النسبية في الإيمان ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

على موقع ، أدب..فن..فكر ، الجميل طرحت الفنانة المبدعة عفيفة لعيبي جملة من التساؤلات الإيمانية حول موضوع المراة ونظرة الأديان لها ، وخاصة الدين الإسلامي .
من الطبيعي ان يكون لكل فرد رأيه فيما يطرحه من قناعات تتعلق سلباً أو إيجاباً بموضوع قد يمسه شخصياً أو يخص بعض او كل جزئيات حياته أو حتى يخص الإنسان بشكل عام، كما في موضوع المرأة هذا ، ويعلق على كل ذلك بما ينسجم وقناعاته . وموضوع المرأة في الأديان ومنها الدين الإسلامي اصبح اليوم ، وبحق ، موضوع نقاش لا ينبغي تجاهله او إهماله ، بل الخوض فيه بكل ثقل وقوة بحيث يتضمن هذا الخوض تحقيق فكرة نقض النقيض التي قد تتبلور عنها بدائل للفكر السائد حتى الآن وفي موضوع المرأة بالذات . وهذه البدائل مهمة جداً إذ انها من الممكن ان تفتح طريق الوعي العلمي امام كثير من النساء والرجال ايضاً الخاضعين لمعتقدات تقليدية مجتمعية اكثر منها دينية .
تقول الفنانة عفيفة بأنها لا تؤمن بكل ما ذُكر في الكتب الدينية حول المرأة . وتطرقت إلى ما يجري الحديث عنه في تجمعات الذين يصفون انفسهم بالمتدينيين كنقص العقل في المرأة وبأنها عورة وما شابه ذلك .
قبل البدء بمناقشة هذه الأقاويل ارغب ان أُؤكد على ما ذهبت إليه الفنانة عفيفة أن هذه المزاعم وأشباهها هي نتاج العصور السالفة التي لا تنسجم وطبيعة العصر الذي نعيشه اليوم في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية . وأضيف إلى ذلك القول بأن العصر الرجولي الذي ظهرت فيه الأديان نقل سمات ذلك العصر من الواقع التقليدي الذي كان سائداً دون ان تكون له اية مرتكزات حسيَّة ملموسة كالتدوين مثلاً إلى واقع أيماني يستند في كثير من الأحوال ، كما في الأديان الإبراهيمية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام ، إلى مرجعيات نصيِّة مثبتة على الواح او على جلود الحيوانات كحقائق ثابتة يدعوا المبشرون بها أهل تلك العصور للإيمان بها . ومن ضمن هذه المنطلقات الإيمانية برز دور المرأة في المجتمع والذي ظل لآلاف السنين دوراً هامشياً ينطلق من المجتمع الرجولي وسيطرة وتحكم الرجل فيه ، صاحب القوة الجسمية ، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالحروب والغزوات وألإنتساب القبلي . وفيما يخص الإسلام ونصوصه التي يجب ان نفرق بينها فيما إذا كانت نصوصاً قرآنية او حديثاً فإنها لم تتجاوز هذا الفهم لدور المراة في المجتمع . ومن المهم هنا ان نتطرق إلى مصداقية هذه النصوص ومتى يمكن الإعتماد عليها ومتى ينبغي تجاوزها.
ففيما يخص النص القرآني فإنه لم يتطرق من قريب او بعيد إلى أمور نقص العقل او النجاسة او العورة لدى المرأة او تشبيهها بالدابة وغير ذلك الكثير من التقاليد التي اوجدتها المجتمعات الرجولية وفرضها بعض الفقهاء كثوابت دينية . إن جل ما تطرق إليه النص القرآني هو معالجة الحالة الإجتماعية للمرأة في العهد الجديد على شبه الجزيرة العربية ، والذي سنتطرق إليه لاحقاً . اما مسألة العورة ونقص العقل وملامسة الرجال للنساء او بالعكس وغير ذلك الكثير مما نُسب إلى السنة باعتبارها المصدر الثاني للإسلام فلا يتعدى كونه جزءً من آلاف الأحاديث التي يناقش صحتها او عدم صحتها كثير من المنشغلين بامور الفكر الدين والتي تعكس في كثير من الأحيان دين الفقهاء لا دين السماء . لذلك فإنني أرى أن رفض مثل هذه المزاعم امر طبيعي لاسيما وإن مثل هذه المفاهيم لا تشكل نصاً يحظى بالإجماع . وسبب ذلك يعود إلى ان كثيراً ممن ينظرون إلى مثل هذه المزاعم بشك وريبة في تصديقها ينطلقون من النص المتفق عليه بالإجماع وهو النص القرآني الذي لم يتطرق إلى هذه المزاعم أصلاً . كما انهم ينطلقون من نصوص آيات قرآنية توضح عمل حامل الرسالة الإسلامية والتي تقتصر على إيصال وشرح وتبيان ماهية النصوص الموحى به إليه ولا تجيز له ألإتيان بشيئ جديد خارج نطاق هذه النصوص ، وكواحد من كثير من ألأمثلة على ذلك يمكننا التمعن في نص الآية 44 من سورة النحل التي تؤكد على ذلك. إلا ان بعض فقهاء السلاطين لم يتوانوا عن الإتيان بأشياء جديدة كثيرة جعلوها ديناً بمرور الزمن ، وما هي إلا تقاليد أكثرها سلطانياً جاء بإمرة الحاكم فقط . إنطلاقاً من ذلك فإننا ، وأعني بذلك كل من يريد ان يعين البسطاء من الناس على التعرف على ماهية دينهم الذي يلتصقون به عاطفياً أكثر منه فقهياً او علمياً ، يجب ان ننتقل بمفهوم الدين بين الجماهير الشعبية من صورته الرجولية التي وضعها له فقهاء العصور الغابرة إلى صورته الإنسانية التي ارادتها له السماء ، وهما صورتان تَعَمَق التناقض بينهما بمرور الزمن .
أما ما يخص تعاملنا مع النص القرآني ، وهو الأكثر اهمية ، فإنه ينبغي مناقشة هذا الأمر من خلال الوقائع التاريخية التي مر بها هذا النص وطبيعة العمل به والموقف منه بعد تغير الظروف التي جاءت به . كل هذه الأمور يجب ان يجري إفهام الآخرين بها والغافلين عنها بتلك اللغة التي يستوعبونها ومن تلك المصادر التي يوقنون بها .
يذكر لنا تاريخ دراسات الفقه وعلم الكلام وتفسير او تأويل النص القرآني بأن فترة هذا النص إستغرقت إثنين وعشرين عاماً (610 ـ 632 م) اعطت لهذا النص خصوصية التنوع في مناقشة نفس القضية في أزمان مختلفة . وكمثال على ذلك يمكن النظر إلى مسألة الموقف من الخمر في النص القرآني . فالنص الأول جاء ليبين ان في الخمر إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ولم يتطرق إلى اي شكل من اشكال التحريم (البقرة 219) . ثم جاءت المرحلة الثانية للتعامل مع ظاهرة تناول الخمر التي إستمرت حتى بعد وجود النص الأول اعلاه ، لتؤكد موضوعة " لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى "(النساء 43) التي لم يجر فيها التطرق إلى التحريم ايضاً . ثم كانت المرحلة الثالثة التي فسر البعض الأمر فيها بإجتناب الخمر باعتباره رجس من عمل الشيطان على انه تحريم مطلق (سورة ص 94).
يجري تقييم هذا الإختلاف في التعامل مع موضوع واحد وفي ازمنة مختلفة من خلال المنطلقات التي ينطلق منها المُقيِّم . فمنهم من يعتبر ذلك تناقضاً يترتب عليه ضعف النص وبالتالي ضعف الإندفاع للإلتزام به . في حين ينظر إليه آخرون باعتباره وعي النص بضرورات المراحل المختلفة وهذا ما يؤدي إلى قناعة هؤلاء بهذا النص الذي يعتبرونه قابلاً للتطور مع تطور الزمن وضرورات الحياة . ومن هذا المنطلق إنطلق الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حينما ألغى العمل بنص قرآني يتعلق بما يجب ان يحصل عليه " المؤلفة قلوبهم " من الغنائم (التوبة 60)، إذ انه إجتهد بعدم ضرورة أخذ هذه المجموعة من الناس بنظر الإعتبار بعد ان قويت شوكة الإسلام . وكذلك إجتهاده بإيقاف العمل بالنص القرآني الذي يقضي بقطع يد السارق في الأوقات التي تعرض فيها المجتمع الإسلامي للمجاعة .
وهكذا نرى بأن مسألة التفسير والتأويل للنصوص القرآنية اصبحت مسائل بشرية تعتمد على الإجتهاد الشخصي اكثر من إعتمادها على الوحي المنزل ، خاصة بعد إنقطاع هذا الوحي عام 632 م.
فلماذا يمنعنا أكثر الفقهاء اليوم من التعامل مع النصوص كما تعامل معها عمر بن الخطاب او كما تعامل معها القرآن نفسه حين ربطها بتغير الوقت وبالتالي تغير مضمون النص وما يتبعه من تطبيق ؟
أليس من الضروري مناقشة ضرب المرأة مثلاً الوارد في النص القرآني ( النساء 34 ) على هذه الأسس باعتباره يشكل نوعاً من الإهانة إلى نصف المجتمع الذي لا يمكن لهذا المجتمع ان يواصل مسيرته بنجاح في كل مجالات الحياة بدونه ، وهذا ما اثبتته كل وقائع التاريخ ؟ أوليس من الضروري والواجب ايضاً ان يكف الفقهاء عن إيجاد المبررات لهذه الإهانة الموجهة إلى الأم والأخت والزوجة والصديقة والعالمة والأستاذة والعاملة والمربية والطبيبة و..و..وذلك بتفسير هذا الضرب على ان لا يكون مبرحاً او لا يترك اثراً على الوجه وما شابه من هذه التبريرات السقيمة التي لا يقبلها اي مجتمع يريد فعلاً الحياة ضمن معطيات القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية ؟ مَن من فقهاء اليوم وتابعيهم يطبق نص الآية القرآنية القائل : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (الحج 27) ؟ فكما نعلم جميعاً بأنهم يستعملون كل وسائط النقل الحديثة وكل ما يتعلق بها من تسهيلات وتقنية لتأدية مناسك الحج التي كان المسلمون الأولون يؤدونها على الجمال او مشياً على الأقدام .
وهذا ما ينطبق على نصوص قرآنية كثيرة كالجزية وملك اليمين والعقوبات الجسدية كافة والمتعة التي اصبحت اليوم ، دون المساس بقدسيتها ، نصوصاً لا تتماشى ومسيرة السلام الإجتماعي التي تدعوا لها التعاليم الدينية نفسها، إذ ان الدين ، اي دين ، إنما جاء لتيسير حياة الناس وليس لتعسيرها ، والإنتقال بها من حالة متخلفة إلى حالة متقدمة . وعلى هذا الأساس فإننا لا نجد تطبيقاً لمثل هذه النصوص في كثير من المجتمعات الإسلامية التي جعلت من مبادئ الشريعة الإسلامية إحدى مرجعيات دساتيرها المدنية . لذلك يصبح من الضروري التوجه للمجتمع بالإجتهادات التي تحاكي إجتهادات الأولين الذين إجتهدوا لزمانهم من حيث المبدأ ، إلا ان الإجتهادات الجديدة ينبغي ان تصب في حياة الإنسان في هذا الزمان ، هذا الإنسان الملتزم بدينه إلا أنه قد يجهل الفسحة الواسعة التي يمكنه التحرك عليها دون المساس بإيمانه ، هذه الفسحة التي دأب فقهاء السلاطين على إخفاءها عنه . وفي عصرنا الحاضر لا يمكن للإنسان ، خاصة الغير متعلم والذي يجهل امور دينه اصلاً ويرتبط بالتراث اكثر من إرتباطه بالأسس الدينية ، ان يحقق إيمانه دون إكراه ، وهذا ما يخالف النص القرآني الذي يؤكد أن " لا إكراه في الدين " ( البقرة 256 ) ، إن ظل مكبلاً بأقوال الكثرة الكاثرة من فقهاء السلاطين ، وبعيداً عن الإستيعاب العقلي لأمور دينه . وما على الفئات الإجتماعية التي تسعى لإنقاذ هذا الإنسان من توجيهات هؤلاء الفقهاء ، إلا ان تقدم له البديل وذلك لن يتم إلا من خلال خوض هذا الصراع على قاعدة دينية علمية تواجه المتسلقين على الدين بحجج الدين نفسه .
وهناك الجانب الآخر من النص القرآني الخاضع للتفسير والتأويل والذي جرى التعامل معه من قبل كثير من الفقهاء بشكل أحادي الجانب مما فرض هذا التعامل ، وبمرور الزمن ، وكأنه واحد من الثوابت الدينية ، في حين ان ذلك لا يعدو ان يكون إجتهاداً في التفسير . وهذا ما ينطبق على نصوص مثل الأرث وتعدد الزوجات والتي سنحاول التطرق إليها في مناسبة أخرى .
الدكتور صادق إطيمش


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة