ألف أرملة بالفلوجة وحدها، نصفهن شابات صغيرات

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أعلنت منظمة "البر" لرعاية الأيتام في مدينة الفلوجة، في تقرير صدر مؤخرا، أن عدد الأرامل ازداد بشكل مخيف في مدينة الفلوجة وضواحيها، خلال الأعوام القليلة الماضية، ليبلغ أكثر من 30 ألف أرملة، قضى أزواجهن في العمليات العسكرية والتفجيرات والمعارك التي شهدتها الفلوجة بعدسقوط النظام السابق. وأوضح التقرير "أن %66 من الأرامل لا تتجاوز أعمارهن 25 عاماً، ومنهن من ترملن وهن عرائس". وطالب التقرير الحكومة العراقية بتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لهن عبر "تخصيص مرتبات ثابتة يمكن للأرملة من خلالها أن تحافظ على كرامتها". وحددت شبكة الحماية الاجتماعية المعونات المالية التي تدفع إلى المستفيدات بـ100 ألف دينار (85 دولارا) للأرملة الواحدة، مع إضافة 15 ألف دينار لكل طفل, إلا أن أعداد اللاتي حصلن على مثل هذه المعونات ضئيلة جدا. وتابع التقرير أنه "بسبب انعدام الدعم الحكومي للأرامل اضطرت الكثيرات منهن إلى العمل في مهن تقلل من كرامة المرأة وتحولها إلى سلعة رخيصة، الأمر الذي يتنافى مع الوعود التي أطلقتها الحكومة بعد انتخابها". وحذر التقرير من استغلال الجماعات المسلحة لحاجة الأرامل وفقرهن، إذ يدفعون يبعضهن إلى "الانخراط في أعمال مسلحة مثل إيصال الرسائل بين الجماعات المسلحة، أو المواد المتفجرة"، مضيفاً أن "بعضهن ينفذن عمليات انتحارية بدافع الثأر لفقدان الزوج أو العائل". ونقلت شبكة "السومرية نيوز" عن الأرملة إيلاف محمد (31 عاماً)، العائلة لثلاثة أبناء، وصفها لحياتها، بـ "التعيسة والمشجعة على الانتحار"، وقولها: "قتل زوجي على يد فرق الموت ببغداد خريف 2007، ومنذ ذلك الحين لا أعرف كيف أعيل نفسي وأطفالي وأدفع إيجار المنزل". وتضيف: "إن أهل زوجي يحاولون سلب أطفالي مني بدعوى عدم قدرتي على إعالتهم"، مؤكدة أنها ستفعل المستحيل للاحتفاظ بأبنائها "وإذا فشلت فسأحاول الانتحار"، على حد قولها. وتوضح: "قد أفعل أي شيء من أجل أن يكبر أطفالي إلى جواري، حتى لو اضطررت إلى التعاون مع المسلحين، لأن ذلك أهون على نفسي من إبعاد أطفالي عني، أو رؤيتهم جياعاً". وتشكو إيلاف من أن الحكومة "لم تصرف لنا أي مبلغ"، مبينة "استلمت منذ عام تقريبا ولمرة واحدة 140 ألف دينار" (زهاء 120 دولارا) من إحدى المنظمات الإنسانية، أما الحكومة فهي تعقد وتصعب الأمور علينا في إيجاد فرصة عمل, رغم أنني أحمل شهادة جيدة". أما الأرملة مجيدة علي (44 عاماً)، من سكان حي الأندلس في الفلوجة، فتحمل سلة معدنية مليئة بقطع غيار السيارات القديمة التي تجمعها من الشوارع وتبيعها لمحال التصليح، وتقول: "منذ عامين نسيت أنني أنثى، فجسدي يعبق برائحة الزيوت المحترقة، وبتّ في نظر الجميع سلعة رخيصة، ورغم ذلك أحاول العيش وتأمين دخل مالي لأطفالي الستة، لكن بصراحة لا أدري إلى متى سأستمر بهذا العمل مع استمرار الحكومة في التغاضي عن مشكلتنا وإغلاقها الأبواب في وجوهنا". ويقول أمين عام منظمة "البر" التي أعدت التقرير عبد جبار العلواني: "قمنا بإجراء مسح سكاني مضنٍ على مدى أربعة أشهر، تبين لنا في خلاله وجود أكثر من 30 ألف أرملة في المدينة، %70 منهن لا يتقاضين أي مرتب من الحكومة أو إعانة مالية، و%30 منهن يتقاضين مبلغ 100 ألف دينار فقط، وهو لا يكفي لتغطية أسبوع واحد من الشهر، علماً بأن معظمهن لا يمتلكن بيوتاً، ولديهن أطفال في مراحل التعليم، ويعانين من أمراض". ويبدي أمين عام المنظمة أسفه لأن "الحكومة تستكثر على الأرامل مبلغ الحماية الاجتماعية، في حين أنه يخصص أحيانا لمن لا يستحقه، بسبب الوساطة والمحسوبية"، مضيفا أن الحكومة "تتغاضى عن الموضوع ولا تكلف نفسها عناء تشكيل لجان تهتم بصرف مبالغ شهرية للأرامل تساعدهن على المعيشة وحفظ كرامتهن، أو على الأقل عدم لجوئهن إلى الجماعات المسلحة". ويوضح العلواني أن "جماعات مسلحة استغلت هذا الموضوع، إضافة إلى رغبة الثأر، فعمدت إلى تكليف بعضهن بنقل رسائل ومواد خطيرة ما بين المجموعات المسلحة، وكلفت البعض الآخر بالقيام بعمليات انتحارية". ويلفت العلواني إلى أن "عدداً كبيراً من الأرامل يعملن الآن في مهن الحدادة وجمع المواد المستعملة، والبيع وسط الطرقات، إلى جانب التسول في الشوارع".ويضيف أمين عام "منظمة البر" أن تلك الظاهرة "دفعت عدداً من الهيئات والمنظمات الإنسانية إلى إنشاء جمعيات ومنظمات إغاثة للأرامل"، ويقارن بين "المعونات المادية والغذائية التي تقدمها لهن جهات ومنظمات وشخصيات في دول عربية وأوروبية مثل قطر والسعودية ولبنان وكندا وفرنسا، وبين تجاهل الحكومة العراقية للقضية"، متهماً الحكومة بـ "الانتقائية في دعم الأرامل بالعراق". وكانت وكالات دولية قد أشارت إلى سوء أوضاع الأرامل في العراق، فالاستطلاع الذي أجرته وكالة (أوكسفام) الإنسانية الدولية غير الحكومية، ومقرها لندن، يشير إلى أن ثلاثة أرباع الأرامل اللائي شاركن في الاستطلاع لم يحصلن على رواتبهن الشهرية، بحسب ما ذكره تقرير للوكالة صدر مؤخرا. وفي المقابل يقول نائب محافظة الأنبار والمشرف على عمل شبكة الحماية الاجتماعية في المحافظة حكمت جاسم زيدان "إن الأرامل في الأنبار نساء جار عليهن الزمن، ولحق بهن إجحاف كبير للغاية بسبب قلة التخصيصات الممنوحة لهن"، موضحا أن الراتب الذي يمنح لهن "يحدد بعدد الأطفال، ونوع المسكن إذا كان مستأجراً أو مملوكاً، لكن في كل الأحوال هو مبلغ غير كاف مقارنة بارتفاع الأسعار وغلاء الأسواق". ويضيف زيدان أنه "تم تخصيص 47 ألف مرتب من قبل شبكة الحماية الاجتماعية في المحافظة للأرامل والمعاقين والعاطلين عن العمل، والمرضى، والأطفال"، مستدركا بالقول إن المخصصات "غير كافية لتغطية المحافظة". ويكشف زيدان أن "%60 من المشمولين بالرعاية الاجتماعية الحكومية غير محتاجين، وتم إدراج أسمائهم في الشبكة في مرحلة سادت فيها الفوضى والفساد، واكتشفنا لاحقاً اختلاسات في الشبكة بقيمة مليارين و523 مليون دينار، وقد حققنا في الأمر وقمنا بتقديم المتورطين إلى القضاء, حيث يحاكمون في الفترة الراهنة". ويتابع المشرف على عمل شبكة الحماية الاجتماعية في محافظة الأنبار، أن مجلس المحافظة "يقوم حالياً بفتح مشاغل وورش عمل ومصانع إنتاجية للنساء في حديثة والرمادي، لاستيعاب الأرامل ومساعدتهن في تأمين دخل إضافي لهن ولعائلاتهن". ويتهم زيدان منظمات المجتمع المدني التي تتكفل برعاية الأرامل بأنها "تعمل وفق أجندات سياسية أو لأهداف ربحية"، مضيفاً أن "معظمها تعمل لأجل مصالحها الخاصة أو لأهداف انتخابية وسياسية، وقليل منها يعمل فعلاً لخدمة تلك الشريحة". ويصف تحذير بعض المنظمات من انخراط بعض الأرامل في أعمال مسلحة بأنه "غير معقول"، موضحا أن "غالبية النساء في الأنبار من عائلات وعشائر معروفة، ولهن نسيج اجتماعي قوي لا يسمح لهن بذلك". ويقول أحد المراقبين في بغداد تعليقا على الاتهامات المتبادلة بين المنظمات الأهلية والحكومة الحلية في الأنبار إن "كل طرف يلقي بالتهمة على الآخر"، موضحا أن "الأهالي ما زالوا يعتقدون أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة المركزية، في حين أن هناك حكومات محلية منتخبة وفقا لقانون انتخابات مجالس المحافظات، ولها صلاحيات، وعليها تقع المسؤولية، أما المسؤولون المحليون فينتقدون المنظمات الأهلية وكأن من المعيب أن تقدم الأخيرة مساعدة لمن يستحقها، وتنتقد الإدارة المحلية على تقصيرها". ويوضح أن الحكومات المحلية "ما زالت تتحجج بقلة التخصيصات المالية من الحكومة المركزية، في حين أن التسريبات الصحافية المتعلقة بالفساد في كل محافظة تبلغ أرقاما تكفي لإطعام آلاف من الأسر، والدليل على ذلك الاختلاسات التي أعلنتها الأنبار مثلا في شبكة الحماية". ويضيف أن "الحكومات المحلية حين تتعرض للانتقاد من قبل منظمات المجتمع المدني لا تجد سوى إضافة علامات الاستفهام على عمل الأخيرة، أو اتهام الحكومة المركزية بأنها لا تولي اهتماما بمحافظتهم"، داعيا إلى التخلي عما أسماه بـ"النزعة السابقة في إدارة الدولة التي تحمل الحكومة المركزية كل التبعات، في حين يجدر بالحكومات المحلية كما المجتمع، السعي إلى حل المشكلات القائمة، ولاسيما أن كل محافظة تدعي أن لديها أعدادا كبيرة من الكفاءات والخبرات الجديرة بإدارة الدولة". يذكر أن الحروب المتعددة والأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الماضية خلفت عددا كبيرا من الأرامل يعاني الكثير منهن ظروفا اجتماعية قاهرة ولا يحظين بأي اهتمام حكومي، وجاء في آخر إحصاء لوزارة التخطيط، أن في العراق ثلاثة ملايين أرملة تتراوح أعمارهن بين 23 و80 عاما معظمهن ضحايا ما بعد الغزو عام 2003، وبيّن مصدر مسؤول في الوزارة أن من بين ثلاثة ملايين أرملة، تحصل 83 ألفاً منهن فقط على راتب الحماية الاجتماعية.


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة