قصيدة خالدة خليل ... حمودي عبد محسن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 أما هو فخذوه

   هكذا ابتدأت السيدة خالدة خليل مطلعة قصيدتها المنشورة في الحوار المتمدن بتاريخ 14 / 12 / 2011  تحت عنوان ـ معلقة عند تخوم الحب ـ بتلك المقولة الشهيرة لآلهة الإخصاب انانا السومرية ، التي هي عشتار عند البابليين ، وعشتارتو عند الأكديين ، وعاشرا عند الكنعانيين ، وعشاروت عند الفينيقيين ، وأفروديت عند الإغريق ، وفينوس عند الرومان ، وعثتر عند العرب ، وقد وردت باسم آستر في التوراة ، هي الأسطورة التي ابتدأت قبل ستة آلاف عام في مهد الحضارة البشرية ، حيث من أوروك انطلق التاريخ الإنساني لتكون الكتابة ، وليكون المعبد ، ولتكون الآلهة ، وليكون الملك في خدمة رعيته ، ولتنظم سواقي مياه ، فتكون حقول مليئة بسنابل ذهبية ، وبساتين أشجار، ثم ثمار، ثم حصاد ، ويكون ازدهار وليالي أفراح .

    إذن هي الآلهة عشتار الأنثى الرائعة الجمال ، الأم الأولى مانحة الحياة التي أطلقت صرخة غضبها وقلبها يفيض أسى :

 أما هو فخذوه

  هي عشتار نفسها آلهة الإخصاب والحب والجمال والحرب ، وهي ملكة السماء ، وأسلحتها فأس وسيف وقوس ، ورموزها حزمة قصب ، ونجمة الزهرة ألمع الكواكب ذات الأذناب الثمانية المتلألئة في السماء تعتلي ظهر أسد ، وهي أيضا آلهة الصباح والمساء معا ، وتمسك دائما باقة زهر . لكن عشتار عشقها كبير الآلهة وأنصاف الآلهة والبشر ، وضحاياه ملوك ورعاة توعدهم بالزواج وتأخذ منهم أعز ما يملكون ثم تتركهم يندبون حظهم العاثر ، ثم تجوب حقول ، وتتدفق خلفها المياه وتزدهر الأرض بالإنتاج ، إذ عم الإخصاب ، وتعالت أصوات الأفراح . غير أن جلجامش بعد عودته من الغابة ، وقد قتل الوحش خبايا ، طلبت منه الزواج ، فرفض بشدة وعيرها بعشاقها قائلا :

أي من عشاقك من بقيت على حبه أبدا ؟

وأي من رعاتك من رضيت عنه دائما ؟

تعالي أقص عليك ( مآسي ) عشاقك

حينئذ لقبت عشتار بالغاضبة لأنها طلبت من معشر الآلهة معاقبة جلجامش ، فأرسلت إليه الثور السماوي ، فقاتله جلجامش مع صديقه أنكيدو وقتلاه ، أجل ، فعندما كانت عشتار تغضب ترسل ويلاتها على غاضبيها ، فذات مرة دخلت بستان الفلاح ( شوكا ليتودا ) ، واضطجعت في ظل شجرة لتستريح ، ثم غفت ، فجاء( شوكا ليتودا ) ورأى فجأة جمالها الباهر الساحر ، فضاجعها وهرب ، وعندما استيقظت عرفت أن ( شوكا ليتودا ) أخذها دون أن تدري ، فطاردته ، ولم تعثر عليه ، عندئذ أرسلت غضبها على المياه ، وكانت الآبار دماء . فاختيار السيدة خالدة خليل لمقولة الغضب هذه كمطلع لقصيدتها ليس اعتباطا فهي مرتبطة بأسطورة تاريخية تتداولها الشعوب كأنها أرادت أن تربط الماضي السحيق بالحاضر المعاصر بكل تداعياته وتقلباته ، وهنا لابد أن نتطرق إلى لحظة الغضب التي قيلت فيها المقولة ، فعندما خرجت عشتار من العالم السفلي ، عالم الأموات ، واللارجعة ، واللاعودة ، عالم الأبدية ، وقد عانت فيه عشتار أشد أنواع التعذيب من قبل  أختها ايرشيكال المتسلطة على عالم الظلام الذي نزلت إليه ليس لتمتلكه كما يعتقد الكثير مثلما امتلكت الأرض ، نزلت إليه وقد نزعت تاج إلوهيتها ، وحليها ، ورمت صولجانها ، وخلعت ثيابها ، إنها أرادت أن تعرف ، ولم يكن نزولها إلى العالم السفلي إلا فضول وحب استطلاع ، ثم كان خروجها مشروطا من أختها أن تجد بديلها بعد أن توسطت الآلهة إلى ايرشيكال بغية إنقاذ عشتار ، فماذا وجدت عشتار على الأرض وكان يصطحبها ، ويقودها شياطين الجلا ، شياطين العالم السفلي الذين حاولوا أن يأخذوا مستشارها كبديل عنها الذي كان يتوسط إلى الآلهة لإنقاذ عشتار غير أن عشتار كانت تصرخ باكية : لا ، ليس هذا ... ،وأخيرا وجدت حبيبها وزوجها تموز ـ ديموزي ـ لم يحزن على غيابها ، ولم يحاول أن يندب عذابها ، بل كان يقيم احتفالات غناء وأفراح دون أن يفكر في مصيرها في عالم الأموات وهو في أجمل حليه وأزهى ثيابه وأفخر أبهة غير مكترث بمعاناة وغياب عشتار. لذلك أشرت بيدها اتجاهه كبديل لها ، وأطلقت مقولتها الشهيرة :

 أما هذا فخذوه

    وهنا تكمن صرخة السيدة خالدة خليل في حاضرنا الذي يعم فيه الخراب ، صرخة أتت بها من عمق أسطورة التاريخ بعد الطوفان وكما هو معروف إن اختفاء تموز يعني اختفاء الربيع وبداية الجدب والقحط ، لذلك بكن بنات بابل ، وشققن ثيابهن ، ومزقن شعورهن ، إنه الندب على تموز رمز الإخصاب كما ورد في ترنيمة جنائزية :

راعي الحظائر لم يعد على قيد الحياة

زوج الملكة السماوية لم يعد على قيد الحياة

راعي القطعان لم يعد على قيد الحياة

 

  حتى عشتار نفسها التي سلمت تموز للموت بكته ، ونحبت عليه ، وناحت ، وصلت من أجله :

إليك يا ثوري البري ، الذي في القفر ، ويا حملي الذي في القفر ، أتوجه بصلواتي

   فقد وظفت السيدة خالدة خليل هذه المقولة في صورة شعرية بمعنى جوهري آخر ، وشكل آخر ، هذه المقولة التي صارت الحزن والعذاب والبكاء والندب ، فاختفاء الازدهار والخصب من أرض الرافدين سابقا وحاضرا هو ما جعلها تبدأ مطلع قصيدتها بهذه المقولة ، ولو راجعنا تاريخ بابل لوجدنا مراسم الحزن التي كانت تقام لثلاثة عشر يوم ، تبتدئ من فتح مصراعي باب عشتار ، والدخول إلى شارع الموكب بتراجيديا الحزن ، ذلك كان رمز حلول القحط في ميزوبيتا باختفاء تموز في العالم السفلي واختفاء الخصب في الربيع . هنا أرادت الشاعرة أن تبين مدى المأساة التي مرت في قرون متلاحقة على وادي الرافدين كما ورد في مفردات القصيدة : ( أعاصير الخراب ، ملاءة هزائمك ، صخرة الحزن ، مصائد الطغاة ) . هذا التوظيف عند الشاعرة لم ينته عند هذا الحد ، بل تعداه إلى  حب أسمى وأقوى لجمع كينونة البشر التي تتعذب تحت عجلات عربة النار والتي سحقتها قرون طويلة ولتتكرر الأحزان ، أجل هذا الحب لا يقبل النقص ، ولا يقبل الضعف ، ولا يتحمل التأخير ، ومن ثنايا القصيدة نكتشف أنه بغداد ، وكانت هي الرمز ، وكان هو الحب القوي العارم  ، فربما ـ أرادت أيضا الشاعرة أن تقول ـ خذوه ـ لكن اتركوا لي بغداد يا شياطين الجلا ، قيدوا يديه بالسلاسل الحديدية ، واربطوا قدميه بالحبال ، كم أنتم مشهورين بذلك ، قساة لا تعرفون الرحمة ، تنهالون على ضحاياكم بالفؤوس والسياط ، وتقودوها مدماة إلى عالم الأموات ـ العالم السفلي ـ فهذه كانت صرخة السيدة خالدة خليل من عمق الأحداث ماضيا وحاضرا ، فيها ابتكار فلسفي سيولوجي ليس تصالحا مع الماضي القديم ، وليس فيها دخول لمراوغة الذاكرة في أسطورة عشتار وتموز ، بل فيها تقدمنا نحن السومريين البابليين العراقيين إلى عالم يكاد يكون مجهول المصير في القرن الواحد والعشرين حين تقول الشاعرة :

ثلاثون مرت ولم تنبت

على شفاه الفرات زنبقة بعد ،

انظري إلى أي عصور ارتجاج الحقيقة

تصلب تاريخي على ركبتيك ؟!

وهذا القول هو من حوار بين أنا الذات ، وأنت الذات الذي غلب على القصيدة ليعطيها حوارية الوجود بين الأنثى والذكر ، بين الماضي والحاضر ، بين العدم والتكوين إذاك تأخذنا الصورة الشعرية إلى فم الفرات المتعطش إلى لون زاه ، خاصة وإن الزنبقة تنبعث من تحت الماء زاهية متفردة تفرش تاجها على سطح الماء ، يداعب خرير المياه بصوته العذب ساقها الرفيع الطويل الأخضر ، فتبعث السرور للنفس بمجرد رؤيتها وقد أرادت الشاعرة من الثلاثين سرا معينا لم تبح به ، إلا إنها ربطته بالنبتة ، ومن ملامح الكلمات ندرك كم هي غضة هذه النبتة التي تصلبت مثل التاريخ على الركبتين ، وعادة أن بدايات الشيخوخة تظهر في آلام الركبتين بالتكلس الذي تعانيه ، نعم هي آلام ارتجاج الحقيقة ، هذه الحقيقة هي أحداث ثلاثين عاما ربما مرت على الشاعرة في سرها الذي كتمته في أعماق الذات . وهنا بودي أن أتطرق إلى النقاط الآتية في القصيدة :

أولا : العنوان

ورد في لسان العرب عدة معاني لكلمة تخوم ، وقد توقفت على المعنى الذي يقترب إلى عنوان القصيدة ، تخم : التخوم : الفصل بين الأرضين من الحدود والمعاني ، مؤنثة ، قال أحيحة بن الحلاج ، ويقال هو لأبي قيس بن الأسلت :

يا بني التخوم لا تظلموها ***** إن ظلم التخوم ذو عقال

والتخم : منتهى كل قرية أو أرض ، يقال : فلان على تخم الأرض ، والجمع تخم مثل فلس وفلوس . وقال الفراء : تخومها حدودها ، ألا ترى قال لا تظلموها ولم يقل لا تظلموه ؟

وراجعت أيضا معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس ، وهو يشير أن تخم : التاء والميم كلمة واحدة لا تتفرع . التخوم : أعلام الأرض وحدودها . وفي الحاشية من نفس الصفحة ورد توضيح : ونبه في المجمل على أن أصحاب العربية يقولون ( التخوم ) بالفتح ، يجعلونها مفردة . أما في التوراة والإنجيل والأحاديث النبوية لم تخرج عن مفهوم الحدود ومثل ذلك كما ورد في استخدام المفردات : تخوم الأرض ، تخوم أرض كنعان ، تخوم افرايم ، تخوم بني بنيامين ، تخوم مجدل ، تخوم زيولون ، وغالبا ما استخدم قبلها حرف جر سواء إلى أو في أو من . ووجدت أحد الشعراء استخدمها في بيت شعري لتعني عمق إذ أشار : تخوم القاع ولربما أراد المسافة بين عناء السماء والقاع ، ثم لاحظت استخدامها بمعنى جديد في جملة : تمتد الحدود على تخوم الصحراء . وهنا أريد بالصحراء كونها تترامى في البعد . ثم وجدت عشرات الاستخدامات التي لا تخرج من مفهوم الحدود مثل تخوم مملكتي ، تخوم الموت ، تخوم الهوى .

من هذا نجد أن الشاعرة استخدمت تخوم في عنوان القصيدة ـ معلقة عند تخوم الحب ـ لتشبه نفسها في منتهى حدود أو عند الخط الفاصل بين الحدود وليس لربما يعتقد البعض في آخر الدنيا الخفية ، ثم إنها أرادت من معلقة أن تشبه نفسها  في العلو مثل طائر يرفرف بجناحيه ، وينظر إلى أسفل ليتخذ قراره أيهبط أم يظل محلقا في الهواء ، لكن ما لفت انتباهي هو المقطع الأخير الذي تقول فيه :

لأنني سأبقى معلقة هناك

على تخوم الحب

أي حدث اختلاف بين كلمة عند التي وردت في عنوان القصيدة والتي أرادت بها الشاعرة كظرف مكان ، وليس ظرف زمان ، وكلمة عند تأتي أما ظرف مكان أو زمان ، بينما كلمة على التي ختمت بها قصيدتها هي حرف جر ، والاختلاف بينهما واضح ، ولا أدري لماذا ختمت قصيدتها بحرف الجر أي قالت على تخوم الحب ، وليس عند تخوم الحب كما ورد في العنوان ، هل أرادت أن يكون التماسك قوي للحب باستبدال الظرف بحرف الجر ، هذا الأمر يعود للشاعرة .

ثانيا : القصيدة :

هذه القصيدة لها تقنيتها الخاصة في اللغة والصور الشعرية ، إذ كان الحوار بين أثنين ، أنا الأنثى ـ أنا المتحدثة ـ ، وأنا الذكر ـ أنا المتحدث ـ أي إنه حوار وجودي تكويني رشيق لعالم يضج بالغرائب ، والصراعات بين ماض وحاضر ، بين تاريخ قديم وعصر القرن الواحد والعشرين بكل انتكاساته وحروبه وأحزانه وأفراحه ، فلغة الحوار الحسنة ذات العمق الوجداني والعاطفة الجياشة في الحب تخرج بكلمات من ذات الأنثى والذكر إلى نور حياة الدنيا لتكون بأشراقة نفس كما لو أنها كانت تغلي في أعماق الذات ، لتجد لها مخرجا في نطق فم ، مثلما خرجت عشتار من عالم الظلمات خلال فتحة حدثت في الأرض ، إذ من حكمة الكلمات سيظل خيالنا يطوف على عالم غامض مجهول المصير ، وهذا جعلني أن أشير في البداية ـ فلسفية سيكولوجية ـ إذ القصيدة تأخذ بنا إلى النفس البشرية بهواجسها وتداعياتها ، وفشلها وانتصاراتها ، في عصر راهن مشبع بالتقلبات والصراعات والتناقضات والخوف من مستقبله ، ألم يكن الحب هو مرآة الوجود البشري ، فيه نبني عالم السرور والسعادة ، لأن القلب فيه هو الذي يتحدث ، وعندما يتحدث في الشروق أو الغروب فإنه يتحدث بهوى وعشق ، خاصة منذ قدم الزمان كانت الآلهة السومرية أو البابلية من أوائل من أدخلها البشر في الأسطورة ، فكانت عشتار وتموز ، وكانت آدم وحواء في التوراة ، ثم صارت حقيقة في التاريخ كهيلين وباريس التي نشبت على أثرها حرب طروادة والتي استمرت عشرة سنوات ، عندئذ تمخض منها دمار وخراب طروادة ، وهذا تجسد في إلياذة هوميروس ... هذا ما أرادته السيدة خالدة خليل في قصيدتها أن تطلق صرختها المتميزة ، لتكون نداء إنساني : تعالوا نعيش عند تخوم الحب ! هذا الحب المرتقب المنتظر كما ورد في معاني مفردات القصيدة : سنوات عجاف ، ملاءة هزائم ، أعاصير الخراب ، مصائد طغاة ... أجل هو الانتظار القاسي المؤلم الذي لا أحد يقدر أن يتنبأ بما يأتي به ، لذلك جعلت الشاعرة ـ أنا المتحدث ـ يقول :

صبرا

صبرا

يا صخرة الحزن

لكن أي صبر هذا في وقت تسرق فيه الأقنعة ، وتسرق فيه المعاني ، كما أشارت خالدة خليل وأي هدنة خريف عندما تسقط متراقصة الورقة الصفراء من غصنها لتعانق الأرض ، ثم تأخذ بها ريح أيضا صفراء ، تتلاعب بها ، وتبعدها عن رفيقاتها الوريقات .   

ثالثا : الصورة الشعرية

القصيدة مليئة بالصور الشعرية الجميلة ، وكما يقال أن لا شعر بدون صوره ، وهي أساسيات الشعر العربي القديم المقفى بنغمة لحن ، خاصة وإن الشاعرة رغم كل المآسي التي تواجهها تقف قوية رابطة الجأش لتعلن مقاومتها وكفاحها ، فتقول :

لن أتمرغ بخذلان

أو أفتح صدري لزعيق نهار

لا بل تعلن عن شجاعتها ، والطغاة يخافون جبروت روحها التي لم تتآكل في زمن الخراب ، ولم تضعف من طغيانهم ، فهي تقول :

هم قضموا أصابع خوفهم

وأنا سموت أكثر

لكن الصورة الشعرية تأتي أحيانا في سياق المقطع لذلك نجد تكاملها في المعنى ، وفي انسياب الكلمات التي تتهدهد بها الشاعرة وتترنم مع نغمة رقيقة خفيفة رغم كونها مصطحبة بأسى ، لأنها كصورة ارتبطت بحدث ، أو بالأحرى أحداث تاريخ ممتد إلى آلاف السنين .  

رابعا : الموت

هنا تتفرد الشاعرة بالنظرة إلى الموت بالرغم من أنها وهبت للحياة وليس للموت مثلما وهبت للحب وليس للمعاناة ، إذ كينونتها الأنثوية الذي يتجلى الجمال فيه روحا وجسدا تحتاج إلى عالم لتزدهر فيه ، هذه الكينونة ذات جوهر وجود مضيئة في الليالي مثل نجمة متلألئة في السماء إلا أن عصرها وعصر ما سبقها عصر طغاة ، لذلك تسال حبيبها الذي يكاد يكون مجهولا أو غائبا في القصيدة من جهة وكذلك حاضرا كمعنى من جهة أخرى ، فتذكره وتذكرنا ما اقترفه الطغاة من قسوة حتى لم تنج منه الطيور ، فتقول :

لصلواتي ألف صدى

والآن

أسألك

كم بلبلا علق في مصائد الطغاة

إلا أنها لم تكن تخاف الموت على أيدي الطغاة ، وهي تعرف سوف تقتل شر قتلة ، وربما يصلبون جسدها حتى تتخذه الفاختة وكرا لها ، وقد ينزلون جسدها بعد سنة أو سنتين أو يحرقوه ، إنها تعرف سوف تتعذب على أيدي الطغاة ، وسوف تتألم ، وإن الموت لم يكن رحيما مثلما فعل شياطين الجلا بتموز ، ومثلما عانت منهم عشتار عندما نزلت إلى العالم السفلي ، كما لو أرادت الشاعرة أن تأكد لنا أن طغاة اليوم لم يختلفوا عن شياطين الجلا الذين رسمتهم الأسطورة الرافدينية ، فهي مستعدة أن تذهب للموت وأن تصنع تاريخا جديدا ، كما لو أرادت أن يكون موتها ثوريا مثل المسيح أو لومومبا أو جيفارا أو آلاف الثوريين الذين ارتقوا المشانق أو تلقوا بصدورهم العارية الرصاص ، وهم يرددون أناشيد وأقوال ثورية ما زالت الشعوب تتغنى بها ، فهي تقول :

خذوني

فما قبضة الموت أقسى

من ضمة الحياة

 

هذه القصيدة تدمج الصورة الجميلة بلغة أنيقة وعذوبة لحن ، ذات اتساق وتناسق كأننا نقف أمام لوحة شاردي الذهن ، منبهرين بألوانها المشرقة والمعتمة ، مندهشين بظلال الضياء ، لتأخذنا إلى الماضي السحيق بغرائبه ، ثم نعود منه إلى عالمنا الراهن حيث تخيفنا أحداثه ، ويخيفنا مصيره ، لأنه لوحة مصير ، ولأنه يهمنا جميعا أن يكون عالم محبة وسلام وعدالة خالي من كوارث الطغيان والحروب ، ويتبادر إلى أنفسنا سؤال :

ـ أما زلنا معلقين نحن البشر عند تخوم الحب ؟!

هذا ما أرادته الشاعرة خالدة خليل في قصيدتها أن نسأل أنفسنا ....

 

 

حمودي عبد محسن

25 / 10 / 2011

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة