سيظل نشيدالجماهير مدوياً ... رغم الكبت ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

كثيراً ما يخرج المحللون السياسيون بنتيجة متشابهة اثناء مناقشاتهم لما تبلور عنه الوضع السياسي على الساحة السياسية العربية إثر الإنتفاضات الجماهيرية التي حملت إسم الربيع العربي . إذ تُختزل هذه النتيجة بظاهرة واحدة مفادها صعود التيار الإسلامي وخاصة السلفي منه واكتساب الشارع العربي لردة ثقافية فكرية تشير إلى نكوص الفكر الثوري الذي قامت عليه هذه الإنتفاضات والذي حمل شعارات الحرية والعدالة الإجتماعية التي لم ير المحللون السياسيون أية إمكانيات لتحقيقها في ضوء المتغيرات الجديدة التي تشير إلى إستبدال دكتاتوريات الأحزاب السياسية بدكتاتوريات أحزاب الإسلام السياسي التي طالما تبجحت بالديمقراطية قولاً بالرغم من رفض هذه الأحزاب لهذا النوع من العلاقات الإجتماعية فعلاً ، وإحلال مصطلح الشورى محلها بالرغم من عدم وجود اية تجربة في التاريخ الإسلامي تشير إلى تطبيق هذا المبدأ كما جاء ت به تعاليم الدين الإسلامي .

لم يؤد إنتصار الإنتفاضات الجماهيرية وإطاحتها برؤوس وأحياناً ببعض مؤسسات الأنظمة التسلطية القمعية إلى إستتباب الهدوء على الشارع العربي وانصراف الجماهير المنتصرة إلى العمل الإعتيادي البناء الذي طالما تحتاجه الشعوب الخارجة تواً من ظلمات الأنظمة القمعية التي تحكمت بحياتها لعقود عديدة من الزمن . فقد ظل الشارع في تونس وفي القاهرة وفي بنغازي وفي صنعاء في حركة دائمة يزداد ويقل زخمها تبعاً لما يستجد من احداث على الساحة السياسية التي بدت تغص بشعارات وشخصيات لم يكن بعضها حتى قريباً من التحرك الجماهيري ، ناهيك عن الإشتراك فيه . فقد عملت الجماعات الدينية وأحزابها السياسية على توسيع رقعة نشاطاتها التي ارادت من وراءها عكس إنطباعاً عاماً يوحي بقيادتها للعملية السياسية الجديدة . فاستعملت كل ما بجعبتها من الحيل وألأحابيل والخزعبلات والتأويلات التي تمرست بها خلال عملها السري والعلني حتى برزت على شكل مؤسسات طابعها الظاهرخيري ممول تمويلاً طائلاً من البترودولار الخليجي او الإيراني ،إلا ان أهدافها الحقيقية ظلت أهدافاً سياسية تسعى صوب الدولة الدينية الدكتاتورية.

لقد ظل الشارع العربي في معظم مفاصله وطبيعة تركيبة سكانه يعاني من ضيق العيش وندرة التعليم الذي كثيراً ما يسبب الجهل الذي يشكل مرضاً إجتماعياً خطيراً في جسم المجتمع العربي تستطيع من خلاله جراثيم الهرطقات الدينية النفوذ إلى هذا الجسم بسهولة تتيح لها تطويع الفرد الذي تنال منه نحو الوجهة التي تريدها وبذلك تسخيره لتحقيق ما تخطط له من سياسات او إغتيالات او تفجيرات او إعتداءات تريد من خلالها السير بالمجتمع إلى هدفها الذي كان أكثرها يعلن عنه حتى الأمس القريب بكل صراحة ووضوح والمتضمن تأسيس الدولة الدينية. أما اليوم فقد ظل الجناح السلفي الأكثر تخلفاً في أحزاب الإسلام السياسي هو الوحيد تقريباً الذي يدعو إلى الدولة الدينية على شاكلة دولة طالبان المقبورة او دولة ولاية الفقيه التي ستقبرها إرادة الشعب الإيراني بعد حين . إن ألأسباب التي أدت إلى ان تتخذ بعض أحزاب الإسلام السياسي موقف عدم الدعوة للدولة الدينية والتبجح بتبنيها للدولة الديمقراطية تكمن ، من وجهة نظري ، في عاملين أساسيين :

أولهما هو إكتساب مفهوم الديمقراطية سمعة إيجابية جعلته هدفاً جماهيرياً حيث إنعكس ذلك على بعض القوى الدينية التي تظاهرت بتبنيه . ونقول تظاهرت لأننا كثيراً ما سمعنا خزعبلاتها التي تتبنى فيها الفكر الديمقراطي وكل ما ينجم عنه من دولة الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية إلا انها تستدرك وتقول جملتها الشهيرة " وبمرجعية إسلامية " فتكشف بذلك عن زيف تبجحاتها الكاذبة في تبنيها للديمقراطية .

وثانيهما هو طبيعة الخطاب المخادع للإسلام السياسي الذي لا يتواني عن توظيف التقيِّة إذا ما وجد إحراجاً ضمن موقف سياسي معين ، وهذا ما نراه اليوم من إختفاء لما كانوا يرددونه بكثرة مملة سابقاً حول الشورى باعتبارها بديلاً للديمقراطية .

فكيف ستجري الأمور على الساحة السياسية الجديدة التي خلقتها الجماهير المنتفضة ثم إنحسرت عنها ليتبوأها الإسلام السياسي بكل فصائله التي لم يكن لمعظمها اي دور بارز في إندلاع هذه الإنتفاضات الجماهيرية؟

لقد جاء الجواب على هذا السؤال وظل يتردد كل يوم حتى هذه الساعة على ساحات وشوراع تونس والقاهرة وصنعاء وهو ينشد نشيد ثورة الجماهير:

ثورة ثورة للحرية والعدالة الإجتماعية

أنا مش خايف زي زمان لسه الثورة بكل مكان

لو ضربونا في الشوارع صوت الثورة طالع طالع

لو مسكونا في البيوت برضو الثورة مش حتموت

علِّي اسوار السجن وعلِّي بكرة الثورة إتشيل ما إتخلي


إذن الثورة مستمرة وإن كَرِهَ الملتحون وغير الملتحين من ذوي المحابس الفضية والجباه المكوية ، ولا اعتقد ان إستمرارها سيقتصر على تونس والقاهرة وصنعاء فهناك عواصم أخرى حبلى بتوائم من الثورات وليس بثورة واحدة . اللهم يسِّر لبغداد ولا تُعَسر .

الدكتور صادق إطيمش

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة