من أجل تعميق وترسيخ مفهومنا لحقوق الإنسان ... صباح كنجي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

تشكلت العديد من منظمات حقوق الانسان العراقية في عدد من بلدان المهجر وكردستان اثناء تصدي القوى الوطنية والديمقراطية لهمجية النظام الدكتاتوري المقبور، بمبادرة من عدد من الناشطين المهتمين بحقوق الإنسان، بينهم مثقفون وقانونيون ورجال اعمال وكسبة من مختلف الاعمار والمكونات الاجتماعية..

ولعبت هذه المنظمات دوراً لا يستهان به في فضح ممارسات النظام الدكتاتوري السابق، وأدت دورها في الدفاع عن مصالح ابناء شعبنا من المهاجرين واللاجئين في مختلف البلدان..

باستثناء كردستان بعد انتفاضة 1991 لم يتوفر للعاملين فيها اي دعم مادي او معنوي يذكر، وكانت الفروع الناشطة في سوريا لندن /المانيا /الدانمرك /هولندة /السويد /كندا /استراليا تعتمد على نشاطات وتبرعات أعضائها فقط، وساهم عدد من الذين يدركون ويقدرون اهمية هذا النشاط في ديمومته وتواصله الى بعد سقوط نظام القمع والإرهاب وزوال نظامه وانهيار دولة الاستبداد.

حيث فرضت مستجدات الأوضاع في العراق، جملة مهام جديدة، تتطلب إعادة الدور لهذه المنظمات بالشكل الذي يتناسب مع  أهمية حقوق الإنسان وتطوير مفاهيمنا لها عبر رصد المتغيرات والمستجدات الفكرية والاجتماعية الناشئة من التطور العاصف في الوضع الدولي، وما تفرزه وتحققه الثورة العلمية التكنولوجية، من أغناء لمفهوم حقوق الإنسان، يتجاوز أطار العمل السياسي وحرية الفكر والاعتقاد وتداعيات الاضطهاد والقمع، وهو ما كان يشكل جوهر العمل الذي نهضت به تلك المنظمات في تلك المرحلة التي تطلبت التركيز على تجاوزات الدكتاتورية وفضح ممارساتها.

مما خلق قناعة لدى البعض من العاملين في هذه المنظمات إنَّ دورها محدد ومكمل لدور المعارضة في مواجهة الدكتاتورية، انتفت أهميته حال سقوطها، وبات من الضروري إنهاء نشاطاتها لا بل هناك من طالب بحلها.

للأسف أسفرت هذه القناعة عن انسحاب وابتعاد عدد من الناشطين من العمل والنشاطات اللاحقة.. هكذا شهدنا انحساراً في عدد المساهمين في الفعاليات التالية، بما فيه مؤتمر المنظمة الأخير في برلين الذي لم يكتمل فيه النصاب في الموعد الأول مع نهاية عام2009...

 في حين يرى آخرون إن قضية حقوق الإنسان هي أوسع من هذا الفهم الضيق القاصر عن إدراك أبعادها ومعطياتها المتجددة، لا يمكن أن يتوقف الجدل والعطاء فيها عند هذه الحدود وتبني هذا الرأي.. 

وفي الوقت الذي تكرس فيه الجهود لحل المعضلات السياسية الناشئة، ونعتبر ان زوال الدكتاتورية قد أزاحَ معهُ الكثير من الهموم والتجاوزات على حقوق الإنسان.

إلا ان صفحة جديدة ومهام أخرى قد بدأت تتطلبُ منا مواصلة العمل بجهادية أعلى للدفاع عن حقوق المتضررين من ممارسات وسياسات الدكتاتورية السابقة، سواء الذين اعدموا أو قتلوا أو غيبوا في أقبية التعذيب والقبور الجماعية، أو الذين سجنوا واعتقلوا وفصلوا من أعمالهم، ناهيك عن المتضررين من الحروب ونتائجها المدمرة وما خلفته من تشوهات اجتماعية خطيرة تتمثل بالأعداد الهائلة من الأرامل واليتامى والمعوقين والأسرى..

بالإضافة الى تداعيات سقوط النظام الذي سقطت معه الدولة الدكتاتورية ومنظومة القيم الأخلاقية.. التي ترافقت مع دخول قوات التحرير/الاحتلال واستمرار العنف والدمار الذي خلق المزيد من التجاوزات على حقوق الإنسان/الفرد، ليشمل المجموعات والمكونات الاجتماعية والإثنية، وبات يهدد وجودها، مما زاد من حدّت الهجرة والتهجير المقترن بمتغيرات ديموغرافية خطيرة في العديد من المدن بما فيها العاصمة بغداد..

وتداخلَ هذا مع ظهور قوى جديدة  تؤمن بتسييس الدين وتوظيفه في العمل السياسي، ليشكل منعطفاًً يجري فيه إعادة إحياء المفاهيم الدينية الاستبدادية المنتجة لوسائل القمع المجربة. التي تحد من حرية الإنسان وخياراته وتفرض نمطاً من السلوك المبتذل يتدخل في تفاصيل حياة الناس بما فيها حرية المأكل والملبس أو الفن والموسيقى والرياضة والعلاقات الإنسانية.

ناهيك عن تكفير المجموعات البشرية واستباحة دمائهم، والنظرة الدونية للمرأة والأخلاق وحصرها بالجنس، لا تتعداهُ وتتخطاه لتشمل بقية الضوابط الاجتماعية التي تتطلب الإخلاص والدقة في العمل ومراعاة حقوق الآخرين وعدم ممارسة الاضطهاد أو استغلال الموقع الوظيفي ولا نذكر الاهتمام بالبيئة وغيرها من الأمور التي لا مكانة لها في عقول البعض ممن لا يرى في  الناس إلا  صورةً  وعطاءً يقدم قرباناً للإله الذي يختلفون عليه ..

يحدث هذا في الوقت الذي ما زال شعبنا يعاني من آثار ومخلفات المرحلة السابقة التي ورثنا منها بيئة ملوثة باليورانيوم المنضب ومدن خربة لا تتوفر فيها المساكن والمدارس والمشافي والخدمات الطبية والتعليمية، تعاني من انعدام ونقص الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والمحروقات، مع وجود الفقر والبطالة وتفشي الأمراض وانتشار العادات السيئة وتفشي ظاهرة ختان الإناث منذ الصغر والاعتداءات المتكررة على الصحفيين..

كل هذا لا يشكلُ هماً يذكرُ للحكام الجدد، الذين جعلوا من صراعاتهم السياسية غطاءً ومدخلاً للولوج في صفقات محاصصة لنهب وسلب وارداتِ الدولة والمجتمع، عبر تقسيمهم للسلطة والوزارات واستحواذهم على مواقع البرلمان بدعم أمريكي وإقليمي يحددُ موازين المنافسة الداخلية، وفقاً لحالة الصراع المحتملة إقليمياً ودولياً ...

لذلك باتت الرشوة والفساد الإداري مكملاً لما يعانيه الناس من سوء الخدمات، وأخذت تثقل بنتائجها من كاهل المواطنين، الذين يجبرون على السفر للعلاج الى الدول المجاورة، ويضطرون لتناول المواد الغذائية التالفة أو قليلة الجودة، ولا يحصلون على فرصهم في العمل إلا بشق الأنفس، ومن يحصل على وثائق السفر يكون خيارهُ السفر والمغادرة، في الوقت الذي باتت المتاجرة بالأطفال واليافعات سمة وظاهرة لا يمكن إخفاؤها.

بعد أن تكدست أعداد المراهقات اللواتي يلتجئن للتسول من خلال أجسادهن، في غالبية المدن العربية ابتداءً من دمشق مروراً بعمان / بيروت/ القاهرة/ وبقية مدن الخليج..

بينما نلتمس في كل يوم الجديد من المعطيات في حقل حقوق الإنسان، التي أضافت إليه الآن العديد من الدول بالإضافة الى الحقوق الكلاسيكية المتعارف عليها في النصوص والمواثيق الدولية.

ليس الحق فقط بل كفالة هذا الحق.

ليشمل في التطبيق العملي، الذي لا يقبل الجدال بين البشر، إذ تجاوزوهُ الى الضمان المطلق في توفير..

الحق بالضمان الاجتماعي والعلاج المجاني، وحق مواصلة التعليم بغض النظر عن العمر، والعيش في بيئة نظيفة توفر الخدمات الراقية، لا ينقطع عنها الكهرباء والماء لساعات أو دقائق إلا عند الصيانة بإشعار مسبق يتجاوز الأسبوعين.

ناهيك عن حق السفر وخدمات النقل والاتصال ورفع الحواجز بين الدول والتمتع بالإجازات السنوية والاهتمام بالعجزة وكبار السن وتوفير الخدمات الإضافية للمعوقين وتدريبهم ..

لا بل أن السويد منذ سنين على سبيل المثال تكفل من خلال الدستور توفير المياه النقية للمواطنين دون ثمن وتعتبره حقاً من حقوق البشر وقد سبقت الكثير من الدول في توفير خدمة الانترنيت التي أصبحت جزء متمماً للسكن كالماء والكهرباء وقد حَذت العديد من الدول الأوربية حذوها إذ أدخلت هذه الخدمة في باب حقوق البشر الطبيعية...

لا أقول من خلال هذه المقارنة السريعة إننا نسعى لنكون في صف هذه الدول في مجال حقوق الإنسان.. وهذا حلم من حقنا  أن نحلم به كبشر لا يختلفون عن غيرهم..

لكن ما أود أن أقوله إننا بحاجة لكي نطور من مفهومنا لمسألة حقوق الإنسان.. وانّ ما يشهده العراق من تحولات يتطلب منا أن نشحذ الهمم ونعيد النظر في مفاهيمنا لتعميق إدراكنا للمحتوى المتجدد لحقوق الإنسان بالشكل الذي يتناسب مع حجم ومعاناة العراقيين وحاجتهم لها..

وهو أمر يتطلب المزيد من النقاش والجهود لتفعيل دور المنظمات والجمعيات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان. من الأولى بالأحزاب ووسائل الإعلام بما فيها الفضائيات العراقية ايلاء اهتمام اكبر لهذه المعضلة، عبر تكريس المزيد من الجهد والمساحة لمؤسسات المجتمع المدني، التي تجعل من اهتمامها بحقوق الإنسان مؤشراً ومقياساً لتقدم المجتمع ورقيه..

كما يتطلب من الدولة والحكومة ان ترتقي الى مستوى المسؤولية وعدم استغلال مشاعر الناس العاطفية لتسيير المواكب التي تسبب  المزيد من الخسائر الفادحة بينهم..

ومن مهامها حمايتهم وعدم تبرير قتلهم بحجج واهية تتنافى مع المنطق ومفاهيم العصر..

صباح كنجي

منتصف تموز2010

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة