القضاء والفقهاء ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


حينما يكون الإصرار بهذه الدرجة من القوة على إشراك بعض رجال الدين ممن يُطلق عليهم الفقهاء بأمور القضاء العراقي فلابد ان تكون لذلك دلالات هامة. ومن الممكن ان تكون هذه الدلالات عينية ومادية ملموسة ، وممكن ايضاً ان تكون نظرية بحتة . وإن كانت هذه دلالات ملموسة فإما ان تكون نابعة من ممارسات سلبية للقضاء العراقي طيلة عقود عمره الحديث والذي يحاول البعض ، ومن خلال الفقهاء ، تجاوزها او تصحيحها او إيقافها . أو ان تكون هذه الدلالات ذات طبيعة معاكسة تماماً تتجلى من خلال وقوف هذا القضاء عائقاً امام محاولات تسييره نحو وجهة معينة لا تتناسب وتاريخه ولا تنسجم مع توجهاته .
الإحتمالات لجعل القضاء العراقي خاضعاً لرقابة الفقهاء ، او بالأحرى لتوجهات الإسلام السياسي في العراق ، كثيرة جداً ، إلا ان إنعكاساتها ونتائجها ستكون ، فيما لو تحققت هذه الرقابة ، ذات آثار لا تمر مرور الكرام على مجمل الحياة العامة للمواطنين والتي لعب ويلعب القضاء العراقي دوراً هاماً في تنظيمها ، خاصة إذا ما تعلق ذلك بالمؤسسات القضائية العليا . إذ يتناسب هذا الدور تناسباً طردياً مع حجم المؤسسة القضائية وأهميتها . ومن هذا المنطلق المهني الجاد يمكننا تفسير تحفظ مجلس القضاء الأعلى رسمياً على فقرة فقهاء الشريعة في مشروع قانون المحكمة الإتحادية .
ولو عدنا إلى مناقشة الفكرة بشكل عام وإصرار البعض على وجوب تنفيذها وحشر رجال الدين في امر لا علاقة له بعملهم ، لرأينا ان تنفيذ هذا المشروع سيؤدي إلى حالة تنسف مبدأ إستقلالية القضاء الذي ينص عليه الدستور العراقي من أساسه . إذ حينما ينص الدستور على هذه الإستقلالية فإنه لا يحددها بمجال معين . وفي حالة تدخل رجال الدين بأمور القضاء وممارسة الرقابة عليه ، لا بل وحق رفض قراراته ، فإن هذه الحالة ستجعل القضاء العراقي برمته خاضعاً للرقابة الدينية وهذا يعني فقده لإستقلاليته الدستورية . إذ كيف يمكن ان يكون مثل هذا القضاء مستقلاً إذا تدخل في إتخاذ قراراته رجل دين قد يفقه بأمور الشريعة إلا انه لا دراية له بامور قوانين الدولة المدنية الحديثة بكل تفرعاتها والتي اصبحت اليوم تشكل واحداً من المعايير المهمة في تقييم تحضر المجتمع واستجابته لحقوق الإنسان التي على اساسها يتحدد إطلاق صفة دولة القانون على هذه الدولة او تلك ، هذه الصفة التي إرتبطت اليوم بمقياس التحضر ومواصلة المسيرة مع الركب العالمي في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية.
أما الدلالات التي أشرنا إلى بعضها اعلاه والتي يرى فيها البعض اسباباً موجبة لحشر رجال الدين في امور كهذه ، فقد نجد تفسيراً لها في طبيعة مسيرة القضاء العراقي التي ، رغم ما تخللها من عثرات ذاتية وموضوعية ، حاولت ان تظل محافظة على تراثها الذي إتسمت به والذي شكل إحدى ميزاتها وعكس إيجابية سمعتها لدى المواطن العراقي . وهنا ينبغي لنا التفتيش عن السبب او الأسباب الكامنة وراء التدخل في هذه المسيرة ، خاصة تحت هذه الأجواء التي نعيشها لما يقارب من العشر سنوات والتي لعب فيها كثير من رجال الدين أدواراً لا يستطيع اي منصف ان يصفها بأنها تتماشى والعدالة ، لا الإلهية منها ولا البشرية .
لقد لعب المتسلقون على الدين منذ سقوط دكتاتورية البعث وحتى يومنا هذا ادواراً اساسية على الساحة السياسية العراقية إنعكست آثارها السلبية على حالة الوطن ككل بشكل وضع العراق ، وحسب تصنيف منظمات الشفافية العالمية ، على واحدة من الدرجات الثلاث الدنيا من سُلَّم الفساد المالي والإداري والنهب والسلب والغش والتزوير والخداع والإثراء الفاحش على حساب الغير ، والكثير الكثير من السيئات التي لا يرضى بها دين ولا يقرها قانون ولم تحللها شريعة ، إلا شريعة هؤلاء المتسلقين على رقاب الناس من خلال هرطقاتهم التي يسمونها ديناً ، وما هي إلا الإنتهاكات الصارخة لحقوق المواطن العراقي في مختلف مجالات حياته التي حولوها إلى معاناة يومية دائمة ، وما هي إلا اللصوصية الواضحة لخيرات هذا الشعب . لذلك فلا غرابة ان يتجه مثل هؤلاء لعرقلة كل ما يمكن ان يسبب خللاً في معادلات تصرفاتهم الهمجية هذه والحيلولة دون إستمرارها ، خاصة وأن نجم أكثرهم بدأ يتجه نحو الأفول بعد ان يئست الناس من وعودهم الكاذبة ورأت بما لا يقبل الشك او الجدل كيف يعيش هؤلاء المتأسلمون الجدد ببذخ وترف وإثراء فاحش ، وكيف يلهث الإنسان العراقي يومياً خلف ابسط المتطلبات لحياته اليومية البسيطة ، ناهيك عن الجيدة أو المرفهة .
وإن دلَّ مثل هذا الإصرار على إقحام رجال الدين بعمل القضاء على شيئ فإنه يدل على حقيقتين :
ألأولى : التي ينطبق عليها المثل القائل : خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت ان تنقري ، حيث يصبح هؤلاء مَن يسمونهم الفقهاء والذين سيشرفون على قرارات القضاء او حتى إلغاءها إذا لم تنسجم ومفهومهم حول هذه القضية او تلك ، هم اصحاب اليد الطولى بالتحكم في جميع مفاصل الحياة التي تستدعي التنظيم من قبل الجهاز القضائي المستقل الذي سوف لن يكون مستقلاً بعدئذ .
والثانية : تشير بكل صراحة ووضوح إلى عدم ثقة رجال الدين هؤلاء ومَن يقف وراءهم باهل القضاء العراقي متجاهلين كل تاريخه ومتنكرين لمسيرته. وهم قد يكونون محقين في عدم الثقة هذه احياناً ،إذا ما راجعوا التجارب التي مر بها القضاء العراقي والتي لم تكن منسجمة في بعض الأحيان مع تصوراتهم لطبيعة تطبيق القوانين وسير العملية القضائية حسب روح هذه القوانين ، إذ انهم يقيسون كل شيئ على مقاساتهم هم والتي تختلف في كثير من جوانبها عن مقاسات القضاء القانونية . وعدم الثقة هذه بأهل القضاء العراقي يدفع بالتالي رجال الدين هؤلاء إلى محاولة السيطرة على هذا الجهاز والتحكم بمسيرته حسب اهواءهم .
رجال الدين هؤلاء الذين يريدون ويريد لهم البعض ان يدسوا انوفهم فيما لا يعنيهم وفيما لا علم لهم به إطلاقاً سيحولون القوانين المدنية لمجموع كيان الدولة ، التي اصبح مقياس تطورها مع سمة العصر التي تضع حقوق الإنسان في مقدمتها ألمؤشر الأساسي للتطور الحضاري ، إلى تعليمات الشريعة التي يراها كل منهم من منضوره الخاص والتي تقتصر على جزء من كيان الدولة وليس كله ، مهما كان هذا الجزء صغيراً او كبيراً . ولتوضيح ذلك اكثر نستشهد بما كتبه الباحث اُلإسلامي محمد جواد مغنية في كتابه " ألفقه على المذاهب الخمسة " وفي المقدمة لطبعته السابعة والصادرة في كانون الثاني عام 1982 حيث جاء فيها:
" يتقسم الفقه الإسلامي إلى أقسام ، منها العبادات ، وتشمل باب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخُمس والحج . وايضاً من أقسام الفقه الإسلامي الأحوال الشخصية ، وتشمل باب الزواج والطلاق والوصايا والمواريث والوقف والحجر "
وهذه بالفعل هي كل المواضيع التي تضمنها كتاب الباحث في فقه المذاهب الخمسة والذي يضم 655 صفحة والتي تشكل الأساس لعمل المحاكم الشرعية التي يبت الفقهاء فيها في مثل هذه الأمور . ولا توجد في هذا الكتاب الذي تناول كل ما يتعلق في الفقه الإسلامي أية إشارة لا من قريب او بعيد إلى القوانين والتعليمات التي يحتاجها المجتمع في الدولة المدنية الحديثة والتي تشتمل على عدة فروع لا غنى لأي مجتمع عنها . وحسب المصادر القانونية فإن القانونيين يقسمون القانون إلى فرعين أساسيين: القانون العام والقانون الخاص. وهذان الفرعان ينطبقان على القانون الداخلي (الوطني) وعلى القانون الدولي. وهذا الأخير يُقسم بدوره إلى قانون دولي عام وقانون دولي خاص. وفي الوقت الذي يتطرق فيه القانون العام إلى طبيعة النظام السياسي القائم وتنظيم مؤسسات الدولة وميزانيتها وقوانين الإنتخابات وما شابه ، فإن القانون الخاص يعالج المواضيع المتعلقة بالقوانين المدنية والقوانين التجارية وقوانين اصول المحاكمات والقوانين الجزائية وغيرها مما له علاقة بتنظيم حياة الناس بشكل لا دخل للإنتماء الديني لهؤلاء الناس بها . فهي قوانين يجري تطبيقها على اساس المواطنة ولا علاقة لأي إنتماء آخر في تفعيلها داخل المجتمع . وتسري على المواطن الذي يعيش ضمن الحدود الجغرافية للكيان الذي تشمله هذه القوانين التي يسنها ويعمل بها إخصائيون بالقضاء ولا دخل لفقهاء الدين فيها مهما بلغ علو شأنهم في علوم الشريعة وما ينتج عنها من فقه في جوانب أخرى من حياة الإنسان والمتعلقة بالجانب الديني على وجه الخصوص .
وعلى هذا الأساس فإنه لا يمكن حتى دستورياً ان يتحكم في القضاء غير ذويه المختصين وهؤلاء هم القضاة أصحاب الإختصاص وليس الفقهاء البعيدين عن هذا الإختصاص . وكما قال القاضي وائل عبد اللطيف : " عدم امكانية الجمع بين قضاة وفقهاء قانون أو فقهاء في الشريعة داخل المحكمة الاتحادية، لان الفقهاء لا يتمتعون بالسلطة القضائية" ، واصفاً الخليط المكون من قضاة وفقهاء ب"الخليط غير المتجانس" . كما أكد القاضي نفسه والبرلماني السابق ."المحكمة الاتحادية العليا عبارة عن مجموعة قضاة يتمتعون بالسلطة القضائية في حين ان الفقيه لا يتمتع بالسلطة القضائية لذلك من غير الممكن جمع فقيه مع رجل قضاء"،
ما اريد قوله ختاماً هو أن رجال ونساء الإسلام السياسي قد أفسدوا بالعراق بما فيه الكفاية في التسع سنين ونيف الماضية ، فهلا من بقايا ضمير لدى هؤلاء تجعلهم لا يمعنون التوغل في القضاء العراقي إلى هذه الدرجة بحيث يظل المواطن العراقي يفتش عن النزاهة في هذا البلد كمن يفتش عن إبرة في بحر ؟؟
الدكتور صادق إطيمش


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة