حكايات من شنكال ( 29 ) ... مراد سليمان علو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

(29) سينو ... صديق الله .

ملأ جميع قرى جبل شنكال بسمعة طيبة وسيرة حسنة في زمانه ، فاحتفظ أيزيديو شنكال بإسمه بعد ما ترك وراءه مبسم الخلود .

لم ينشد الشهرة أبدا ولو أرادها لركعت عند قدميه ولكنه كان جريء الفؤاد يسأل عما ينفعه في الآخرة ليفيد الآخرين به في الدنيا .

وكان مطرق الرأس دوما يفكر ما آل إليه حال الإنسان ...  ذلك العاقل الوحيد الذي وافق على حمل الأمانة ، ذلك القصير العمر ... الذي تقدم واثقا ، ذلك الضعيف الذي لا يقدر على كبح جماح شهواته وغرائزه ، ورفض الأمر قبله ... حتى الحجر والشجر فهل نجح في الاختبار .  إن نجح فهو الأمين وقد فاز فوزا عظيما ولكنه خسر في تجارته بعد أن أقبل إليها إلا القليل منهم ... هكذا كان حال الأولين فماذا سيكون مصيرنا يا ترى ، وكان هذا هو السؤال المفتاح لأسئلة خالدة طرحها على نفسه فحزن بها ولها .

باحث عن الحقيقة أمضى أجمل سنين شبابه وهو يبحث ... وربما وجدها في خلواته في تأملاته ... أيام صومه أو أوقات عباداته ... في أحلامه ... ويبقى له إنه كان باحثا حقيقيا رغم ما كان يعانيه من  صراع داخلي رهيب ممزوج بلذة ومتعة لا توصف في استمرار البحث دون أن يعلم الناس إذا كان قد وجد ضالته فجزء من فلسفته كانت كتم هذا السر العظيم ليظن الآخرين انه لا يزال يبحث ما يبحث عنه .

فقير سينو من آل زرو توفي في منتصف التسعينات وهو :

كوجك ... ولكن من طراز خاص ولم يتخذها يوما كمهنة له ليعتاش منها .

ناسك ... ويتمنى كل النساك سلوك دربه .

مجاهد ... ولو كانت المناصب الدينية عندنا تنال بمجاهدة النفس لنال مام سينو أرفع المناصب .

" فقير " بحق و" الخرقة " تشهد له بذلك لأنه لم يرتديها حيّا لأسباب قلمّا يتوصل لها عقل إنسان عادي وبخاصة لو كان من طبقة " الفقراء " .

فقير ... ولم يطلب الغنى يوما .

غني ... ولم يخشى الفقر يوما .

حكيم ... دائم العطاء للحكم والأمثال و" السبقات " ليستعين بها جليسه في حياته .

متعبّد ... وقد صام أربعين مربعانية متتالية في حرّ الصيف وقرّ الشتاء .

قوّال ... ولم يجاريه أحد من القوالين أبدا  .

صبور ... وكان يعلم إن الصبر مركب لا يغرق في البحور الداخلية المتلاطمة للنفس البشرية وكان صادقا في ذلك كعادته ، فجد لي موضعا لا يكون الصبر فيه جميلا .

كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين فأصبحت نفسه في ربيع دائم ومن أراد أن يعيش في ربيع دائم عليه بالصدق .          

لم يخف  من أحد  فلا فرق عنده بين غني وفقير أو شيخ ومريد أو مختار وعطار .

لم يقهقه يوما لفرح ولم يبكي يوما لحزن ولكنه كان دائم الابتسام . أكتشف سر الدخول إلى قلوب الناس بابتسامته فما أن يستقبلك حتى يبتسم ويدعوك لسماع ما يجيده من أقوال الشيخ عدي (ع) لتكون زوادتك للآخرة فتتمنى أن تبقى جالسا في حضرته للأبد .

رحمك ربك يا فقير سينو ولك كل الألقاب ياسيدي ... بل لك اللقب الأقرب لقلبك       ( بابا درويش ... الباحث أبدا عن صداقة الله ) .

  muradallo@yahoo.com   

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة