كاظم حبيب ... هل يبقى العراق حائراً بين مدينتي " نعم " و " لا " ؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حين تطالع الصحف اليومية والأخبار والكثير من مقالات الإنترنيت ستجد أمامك مجموعة كبيرة من العناوين التي تجعلك فعلاً شديد القلق على الشعب المبتلى وغير مرتاح من العواقب الوخيمة المترتبة عن التحرك غير المعقول والعقيم والمتواصل منذ ثلاث سنوات لهذا البلد لسياسات ومواقف تتراوح بين مدينتي "نعم" و "لا". فالكاتب س مثلاً يؤكد سعي السيد رئيس الجمهورية لتحقيق "المصالحة" وأنه على وشك أن يتوصل قريباً إلى جمع الأطراف المتصارعة والمتنازعة في مؤتمر وطني عام يحقق نتائج باهرة للعراق. أما الكاتب ص فيؤكد عكس ذلك تماماً حين يشير إلى أن السيد رئيس الجمهورية قد فشل في مسعاه لجمع الأطراف المتنازعة أو أخذ موافقتهم على اللقاء والبحث في المشكلات القائمة. ولم يمض على ذلك سوى عدة أيام حتى تنشر تعليقات جديدة معاكسة لما قاله الكاتب س والكاتب ص قبل ذاك. وهكذا تمر الأيام بين التفاؤل والتشاؤم. ولكن في المحصلة النهائية لم تثمر عن نتيجة إيجابية حتى تقرأ خبراً جديداً يقول بأن السيد رئيس الجمهورية عجز عن جمع الأطراف المتصارعة ويجد نفسه مجبراً على دعوة للقاء الرئاسات الثلاث ليرى ما يمكن عمله.

وعلى صعيد آخر نشرت الصحف أخبراً مفاده وصول وفد كبير من إقليم كردستان إلى بغداد وتباحث وتوصل إلى تحديد المشكلات وغادر ليعود بعد العيد لمواصلة النقاش ومعالجة المشكلات القائمة. وما أن وصل الوفد برئاسة الدكتور برهم صالح إلى إقليم كردستان العراق حتى انبرت مجموعة من نواب وقادة حزب الدعوة الإسلامية وقائمة دولة القانون لتنسف المفاوضات بتصريحات متشنجة لا تساعد على عودة الوفد إلى بغداد لمواصلة الحوار.

السؤال الذي يدور في البال هو: هل الحزب الرئيسي الحاكم , حزب الدعوة الإسلامية , الذي يترأسه السيد رئيس الوزراء , ورئيس الوزراء ذاته يريدان حقاً حل المشكلات القائمة أم إنهما يسعيان إلى تمديد فترة الفوضى الجارية والانفراد بالسلطة إلى حين إجراء الانتخابات القادمة في موعدها مع افتعال الكثير من الأزمات الأخرى والدفع باتجاه المزيد من الزيارات للعتبات المقدسة حيث يمارس الإرهابيون القتلة وغيرهم من جديد بالزوار وبالتالي يشتد الاصطفاف والاستقطاب الطائفي وينتهي إلى انتخاب قوى طائفية من الأطراف الحاكمة ليبقى رئيس الوزراء بالسلطة للمرة الثالثة... وهلمجرا.

لا يمكن للسيد رئيس الجمهورية أن يواصل هذه المسيرة المعقدة وغير المنتجة. إذ يتطلب الأمر أن يضع النقاط على الحروف ويعلن عن حقيقة الوضع السياسي الجاري في الواقع العراقي ويشير صراحة إلى من يعرقل الوصول إلى نتائج إيجابية ومن يريد الحفاظ على الوضع القائم والمعقد ليواصل وجوده على رأس السلطة. إن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى استمرار القتل اليومي والفساد المالي والهيمنة التدريجية لرئيس الوزراء على كل السلطات في البلاد. فرجل الإسلام السياسي الطائفي يحتل المواقع التالية: رئيس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية والأمن الوطني وكالة والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن قوات عمليات بغداد والقوات الخاصة , كما يمسك بيده زمام القضاء , وحين لا يعجبه أي قرار صادر عن مجلس القضاء العالي يدوس عليه بقدميه , كما حصل مع تحريم سرقة أصوات الناخبين , وشاركه في ذلك رئيس مجلس النواب, إضافة إلى إقالة محافظ البنك المركزي إصدار أمر باعتقاله أو ما جرى ويجري مع المفوضية المستقلة للانتخابات وكذلك مع النوادي والجمعيات ... والقائمة طويلة للسياسات والإجراءات الفردية التي تسهم بزحف الاستبداد على مقاليد الحكم في البلاد. إنها كلها مخالفات فاضحة وفظة ضد الدستور العراقي.

إن استمرار هذا الوضع يساهم في مزيد من القتلى في البلاد وفي مزيد من سرقة أموال الشعب. وتعلن الكثير من المنظمات الدولية , وخاصة تلك التي تراقب تصرفات وسياسات العراق المالية , إلى بروز المزيد من أصحاب المليارات في العراق في مقابل المزيد من الفقر المدقع لفئات عراقية مسحوقة وأرامل وأطفال مشردين في الشوارع. إن مسؤولية استمرار هذا الوضع لا يتحملها رئيس الوزراء وحده, رغم كونه المسؤول الأول عن كل ذلك لسبب كونه رئيس الحكومة , فحسب, بل يتحملها أيضاً المسؤولون الذين يدركون ما يجري في البلاد ولكنهم لا يسعون إلى المساهمة الفعالة في تغيير هذا الواقع المزري , وكذلك القوى السياسية القادرة على الفعل والمشاركة في التغيير ولا تقوم بذلك.

إن المرجعيات الدينية التي لعبت دوراً رئيسيا في وصول هذه المجموعة من الأحزاب الإسلامية السياسية إلى السلطة عبر توجيه المؤمنين بهم من العراقيات والعراقيين إلى انتخاب تلك الأحزاب الإسلامية السياسية باسم الدين, والدين في واقع الحال برئ من أغلبهم , لا يحركون اليوم ساكناً , بل ربما يجدون في هذه الفوضى ما يساعد على استمرار الوضع ويحقق لهم مصالحهم. حتى إن بعضهم يدعو إلى المزايدة مع الحكومة بطرح اللاءات الأربعة التي يعتبر تطبيقها جريمة بحق الناس في العراق , إنه حازم الأعرجي الذي تميز بالعنف واستخدام القوة ضد المعارضين له , وهو من نفس التيار الصدري الذي تسبب بالكثير من الأذى والمصائب للمجتمع العراقي وما يزال لم يكف عن ذلك وبصيغ مختلفة.

العراق لا يعيش ردة فكرية واجتماعية ومصادرة تدريجية متواصلة للحريات الفردية فحسب , إذ إن هذه الظاهرة الصارخة برزت قبل ذاك في فترة الحكم الدكتاتوري البعثي وحين أصبح الحكم طائفياً بعد اسقاط الدكتاتورية واستقر على المحاصصة الطائفية السياسية المفجعة , بل إن العراق يعيش اليوم إمعاناً في الردة الفكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية والحياة الديمقراطية. ونحن أما مشكلة كبيرة هي إن الكثير من المسؤولين في العراق لا يريد رؤية ذلك ولا يساهم في مواجهتها, بل بسكوته يساعد على مواصلتها وتعميقها وتكريسها. والغريب إن بعض السياسيين السذج يتصور بإمكانية تطبيق المثل الشعبي المعروف " شيم المعيدي وأخذ عباته" مع رئيس الوزراء حين يمتدحه , في حين هو يوغل في سياساته الفردية والطائفية ويمعن في تعميق وتوسيع الاصطفاف الطائفي في المجتمع.


علينا أن نعترف بأن العراق يعاني من انقلاب حقيقي وفعلي متفاقم على الدستور يمارسه رئيس الوزراء بشكل خاص , ولكنه يمارس من رئيس مجلس النواب وقوى سياسية أخرى أيضاً , وكذلك من مجلس القضاء العالي الذي لا يسعى لجلب انتباه المجتمع لما يجري في العراق من تجاوزات على الدستور. وبالتالي فأن المسؤولين عن حماية الدستور يتحملون اليوم مسؤولية مباشرة وفعلية لما يجري في العراق من تجاوزات فظة على الدستور والتي تعني مزيد من التجاوزات على الحريات الفردية وعلى الحريات العامة التي كفلها الدستور وعلى حقوق الإنسان وحقوق المواطنة.

المجتمع العراقي يشهد زحفاً متواصلاً للفردية والاستبداد في الحياة اليومية وفي السياسات المختلفة ولا يجوز السكوت على ما يجري في البلاد , إذ إن هذا السكوت سيوصلنا إلى ما كنا عليه قبل عقد من السنين تقريباً , وسيشارك الساكت عن هذه الحقائق في العواقب الوخيمة التي تنتظر العراق وسيحاسبه الشعب على ذلك.

إن الواقع العراقي يتطلب تحريك المرأة التي تواجه ظلماً وتجاوزاً كبيراً عليها ولدورها في الحياة العامة واحتقاراً لكرامتها , يتطلب تحريك الشباب الذي يعيش فراغاً قاتلاً ويتم إبعاده عن الحياة الفعلية بقضايا بائسة وحزينة تساهم في تدمير قدراته وكفاءاته التي يفترض أن تنطلق بعد انتهاء عصر الدكتاتورية الغاشمة التي عانى منها طويلاً , وإذا به يعاني من هيمنة الفكر الديني الرجعي المتخلف لجمهرة من قوى الإسلام السياسي غير المتنورة وسكوت القلة المتنورة منهم عما يجري في البلاد.

إن هذا الواقع المزري يضع على عاتق القوى الديمقراطية والمدنية والعلمانية في جميع أرجاء العراق ضرورة التحرك الفعلي لمواجهة الطائفية المتفاقمة والمهيمنة على فكر وسياسات وممارسات غالبية الأحزاب الإسلامية السياسية , الشيعية منها والسنية. إن مهمة القوى الديمقراطية هو توسيع الجبهة المناضلة بالطرق السلمية لصالح التغيير. لأن من واجب القوى الديمقراطية في لجنة التنسيق توسيع الشارع العريض الذي يلتقي فيه ويتسع لمزيد من القوى المناضلة ضد الفردية واستبداد التيار الإسلامي السياسي الطائفي الذي يقوده رئيس الوزراء والتيار "المضاد" له و "المتحالف" معه في أمور كثيرة , الذي ينطلق من مواقع طائفية أيضاً. إن جبهة عريضة للقوى المناهضة للإرهاب والفساد وفي سبيل الديمقراطية والحريات العامة هي السبيل الوحيد لتعبئة الشعب بصورة تدريجية ومستمرة لكي يتسنى لها تغيير الحكام وبالأساليب الديمقراطية والسلمية.

علينا تشخيص الخطر الداهم , إنه الفردية والاستبداد والتشدد الديني والطائفي وما ينشأ عن ذلك من مصادرة فعلية للحريات العامة ولروح ومفهوم المواطنة وحقوق الإنسان ومن استمرار للقتل والفساد والعودة إلى ما كنا عليه قبل عقد من الزمان. وحين يتم الاتفاق على الخطر الداهم , عندها تصبح المهمة المشتركة هي النضال ضد هذا الخطر الداهم بمختلف جوانبه واتجاهاته وقواه الفاعلة.

6/11/2012 كاظم حبيب


 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة