حوالة أبو عبود.. / صباح كنجي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بينَ أوائل الملتحقين بالجبل، شاب أسمر وسيم لا تفارق البسمة محياهُ، دائب الحركة لا يرفضُ أيةِ مهمةٍ يكلفُ بها، له قدرة على خلق وقنص لحظات الفرح والضحك بحكايات وتعليقات ونكاتٍ لا تنتهي، كأنه ينهلُ من منجم وهو يتواصل مع الجميع دون تكلفٍ، يقصُ حكاية بعد أخرى ويتابع بشكل سلس سلسلة نكاته الجميلة والطريفة..

أذكرُ مما حكاه قصة علاقتهِ بأبيهِ، الذي لم يستوعب ويتقبل أنْ يكونَ ابنه شيوعياً، كانت للأب تصورات ومفاهيم غير ايجابية عن الشيوعية والشيوعيين  بالرغم من كونه أقرب للفقراء منشئاً ومعيشة ولا يمكن تصنيفه في خانة الأغنياء وميسوري الحال..

في ذلك المساء.. بين صخور جبل كوماته السوداء.. أختار أبو عبود حكاية قبوله في أكاديمية الفنون الجميلة وسفره إلى بغداد منتصف السبعينات مع بدء العام الدراسي الجديد، وشغفه وانبهاره بتلك الأجواء..

كيف اجتمع مع شلة من الطلبة والطالبات غالبيتهم من اليساريين في أروقة الأكاديمية ليشكلوا حلقة صداقة تتقاسم الفرح والهموم وتتعاضد في دفع تكاليف جلسات التغذية والسمر بين الحين والآخر.. ومعاناته من جراء رفض أبيه تقديم المساعدة المالية له بالرغم من تدخل والدته وإلحاحها عليه لمدِ يد العون لأبنهما، فقد أصرّ الوالد على موقفه بعناد لا يتزحزحُ ورفض تقديم الدعم المالي لأبنه الزنديق الشيوعي الذي اختار وفضل دراسة الفنون من بين عشرات الخيارات الأخرى..

نتج عنها معادلة غير مفهومة... تساوي بين عشق أبو عبود وتطلعه للمستقبل الحر.. وكراهية أبيه المقرونة بالرفض والممانعة وعدم الرضوخ لتدخل الأم وتوسلاتها لإصلاح ذات البين، من أجل تلبية احتياجات الابن المشروعة ..

ومع تواصل الدراسة واستمرار الحاجة للدعم العائلي الذي كان ضرورياً للتشبث بأجواء الأكاديمية وعدم مغادرة مقاعدها.. غامرَ ذات يوم  طالباً من أبيه عبر الهاتف تقديم ما يمكن تقديمه برجاء مشفوع بعبارات تليق بمخاطبة الأب المعاند مع الحذر والاستعداد النفسي لتحمل التقريع القاسي المحتمل في ذات الوقت أثناء المكالمة وهو ما حدث بالفعل حينما أتاه الجواب المشحون بعبارات سبق وأن سمعها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة إلى حدٍ بات لا يكترث بها..

لكن المفاجأة كانت بعد يومين أو ثلاث من بعد تلك المكالمة...

هاهي تباشير الأمل تنفتحُ وثمة شخص.. هو ساعي بريد يتقدمُ نحو حلقة الأصدقاء متسائلاً  بعد إلقاء التحية..

من فيكم أبو عبود؟...

ـ أنا قالها بلهفة و وجل ..

 عاجله ساعي البريد.. وهو يؤدي مهامه بطريقة روتينية اعتاد عليها في طلب توقيع منه وسلمه تبليغاً.. وهو يؤكد..

ـ أذهب لا تتأخر لاستلام حوالة  بريدية وصلتك..

في البريد سلمهُ المحاسب المختص المبلغ المرسل، بعد أن اخذ هو الآخر توقيعاً منه باستلام الحوالة عداً ونقداً.. ثلاثون ديناراً.. يا له من مبلغ كان لا يحلم به.. شعر بالسعادة والامتنان.. غمرته الفرحة.. قبل أن يعود لأجواء شلة الأصدقاء قرر أن يقدم الشكر لأبيه.. هرع نحو كابينة هاتف عمومي مقدماً امتنانه العميق له.. لم يفهم وهو في غبطة فرحه كلمات أبيه النابية وشتائمه وهو يرد عليه كالعادة بذلك السيل من القاموس الملتهب لأقذع الكلمات.. تناساها بعد أن قرر مواصلة الفرح معلناً عزمه على مشاركة أقرانه بجزء مما سيجود به عليهم في المقبل من الأيام.. كانت هي الأجمل.. بعد أن استنزف ما في جيبه لشراء حاجياته الضرورية وما أغدقه في عدة جلسات على أصدقائه وصديقاته الذين شمل بعضهم مساعدة ماليه بسيطة كانوا بحاجة لها.. حقاً أنها لأيام فرح وسعادة مشفوعة لساعي البريد بأجمل العبارات والأمنيات استمرت وتكررت حتى نهاية الشهر السعيد، التي حملت مفاجأة من العيار الثقيل له ولأقرانه...

ها هي الأيام تمضي مسرعة.. قبيل نهاية الشهر وقفَ واجماً ذلكَ المحاسبُ أمام شلة الأصدقاء.. بالضبط كما وقف ساعي البريد قبلها مستفسراً منهم بأدب في حينها عنه..

من فيكم أبو عبود؟...

ليطلب منه توقيعاً ويبلغه بالذهاب إلى  البريد لاستلام الحوالة..

المحاسبُ الواجم.. لم يكن بحاجة ليستفسر عنه.. توجه فوراً ليخاطبه.. ليخاطب أبو عبود المعني بالزيارة مباشرة بلغة باردة تعبر في طياتها عن حالة انكسار مشفوعة برجاء  من عينيه الغائرتين كأنه في رثاء من جراءِ كارثة  حلت به سببها أبو عبود:.

ـ دخيلك أبو عبود انقذني.. جردتُ حساباتي الشهرية.. واكتشفت نقص 27 دينار.. حوالتك كانت ثلاثة دنانير فقط.. لم تكن ثلاثين!!!!..

 

صباح كنجي

بداية تشرين الأول2011

 

ـــــــــــــــــــــــــ

مقتطف من حكايا الأنصار  والجبل   

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة