قراءة في نص " تساقط" للشاعر خليل عبدالغفور/ جوتيار تمر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font


تساقط
خليل عبدالغفور
ترجمة: جوتيار تمر
فلتنتظري الثلج..
عندما ياتي شتاء قارص
امسكي يد ماض كثير الهطول
جريها خلفك
واوصليها لقافلة العواصف
وقبل ان تودعيها
ضعيها على صدرك
وضميها بحرارة
ساكون هناك
من نافذة المشاهدة
ساجعل صدري وطناً لاستقبال سلامك
ساجعلة وطن استكشاف العواصف وتوهج النور
وسنصبح نهرا من النجوم
ونخلق فيضانات للطيران

القراءة: جوتيار تمر
                                          تساقط
إن مكانة العنوان كوحدة نصية تتناول مدى ارتباط العنوان وتعلقه بالنص  التابع له ومدى استقلاله عنه، لذا كان لابد لنا من التوقف عند معالم العنوان في هذا النص باعتباره مدخلاً موشياً للمضمون الشعري اولاً ولكونه يعد من العناوين ذات الوظيفة التمثيلية للنص فضلاً عن البعدين التلخيصي والتركيزي الذي نلامسه في العنوان نفسه، فمن يقرأ النص سيجد بأن الهطول يتحرك في مسامات كل حراك بلاغي تشكيلي اتخذه الشاعر للتعبير عن رؤيته.

فلتنتظري الثلج..
عندما ياتي شتاء قارص
امسكي يدَ ماضٍ كثير الهطول
جريها خلفك
واوصليها لقافلة العواصف
وقبل ان تودعيها
ضعيها على صدرك
وضميها بحرارة
يمكن تقسيم النص الى مقطعين متلاحمين متكاملين، ففي المقطع الاول نجد الحديث الموجه من قبل الشاعر الى الذات الاخرى" المخاطب" باعتباره ذا حضور مكثف في عملية الخلق الشعري هنا، فالبدء ب" الفاء" هنا طلبية في كينونتها تستدعي ادراك المخاطب لنوعية الطلب" الامر" وتلقيه ومن ثم البدء بتمحيص مدلوله، ولعل استهلال الشاعر بها جاء تكاملياً مع القيمة العنوانية " هطول" فالانتظار سمة ترافق الهطول في اغلب الاحيان، لاسيما وان الشاعر يخاطب الذات الاخرى بامر وطلب مباشر" فلتنتظري" وما يتبع الانتظار هو الثلج اي ان الشاعر يحدد هنا مساحة ومسافة وقتية بين تساقط الثلج وانتظاره وذلك عبر اتخاذ الظرفية كمدلول استكمالي للتساقط
" عندما" ، وعلى هذا المنوال نجد بأن الافعال الموظفة من خلال استمرارية الحدث الشعري هنا كلها تنصب في مصب الهطول او التساقط وهي مرهونة بفعاليته الزمنية، فالشاعر لايكتفي ب" عندما" ليعبر عن حضور الوقت كمرتكز اساس في تدوير العملية الشعرية، بل يربط الحاضر ب " ماضٍ"  كحفر ذاكراتي وذلك لاسترجاع الصور المتخمة في اللاوعي وربطها بالصور الفعالة ضمن اطار الوعي الحاضر، لتحمل وتوصل معاً الى حيث الوجهة النهائية لها " صدرك " حيث الدفء والحنان ، والشاعر لايتخلى عن طلباته الآمرة حيث يريد منها قبل ان تودعها ان تضعها على صدرها كطلب اخر، ولأنه مدرك بان قيمة ذلك تتجلى في الدفء عند الضم، لاسيما وان الوداع سيكون عبر ايصالها وضمها الى قافلة العواصف فان الشاعر المتيم هنا يريد كسر الرتابة وتشكيل معالم اخرى تمكنه من متابعة بوحه الشجي هذا، وذلك عبر اتخاذه مدلولات تتزاحم في تشكيل الصور، وتثبت حضور الذات الاخرى، فضلاً عن فتح نوافذ لتمازج الذاتين معاً في تحريك المداليل والصور.
ساكون هناك
من نافذة المشاهدة
ساجعل صدري وطناً لاستقبال سلامك
ساجعلة وطن استكشاف العواصف وتوهج النور
وسنصبح نهرا من النجوم
ونخلق فيضانات للطيران
كما بدأ المقطع الاول بالفاء فانه يبدأ هذا المقطع ب" السين " التي اتت تظهر تنفس الشاعر للمستقبل القريب مما يعني ان الحدث مستمر فيما يستقبل من الزمان، وهذا استكمال للزمنية السابقة لكنها مغايرة في هذا المقطع باعتبار ان الذات الشاعرة هي الفعالة في توجيه الحدث وليست الذات الاخرى" المخاطب" مما يعني ان الاضواء هنا ستوجه على التفعالات النفسية والوجدانية والتخيلية للشاعر باعتباره يمسك بزمام الامور في اتخاذ المسار والنسق الوصفي او حتى التشبيهي لاتمام الرؤيا التي بدأها بالتساقط والانتظار، واودعها في صدرها قبل ان تسلمها هي للعواصف، فهذه الحالة التي تبرهن مدى انسجام النفس مع الحدث باعتباره يوشك ان يترك اثره البالغ في الروح فالفقد والوداع بين الارواح المتلاحمة المتواصلة مع بعضها امر يمكن تصويره بقسوة الثلج والعواصف، ولكن مع ذلك هذا لايجعل من روح الشاعر تستسلم، بالعكس نراه يثبت حضوره في" ساكون " ويؤكد تلاحمه مع الحالة من خلال " المشاهدة" ويعمق اندماجه في الحدث من خلال توظيفه لل" السين" في " ساجعل،،ساجعله،، سنصبح.."، حيث توالت السين في ثلاث اسطر تكاملية للحراك النصي في ايصال الفكرة الى ختمة تبرز مدى تأثر الشاعر بالوداع من جهة، وتفائله في استعادة بريق التواصل من جديد وهذا ما نلامسه وبقوة في مفرداته التي يريد من خلالها اثبات مشاعره، فصدره الذي سيصبح وطناً،، والوطن الذي سيكون مركز استكشافات، والتي ستصبح بدورها نهراً للنجوم،، كل ذلك ممكن في مخيلة الشاعر ليكون ممراً ل" نخلق" حيث الالتحام الثنائية التي يستهدفها الشاعر للبدء من جديد والتحليق عالياً عبر فضاءات يلتهمها فيضانات الطيران بالتحام الذاتين معاً، وكأن هذا الخيال الخصب للشاعر اداة تشكيلية استطاع من خلالها التعبير عن رؤاه بجدية وامكانية تصويرية مشهدية فائقة هي اقرب في مكنوناتها الى التمثيلية النصية.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة