سوريا: نحو بديل تعددي لامركزي فدرالي ... نوري بريمو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

كل الشعب الكوردي يأمل في إستعجال قوى المعارضة السورية للتوصل إلى التوافق والإسراع في توفير مستلزمات ومقومات إسقاط نظام البعث والإتيان ببديل تعددي لامركزي يحقق الديمقراطية لسوريا والفدرالية لكوردستان سوريا، والجانب السياسي الكوردي بدوره يعطي الحق لباقي شركائه ويُطمْئِنهم ويؤكد بأنّ إبراز هذا التوجه في هذا الراهن المصيري، ليس من قبيل التصعيد أو إستباق الأمور وإنما هو حق مشروع وإستحقاق ملح ومن شأنه أن يشكل أرضية خصبة لتعزيز مبدأ التلاقي والتعاضد في خضم هذه الثورة العارمة التي تساهم فيها كافة قوميات وأديان وطوائف هذا البلد الذي ضحى بعشرات الألوف من الشهداء ليستعيد صوابه الديمقراطي بعيداً عن الإستئثار والوصاية وإستلاب إرادة وحقوق أي طرف.

ومن هذا المنطلق يطالب الشعب الكوردي بحل قضيته القومية والإعتراف الدستوري بوجوده فوق أرض آبائه وأجداده، ويؤكد بأن لا بديل عن الحوار والتواصل بين فسيفساء الطيف السوري لحل مختلف القضايا العالقة ووضع مبادئ أساسية لدستور عصري جديد لرفع همة ومعنويات الجميع للمضي قدماً وجمعا في طريق انتصار ربيع دمقرَطة سوريا، إذ أنّ الإقرار بالتعددية والاقتناع بها كحقيقة ينبغي احترامها لدى إعادة بناء البلد على أنقاض ما خربه البعث الشمولي، هو إقرار إيجابي بمقدوره أن يعيد الثقة والإعتراف المتبادل بين أهل سوريا ويعطيهم الدفع والدافع ليمارسوا إستحقاق إبراز خصوصياتهم في إطار الكل السوري المختلف، وأن يعزّز التمسّك بأخلاقية الانتماء الحر إلى سوريا المبنية بالأساس على مراكمة أواصر علاقات حسن الجوار بين شعوبنا المتجاورة، ليتم تفعيل الشأن التشاركي ويتشجع الجميع ويطرحوا أفكارهم ويكشفوا بلا خوف عن قناعاتهم وخياراتهم لأنّ من حق الإنسان أن يختار إنتماءه ونمط حكمه بشكل إرادي وبلا أي إكراه.

وبهذا الصدد ومن أجل تهيئة فضاء ديمقراطي في سوريا التي تـُعتبَر أنموذجاً للبلدان المتعددة القوميات والأديان والطوائف والتي أضحت في واجهة الأحداث الشرق أوسطية الموصوفة بالربيع العربي، وبما أنّ نظام الأسد قد بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط، فليس أمام أطياف المعارضة سوى أن تتغلب على أزماتها وأن تكفّ عن تشرزمها وتترفع على إختلافاتها وتتفق حول القواسم المشتركة، إذ لا خيار أمام شعوبنا (العربية والكوردية وغيرها) سوى أن ترضى بالعيش المشترك في ظل دولة لامركزية تنصف جميع مكوناتها.

والآن وبعد مرور 20 شهرا على عمر ثورة الحرية والكرامة، ولما كانت أبواب بلاد الشام مشرَعة على كافة الإحتمالات والسيناريوهات الإقليمية والدولية التي يبدو أنها قد تسهم في إطالة عمر النظام، فإنّ الجانب الكوردي المشارك في الثورة منذ بدايتها بإعتباره كان المتضرر الأكبر طوال الحقبة البعثية التي أذاقته الأمرّين، سيبقى مؤمناً بحوار الحضارات وتجاذبها لا بصراعها وتنافرها، ويرى بأنّ الخيار الأكثر إلحاحاً وصوابية هو المضي جمعاَ في دفع فاتورة مسعى اسقاط النظام بالترافق مع إعطاء الضمانات لكافة الأقليات لإقناعها بأنه لن يتم إقصاءها أو طمس هويتها وأنه سيتم اجراء تغيير ديمقراطي وسيتم الإحتكام إلى منطق التوافق وعقلانية الانفراج على الآخر، ويرى بأنّ حصول المناطق الكوردية على الفدرالية لا يتعارض البتة مع مصالح وحقوق غيره، ويؤكد بأنّ الكورد جزء من الحل وليس المشكلة وهم في ذات الوقت جزء من المشروع الوطني السوري الذي لن يلقى النجاح ما لم يجري التوافق مع بين كافة المكونات السورية.

وفي هذا المجال لابد من التأكيد بأنّ الحل الأنسب لسوريا ما بعد سقوط النظام، يكمن في إعتماد الحكم اللامركزي وإجراء تغيير حقيقي يساهم فيه الجميع بلا أي إقصاء لأي شريك وخاصة الشعب الكوردي بإعتباره ثاني أكبر قومية كان يتم تهميشها مراراً وتكرارا رغم أنها تشكل نسبة 15% من سكان البلد، وبناء عليه فأنّ أي تغيير لا يمكن أن ينجح بدون حل القضية الكوردية كقضية شعب وأرض وبمعزل عن دور الكورد الذين تتوفر لديهم أرضية قبول الحلول.

في حين يُعتبَر التوافق السياسي بين مكونات أي بلد أساساَ سليماَ في بناء الأنظمة اللامركزية التي تصون إستقلالية كل طرف وتحافظ في نفس الوقت على وحدة الدولة، إذ أنّ مثل هذه الأنماط الفدرالية ـ وما أكثرها في معمورتنا ـ تستطيع أن تجمع ما بين رغبة الأطراف بالإئتلاف مع المركز وبين جنوحها إلى نيل قدر من الإستقلالية النسبية والسعي إلى أن يكون لكل طرف إقليم وتشريعات ونظم محلية تتلاءم مع خصوصيته دون أن يؤثر ذلك سلباً على وحدة المركز، مما يعني أنه كلما إنتظم تجاذب العاصمة مع الأطراف كلما توفّرت وإزدادت حظوظ نجاح الدولة، خاصة وأنّه يبرز في مثل هذه النظم شعوران متجاذبان ومتنافران في آنٍ واحد، هما شعور التمسك بالإستقلالية الذاتية لدى كل طرف من جهة، وشعور الدفاع المشترك عن وحدة وترابط الدولة من جهة أخرى، وهنا تأتي إلى الواجهة مهمة جماعية غاية في الأهمية والحساسية، ألا وهي مهمة التوافق ما بين المصالح الخاصة للأطراف والمصلحة العامة للبلد الذي يربط هذه الأطراف ببعضها، الشيئ الذي لايمكن تحقيقه إلاّ عبر الحفاظ على التوازن مابين مزدوجة الإستحقاقات والواجبات بين أطراف العملية السياسية ومعادلة العيش المشترك بين مكوّنات الدولة الإتحادية.

 

جريدة صوت الأكراد (دنكي كورد)*

15-11-2012


------------------------------------------------------------------

* جريدة صوت الأكراد (دنكي كورد): جريدة دورية يصدرها الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة