كاظم حبيب ... الشرق الأوسط في غليان .. والعراق إلى أين ؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تزدحم الأحداث المروعة في منطقة الشرق الأوسط ويزداد عدد القتلى والمصابين في أكثر من دولة شرق أوسطية. ويبقى المجتمع الدولى متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حدٍ لهذه المآسي المتفاقمة التي أغرقت العديد من دول المنطقة بالدم والدموع والخراب الاقتصادي والدمار الحضاري.

في الوقت الذي ما زالت المنطقة تواجه مشكلات كبيرة في دول أخرى عربية , انفجر النزاع المستديم بين إسرائيل وقطاع غزة الذي تحكمه حماس بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية وبالضد منها. فالعدوان العسكري الذي نفذته حكومة نتنياهو - ليبرمان القومية اليمينية المتطرفة على قطاع غزة وردود حكومة فعل حماس المتطرفة بتوجيه الصواريخ إلى مدن جنوب إسرائيل وإلى تل أبيب وحتى إلى القدس قد أدى إلى قتل أكثر من مئة فلسطيني وجرح المئات منهم , وإلى قتل عدد من الإسرائيليين وجرح العشرات منهم وإلى خراب واسع وكبير في قطاع غزة.

لا شك إن مغامرة نتنياهو – ليبرمان كانت تهدف إلى تسجيل انتصار لسياساته قبل الانتخابات القادمة في مواجهة معارضيه في إسرائيل. ولكن حساباته لم تكن مدروسة جيداً وقادت إلى عواقب وخيمة في قطاع غزة وخشية متفاقمة في إسرائيل وإلى رفض دولي واسع لهذه المغامرة التي لم تنته بعد والتي يمكن أن تصل إلى تدخل قوات برية إسرائيلية لاحتلال القطاع ثانية أو لتدمير البنية التحتية وقتل واعتقال كثرة من قياديي الحزب الحاكم وحماس وإنهاء الحملة العسكرية المحتملة.

أشك في قدرة أي اتفاق لوقف إطلاق النار على الاستمرار فترة طويلة , وهذا ما اعتدنا عليه خلال السنوات الأخيرة. فالمشكلة التي عمرها نيف وستة عقود من السنين العجاف لا تنتهي باتفاق وقف إطلاق النار. ولا بد للعالم الغربي أن يفكر بسياساته التي يفترض أن تكون متوازنة بما يساعد على حل المشكلة الفلسطينية حلاً عادلاً ودائماً وذلك بإقامة الدولة الفلسطينية على وفق حدود العام 1967 وقبل الحرب ذات الأيام الستة وعاصمتها القدس الشرقية.

وبهذا يمكن وضع حد لمجموعتين متطرفتين في إسرائيل وفي فلسطين. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية تريد التوسع اليومي على حساب الأرض الفلسطينية وبالتالي فهي غير راغبة بحل المشكلة وتريد إطالتها إلى أن تلتهم كل الأرض الفلسطينية عدا غزة مثلاً, في حين تسعى منظمة حماس ومعها إيران للمزايدة بشعار إنهاء وجود إسرائيل كما يطرحه الدكتاتور الصغير والفاشي النزعة أحمدي نجاد. إن إيران تمارس سياسة صب الزيت على النيران المشتعلة حالياً بأمل توسيعها وشمولها دولاً أخرى وتسعى إلى زج لبنان بشكل خاص من خلال حزب الله الإيراني الهوية والهدف في المعمان , كما ظهر أخيراً حين قام الجيش اللبناني بتفكيك صاروخين كانا مهيئان للإطلاق صوب الأراضي الإسرائيلية , وكان محتماً أن ترد إسرائيل على ذلك تماماً كما حصل مع سوريا والجولان.

إن مخاطر تطور هذا النزاع سيثير غلياناً أوسع في منطقة الشرق الأوسط إذ ما يزال الموت يحصد أرواح العشرات من بنات وأبناء سوريا يومياً حتى بلغ عدد القتلى منذ بدء الحراك الشعبي السوري حتى اليوم ما يقرب من 35 ألف إنسان , إضافة إلى أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين وأكثر من مليون وربع المليون من الهاربين إلى تركيا والأردن ولبنان بسبب الحرب والخشية من النظام الدكتاتوري أو من قوى إسلامية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تستغل الثورة الشعبية لتقتل الناس بالسيارات المفخخة وبالانتحاريين , وهي القوى التي أعلنت إصرارها على إقامة دولة إسلامية في سوريا في الآونة الأخيرة لتكشف عن وجهها القبيح. ويصعب تقدير متى تنتهي هذه المعارك لصالح الشعب السوري , فلعنة المصالح الدولية والإقليمية ما تزال تلاحق الثورة السورية. وسيبقى الشعب السوري ينزف دماً حتى يتيسر له تغيير موازين القوى الداخلية لصالح الثورة والخلاص من دكتاتورية بعثية غاشمة بلغ عمرها حتى الآن ما يقرب من 43 عاماً.

وقبل ذاك نزف الشعب اليمني الكثير من الدماء ليتخلص من دكتاتور أهوج آخر هو علي عبد الله صالح , ولكن ما يزال الوضع متوتراً والموت يحصد الكثير من ارواح البشر بين فترة وأخرى والأوضاع المعيشية سيئة والبطالة واسعة و الفساد منتشر في اليمن على أوسع نطاق والتدخل في شؤونها غير منقطع وخاصة من الجارة السعودية وقطر على نحو خاص , وتنظيم القاعدة يملك قواعد مهمة في اليمن.

وفي البحرين لم تبذل حتى الآن الجهود الضرورية لحل المشكلات التي يعاني منها الشعب البحريني, وخاصة بناء مجتمع مدني ديمقراطي بعيد عن الطائفية في الحكم أو الرغبة في الوصول إلى الحكم والهيمنة من طائفة أخرى. إن سيادة الحريات العامة والديمقراطية وإجراء انتخابات نزيهة بعيدا عن تدخل القصر ودول الجوار , السعودية ودول الخليج وإيران بشكل خاص , سيتسنى للشعب البحريني العيش الكريم والآمن والمتطور. إلا إن المصالح الإقليمية والدولية والنزعات الطائفية ستبقى تؤرق الشعب البحريني وتستنزف ثرواته ودماء أبنائه وتعرقل تقدمه وازدهاره.

وفي العراق يواجه النظام السياسي الطائفي أوضاعاً معقدة وأزمة مستديمة خانقة تحاصر الحكم من جهة والشعب من جهة أخرى وتفقد الدولة الناقصة المزيد من قدراتها على تحقيق السلام والتقدم في البلاد. فالمحاصصة الطائفية تفقد المواطن والمواطنة ثقتهما بالوضع القائم وبالحكم , كما إن الفساد يعم البلاد على أوسع نطاق ويتحرك في الأوساط الحاكمة ومن المقربين من مصدر اتخاذ القرار , إذ برز بعد الكشف عن الفساد الصارخ الذي رافق عقد صفقة السلاح الروسي مما أجبر الحكومة على تجميدها وإعادة البحث فيها. أما الإرهاب فهو يومي ولم يعد يثير الرأي العام العالمي والإقليمي أو حتى المحلي بسبب كونه أصبح ظاهرة ملازمة للحياة اليومية للمجتمع العراقي وتعجز الحكومة الحالية عن ممارسة مهمتها الأساسية في حماية الناس. ويبدو أن النظام , وبسبب شدة الأزمة الداخلية التي تعصف به وبالمجتمع , راح يشدد من المشكلات مع رئاسة وحكومة وشعب إقليم كردستان بتشكيله قيادة قوات دجلة وجعلها مسؤولة عن أمن محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين والتي يمكن أن تخلق احتكاك غير مطلوب مع قوات الپيشمرگة بسبب وجود مناطق متنازع عليها في هذه المناطق على نحو خاص. علماً بأن هذه القوات لن تغير من واقع الأمن في المنطقة بل تثير حساسيات وتذكر الناس بما لا يريدون العودة إليه. كما بدأت أوساط مقربة من رئيس الحكومة وحزبه وقائمته التعرض المسيء لرئيس الجمهورية ولدوره في المرحلة الراهنة , الذي اعتبره رئيس الوزراء حتى الأمس القوة الدافعة لحل المشكلات في البلاد. ولكن ألا يلعب رئيس الوزراء العراقي بالنار؟ ألا يدفع البلاد إلى متاهات تنشأ عنها مخاطر جمة؟ ألا يمكن أن تقود سياسته الراهنة إلى معارك عسكرية بين قوات الپيشمرگة , التي هي جزء عضوي من القوات المسلحة العراقية , وبين قوات دجلة وبقية أجزاء الجيش العراقي , خاصة وأن رئيس الوزراء قد أعاد الكثير من الضباط البعثيين والقوميين الذين لم يتخلوا عن إيمانهم بالبعث وصدام حسين وعزة الدوري إلى مواقع المسؤولية في الجيش وفي قوات دجلة على نحو خاص؟

إن محاولة إبعاد أذهان الناس عن مشكلات رئيس الوزراء المتفاقمة عبر تشديد الصراع مع الإقليم لن تنقذه , بل يمكن أن تطيل عمره حتى الانتخابات القادمة , ولكنها ستدفع بالعراق إلى مزالق الحرب المدمرة.

إن تحريك هذا العدد الكبير من الآليات العسكرية الثقيلة باتجاه كركوك وبدون أي تفاهم وتنسيق مع رئاسة إقليم كردستان , على وفق الاتفاقات السابقة بين الحكومة العراقية ورئاسة وحكومة الإقليم , ومع قيادة قوات الپيشمرگة سيقود إلى عواقب وخيمة. ويبدو أن رئيس الحكومة العراقية يسعى إلى إشعال معركة أو إبراز عضلاته لضمان تأييد القوى القومية العربية اليمينية والقوى الطائفية السنية منها والشيعية التي تقف بالضد من حل الفيدرالية في إقليم كردستان بشكل خاص. إنه السير على حقل مليء بالألغام الشديدة الانفجار والقاتلة. فهل سيغامر رئيس الوزراء أم سيحتكم إلى العقل ويسمع نداءات من حذره من اسلوب التعامل مع إقليم كردستان. إن بيان الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الصادر هذا اليوم 19/11/2012 بشأن "التصعيد الخطيرة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الاقليم في كردستان" ويدعو "جميع الادباء والكتاب والفنانين والاعلاميين والمثقفين والاكاديميين وكل الشرفاء من أبناء شعبنا من مختلف القوميات والاديان والمشارب للتهيؤ للانطلاق ـ عند الضرورة ـ الى جبهات القتال المحتملة للفصل بين القوات المتخاصمة، ولتلقي الرصاص بالصدور اذا تطلب الامر، وذلك حماية لوحدة وطننا وصيانة لحرمة ترابه وقيمه." إن هذا يؤكد إدراك الاتحاد العام للأدباء والكتاب للمخاطر الجمة التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة.

إن وضعاً جديداً يفترض أن ينشأ في العراق , أن تنشأ تحالفات وطنية جديدة تستند إلى برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية سليمة وبعيدة كل البعد عن التحالفات الطائفية والأثنية التي لا خير فيها ولا تضع البلاد على طريق إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد مبدأ "الدين لله والوطن للجميع". فليس من مصلحة الشعب العراقي استمرار المحاصصة الطائفية والأثنية وبالطريقة الراهنة ولا بد من طرح أسس أخرى للتحالفات السياسية في العراق. ومن يأتي متأخراً لمثل هذا الحل يعاقبه التاريخ حقاً.

إن على المجتمع الدولي أن يتحرك سلمياً لمعالجة الأوضاع الراهنة وبحزم أكبر وبمسؤولية إزاء مصائر شعوب هذه المنطقة قبل أن تمتد النزاعات العسكرية وتتحول إلى حرب تحرق الأخضر واليابس في المنطقة وتمتد آثارها إلى ابعد من ذلك بكثير ..

20/11/2012 كاظم حبيب

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة