الغزالة البيضاء ... حمودي عبد محسن  

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


فصل من  رواية ـ حب في ظلال طاووس ملك ـ في قيد الكتابة

نشر في مجلة الثقافة الجديدة ـ العدد الإخير ـ

ـ كان في الزمان القديم سر مجهول له طقوسه الخاصة، هذا السر تحدث عنه القدماء من أهل بحزاني، وقد حفظته الصدور، وتناقلته الأجيال، وصار مثل أعجوبة، وقد تكون من أعاجيب الدنيا، لذلك سأقصه عليك بالتمام والكمال كما حفظته ذاكرتي، هناك من يقول أن هذا السر المجهول من صنع الخيال، وبناه الذهن، مثلما يكون النور أشد يكون ظله شديد، والآن يعود الذهن إلى ما حفظته الذاكرة.

هذا ما ابتدأ الجد كلامه ليربط ذهن ميرزا إلى الحفظ، وهذه عادة متبعة في بحزاني فالقوالين يحفظون الأدعية عن ظهر قلب، ويحفظون مراسيم الأعياد أيضا عن ظهر قلب، خاصة وقد بطش السيف بهم حوالي ثمانمائة عاما، لذلك صاروا يخشون على طقوسهم، فصارت شفوية محفوظة في الصدور، واتبعوا منهج الحفظ ، فالذاكرة تجيب على الأسئلة حتى المتعلقة بالموت والحياة، فلذلك اعتمد الجد تلقين الحفيد بنفس ذات المنهج الحفظ في الصدور لأنه كان يخشى أن تنسى الحكايات بمرور السنوات. صمت الجد لحظة، وشرد ذهنه إلى ما هو من غرائب الدنيا، وبدأت الحكاية:

ـ تأتي غزالة بيضاء مرة واحدة كل مئة عام من أقاصي الأرض إلى بحزاني، تصعد جبال وتهبط من جبال، تجتاز سهوب وسهول وتمر في غابات، وترتوي من مياه عذبة، وتتنفس أزهى عطور الزهور، فيكون شهيقا نقيا وزفيرها نقيا، هي جذابة تشتهيها الذئاب، ولا يقدر أن يصيدها صياد، هي حذرة ذكية وسريعة الجريان، هي جميلة وقد وصفها الشعراء بالحكمة والجمال، وديعة تعشق صوت الشباب، تمتلك كنز لا تملكه الغزلان الأخرى، وهذا ما يجعلها محبوبة عند أهل بحزاني لأنها تسلمه فقط مرة واحدة كل مئة عام.

اندهش ميرزا، وهو يسأل جده:

ـ ما هو الكنز جدي ؟

هز الجد رأسه، وقال بصوت واثق:

ـ ستراه يا ولدي أما الآن فنم.

فنام ميرزا بعد أن استغرق في تفكيره عن الكنز بينما كان الجد يتقلب في فراشه، تارة يغفو وتارة أخرى توقظه حكايات القدامى من أهل بحزاني، إنه يتذكرها، وسيقصها على حفيده سوى بصور أو مشاهد خيال من ذلك الزمان البعيد أو ما وراء الزمان الخفي، وكم هو حنون الصمت في الغرفة الذي يبدو ثقيلا على الجد الذي راح يتنهد بألم، ويأتيه نداء مكتوم من تنفس الحكايات، بيد أن الرياح ما زالت تجري خافقة ذات أصوات، تنثت عن نفسها، والبرق يحث السحاب من ضوء برقه، ثم تبسمت الأرض لدموع سحائب، وميرزا في نومه مع الحكايات، قد تكون بيضاء أو سوداء، وقد تكون عذبة، فجأة هدأ كل شيء في بحزاني كأن السماء تهادن الأرض، وتمحي سحائبها ، وتكون مرهفة، وأضحت بدون غيوم، فنهض الجد بسرعة مثل هيجان مفزع كما لو أن الغرائب أتت في موعدها أو خارج موعدها في عتمة الغرفة لأن روحه امتدت إلى مئة عام، فالغزالة تظهر مرة واحدة كل مئة عام، وراح يردد مع نفسه:

ـ إنها ستأتي، بالتأكيد ستأتي .

ثم أيقظ حفيده، وهو يكرر:

ـ انهض ... انهض ...

استيقظ ميرزا مندهشا دون أن يفهم ما يجري حوله، فتمالك نفسه، ونهض بوثبة من فراشه، لم يفهم شيئا سوى استيقاظ مباغت وهو يسمع صوت جده الخفيض فيه رقة حسم ، فسأله ميرزا، وهو قد تعود على المفاجئات التي يخفيها جده عنه:

ـ من هي يا جدي ؟

استدار نحو الجدار، وهو يرتدي ثياب الخروج، ثم ارتسمت على فمه الكلمات، كلمات مشتتة، تفترش في الغرفة كأنها تنبض من فمه المفتوح، وتقفز من داخله:

ـ الغزالة البيضاء.

تملك ميرزا فرحا لا مثيل له، وهو يكمل ارتداء ملابس خشنة من الصوف، وقال:

ـ أنا جاهز يا جدي.

خرجا صامتين وقت ما قبل الفجر، والظلام ما يزال يفرش أجنحته على بحزاني النائمة في ألفة، وتعايش زمني سرمدي، وبدا الظلام حنونا يتنفس ما وراء الزمان في هذا الوقت، وقال الجد بصوت رقيق جدا، خفيض جدا:

ـ لا تتحرك، ولا تصدر صوتا، ولا تيأس من الانتظار !

فأجاب الحفيد، وصورة الغزالة البيضاء ترتسم في عينيه:

ـ نعم يا جدي.

واقتربا من رأس العين، واختفيا خلف صخرة كبيرة، وميرزا يعاني من الانتظار الطويل، فهمس في أذن جده:

ـ متى تظهر ؟!

فرد عليه جده، وهو يسحب نفسا عميقا، ويقول:

ـ لا تتكلم ... اسكت ....

وبدأ الظلام يسافر تدريجيا، وخرير رأس العين يخور قويا حادا شاقا طريقه إلى بحزاني، بيد طال الانتظار، وقد نفد صبر ميرزا وبصوت واطئ سأل جده:

ـ هل تأتي لتشرب ماء.

ورد عليه جده ممتعضا:

ـ نعم ... اسكت، ولا تتكلم.

كان الظلام غريبا وميرزا يتنفس البهجة، وهو يتذكر حكاية الغزالة البيضاء الوديعة، رفع رأسه ونظر حوله نظرة شبه مختلسة، وعيناه تطرفان تحت حاجبيه الأسودين، ولم يفقد الأمل من ظهورها المفاجئ:

ـ إنها ستظهر.

هذا ما قاله مع نفسه، وقد ارتسمت ابتسامة عذبة نقية على وجهه المتورد، وظل ينتظر حائرا قلقا شارد الذهن في صمت تام، وهو يزهو بنفسه إنه سيرى شيئا عجيبا، فارتعدت فرائصه، ودق قلبه نبرات واطئة، إذ لا شيء يظهر من هذا الظلام سوى الغزالة، إنه صار يهوى مثل هذا الظلام فها هو سيرى المفاجئة، وسيكتشف شيئا جديدا في انبلاج الخيط الأبيض من ظلام لم يشهده سابقا مثل هكذا انبلاج، فبدا الظلام يسحب نفسه كليا، ويتلاشى، وميرزا يراقب رأس العين، ومن راس العين أيضا يتلاشى الظلام ويسحب أذياله منها، ولوح لون الفجر لبارد، إذ بدا خفيفا رقيقا، وروح ميرزا تتجاوب معه، وتتجاوب مع صبره، وجاءت لحظة التوتر ، ليهتز كيانه، وهو ينتعش بهذا المنظر المثير، الجميل، ولم يعد النعاس يأتيه، فهو أمام أعجوبة الفجر الأول القوي الذي يفرش بياضه على الجبل، وكلما جاءه النعاس يهز رأسه ليطرده، فراح جده يخاطبه:

ـ لا تنام.

ثم راح يراقب رأس العين، إذ ثمة صبر متوتر ينتابه، فاللحظات تمر ولم يغلبه اليأس، وهو يخاطب نفسه:

ـ إنها ستأتي ...

وهو يذعن للصبر والصمت، وقد تولدت عنده رغبة أن يذهب إلى رأس العين ليشرب الماء ، ثم تلاشت عنده، وهو يراقب خريرها الجذاب كأنها هي الأخرى تريد أن توثب بمياهها إلى أعلى بالرغم من أنها تبعث متعة إلى نفسه لأن مياهها ترقص وتغني، تركض وتغني، لذا ظل في مكانه بلا حراك يترقب ظهور الغزالة المدهشة، وقد مر عليه الانتظار ببطء، وقلبه ينبض بلهفة، وتتدفق داخله دماء حارة، وهو يراقب المياه مرة أخرى، فكانت تجري غزيرة، متفجرة، تصطدم بالصخور، وترحل إلى داخل بخزاني مندفعة صاخبة، وتدفع معها حشائش وأعشاب وعيدان صفراء، إنها تجرف أشياء كثيرة في طريقها، وتتبختر في تحررها من نبعها مع مياه أمطار شكلت مجاري في الجبل، كانت المياه تتسكع في مجراها ملوحة بأنها طائشة.

ـ جدي ... جدي ... هذه الغزالة البيضاء !

هذا ما قاله بصوت خافت، وقد أخذته الدهشة والانبهار، وراح يتأملها وسط قطيع من الغزلان ذات الألوان البنية الفاتحة التي راحت تنتشر بين الصخور، وتقترب من المياه، وحدق ميرزا في الغزالة البيضاء الجميلة الرشيقة ذات العينين السوداويتين الواسعتين، وذات قرنين لمساوين دقيقين بحلقات متدرجة حولها، وأذنان طويلتان نحيفتان مدببتان، وذيل رشيق قصير تحركه يمينا وشمالا بأناقة، وقد لاحظ ميرزا فروتها الناعمة البيضاء التي تجذب النظر إليها، ولم تمض لحظات حتى دنت من رأس العين، وحركت رأسها وتوترت أذناها، وهي تتطلع فيما حولها كأنها أدركت وجودهما بحاسة الشم القوية، وأيضا تتمتع بحاسة بصر قوية، تشبث ميرزا في بثوب جده لئلا تهرب بأرجلها القوية الطويلة النحيفة، وذات العدو السريع .

ـ كم هي جميلة يا جدي !

فرد عليه جده برقة قائلا:

ـ أذهب إليها بحذر وترو.

فخطا ميرزا إليها بتأني وهو يتحرق شوقا إليها، فكانت واقفة إلى جوار رأس العين تحدق في ميرزا، وتحرك رأسها، وقد انتابته رغبة جامحة أن يلمسها، ويتحدث معها، فصار يواجهها وجها لوجه، لم ير ميرزا مثل روعتها، بيد إنها خفضت رأسها إلى المياه وراحت تشرب منه، واستغل ميرزا هذه اللحظة، واستدار إلى جده، فكان يؤشر له أن يتقدم إليها، فرفعت رأسها، وحدقت فيه بحدة متزايدة، وتظاهرت بسعة قوة تحديقها، وبؤرة رؤيتها، فكان ميرزا ساكنا في مكانه، وهو ينظر إليها بعينين خجولتين، فوجد أن عينيها براقتان، تتوهجان ألقا، وكانت روحه مهتاجة أن يتقدم إليها، ويلمسها، ظل ينتظر بلهفة لئلا تغادره واثبة قافزة فوق الصخور، تجرأ، وخطا نحوها مترددا، ثم توقف حائرا قلقا. كان يتأمل كل منهما الآخر، فالتقت نظراتهما المغلفة بالحذر من عيون كأنها مبللة بالمطر، نظرات غريبة مغسولة بالصفاء، وصارت ترقص بين الأجفان، كم كان الصمت هائلا في تبادل النظرات، كان ثمة ترقب وحذر بينهما، ثمة توجس غير مفهوم، أطرق ميرزا بصره إلى الأرض، ثم رفعه، وانفجرت روحه المنفتحة الدافئة، لتتوحد مع الغزالة، إذ نشأ توحد لا ينفصل في هذه المواجهة الحميمية، عندئذ تقدم غير مبال بما يحدث، وكان تقدمه عدة خطوات، وتقدمت هي إليه متباهية مثيرة، الآن حلت اللحظة الجبارة أن لف ذراعيه حول عنقها، ووضع رأسه على قرنيها تمتلكه تلك العادة التي لا توصف، وكانت قطرات المطر تتدلى من أغصان الشجر ببطء لتعانق الأرض، والسماء ترش رذاذا خفيفا عليهما، ثم داعب فروة ظهرها بنعومة ورقة، لتكون ألفة الصداقة قد ابتدأت في البراءة التي لا مثيل لها، كان كل شيء قد جرى بصمت في برهة مدهشة، وقد أحس ميرزا إنه امتلك العالم كله في زهو ومتعة وحنان، أمن هنا يبدأ السر الخفي يتلألأ وينتهي في خير إذا كانت الروح تمشي بطريق صحيح ؟! فثمة العديد من الأشياء المشرقة الجميلة لم تنبلج بعد الظلام. أجل كان كل شيء يجري بصمت انتصار، خاصة وقد انسحبت بهدوء من بين ذراعيه إلى عالمها الحر كأنها توحي إليه أن ليس لديها متسع من الوقت أن تبقى وتمرح معه، فهناك عدوها الصياد يطاردها، ويريد ذبحها، فوقف ميرزا بلا حراك ينظر إليها، وهو يودعها بنظراته، ويتأمل قفزاتها على الصخور، وتتهادى في مشيتها، وتحك نفسها بشدة بالصخور. فجاء جده مسرعا، وتعجل في القول:

ـ اتبعني يا ولدي.

إلا إنه لم يتبعه فظل ساكنا في مكانه، وقد رأى جده يخرج من جيب ثوبه كيسا صغيرا محاك من صوف أحمر، ويتابع حركة الغزالة الغريبة بحك جسدها بالصخور، وإفراغ حبيبات سوداء، وجده يستعجل في جمعها، ويضعها في الكيس، ثم تسمر ميرزا منشدها قرب عين رأس العين تاركا جده يتابع الغزالة، وكانت روحه متألقة متقدة لطيفة غير مبال بما يقوم به جده، عندئذ أبشرت الدنيا، إذ مرت سحابة بيضاء فوق ميرزا تنث عن نفسها، وأنزلت أول المطر رشا ثم طشا، فكان أضعفه وأخفه هو الطلل، وكان الرذاذ، فمد ميرزا يده في المطر، فإذا به كان أبيضا فكان هذا المزن. ثم نضح المطر، وصار قطرا بين قطرتين. كان كل شيء يزحف ببطء وتوق ميرزا ولد اليوم خارج البعد وما وراء الزمان.

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر الجد فرحا، وهو يرفع الكيس، ويقول ببهجة:

ـ هذا هو المسك الأسود ملك الأطياب.

وسارا عائدين إلى البيت حيث ابتدأ الديك بالصياح، إذ العالم الذي ما زال نائما قد نهض، كان الأمر يبدو مضيئا، ويبدو أيضا أن وجوه أهل بحزاني في انبلاج نهاري جديد في الحياة، وكان جده يواصل حديثه وهو يمشي وراءه ويستمع إليه: المسك الأسود يا ولدي نادر، وأغلى وأثمن عطر في الدنيا يشفي الروح والجسد من الآلام، ويقوي القلب، هذه الغزالة البيضاء تظهر كل مئة عام، تنثره من سرتها في المكان الذي تحبه بعد أن تمتلئ سرتها به، وعندما تكون فرحة، هذه أعجوبة يا ولدي، ويقول القدماء إنها تظهر أيضا عندما يكون أليفها من البشر بحاجة إلى هذا العطر، ولماذا لا تظهر دائما ؟ أنا أقول لك: لأنها تخاف البشر، وخاصة الصيادين أعدائها، لذلك تخرج في الليل تبحث عن الأكل، وتختفي في النهار في أماكن لا يصلها إنسان، وتظهر فقط في بداية الفجر، ونهاية الغروب، وهي تكون في أوج نشاطها وحيويتها، فهذا المسك هو أشرف وأطيب الروائح الذي يضرب به المثل ولا يشبه بغيره، إنه يغري حتى الطائر في السماء، لأن رائحته تحلق بعيدا، إنه فواح لسنوات.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة