حب في ظلال طاووس ملك / سفر التكوين ... حمودي عبد محسن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حب في ظلال طاووس ملك / سفر التكوين

رواية في قيد الكتابة

فصل : سفر التكوين

حمودي عبد محسن

 

 

                                             سفر التكوين

 

هذا ذيل جبل مقلوب الساحر المسحور يبلغ أسطورته في دروب الليل الطويل التي يسير فيها ميرزا، فهذا بطله أو بالأحرى محاربه البحزاني القديم ينهض من أبديته عملاق جبار، مارد خارق، بعد أن استنفد صبره، فلم يعد يحكمه السكون في سقطة الموت، يغلفه التراب والحجر، بل انعتق من الصخر وخرج إلى نواميس الحياة، وتماثل لميرزا متجهما صارما لا يقهر، فاستولت على ميرزا رهبة الترائي، عندئذ استجمع قواه وسار وهو يتلفت إلى الوراء، فهذا المحارب القديم تحدثت عنه الأساطير، فهو لا يحب أبدا أن يغادر  دياره، وإذا ما غادر لابد أن يتم ذلك بتبجيل، وإلا سوف يغضب ويطارد الفار ويلحق الأذى به، فهذا المحارب القديم قد عانى كل شيء، ورأى كل شيء، وبقي عنيدا متشبثا بالجبل، فها هو يتماثل في مخيلة ميرزا غاضبا مسحورا ساحرا، نهض وصارت قدميه تدمدمان وتطقطقان فوق الصخور التي راحت تتفتت وتتهشم وتنفلق منها أصوات مدوية مرعبة، وأخذت تهرع خلفه، إذ كل شيء تفجر وتناثر مثيرا فزعا لا مثيل له، لم ير ميرزا وجه المحارب القديم الخشن القاسي الذي يتغضن بخطوط عميقة، ولم ير نظرته التي تزرع الخوف في قلوب المعتدين، فلهذه النظرة قصص كثيرة تحدث عنها الأجداد، عندئذ صار ميرزا يكافح بروحه الغرة النقية كفاحا أيضا عنيدا لهذه الرؤية التي استحوذت على كيانه، ليتخلص من تلك الأزمان السحيقة التي تتعالى منها أصوات تناديه:

ـ أرحل أيها المعذب !

لكن هذا المحارب البحزاني لم يتغن بمآسي الحروب أو بخنجر مسموم أو مآثر بطل، بل إنه تغنى بالحبيبة التي تنتظره على عتبة الباب، وعيناها تحدقان إلى الطريق، فهو يعرف أن للحروب نهاية، وإن قلبه لابد أن يظل يخفق لرؤية الحبيبة، وكان أحيانا يشكو آلام أيام  الفراق الطويلة عن المحبوبة، وهو كذلك تغنى بالزهرة الجميلة، وتغريد طائر الحنين، وبقطرة الندى البيضاء الكبيرة المتساقطة في الصباح.

وفي لحظة خارقة جلس ميرزا في ظل شجرة بلوط حيث نسجه القمر في علوه بملاءة السماء الزرقاء لينسل الضوء في أوكار الظلام، وينير العالم، فبدى جبل مقلوب وكأنه من فضة حيث كانت الصخور تلقي بظلال باهتة، وكذلك الأشجار تلقي بظلال باهتة على الطريق الذي يسلكه ميرزا، لقد فاض نور القمر ليس في عيني ميرزا فقط بل تدفق النور أيضا إلى قلبه، فومضت الروح وتلونت وكأنها في رؤيا حالمة، فنهض ميرزا وسار في دروب الليل الطويل، تاركا رؤية المحارب القديم، المغامر الخطر، ذو القامة المعتدلة، والقوة الجسدية الهائلة التي بها يهز الجبل، وهو يتبختر في مشيته شامخا برأسه في فوضى المعارك الحاسمة في الأزمنة السحيقة، لذلك نسى ميرزا تصميم وجدية وتعالي المحارب القديم الذي لا يتكلم كثيرا، وغالبا ما يهز رأسه في علامة الرضى أو يبحلق في عينيه لمواجهة عيني الخصم تعبيرا عن الرفض التام، فلتكن مبارزة الموت في ساحة الوغى.

سار ميرزا في رهبة غامضة مع ضوء القمر، يفيض في قلبه الفرح، ويتغنى ببياض القمر الذي أينما سار سار فوقه القمر، وقد سيطر عليه السكون والهدوء، وهو ينزل من الجبل ليمتد أمامه أفق شاسع من مزارع الحنطة والشعير، وكان يتجاوز القرى مبتعدا عن نباح الكلاب لتكون مخيلته مسكونة بالقمر، وهو يسير ساعات الليل الطويل بلا توقف، ليكتشف لغز قلبه الجامح وصفاء روحه الجبارة في حوار مفتوح رؤيوي مع هنار، شاهده القمر:

 

ميرزا:

تفاجئني حبيبتي هنار بفلق الصبح المنور، بالشقائق الحمر، من وراء أكمام أزهار، زهرة بيضاء تفاجئني، وقد خلعت قناع الموت، وخلعت أيام الانتظار، وأيام الفراق كأنها صدفة بحر بيضاء خارجة من أعماق، وكأنها طالعة من بستان قلبي، لتوقد نار، أو طالعة من وكر الأبدية لتفرش جناحيها في ميلاد، فأدركت يومي، وأدركت النهار، وسائر الآفاق كأن حبيبتي فتقت غيمة رمادية في عراء، واستنزلت مطر الغيث في القفار، ولولا طلوعها لغشت دنياي في ظلام، وما تبلجت بأنوار، أو أرهبت الظلام، فأقبلت ترنو بخفة من بعيد، تلبسها الشمس شعاع، فرعاء غراء، وضاحة الجبين، يقودها الحب ويقودني إليها رجع الصدى :حب ... حب ... وقد سجع الصدى: هذا ناموس الحب...لابد أن يأتي الهوى فياض الندى ... تارة مثل النذير زائرا أو مثل السيل العارما، لا يدع في طريقه حجرا ... الهوى قد دنا، الهوى بدر إذا دنا، ونجم إذا هدى، وشهاب إذا هوى، رجع الصدى:هوى ... هوى ... هوى ... تفاجئني حبيبتي هنار ترنو بخفة مثل قضيب رطيب يذكيه الشذا، وقد تمايلت أعطافها مثل غيث على الطريق كأنها تارة في ريح، تارة في رعد، تارة في برق مضيء، أو كأنها تميل في حفيف مثل ورق نبت الربيع على الطريق، وقد تفردت بالجمال الأنيق على الطريق ... على الطريق ... على الطريق ...مثل درة بيضاء ترهب الظلام في ليل الدجى الكئيب، سليل الشعر فوق كتفيها، حسن ناعم وارد في ذؤابته، ينسل كأنه يلثم العنق الرشيق، وينحدر من مفارقه في ضوء النهار، تمشي في خفة حبيبتي على الطريق، ما بال صبية تنافسها من قريب أو من بعيد، أو جارية في قصر سلطان تنوح على حبيب قتيل، تمشي الخطى حبيبتي  في عجل على الطريق الغريب كأنها مرة في كثيب أصفر، مرة في مطر غزير، تتباهى في مشيتها كأنها ظهرت من غلالة زرقاء وكأن الندى ينزل من أوراقه تكريما لها، في تبجيل، ويغني العندليب لها على الورد والياسمين، ويرقص البان الغض الرطيب، تفاجئني حبيبتي، وقد انقضى وجه النهار الباهر، الزاخر بالضياء، والبهاء ... وجهها لا يغيب، تتفتق براعمها ... متألقة في روض نظير مثل الفرح في غدير، يديم إليها النظر من بعيد، براقة الثغر، وقد أشرقت الخدود في عجب، لا تشتكي من أثر، أو من سهر، وكلما تبسمت اكتمل الروح والبدن، وليس عجبا أن تكون الحب الجليل ولا عجبا أن وجهها الحبيب سواء كان من قريب أو بعيد، لا يغيب عن وجهي الحزين، وجهها الساحر الجميل لا يغيب، وكلما زدت إليه النظر، تارة أراه نور شمس، تارة مثل كوكب يسير، وتارة مثل بدر منير كأنه في تفضيل وجهها المنير، وجهها المضيء لا يغيب، أين مثله أطيب الطيب، يحمر الزهر الأبيض خجلا، ويستسقي من طيبها الطيب، ويستنزل الندى من أوراقه في المغيب.

 

هنار:

أنت ما أنت ألا تر تعريشة الغروب، الشمس تحجب الدنيا عن لونها المنير، حمراء مذهبة تجنح للمغيب، ألم تر: فرشت السماء بالأنوار، فيها ما يملأ القلب صفاء، فيها ما يملأ العيون انبهار، تلك نجوم زينة السماء، صغيرة، كبيرة متناثرة مثل زمرد متناثرة، تستضاء في قبة زرقاء، ألم تر: في أول بشائره ظهر، ضعيف، عليل، ضئيل ظهر، بين النجوم اللوامع ظهر، هلال يسبح كزورق عنبر، غرر يرمقنا بطرفه السليل كأنه بين النجوم ظل ظليل، روض مخضل بأكاليل.

 

ميرزا:

أريها القمر، هنار ترى القمر، كفاغر فاه تنظر إلى القمر، ويمتد البصر، إلى العلا يمتد البصر مثل امتداد بحر، في رونق يمتد البصر، أي ليل هذا فيه القمر. أقمر ، أضوأ من القمر، وجه حبيبتي القمر كأنه تندى بضوء القمر مثل حاجبها المهلل أينما مال مال القمر، تعجبت من نموه، يزهو هالة أو ثريا معلقة في الأعالي، كأن كف حبيبتي يغتسل بضوء القمر، كأن من كفها ينفض المطر، وكأن أناملها تندت بالقطر، فأحيت لطائف قلبي مثل حلم نور امتلأ بالزهر، وكم من مرة يظهر القمر، وكم من مرة هلكت عروش، وعهود، ويحيا بشر، ويموت بشر، والقمرهو القمر، تحت ليالي القمر، ويرحل، ويغيب القمر، ثم يظهر القمر، أي ليل هذا فيه القمر. أقمر، أضوأ من القمر، وجه هنار هو القمر، أأنظر إلى القمر وقد صار بدرا أم وجه هنار القمر، حارت عيناي من النظر، وجه هنار القمر. أقمر، أضوأ من القمر.

حينئذ خبت أضواء ملايين النجوم في السماء خجلا من هذا الحوار الروحاني الصامت في تجليات الليل، فصار كما هو القمر ملك الليل في بريقه المتوهج في عيني ميرزا كما لو أنه يسأله:

ـ إلى أين أنت ذاهب، يا ميرزا البريء الحائف العنيد ؟!

ـ إلى لالش النوراني.

ـ ماذا تجد هناك ؟!

ـ السكينة ...

ـ وهل تريد شيئا آخر ؟!

ـ لا ...

ـ ستجد في سفرك هذا المحدود الهدف أشياء كثيرة ...

ـ مثلا ...

ـ الطريق الكوني ...

وصل ميرزا إلى جبل مشت دون أن يمر بعين سفني في الهزيع الأخير من الليل بعد مسيرة في دروب الليل الطويل المستقيمة أو الملتوية أو تلك التي جعلته يلتف ويدور وينعطف كي لا يراه البشر، وأخذ يرتقي صاعدا إلى أعلى، ويقف مذهولا عند قمة ـ سلافكة ـ تغمره رهبة جليلة لمنظر رائع يملأ قلبه الإعجاب في لحظة راهنة خاطفة، إذ من هذه النقطة التي تشرف على لالش رأى مشهد حقيقي ساحر، فتسمر في مكانه خاشعا بصمته كما لو أن لالش كان مضموما بالأضواء، حيث كان ميرزا يرى آلاف الأنوار المتوهجة التي أضفت على وقفته المتأملة الساكنة مهابة عظيمة للاش، فالأنوار تبعث بريقها المتلألئ من أماكن كثيرة سواء من فوق تلك الصخور القريبة من المعبد أو فوق القناطر وقواعد الأبراج البيضاء المخروطية والطرق والممرات والسلالم والساحات المرصعة بالحجر أو من تحت المداخل المقوسة، أجل، الأنوار كانت تنبعث من فتائل صوف غاطسة أسافلها في أوعية صغيرة تمتلئ بزيت الزيتون، تسقي نفسها به، لتشتعل أعاليها، هكذا كانت تحرق نفسها كأنها غصن في تثنيها وكأن النيران تحييها، فتضفي محاسنها في الأنوار تهزم الظلمة، وتهزم حجاب الليل، وتضيء الوادي نورا، إذ لا تنفك أن تفني وقتها سهرا، وتقتل الظلماء القاسية، وتصير للزائر ميرزا ضوءا تهدي بصره إلى منظر الوادي الرائع، أجل، كانت الأنوار غرة زاهية، وادعة مرهفة، خاصة وقد بدأت الأنسام تحاكيها وتناجيها، فبدت تارة صفراء مثل تاج مذهب لامع، وتارة تدور على قطب لهبها دون أن تطفأ نفسها، وطورا تصير مثل عيون حمراء تتلظى في لهيبها أو وردة حمراء مرهفة الأعطاف فوق غصنها المياد العاري من أوراقه، وآونة تتلاعب مع الأنسام فتتشكل أشكالا ما بين هلال وقمر ونجوم. هذا المنظر الساحر أدهش ميرزا ليدخل إلى عالم الأنوار ببطء ورهبة ولتنجلي روحه في شيء جديد لربما تاقت نفسه إليه في الغفوة الأبدية التي أخذت منه حبيبته هنار، فها هو يتمعن النظر بالأنوار في الوادي النائم في صمت بين جبل حزرت ومشت وعرفات، الوادي الهادئ في عزلته العجيبة عن عالم البشر، وقد تجلى لميرزا في هذه اللحظة الحاسمة التي فجرت معاني شاملة في نفسه ليس فقط كون الوادي في أبهى وأنقى أنوار، بل لأن الوادي في جدوى الرمز التعبدي والتأمل والأمان الروحي وطمأنينة النفس، لذلك نطق الكلمات:

ـ هذا لالش النوراني المقدس !

نعم، هذا لالش أصل الزاوية أو مكان الجسد أو الصمت أو السكوت أو خميرة الأرض والحياة أو سر الحياة كما فسر المؤرخون كلمة لالش. هذا لم يعرفه ميرزا، وكذلك لم يكن يعرف أن المؤرخين قالوا: أن لالش كانت قلعة آشورية، وكان معبد  ميترائي، وكان معبد زرادشتي، وكان دار القس مار حنا أحد أتباع حنا الأول. هذه الأشياء لم يكن يعرفها ميرزا، وإن ما يعرفه فقط أن لالش هو مكان حج الأيزيدينن وهو موطن الشيح آدي الأول، والشيخ آدي الثاني، وإنه موطن التصوف والزهد والتأمل والعزلة، وموطن اللاجيء من بطش دولة الاستبداد كما هو موطن ميرزا الفار من محنته، وإن بابه تستقبل نور الشمس.

انحنى ورفع حجرا ووضعه على النيشان الذي هو عبارة عن دائرة حجر لاسيما نقطة ـ سلافكة ـ دخلت التاريخ منذ أن وطأت قدم الأيزيدي لالش حيث هي رمز الوصول بسلام وإشارة الهدوء ولحظة الصمت الجليل وقد تكون نقطة الصلاة الأولى، فاعتادت قوافل الحجاج التي تحمل مؤنتها على ظهر الحيوانات أن تعلن وصولها سواء بزغردة قوية من فم عذراء أو هلاهيل نساء أو ترتفع بنادق إلى أعلى وتطلق عيارات نارية في الفضاء، فتأتيه لعلة رصاص من الوادي ترب بالحاج الكريم أو الزائر الجليل.

استجمع ميرزا قواه في لحظة خارقة، ونزل بترو، وقد أخذته الدهشة من نفسه أن يصل إلى العين البيضاء التي لم يصلها الطوفان، فبقيت صافية عذبة نقية بيضاء كما حدثه جده عنها، وذات يوم سمع من هنار أن المياه جفت على الأرض، فأصاب الجفاف بحزاني وماتت مزروعاتها وهلكت مواشيها وأصاب أهلها العطش حتى الآبار نضبت من المياه، فتأثر إله الشمس ورق قلبه لما يعانيه شعبه، فرمى بسهم، فسقط على صخرة، وانغرس فيها، ما لبثت أن انفجرت الصخرة بمياه فوارة ملئت الدنيا خير وبركات، فعادت الخضرة إلى الأراضي، هكذا أنقذ إله الشمس شعبه من الجفاف، نعم بمياه العين البيضاء الصافية التي هي خميرة الحياة تعمد ميرزا في طفولته، وأحس ببرودة منعشة آنذاك. لم يمض وقت طويل وإذا به يسمع خرير الماء أشبه بإيقاع نغمة بهيجة إلى نفسه، فكان قد شيد بناء على منبعها، كانت مياهها تخرخر نازلة إلى الوادي، فتبع ساقيتها وتجاوز بركتها الثانية وتجاوز سوق المعرفة ليقف مواجها باب القابي، وقد لاحت تباشير الفجر على الوادي. نزع حذائه ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا به يرى عطارد الكوكب الأول الذي اكتشفه السومريون والذي أطلق عليه البابليون الكوكب القافز، ثم صار عند الأغريق هرمز، وعند الرومان ميركوري، وعند الفرس هرمس، وعند الصينيين شين إلسينغ، وعند الهندوس بوذا، وفي حضارة الياما صار يشبه بالبومة أما عند العرب فكان هو طارد ومطرود أي المتتابع في سيره، فهو سريع الدوران حول الشمس، وهو أقرب الكواكب إلى كوكب الأرض بعد المريخ والزهرة، وهو يشبه قمر الأرض في شكله،  ويومه أطول من عامه. هذا عطارد يوم الأربعاء ويوم طاووس ملك ويوم الإله نابو البابلي إله الحق والعدالة وقدرته رمزها الصولجان وعدالته المطلقة رمزها الطوق. هو نابو واهب الحياة والنور والنظام على الأرض من خلال شرائعه للبشر وهو دائما يمسك بيمينه حية رمز الحكمة، هو نابو الذي يرعى الحنطة ويسقيها بينابيع المياه كي تكون وفيرة، لذلك تشبه به الملك العظيم نبوخذ نصر مرددا: أنا نابو يهب صولجان السلطان للملك ليحكم الأرض. فهذا عطارد، وأنه في قصة الخلق البابلية خلقت الأجرام السماوية في يوم الأربعاء، وعطارد إله الفلك. الآن عطارد شديد الإشعاع وكأنه يدنو من ميرزا ويقع عليه بسحابته النورانية ذات الشكل الهلالي بأذناب أو أذيال ساطعة أو كأنه أقبل نازلا بسحابة أعظم من الأولى بنورها أو مثل نجمة متلألئة تسقط من السماء، فأغمض عينيه ليغيب عطارد عنهما، ولم تمض لحظة انبهار التي بها فتح عينيه ليرى عطارد ينجلي عنه أسرع من طرفة عين، حينئذ توهجت قي عينيه الصور المنقوشة على الباب: قرص الشمس المتوهج المنير واهب النور والحياة ومشتت الظلمات، وقد تداخل نجم وهلال في ليله وشمس نهار سواء في شروقها أو غروبها أي ختام كل ليل، وفجر كل يوم، تلك كانت في حلقات وعقد لتماثل أيضا دلالة الكون وخلقه وأبراج الزمن وكواكبه في نقوش تجسد مصير العالم. وقد برزت حية سوداء ضخمة رافعة رأسها إلى أعلى، وكانت رمز حية الطوفان التي تغير جلدها مثلما يجدد القمر ظهوره المتكرر، والذي اعتقد في ذلك منذ زمن سحيق أنها لا تفنى، وإنها خالدة منذ أن كانت أيضا رمز الحمل والولادة، وهي التي سرقت عشبة الخلود من جلجامش لتجدد نفسها به، لكن ميرزا استغرق في صورة الكلبين المتقابلين المعقوفين الذيلين إلى أعلى، وهذا ما كان يفعله كلب هنار الأمين الوفي، وذات مرة حدثه جده عن الكلب: إنه أول حيوان تآلف مع الانسان واستأنس معه وجذبه لحم الصيد المشوي، فتغذى منه، وصار رفيقا له يصاحبه في الصيد، ويرافقه في الرعي ليحمي الماشية من الحيوانات المفترسة التي أسهم الكلب في تدجينها، فكان يشعر الراعي بالطمأنينة وينام في الليالي المقمرة بحراسة الكلب، وهناك قديما إله اسمه هدهد، وكلب الجوزاء نجم معروف، والكلبان اسم نجمين يطلعان عند اشتداد البرد. غير أن قصة الكلب الوفي التي رواها له جده ظلت راسخة في ذهنه حيث ذات يوم حلق الراعي الصالح عاليا في الفضاء الواسع، هو راعي الكون، وراعي أطراف العالم الأربعة، وكانت الشمس تغشو عيني الكلب، وهو يودع راعيه رافعا رأسه إلى قرص الشمس، رافعا وهازا ذيله، فلم يلبث أن نبح نباحا مدويا أشبه بعواء حزين، وذرفت دموعه، كان ذلك أول بكاء للكلب قبل أحد عشر ألف سنة حين أحس الكلب بألم الفراق، وأن راعيه يغيب في فصل الخريف، وظل الكلب يجوب الأرض بحثا عن صاحبه الذي لم يجده فصار يعارك الذئاب التي لم تدجن، ولم تدجن لأن الذئب لا يغير طبعه، وذات ربيع ناضر وجد صاحبه في لالش.

فجأة فتحت الباب على مصراعيها الذي قطع صريرها تذكره لقصة جده عن الكلب، فوقف وجها لوجه أمام الفقير الذي كان بلحية بيضاء تتدلى على صدره، وهو يرتدي زيا أسودا ، تعتمر رأسه لفة سوداء، ويلتف حول خصره حزام أحمر من صوف إلا أن ما أدهش ميرزا هو الخرقة التعبدية التصوفية التي كان يرتديها والتي كانت أشبه بقميص أسود من صوف، صبغ من أوراق شجرة ( الزركوش ) بعد أن أذيب صبغها في ماء يفور غليانا، ونقع الصوف فيها، لتكون بهذا المظهر الجميل، لكنه لاحظ أيضا طوقا أحمرا من الخرقة يلتف حول رقبة الفقير، وتتدلى أكمام حمراء من القميص على يديه. التقت عيونهما بصمت لا مثيل له، وأحدهما يقرأ أعماق الآخر ويغوص في فهمها، فكان الفقير يبدو عليه الهرم المبكر، وهو متوسط القامة، نحيل البدن، أنور الوجه ممتلئا طيبة، وذ سمو جليل ورفعة هدوء، إذ يجتمع الذكاء والصبر في نظرته الغامضة التي ما لبثت تجول في وجه ميرزا لتكتشف العذاب والحزن والتعب إلا أنها حلت لغز مسحة البراءة فيه، واستغرقت في الصمت الذي ساد بينهما برهة أن تعبر عن دلالة لالش أي أن يفرغ ميرزا نفسه من دنياه عند عتبة باب لالش، ويتجرد من ثقل الألم الذي جاء به مهزوما، ثم أرادت هذه النظرة أن يفرغ ميرزا من انفعاله تماما ويندمج مع عالم لالش الهاديء المنعزل في بحر نضارته وسعته وصفائه، عندئذ يستطيع ميرزا أن يدخل عالم لالش بتلك الروح الصافية، حينئذ أحس ميرزا كم هي هذه النظرة رقيقة متعاطفة مع روحه الوديعة، هكذا أدرك بالسرور والرضا لمجيئه، فتغيرت قسمات وجهه خاصة وقد ارتبطت ابتسامة الفقير بهزة رأس فريدة، ثم سمع بانتباه إلى كلمات ود نطق بها الفقير:

ـ أهلا بالزائر ميرزا.

فألجمه الترحيب في مكانه مذهولا، وهو يتأمل وجه الفقير الهادئ، فثبت ميرزا نطره إليه صامتا دون أن ينبس بكلمة، ثم حملق فيه متعجبا إذ راح يسأل نفسه: كيف استطاع أن يعرف بخبر مجيئه؟! وعلى حين غرة تلاشى هذا السؤال عن نفسه لأن نظرة الفقير الرقيقة الصافية الودودة جعلته ينسى هذا الأمر، فاستدار الفقير وخطا نحو الداخل ببطء، فتبعه ميرزا دون ألم وخوف وهو يدخل عالم جديد فيه الصفاء والنور الخالص، وروحه المضطربة المشبعة بالحيرة ينساب فيها عزف رقيق جديد، هذا وقد اغرورقت عينا ميرزا بالدموع دون أن يدرك سبب ذلك، وهو يتبع الفقير ويغوص في بداية هادئة إلى صعود أخر في دنياه. تلك كانت لحظة سعيدة أن يحس ميرزا أن روحه النقية تتلقف نشوة الوجود في نور صباح الشروق أي في لحظة سحر عجيبة وهو يدخل عالم جديد.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة