حكايات من شنكال ( 26 ) / شارع الأطباء . / مراد سليمان علو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

في كل مدينة عراقية شارع يسمّى بشارع الأطباء حتى لو لم يكن الاسم رسمي ومثبت في بلدية المدينة لأن الناس عندنا اعتادوا أن يطلقوا على كل شارع يكثر فيه عيادات الأطباء الخاصة والمضمدين والمختبرات والصيدليات ... الخ  بشارع الأطباء فمثلا شارع نينوى في الموصل يسمى بشارع أو( مكان ) الأطباء وفي الآونة الأخيرة هاجر الكثير منهم للخارج أو انتقلوا لمدن كردستان الآمنة ويمكن مشاهدة إعلانات اختصاصهم في شارع الأطباء بدهوك مثلا وقد رفعوا من أجرة فحصهم من خمسة آلاف دينار في الموصل إلى عشرين ألف في دهوك ، وغالبا ما تقع عياداتهم في عمارات حديثة ومجهزة بكل شيء يحتاجه المريض وبدلا من فراش جاهل لا يؤمن بالأسبقية في دخول المراجع نرى سكرتيرا يجيد لغتين على الأقل ولديه مكتب أنيق عليه كومبيوتر يداعب أزراره لخزن المعلومات المطلوبة ، فكل شيء يدعوا للراحة والاطمئنان ألا تعامل بعض الأطباء أنفسهم والذين لا يزالون ينظرون للمريض بتعال وكبرياء وعجرفة لدرجة استنكافهم من التكلم معه وشرح ما يعانيه وطرق الوقاية مستقبلا والأغذية المناسبة وتلك التي تضّر ... الخ وإن سأله المريض سؤالا يتعلق بصحته أو شرح له بعجالة تاريخ مرضه ( وليس كل المرضى ذو دراية وثقافة صحية ) عندها قد يتمتم ببضعة كلمات على عجل مما يضطر المريض إلى مراجعة طبيب آخر على مضض ، طبيب يتصف بوعي في التعامل مع مرضاه بايجابية على الأقل . 

ونظرا للطفرة العمرانية والزيادة السكانية في شنكال والحاجة المتنامية للأطباء بمختلف اختصاصاتهم وتمركزهم في شارع المنارة بات الآن يسمى أيضا بشارع الأطباء والمعروف إن منطقة المنارة هي جزء من محلة بربروش القديمة .

قبل أيام عانت ابنتي البالغة من العمر اثنتا عشرة عاما آلاما في ضرسها الذي لم يمضي على معالجته بحشوه دائمية أكثر من تسعة أشهر ، اصطحبتها إلى عيادة طبيب أسنان ، وجدت العيادة مقفلة وقد سبقني للمكان رجل في متوسط عمره يتأوه ويشعل سيكارة تلو الأخرى على أمل أن يخفف الدخان من ألمه ثم قدم شاب يصطحبه اثنان من أصدقاءه وبعد السؤال عن سبب عدم فتح العيادة للآن والاتفاق على إهمال الفراش وتأخره وقبل أن ننهي تقريعنا للفراش أقبلت سيدة وهي تمسك بيد طفلة تعاني هي الأخرى من مشاكل في أسنانها وبعدها اقترحت على الحضور تسجيل أسماءنا بالتسلسل لأجل الدخول على الطبيب فوافقوا وتطوعت للأمر ثم أخرجت دفترا صغيرا للملاحظات وغالبا ما أحمل مثله في جيبي فربّما أتتني فكرة ما أو ألهمت بكلام جميل فأسارع بتدوينه قبل أن أنساه وهكذا كتبت أسم الرجل المدخن والذي لا يزال يتأوه في البداية ثم اسم ابنتي واسم الشاب المرح الذي يصطحب اثنين من أصدقاءه وأخيرا اسم الطفلة التي كانت تحملها السيدة وفي هذه الأثناء حضر مراجع آخر وهكذا تجمهرنا أمام الباب إلى أن أتى الطبيب ، ولكن ما فائدة الطبيب دون فراشه الذي لم يشرّف بعد والمفاتيح معه ، أتصل به الطبيب المسكين لأنه لا يحمل نسخة من مفتاح عيادته وهذا أمر غريب ، وبعد حين أتى مسرعا وكأنه فالت من فم ذئب ، فتح الباب بعصبية ودخلنا إلى صالة الانتظار ، ناولته ورقة الأسماء فردّ بصوت عالي : ( ماكو سره عدنا ... الدخول أربعة أربعة ) ، ومزّق ورقتي ولم أتكلم فلا يعقل أن أردّ على رقيع مثله  .

انتهينا من طبيب الأسنان الذي قلع سن ابنتي وكتب لها بعض الأدوية واستلم نقوده دون أن ينبس ببنت شفة .!

فكرت بكتابة خطاب إلى الطبيب نفسه لأشرح له كل شيء وأحتج فيها على هذه المعاملة ولكني خشيت أن يسخر من خطابي ويقول بأن الأخ يظن نفسه في لندن كما سخر فراشه من قائمة الأسماء التي أعددتها فقلت مع نفسي لو كان مهتما لأحتفظ بنسخة من مفتاح عيادته في جيبه وهكذا أقنعت نفسي بتحمل ما لا طاقة لي على تغييره  .

بعدها توجهت إلى عيادة الدكتور كمال سينو الشرقي / اختصاص أمراض باطنية ، حيث كنت أعاني من آلام طفيفة في جنبي الأيسر ... استقبلني الفراش وهو رجل أربعيني هادئ ومتواضع مما تضطر لمصافحته عند خروجك من العيادة ... المهم استلم الفراش أجرة الفحص وأدخلني غرفة الطبيب ويبدو إنه يقوم بعمل السكرتير أيضا وبعد التحية أومأ لي الطبيب بالجلوس قربه ، أخذ رشفة من الشاي الموضوع أمامه وسألني إذا كنت أرغب بفنجان  فأجبته شاكرا باني لا أشرب الشاي ... ثم سألني عما أعانيه وبعد أن شرحت له حالي مع ألم الجنب باقتضاب ... طلب مني أن أقترب منه أكثر ، وبكبسة زر عرض صور الجهاز البولي على شاشة حاسوبه وبدأ يشرح لي وظيفة كل عضو ومصدر الألم وأسبابه ولكي يشخصّ حالتي المرضية بدقة ويوصف لي العلاج المناسب طلب أن أجري فحصا بالأشعة والأمواج فوق الصوتية ( السونار ) .

بعد أقل من ساعة جلبت نتيجة الفحص وأدخلني الفراش السكرتير ذو الأخلاق الدمثة إلى غرفة الطبيب ثانية ... قرأ نتيجة الفحص ... شرح لي حالتي  المرضية بالتفصيل ... كتب لي بعض العلاج وأوصاني بشرب كميات وافرة من الماء وفي ظهر الوصفة الدوائية دوّن رقم موبايله الخاص قائلا : يمكنك مهاتفتي في صباح يوم الخميس من الأسبوع القادم لأجري لك فحصا ثانيا في المستشفى فربما كنت ضعيف الحال ولا تقدر على مصاريف العيادات الخاصة ثم نهض مصافحا ومتمنيا لي الصحة .

اليوم قلة من الأطباء عندنا يجلسون بالقرب من المريض ويشرحون له حالته على شاشة الكومبيوتر  .!

واليوم نادرا ما يعرض عليك الطبيب في عيادته الخاصة فنجان شاي .!

وكم من الأطباء اليوم يدون لك رقمه الخاص لتتصل به في موعد محدد أو حتى وقت الحاجة .؟

ومن من أطباء اليوم يتكلم أكثر من المريض نفسه عن حالته ليحرص على إيصال رسالته الإنسانية .؟

قد يقول قائل : ربما كان هذا نتيجة علاقة ما أو لسبب وجيه لذا كان رد فعل الدكتور ايجابيا بصورة ملفتة للنظر .

أقول بان الرجل لا يعرفني ولا أعرفه وهذه كانت الزيارة الأولى لي لعيادته ولم أكتب هذا الكلام إلا بعد سؤالي عنه من مراجعين آخرين وكذلك استفساري من أناس يعملون معه في المستشفى ، وبالتأكيد هذه ليست دعاية للدكتور كمال مع إني أتمنى له كل الخير ولكني والحق يقال عرّفته بشخصي في الزيارة الثانية فسرّ بمعرفتي كثيرا.

أن أمثال الدكتور كمال يبنون جسور الثقة بين الطبيب المعالج والمريض المراجع وكذلك يحرص على إيصال معلومات صحية بطرق مبتكرة الى مجتمعه المحتاج لتلك الثقافة  ... مرحى .  

 muradallo@yahoo.com           

                                     

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة