بتناوب في قصة الخليقة لدى كهنة نابو ، ثم اختلفت في معابد الزرادشتية ، وتغيرت في معابد المانوية ، وصارت شيئا آخرا في الأديان السماوية ، أجل ، قصة الخليقة الأولى التي طالما حيرت البشر ، غير أن بهار لم تتعلق في ذهنها سوى بضع من كلمات واردة في مصحف رش عن الخليقة : ( في البداية خلق الله درة بيضاء ) ... لأن كان هناك شيء آخر يهمها ليس قصة الخليقة وإنما قصة تعلق عينيها بعيني ميرزا ، فقد انسل ميرزا بين الراقصين مرحا نشطا التي كانت تدق أقدامهم الأرض ، وتدبك بتناسق ، إذ دقات متتالية مع دقات الصنوج وضرب الدفوف ونفخ الشبابات بإيقاع فريد ، الكل يرقصون رجال ونساء وهم بأزهى ملابسهم ، يد تمسك يدا ، كتف يلامس كتفا ، وترسم أقدامهم قوسا على الأرض وهم بمرحهم وحريتهم الكاملة ، كانت أجسادهم تهتز باتساق مضبوط ومنتظم ، ثم تتقدم إلى أمام ، وتتراجع خطوة واحدة إلى الخلف ، وعيونهم تنر إلى الأرض لتحافظ على نسق الرقص ، إلا عيني بهار كانت لا تنزع نظرها عن ميرزا بينما كانت أكتاف الراقصين تهتز برشاقة لتتلاصق أذرع الرجال تلك نهود النساء المندفعة إلى أمام ، ترتج مع أية حركة تمايل ، وتتواصل الخطوات إلى اليمين ، ثم تدور الأجساد الملتحمة الراقصة المتماشية مع الأنغام تارة بطيئة وتارة سريعة . إنه الفرح ليزف السنجق على الأكتاف بموكب مهيب إلى بحزاني وسط هلاهيل وزغاريد ، ليستضاف في بيت جدها المفروشة فسحته بالسجاد والأفرشة ، وقد نحر جدها بقرة صفراء عند عتبة الباب ، وأوقد الشموع ، وأشعل البخور ، وارتفعت الأيدي لتأخذ السنجق وتضعه في وسط الفسحة ، وكانت الباب مشرعة للزائرين الذين أتوا حشودا وزرافات إلى البيت وهم يرسمون قبلاتهم على السنجق ، وقد تربع القوالون صدر الضيافة ليواصلوا نقر الدفوف ، وقول القصائد المأثورة ، والأقوال الحكيمة ، وهم ينشدون بقدرة عجيبة ، ثم تبدأ المائدة المفتوحة بأكل السماط ، ويواصل أهل بحزاني رقصهم وغناءهم في وسط القرية .

 

كانت بهار قد استسلمت إلى الذكريات  ، وهي ترفع عينيها إلى الكهوف المنقورة في الجبل والتي تسمى سيدريات ذات الفتحات الثلاثة المدورة ، وهي مرتفعة عن أسفل الوادي عدة أمتار ، والتي اتخذها الكهنة في الأزمنة السحيقة مقاما لهم ، يتزهدون ويتعبدون فيها منعزلين عن البشر كي يتوحدوا مع الخالق ، وقد كانت حكمتهم أجنحة نور ، يسدون رمقهم برغيف شعير ، ويتعايشون مع الأفاعي دون أن تلدغهم ، ومع الوحوش الكاسرة دون أن تفترسهم ، وهم يحاولون أن يدركوا الكمال لتستقر في قلوبهم السكينة ، وكانوا يرددون دائما :

ـ قلبنا يغني بالنور ، فغنينا كما يغني .

وذات يوم حدثها جدها عن هذه الكهوف : يا ابنتي أن المتعبد حفر في كهفه الوحيد سريره ، وموقد نار . وقد شيد بجوار كهفه على نفس الاستقامة مصطبة موت من حجر ، وكان عندما يموت يسجيه أخوته على المصطبة لتأكل لحمه الطيور ، حينئذ لم يبق منه سوى هيكله العظمي ، عندئذ يدفنوه في الأرض ، لأنهم كانوا يعتقدون أن الأرض طاهرة ، والجثة غير نقية ، فلم يرضوا بتدنيس الأرض بها أما روحه فقد تعلو إلى السماء حالما يدنو منه الموت .

كاد قلب هنار يقفز في صدرها عندما انشغل ذهنها بمصاطب الموت ، فتركت نفسها تتحرر من الموت ، وخفضت رأسها لتواجه طريق صعود ، فمشت وتركت الكهوف خلفها لأن فيها رغبة متأججة أن تقود خطواتها إلى ميرزا ، وتعلن حبها ، وتقص عليه حلم الليل ، إذ ثمة كلمات طفرت من أعماقها :

ـ قلبي يغني .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة