المؤتر الأول لهيأة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق تظاهرة جديرة بالدعم للدفاع عن الديمقراطية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

قد يتساءل البعض عن الحكمة وراء عقد مؤتمر كهذا او حتى وجود جمعية او هيأة كهيأة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق ، معللاً هذا التساؤل بوجود فسحة واسعة من الحرية لأتباع الديانات المختلفة لأن يمارسوا طقوسهم ويعبروا عن معتقداتهم الدينية بكل حرية ، بالرغم من حصول ، ما يسميه هؤلاء المتساءلون ، بعض الخروقات الأمنية ضد هؤلاء الأتباع وبعض الإعتداءات على دور عبادتهم ، وهذا ما حدث ايضاً للمسلمين من جميع الطوائف ولدور عبادتهم . فلماذا إذن هذه الخصوصية بالأمر حينما تكون ظاهرة الخروقات الأمنية هذه ظاهرة عامة تشمل الجميع ؟
في الحقيقة لا خصوصية بالأمر بقدر ما هو تعبير رافض عن حالة اصبح تكرارها في وطننا العراق ، ومع الأسف الشديد ، وكانها حالة طبيعية متعلقة بالحياة " الإعتيادية " لأهل هذا البلد بكل قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ، حيث برز الإرهاب والإرهابيون كمبرمجين ومنفذين لهذه الحالة التي إتخذت طابعاً دينياً في كثير من حيثياتها وتبعاتها . وفي هذا اللقاء الذي سيعقد في مدينة السليمانية في الفترة الواقعة بين 20 وحتى 22 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي ، وضمن عمل هذه الهيأة ينوي المؤتَمرون ان يناقشوا السبل والوساءل التي تضع امامهم بعض الإمكانيات التي يمكن توفيرها لمعالجة هذه الظاهرة ، ولا اقول التخلص منها نهائياً مع استمرار سياسة المحاصصات الطائفية والقومية المقيتة التي تبنتها الأحزاب الحاكمة . كما ان المتنفذين على الساحة السياسية العراقية لا زالوا في طور التغافل او التجاهل لمثل هذه الظواهر الإرهابية التي لا يعانون منها هم قدر معاناة المواطن الذي تتأثر مفاصل حياته مباشرة بها في كل يوم تقريباً ، بل ونستطيع القول ان اكثر هؤلاء المتنفذين مستفيدين منها ، حيث انها تساعدهم على توظيفها كشماعة يعلقون عليها كل أسباب فشلهم في إدارة الدولة العراقية وبالتالي تمهد الطريق لجميع إبتزازاتهم وسرقاتهم وخداعهم للجماهير منذ ان إستلموا السلطة بعد سقوط دكتاتورية البعث وحتى يومنا هذا .
إن أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة والمتنفذة في وطننا العراق اليوم جعلت من الصراع الديني وما تبلور عنه من صراع طائفي سبيلها الأكثر ثباتاً ، من وجهة نظرها ، للبقاء في السلطة من خلال المحاصصات الطائفية والعرقية والتحكم بامور البلاد والعباد ، وذلك لانها غير قادرة على العمل السياسي المبرمج والمنطلق من أولويات الوطن قبل ان ينطلق من اولويات إنتماءات منتسبيها الدينية والمذهبية الطائفية التي يسمونها إسلامية . وحينما نؤكد على الأولويات الوطنية هنا فإننا ننطلق من كون إعتبار الوطن العراقي وطن جميع من على ارضه ، إلا ان الإسلام هو ليس دين الجميع على هذه الأرض . وهذا ما يميزنا عنهم ، نحن الذين نسعى للدفاع عن حقوق تابعي الأديان والمذاهب الأخرى غير الإسلامية، إنطلاقاً من الدفاع عن حقوق الإنسان ، أي إنسان ، اولاً ، ثم الدفاع عن حقوق مواطنتهم التي إنتهكتها قوى الإسلام السياسي ثانياً. وهذا يعني الدفاع عن وجودهم على هذه الأرض العراقية ودورهم فيها عبر عصور التاريخ ، فإنهم عراقيون بالدرجة الأولى سيان إلى أي دين إنتموا ولأية طائفة تبعوا . ومن هذا المنطلق فإن مفهوم الأقلية والأكثرية الحسابي المجرد لا يدخل ضمن مفهومنا للديمقراطية التي هي ليست أرقاماً مجردة تعبر عن الأكثر والأقل بقدر ما هي بلورة هذه الأرقام إلى تبني مفاهيم لها علاقة بالإنسان قبل ان تنظر إلى عدده في هذا المجتمع او ذاك ، فرداً كان او مجموعة مهما صغرت هذه المجموعة او كبُرت . هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فإن الذي حدث ويحدث على الساحة السياسية العراقية منذ بروز الإسلام السياسي على اروقتها بأن هذا الإسلام ، الذي هو ليس إسلام السماء بأي حال من الأحوال ، قد وظَّف العنف من خلال تشكيل المليشيات وعصابات القتل والإختطاف والإرهاب والتهجير والإبتزاز لتمارس هذا العنف بين بعضها البعض طائفياً وحتى بين اتباع المذهب الواحد . إلا انها لم تتوقف عند حددود إسلامها الذي تدعيه والمجموعات المتنتمية له ، بل تجاوزت ذلك بكثير ، وفي حالات مخطط لها وليست هامشية او عرضية ، باتجاه الأديان والمذاهب الأخرى غير الإسلامية مستعملة كل ما بجعبتها من المسببات لذلك ، من وجهة نظر إسلام الفقهاء هذا لا إسلام السماء ، كالكفار او الأقلية التي يجب ان تخضع للأكثرية حسب مفهومهم الأعرج للديمقراطية ، أو غير ذلك من الأسباب التي جردوا بها العراقي من عراقيته والمواطن من وطنه ليضعوه في تلك القوالب المتحجرة التي وضعوا فيها عقولهم ليتعاملوا معه من خلال الإنتماء الديني فقط وليس غير . وهكذا تأكد القول عن هذا الإسلام السياسي الذي لا يعترف بالوطن ولا يعمل من اجله . وما نراه من إرتباط قوى الإسلام السياسي هذه بمرجعياتها الدينية والمذهبية خارج الوطن وتنفيذها لإجندات تلك المرجعيات على حساب المواطَنة العراقية ، وحتى عدم إستطاعتها البقاء وممارسة الجريمة دون الإسناد المالي واللوجستي مِن قِبَل مرجعياتها هذه لها ، لخير دليل على هذا التنكر للوطن وأهله. وما تحمَّله المواطن العراقي من مليشيات وعصابات الإسلام السياسي هذه اصبح مرافقاً لحياته بصورة مباشرة وغير مباشرة حتى يومنا هذا.

إلا اننا لم نشهد ولا في حالة واحدة حتى هذه الساعة من توجه اتباع الديانات والمذاهب غير الإسلامية في العراق إلى تشكيل مليشيات عسكرية تحمل طابع هذا الدين او ذاك لتحارب بها تابعي الأديان والطوائف الأخرى الإسلامية أو غير الإسلامية . إن جل ما قام به بعض اتباع الديانات والمذاهب غير الإسلامية في العراق هو تناوبهم على حراسة أهلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم بعد ان تكررت الإعتداءات عليهم وبعد ان تلكأت القوى الأمنية التابعة لأحزاب الإسلام السياسي المتنفذة باتخاذ الإجراءات الصارمة حقاً ضد تكرار هذه الإعتداءات . وحملت قوى الحراسة هذه ، التي تشكلت من افراد معدودين وليس من جيوش ، كما في مليشيات الإسلام السياسي ، اسلحة بسيطة لا ترقى بأي شكل من الأشكال إلى تلك الأسلحة المتظورة والثقيلة التي كانت تسلطها مليشيات وعصابات الإرهاب ضدهم . وحتى حق الدفاع عن النفس هذا إتخذه البعض الإسلاموي ذريعة للنيل من هؤلاء الذين يريد لهم هذا البعض ان يعيشوا في وطنهم تحت مشاعر المذلة ونظام الجزية وصفة الذمية ، بعيداً عن حق المواطنة الذي لا ينبغي له ان يذوب بالإنتماء الديني او الطائفي ، هذا الطريق الذي يسعى له طائفيو العراق وحاكموه السياسيون الفاشلون .
فالمؤتمر هذا إذن يمثل تجسيد وانعكاس مشاعر المواطن العراقي في الدفاع عن بنات وابناء وطنه الذين تخلت عنهم الأجهزة الأمنية ، لا بل وساعدت في بعض الأحيان على تشديد الحرب عليهم ودفعهم للهجرة خارج وطنهم كردة فعل على كل ما كان يريد تجار الدين هؤلاء الوصول إليه حينما يملأون بيوت غير المسلمين بوريقاتهم الصفراء وشعاراتهم الجوفاء مثل " أَسلِم تسلَم " وما شابه ذلك من التهديدات التي حولها بعض المجرمين إلى حقائق تجلت من خلال القتل والتهجير والتفجير .
إن هذا المؤتمر يعكس إذن قرار العراقيين الديمقراطيين وتفعيله على الواقع العملي وذلك من خلال الوقوف بحزم وثبات إلى جانب شركاءهم في الوطن للدفاع عن هذا البيت المشترك وعن اهله جميعاً ، الذين لا يفرقهم دين ولا تجمعهم غير المواطنة والإنتماء إلى هذا الوطن المشترك . إن هذه الوقفة العراقية الصميمة اصبحت الحل الوحيد الذي يمكننا المحافظة به على النسيج العراقي بكل اطيافه وبصورته التي تجلت عبر مختلف عهوده وقبل ان يشوهها المتسلقون على الدين الإسلامي والمتاجرون به .
إن هذا المؤتمر بما يضمه من نُخبة واعية وشخصيات للكثير منها باعها الطويل في النضال الوطني الديمقراطي ، يثبت للعالم أجمع ان تربة الوطن العراقي لا تصلح لبذار الطائفية والعنصرية والعصبية الدينية وإن هذه التربة عصية على منبت الفساد مهما إجتَّر من مقومات دينية او قومية متطرفة .
كما ان هذا المؤتمر يشكل الضمانة الأكيدة لتلاحم الشعب العراقي وإثبات وجوده على ارضه حتى وإن ارادت الحكومات غير ذلك . والحكومات العراقية الفاشلة التي تعاقبت على حكم هذا الشعب لم تستطع ان تثني هذه الروح النضالية التضامنية التي يعكسها هذا المؤتمر بكل صدق وحيوية وشجاعة .
وإن هذا المؤتمر ، أخيراً ، يمكن ان يكون إشارة لقوم يعقلون هذه الإشارة التي يجب ان يفهمها القائمون على الحكم في العراق على انه العراق الذي لم ينه لحمته حكام قبلهم كانوا اشد بأساً واكثر عنجهية منهم.
إنطلاقاً من هذه المعطيات فإن الواجب الوطني في هذه المرحلة يدعو جميع مَن يريد حمل هذا الواجب والنهوض به أن يدعم ويسند هذا المؤتمر الذي سيؤسس لمنظمة عراقية وطنية تقدمية تدافع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق والتي هي وكما وصفها امينها العام المُنسب الأستاذ الدكتور كاظم حبيب :
" إن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية منظمة مجتمع مدني مستقلة استقلالاً تاماً عن الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية كافة وعن الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والحكومات الأخرى خارج العراق , وهي منظمة منفعة عامة وغير ربحية وتستند إلى عدة مبادئ جوهرية مستلة من مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المواطنة ومثبتة في نظامها الداخلي "
فلنعمل سوية على نصرة هذه المنظمة والسمو بها نحو تحقيق مآرب الوطن واهل الوطن وإنجاح مؤتمرها الأول ، إذ ان هذا المؤتمر هو واحد من بالونات الإختبار المهمة لوحدة الشعب العراقي على اسس الديمقراطية والتقدمية والدولة المدنية . فهل سننجح في هذا الإختبار ؟
الدكتور صادق إطيمش


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة