DOXATA: نصف متر مربع ...نسيمة شلال / سنونى : عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين نصف متر مربع ...نسيمة شلال / سنونى : عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين ================================================================================ nader doxati on 14/05/2010 15:31:00 جلست أمام مرآتها تتفحص وجهها الكئيب ، ملامحها الحادة ، نظراتها الصارمة ، لامست تجاعيد وجهها وأيقنت أنها أصبحت عجوز بكل معنى الكلمة . عجوز تمتلك شعرا رماديا وعينان ذابلتان ، لكن رغم ذبولهما ما زالتا تحتفظان بصرامة النظرات ، حاولت أن تبتسم لنفسها لكنها لم تستطع ، وكأنها نسيت تماما كيف يبتسم الإنسان ، حاولت وحاولت واكتشفت أنها تمتلك شفتين كئيبتين يكسوانهما لون غريب وكأنها مزجت الأزرق واسود ولونت بها شفتيها . مالت برأسها نحو المرآة واقتربت أكثر من وجهها وكأنها لم تكن لتصدق عيناها وأرادت من محاولة الاقتراب هذه أن تكذب عيناها وتقنع نفسها بأنها ما زالت تمتلك شفتين ورديتين واقتنعت أخيرا أن عيناها لا تكذبان ، وبأنها تمتلك شفاه خالية من أي لون من ألوان الحياة . وباقترابها هذا اكتشفت أيضا أسنانها الصفراء والتي تعاني من فراغات هائلة نتيجة ضربات الزمن . فتحت فمها حتى كادت أن تمزق أشداقها فوجدت أن فمها أشبه بمغارة مخيفة ! حتى تخيلت أن الخفافيش ستطير منها وسارت في جسدها الهزيل رعشة مفاجئة وللحظة أغلقت فمها خوفا من خيالها المخيف وابتعدت قليلا برأسها عن المرآة ووضعت يدها على صدرها وكأن الخفافيش فعلا قد طارت من فمها وامتلأت عليها الغرفة .! وبعد لحظات أحست أن يدها فوق شيء ينبض بسرعة ؟ انغمست أصابع يدها في صدرها فوجدت أن قلبها ما زال ينبض ، وخطرت ببالها ماذا لو حددت موقع هذا النبض السريع ؟ مدت يداها فتحت أزرار قميصها وأزاحت الحمالة عن ثديها الأيسر وغمست من جديد أصابعها بشيء من القوة في لحم ثديها لتحدد مكان النبض وفرحت لأنها ما زالت تمتلك قلب ينبض بالحياة . ولأنها فرحت ، امتلكها الفضول والرغبة بأن تشاهد ثديها الآخر وسرعان ما أوقعت عن كتفيها القميص ثم بكل هدوء رفعت عن نفسها الستار قطعةٍ قطعة لتقف أمام المشهد دون رقيب ودون حاجز . لامست صدرها وأدركت أن لها صدر لا يمتلك أي شموخ ، وان نهديها كبالونين مفروغتين منهما الهواء . لأول مرة تشاهد نفسها نصف عارية أمام المرآة . لأول مرة تعري نفسها لنفسها ولاكتشاف ذاتها . مرات كثيرة عرت نفسها للاستحمام ، ومرات كثيرة عرتها زوجها لتعيش طقس من طقوس الطاعة إن أرادت أو لم ترد ..! لكنها الآن امتلكت الجرأة على أن تتفحص نفسها بنفسها دون أن يمنعها الحياء ودون أن يمنعها كف زوجها ، ذلك الكف الذي لم يستعمله معها إلا لضربها ولقطف الثمار من بستان جسدها ، وهي هكذا مدت يديها لتنزع الوشاح عن شعرها الرمادي وبقية لدقيقة حتى تحتفظ بكل التفاصيل . ما أن شاهدت أنها تحتفظ ببعض الزغب المائل إلى الأصفر تحت إبطيها ، أطارت الوشاح ليقع فوق القميص وبدأت تفك جدائلها حتى أصبحت لها شعر منسدل على كتفيها وكأنها أمواج من يباب خريفي وصقيع الشتاء المختلطة لتتشابك حتى تشكل زوبعة صيفية ، وبقيت هكذا تتأمل نفسها وربما نصف نفسها وجسدها والتي لم تحس يوما أنها تمتلكها كما امتلكتها في تلك اللحظات ، نفسها التي تلقت الكثير من الطعنات من شخص سلمت له ذلك النفس مرغمة وعلى مدى نصف قرن ، وجسدها الذي حولته نفس الشخص إلى أداة للاستمتاع والإنجاب . أدركت حينها أنها لم تكن على مدى نصف قرن غير بقرة حلوب ، وسلة تلقي بها الجميع مهملاتهم دون أن ينظفها احد أو حتى يفكر في رفعها عن الأرض ولو قليلا . على مدى نصف قرن كان زوجها والأولاد والأحفاد يأخذون منها باستمرار دون أن يعطوها شيء . فكرت ونظراتها مستقرة على وجهها . عنقها . أُذناها . شعرها . وصدرها المتدلي بكل علامات سنها المتقدمة . هل ستستسلم للبكاء لأنها أصبحت كالثمار التالفة ؟ أم ستبتسم لأنها أخيرا امتلكت القرار لتبقى مع نفسها لدقائق ؟ تفكيرها مستمر وهي جامدة صامتة أمام مرآتها الصامتة مثلها . مرآتها التي شاهدت بدورها على أكثر تفاصيل حياتها الدقيقة وغير الدقيقة لأنها كانت معها في نفس الغرفة . مرآتها شاهدة على عذابها ، بكائها وخوفها الدائم من التفكير بحدود الحياة وحريتها . وللحظة سمعت صلصله صادرة عن باب البيت وعرفت أن زوجها قادم وسيدخل الغرفة عما قريب ، ماذا سيحدث لو رأتها هكذا عارية حتى النصف وشعرها الرمادي منفوش وهي جالسة أمام مرآتها ، ماذا سيحدث ؟ أحست أنها ليست خائفة ، واثقة كل الثقة أنها ستواجه الموقف بكل شجاعة . لم تتحرك وخطوات الزوج تقترب منها : سألت صورتها المعاكسة في المرآة : هل ستغمضين عينيكِ خوفا وخجلا عند دخول الزوج ؟ هل تذكرين آخر مرة ابتسمت فيها ؟ هل أحببت يوما ؟ هل نبض قلبك مثلما الآن ؟ هل وهل وهل ...؟ وكل أجوبتها كانت لا ولا وثم لا ... ولم تجد إلا وزوجها واقفا على رأسها بكل جبروته وعيناه يقذفان الشرر ويرميان سهام نارية ؟ رفع كفه ليصفعها كما عادته ، لكنها بكل إيمان أيقنت أن صفعة القدر اقرب على خدها من صفعة زوجها . فقررت أن تبتسم ! نعم ابتسمت وابتسمت حتى بانت فراغات أسنانها الصفراء وأدركت بأنها خلال أكثر من نصف قرن لم تتخطى الحدود المرسومة لها ولم يكن لها من الحرية ومن الحياة بطولها وعرضها غير مساحة ( نصف متر مربع ) لتعيش فيه . وقبل أن يصفعها كف الزوج وقعت على وشاحها وذلك القميص وتوقف قلبها عن النبض ، لكنها احتفظت بالابتسامة المرسومة على شفتيها ولم يستطع أية صفعة أن تنتزع منها تلك الابتسامة ؟