حذاري ... حذاري من الدولة الدينية ، فإنها دكتاتورية بامتياز

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الديمقراطيات الجديدة الناشئة في بعض الدول العربية التي إجتاحتها رياح التغيير تتعرض اليوم لإختبار سياسي قد يؤدي فشلها فيه إلى نتائج ليست في مصلحة شعوب هذه الدول التي بذلت الكثير في سبيل تحقيق مستقبل افضل من ماضيها الذي قضته في كنف الدكتاتوريات التي حكمتها في العقود الماضية . وحينما نتحدث عن الديمقراطية هنا فإننا لا نعني فقط ذلك الأسلوب في تداول السلطة السياسية الذي يجعل صناديق الإنتخابات النزيهة والعادلة هي الفيصل في هذا التداول ، بل نتحدث عن مفهوم الديمقراطية بكل جوانبه التي تشكل الإنتخابات واحداً منها . ولطالما رفضت قوى الإسلام السياسي هذا النوع من العمل السياسي معتبرة هذا الديمقراطية بضاعة غربية لا علاقة لها بتراث المجتمعات العربية الذي جعلته تراثاً إسلامياً خالصاً لا علاقة له بتراث آلاف السنين الغابرة التي عاشها كل بلد والذي شكلت حضاراتها بكل ما فيها من علوم وفنون وآداب معلماً هاماً من تراثه لا يمكن تجاوزه أو حتى إستبداله بتراث وحيد الجانب كالتراث الديني . إن رفض قوى الإسلام السياسي لمبدأ الديمقراطية الإنتخابية لم يستمر طويلاً امام شهوة الحكم التي تراود هذه القوى والتي جعلت من وصولها إلى السلطة ، حسب المبدأ الميكافيلي بتبرير الواسطة لتحقيق غاية معينة ، واحداً من مبادئها الذي تجاوزه البعض في حين ظل البعض الآخر ملتزماً به حتى اليوم . ويتضح يوماً بعد يوم ماذا يكمن وراء قبول بعض قوى الإسلام السياسي للإنتخابات التي رفضتها بالأمس . هناك مفهومان اساسيان ينطلق منهما العمل السياسي للجماعات الإسلاموية عنما يتعلق الأمر بهذا القبول :

أولهما هو إظهار هذه الجماعات لنفسها وكأنها قد غيرت اساليبها في العمل وتجاوزت العنف ورضيت بحكم صناديق الإنتخابات بعد ان ظلت تُنظِر لرفضها سنيناً طوالاً باعتبارها سلعة غربية يجب رفضها إستناداً إلى مبدأ فقهي تسير عليه هذه الجماعات والمنطلق من مخالفة الكافر ، حيث ان الغرب بالنسبة لهؤلاء كافراً حتى بعشرات الملايين من المسلمين القاطنين فيه ، ناهيك عن مئات الملايين من المسلمين الآخرين الذين يعيشون في كنف الديمقراطيات الأخرى الغير غربية . أي ان هذا القبول هو واسطتهم للوصول إلى الحكم . أما ماذا سيحدث بعد ذلك فيقرره امراؤهم ومشايخهم حسب شرائعهم التي طالما ينسبونها إلى الإسلام وما هي إلا إنعكاسات لتخلف فكري غيبي يحارب الجديد ويتمسك بالقديم البالي بغض النظر عما وصلت إليه البشرية في قرنها الحادي والعشرين . وهذا الأمر له علاقة مباشرة بالمفهوم الثاني الذي يتمحور حول فهمهم للديمقراطية على انها إنتخابات فقط تتحقق من خلالها كل المبادئ الديمقراطية . فقواميسهم السياسية لا تعرف جدلية العلاقة بين هذا المبدأ من الديمقراطية مع مبادءها الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة الإجتماعية والحريات الشخصية والعامة وفصل الدين عن الدولة وتبني العلاقات السلمية مع المجتمعات الأخرى والإنخراط في الركب الحضاري العالمي والكثير الكثير من معالم الديمقراطية الحقة التي لا تفهم فوز الأكثرية في الإنتخابات على انه إستعباد للأقلية مهما كان حجم  هذه الأقلية .وهذا هو بالذات ما نؤكد عليه من جنوح قوى الإسلام السياسي إلى الدكتاتورية عبر الديمقراطية، حيث انها تفهم الديمقراطية من جانب واحد وتتجاهل او تتنكر لجوانبها الأخرى ، متبجحة بان ما تقوم به ما هو إلا التعاليم الدينية التي تريد تحقيقها بقوة ديمقراطيتهم التي وضعتهم على قمة السلطة فربطوا الدولة بمفهومهم الديني هذا لتسير بثبات نحو الدولة الدينية التي لا يمكن لها ان تكون إلا دكتاتورية حسب معطيات السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية .

الدين هو قناعة والتزام من قبل الفرد ذاته . وربطه بالدولة التي لا تقوم ذاتها بالعبادات المتعلقة بهذا الدين ، فالدولة ذاتها لا تصلي ولا تصوم ولا تُزكي ، بل تفرضها على الآخرين من خلال قوانين يسري مفعولها على جميع مواطنيها بغض النظر عن قربهم أو بعدهم عن هذا الدين. ربما ستفسر أحزاب الإسلام السياسي وتجمعاته قناعاتها بالدولة الدينية ، والإسلام دين الدولة ، والإسلام هو الحل وغير ذلك من الشعارات الجوفاء التي فقدت أي معنى لكثرة ترديدها الببغاوي ، بان الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى. فيعيدون ويكررون نفس الإسطوانة المشروخة حول إحترام الإسلام لبقية  الأديان ويستشهدون ببعض الوقائع التاريخية التي لا يمكن عكسها أو القياس بها على واقع اليوم ، إذ ان لكل حادث حديث ، كما يقال . وربما سيسمحون لأنفسهم بترديد مثل هذه الأكاذيب التي لم تتحقق بالمستوى الذي يطبلون له في اية مرحلة من مراحل دولهم الإسلامية الحديثة التي قامت على مبادءهم هذه ، وأمثلة دولة الطالبان في أفغانستان ودولة ولاية الفقيه في إيران ودولة البشير في السودان ، والدولة الوهابية في مملكة آل سعود ، وجميع التجارب الفاشلة التي تمخضت عن هذا الفكر المتخلف المنادي بالدولة الدينية التي سوف لن تكون إلا دولة دكتاتورية بالضرورة ، إن كل هذه التجارب وما نعيشه اليوم من واقع الدولة الصهيونية التي نحت المنحى الديني ايضاً واتخذت القرارات التي تجبر غير اليهود على قَسَم يمين الولاء للدولة الصهيونية  ، ما هي إلى شهادة حية على دكتاتورية الدولة الدينية ، بغض النظر عن اي دين تتبناه .

وحينما يسعى  الخطاب الديني الإسلامي إلى تحقيق دولته التي ينادي بها  ويسعى في نفس الوقت إلى رفض قيام دولة دينية أخرى ، كالدولة الصهيونية مثلاً ، فإنه يبرهن في الواقع إلى إفتقار خطابه إلى الموضوعية وهذا ما يجره إلى إختلاق مسببات لقيام دولته ورفض الدولة الأخرى . لقد أكد خطاب الإسلام السياسي في أكثر من مناسبة على طبيعة إختلافه عن الأديان الأخرى معللاً ذلك بطبيعة التسامح الذي يتصف به الدين الإسلامي تجاه الأديان الأخرى . إن مثل هذا الطرح سيكون مقبولاً لو أثبت المتأسلمون في أحزابهم الدينية على أنهم يطبقون فعلاً هذا التسامح الذي نصت عليه التعاليم الدينية . لنرى كيف يفهم الإسلام السياسي هذا التسامح في دولته الإسلامية وكيف يعمل على تطبيقه ؟ لقد كتب أحد دعاة الدولة الإسلامية عن بعض الشروط التي يجب (لاحظ كلمة يجب) أن يلتزم بها غــــيـــــر المسلمين ، وخاصة المسيحيين الذين يؤكد عليهم هذا الداعية، القاطنين ضمن حدود الدولة الإسلامية والذين يُعتبَرون مواطنيها ، لهم  وعليهم ما للمواطنين  الآخرين  فيها ، حسب قوانين المواطنة المعمول بها في عصرنا هذا . فقد جاء في كتاب " مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة ، لمؤلفه السيد عبد الجبار ياسين ، من منشورات دار الزهراء للإعلام العربي ، الطبعة الأولى 1986 ، وعلى الصفحات 98ـ99 ما يلي :

" وكتب كثير من أهل الفقه عن شروط مستحَبَة تضاف إلى هذه الشروط المستحَقَة منها : لبس الغيار وهي الملابس ذات اللون المخالف للون ملابس المسلمين لتمييزهم عنهم ، ومنها كذلك ألا تعلوا أصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم ، وألا تعلوا أبنيتهم فوق أبنية المسلمين ، وألا يجاهروا بشرب الخمر أو يظهروا صلبانهم وخنازيرهم ، وأن يخفوا دفن موتاهم ولا يجاهروا بندب عليهم أو نياحة ، وأن يُــــــــــــمـــــنَــــــــــــــعــــــــوا من ركوب الخيل . ففي دولة ألإسلام أياً كان أسمها ، ينقسم الناس إلى قسمين : المسلمين وغير المسلمين. فأما المسلمون فهم أصحاب الدولة والسلطان والقائمون على الناس بالقسط ، وأما غيرهم فهم أهل عهد وذمة إذا رضوا ، فلهم عهد وعلى المسلمين بِرَهم وهم تحت السلطان ، وإن لم يرضوا فهم أهل حرب وعدوان "

هكذا ، وبكل بساطة ، أهل حرب وعدوان في وطنهم . ماذا نسمي مثل هذا الخطاب إن لم يكن خطاب فتنة إجتماعية تدعو للإقتتال بين أبناء الوطن الواحد والذي يريد دهاقنة الإسلام السياسي نشرها بين الناس إذا ما قُيض لهم تحقيق دولتهم على أرض أي بلد يجرونه ويجرون أهله لمثل هذه الكارثة التي يسمونها ديناً . والدولة الإسلامية هذه ، حسب مفهوم الداعية هذا وفي نفس كتابه أعلاه وعلى الصفحة 59 هي :

" ولذلك يحلو للأقلية النصرانية في مصر ان تتحدث كثيراً عن الوحدة الوطنية فهم في ظلها والمسلمون سواء ، فلا جزية يعطونها عن يد وهم صاغرون ، ولا إحساس بالــــديـــــنــونة لحكم المؤمنين . وأما في ظل دولة الإسلام ، أياً كان اسمها ، فلا مفر من الجزية ، ولا مشاركة في الحكم ، ولا إعتماد عليهم في دفع أو جهاد ، وإنما هم دوماً في حالة ينبغي أن تشعرهم بقوة الإسلام وعظمته وسموه وبره وخيره وكرمه وســـــــــــــــــــمــــــــــــــــاحته أي في حالة تدفعهم ، على الجملة ، للدخول فيه إخـــتــــيــــــاراً "  ......

يا لــــــــــــــــــه من إخــــــــــــــــتـيار !!!!!

ولنلاحظ الشبه الُمُخزي بين ما تقوم به الدولة الصهيونية من عدم إشراك المسلمين القاطنين على أرض هذه الدولة بالعمل في القوات المسلحة على إعتبار انهم سوف لن يخلصوا في الدفاع عن الدولة اليهودية ، وبين ما ذكره هذا الداعية الإسلامي بأن المسيحيين في دولته الإسلامية لا يحق لهم المساهمة في الدفاع عن الدولة " ولا إعتماد عليهم في دفع أو جهاد" .

على هذا النموذج البدائي يريد ألإسلام السياسي القفز على معطيات ومبادئ السلام الإجتماعي الذي تسعى إليه المجتمعات المتحضرة من أجل سعادة الإنسان ، أي إنسان ، الذي جعله الله خليفته على الأرض ، إن كان المتأسلمون يؤمنون حقاً بهذه الفكرة . وعلى هذا النموذج المتخلف فكرياً يسعى ألإسلام السياسي ، تماماً كما تسعى الصهيونية العالمية بالتأسيس لدولتها اليهودية ، إلى جعل الناس طبقات في هذه الدولة التي يكون فيها مَن إعتنق دين السلطة الحاكمة  مفضلاً على الآخرين . وانطلاقاً من هذا النموذج الجاهل يجري هجوم دعاة الإسلام السياسي في كل مجالسهم على النموذج العلماني للدولة الحديثة واصفينه بما إمتلأت به جعبتهم من مصطلحات الكفر والإلحاد والزندقة والفساد والأفكار المستوردة وكل تلك التقيؤات التي لم يقدموا حجة علمية واحدة على صحتها ولم يشيروا إلى مثال واحد من أمثلة المجتمعات العلمانية القائمة اليوم ليؤكدوا فيه صحة إدعاءاتهم فيتجنبون بذلك ، حتى ولو بمثل بسيط واحد ، بعض أكاذيبهم التي ينشرونها في كل مجالسهم بين البسطاء من الناس الذين حرمتهم الأنظمة القمعية الدكتاتورية التي تسلطت عليهم ، من الوصول إلى بعض مراحل التعليم التي تؤهلهم ليفكروا ملياً بمثل هذه الأكاذيب التي لا علاقة لها البتة بالتعاليم الدينية التي تدعو إلى المحبة والإلفة والصلاح في المجتمع ، لا إلى الإقتتال والعنف والكذب على الناس.

إن توجه وقناعات قوى الإسلام السياسي بمختلف الأقنعة التي تظهر بها على الملأ تشير إلى ضرورة ، لا بل وجوب ، إنتباه القوى المؤمنة حقاً بالديمقراطية في المجتمعات التي تخلصت من دكتاتورياتها أن لا تعود لتقع تحت انياب دكتاتورية الدولة الدينية . إن قوى الإسلام السياسي غير جديرة بثقة الناخب حتى وإن اغرته بشعاراتها التي أطلقتها تبجحاً ونفاقاً ، إذ انها غير قادرة على تحقيقها حتى وإن وجدت نفسها على قمة السلطة السياسية ، وامثلتها المقبورة منها او التي لا زالت على قيد الحياة امثلة حية على ذلك .

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن فور اً هو : هل أن التشابه على الإصرار في بناء الدولة الدينية بين الحركة الصهيونية العالمية وبين أحزاب وحركات الإسلام السياسي جاء محض الصدفة ، أو أنه مجرد توارد خواطر لا غير ،  أو أن له مدلولات أخرى لا يعلمها إلا ذوي الإختصاص في هاتين الحركتين الصهيونية والإسلاموية ....؟؟ والله أعلم .

الدكتور صادق إطيمش

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة