حنين إلى ماضي بحزاني القريب ... كفاح جمعة كنجي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تغفو بحزاني (بحزاني العتيقة- القديمة)  بين الجبل وبساتين الزيتون على تله من مئات السنين. من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب تلتوي أزقتها الجميلة بأشكال هندسية غير منتظمة بين بيوتها المشيدة من الجص والحجر، المتلاصقة لبعضها البعض. ولِد فيها مناضلين وكتاب و معلمين وأطباء وفنانين وسياسيين عرفتهم ساحات البلاد بطولها وعرضها .  استوطنها الحزن منذ  سنين كصديق دائم لكنه لم يلوي إرادتها. مر بها الفرح بين الفينة والأخرى، لكن  الحزن محطاته هي  الأطول ..  

من سوق القرية (تحت الزيعة- بلهجة سكان القرية)1- بتشديد الزاي- إلى  أن تصل  سفح الجبل تمر بأزقة ضيقة، يشتد الضيق أحياناً لحد تضطر بكتفيك ملامسة  حيطان المنازل التي ينبعث منها عبق السنين،  ورغم ما  تركه الزمن من موسيقاه  وألحانه على تلك الحيطان لكنها مازالت صامدة وجميلة.  كنا نلتقي في هذه الأزقة صباحا وأحيانا أخرى مساءً (خلات الحمال) بعربته المُحملة.. الكل يفسح له الطريق بود ورحابة صدر، كأن تلك الأزقة صُممت كَي لا تغزوها آليات العصر الحديث من سيارات وشاحنات الحمل لكنها بقت صديقة وفيّة وعاشقة  لعربة حمال القرية (خلات البركعي) لسنين طويلة.. تلك العربة المحلية الصنع  من ألواح خشب رُصّت مع بعضها لا يتجاوز عرضها المتر محمولة على عجلتين يسحبها  أو يدفعها بقوة عضلات جسمه النحيف.

 

قبل أن يأتي الكهرباء، كل مساء،( يونس) و( نافع )يتناوبان في إيقاد فوانيس الأزقة التي تضيء بالكيروسين  المعزولة عن الرياح داخل صندوق  زجاجي .

 

قبل أن تغزو" الحداثة "البلدة ، ينابيع القرية عند سفح الجبل كانت أجمل الأماكن خمسة ينابيع تتدفق منها المياه بغزارة لِتشكل ساقيتان تلتقيان في مجرى واحد وتتحولان لساقية قوية يستغلها المزارعين في الزراعة الصيفية وفي إرواء بساتين الزيتون .

 

وأجمل محطة في تلك الساقية كانت عند منزل (خدر أفندي) ،هناك يسقط ماء الساقية من مرتفع ليشكل لوحة مائية  تشبه شلال مازالت خرير مياهه تَرٌن في مسامعي.

 

على طول الساقيتين انتشرت أجهزة تقطير (العرق) في منظر جميل يصنعون أنواع العرق.. عرق بحزاني الشهير ( الزحلاوي والمستكي)... المكرر تقطيره الذي ذاع صيته  في كل أرجاء العراق.. اشهر صانع للعرق داود خليلا أبو هندرين.

 

قبل أن تغزو العصرنة، كانت النساء تنقل الماء إلى المنازل في صفائح التنك. عند الينابيع يشهد يوم الخميس ازدحاما شديدا، في كل خميس تغسل النساء الملابس  التي تكدست خلال الأسبوع.

 

حين تسير من سوق القرية باتجاه الجبل.. اقصر زقاق من بيت (دخيل النجاغ) في أوله تجلس أم (جمعه خدر كلاني) حاملة في يدها علبة البرنوطي من تبغ مطحون يُستنشق عوضا عن السيكارة - ينساب بين أغشية خياشيمها بنفس قوي.

 

 

 مع المساء يعود(الياس كانون) مع  حِماره الأبيض متعبين  من شدة العمل وغبار الجص الأبيض قد التصق بوجهيهما

أما شاربا الياس فقد تحمل القسط الأكبر من ذلك الجص غدا كقطعة ثلج على وجهه النحيل.

في أيام الربيع مع العودة من المدرسة يستهويني أن أعود من زقاق منازل  آل عبوش لِأمر بدكان عسكر عدوس وهو جالس مسنداً ظهره لحائط الدكان مرتقباً مجيء الزبائن، في يده سكارة لف مثبته بالمشرب الخشبي  محلي الصنع.

 

من يعيد إلينا تلك الأيام؟.. ادفع ما تبقى من عمري،، ليعود أسبوعاً واحداً من تلك السنين. أه لصفاء تلك الأيام !! من يعيد العصخيات؟* وجايخانة خليل خرو الصيفية؟ وصباحات**( بيت اللخي) في منزل بابا كريت؟ ومَحْتل(سالم الزرناجي)؟.. المَحْتَلْ (فتح الميم وسكون الحاء وفتح التاء وسكون اللام) هي مقطوعة موسيقية تعزف بالزرنا فجر كل يوم عُرس يكون فيه العريس ضيفا

في ذلك البيت. من يعيد إلينا رائحة الشاي التي كانت تفوح من دكان (سمو العنزي).. من يعيد إلينا رائحة قهوة (بابا خلات) في الأفراح والأحزان من يعيد إلينا ( شيخ ميرزا) وطنبوره الشعبي الذي التصق بشخصيته الشعبية.

 

أين اللقالق التي كانت تأتينا كل عام؟، وهل مازالت أعشاشها تنتظرها  قرب كنيسة القرية الوحيدة؟ وحين مغادرتها باتجاه الغرب هل هناك أجمل من منظرها  وهي تحوم مع - فراخها الذين ولدوا في بلدتنا - بأجنحتها الكبيرة كسجاد ابيض بين الجبل وبساتين الزيتون بجولات متعددة وكأن لسان حالها يريد القول سنلتقي بكم في العام القادم. وحسب علمي أخر مرة غادرت  العام 1980 ولم تعد  منذ ذلك الحين،   كأن عدم عودتها كان احتجاجاً على الحروب التي بدأت من ذلك العام!.

 

متى سيعود (القراي)؟؟*** ليشكلوا مجموعتهم الخاصة في (العصخيات) التي كانت تشد أنظار الجميع إليها في  ( الصولابكي الجماعية)**** ويتطاير من بين أقدامهم الغبار كأنه لوحةً جميلة ترسم في الفضاء وما هو إلا انعكاس لحرارة تلك الدبكة ذات النكهة البحزانية الخاصة والمميزة. وهَل أجمل من منظر (جوقي أبو الكاز) و(سليمان لاسوكا أبو الميازر) و(بابا خلات النقاغ) و(شيخ كريت أبو الكحس) و(خلف كانون أبو البكخ )و(شيخ علو القصاب) و(جمعة القصيغ) و(الياس الكوجك) عندما كانت تتشابك أيديهم أثناء العصخيات في تلك الأيام الجميلة التي انصرفت كالبرق.. دفنتها الحروب والنكبات التي حلت بالبلد.

 

عادت بي الذاكرة إلى تلك السنين التي مضت لاقف أمام العيون التي جَفّت وتحولت إلى أشبه بالمزبلة بفعل الآبار الارتوازية التي حفرت بالقرب من تلك العيون لتكون قاتلاً ً لذلك الجمال الطبيعي الذي أحاط بتلك العيون من أشجار وخضرة ومياه صافية وساقية كانت أشبه (بدجلة) صغير في بحزاني.. ألا تبا ًلمن اقترح وشُلت يد من حفر البئر وقتل ذلك الجمال الطبيعي في ذلك المكان الجميل.

 

عدت إلى قريتي بعد غياب دام اثنان وعشرون عاماً ، في عودتي  امتزج الفرح بالحزن .كان كل شيء قد تغير لم يعد شيئاً على حاله .حتى الإنسان فيها قد تغير.

 

بحثت عن أصدقائي زمن الطفولة بين تلك الأزقة فلم افلح أن أجد أحداً منهم هناك، بين تلك الأزقة .أين ( فميانوس كوركيس الشماس)؟ ،

 وأين( أديب أبلحد كوكو)؟.. وأين(متي نجيب)؟..و(اندراوس يونان)؟..و(مراد صبري)؟..و(مشتاق درويش)؟.. و(عبد الخالق حيدر جمعة)؟.. و (عزت الرحو)؟ و(سالم لاسوكا)؟... و(شاهين رشيد)؟وووو والقائمة طويلة وطويلة بطول هذه السنين، منهم من قُتل في الحروب،منهم من هاجر،منهم من انتقل إلى مدن أخرى، ومنهم مازال، لكن في مسكنه الجديد الخالي من عِبق وجمال بحزاني القديمة.

 

 

 

 

 

 

هوامش

 1 -الزيعة =  الضيعة بلهجة اهل الشام، و بالفصحى تعني القرية.

 

 *العصخيات (بالفصحى العصريات –جمع عَصرْ أي بعد الظهر) دبكات جماعية تقام عصر كل يوم لأكثر من شهر متواصل في مطلع نيسان من كل عام. توقفت بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية لكثرة الضحايا التي دفعتها المنطقة في تلك الحرب اللعينة.

 

** بيت اللخي-- هو البيت الذي ينزل فيه العريس كضيف في ليلة زفافه الاولى وعادة يكون بيت احد الشيوخ ويختار العريس قبل العرس شخصا من هذا البيت يغدو له أخ ويطلق عليه اخو اللخي ويمضي ليلته الاولى هناك مع أصدقائه في سهرة تمتد أحيانا للصباح وأحيانا كثيرة يتسلل العريس خلسة من تلك الحفلة ليذهب إلى عروسه ثم يعود بعد أن يحصل على مبتغاه منها. واعتقد أن الفلكلور هذا قد قضت عليه العصرنة أيضا .

*** القراي—  مفردها قَرّي- تعني  الاختيارية أو كبار السن.

**** الصولابكي- - دبكة جماعية فيها حركات سريعة فيها تضرب الأقدام بالأرض بقوة ويتسبب ذلك بخروج  غبار كثيف من تحت تلك الأقدام.

 

 

 

كانون الأول  2011

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة