المالكي دكتاتور في منتصف الطريق ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ليس صعبا على من يحاول دراسة السيرة الذاتية لنوري المالكي، بأن يكتشف سرا مهما وخطيرا وهو إنه قد درس السيرة الذاتية للمقبور صدام حسين بعمق وبتأن، ويبدو جليا بأنه قد أعجب بها الى درجة كبيرة، بحيث إنه كتبها بحروف كبيرة وملونة، ليراها من تحت نظاراته السميكة بعيونه التي أصبحت لا ترى سوى كرسي الحكم الذي يجلس عليه ظلما وبهتانا وإغتصابا، بعد أن سرقه في عملية إغتيال للديمقراطية ممن كان أحق منه بالجلوس عليه، وربما قد علق تلك السيرة في مكان خفي من مكتبه، لكي يقرأ بعض فقراتها كل يوم، ويحاول تطبيقها على أرض الواقع وإتخاذها سبيلا ونهجا في طريقة حكمه، للوصول إلى تحقيق أهدافه الخفية وطموحاته الشخصية، التي يبغي من وراءها التحول إلى الحاكم المطلق لعراق ما بعد صدام حسين.

فتماما مثلما كان صدام شخصا مغمورا لا يكاد يعرفه العراقيون، سوى انه أحد الذين شاركوا في المحاولة الفاشلة لإغتيال عبد الكريم قاسم سنة 1959وأعتقد بأن الذين لازالوا يتذكرون الخطاب الأول الذي ألقاه أحمد حسن البكر بعد نجاح إنقلابهم على عبد الرحمن عارف وإغتصابهم للسلطة، يتذكرون أيضا رجلا كان يقف مع ثلاثة آخرين خلف البكر وبيد كل واحد منهم بندقية كلاشنكوف، كان ذلك الشخص هو صدام حسين وكان الأربعة يشكلون الحماية الشخصية لأحمد حسن البكر.

 لكن فجأة وبسرعة الصاروخ أصبح صدام حسين نائبا للرئيس البكر، وتدريجيا أصبح السيد النائب هو الرئيس الفعلي للعراق، بعد أن إعتقل وأعدم وإغتال وأبعد معظم القيادات التأريخية لحزب البعث من الكوادر الحزبية والمفكرين والعسكريين، بواسطة قوات أمنية وإستخباراتية خاصة به تتلقى الأوامر منه مباشرة. ولم يبق أمامه سوى البكر الضعيف الذي لم يعد يملك من صلاحيات الرئاسة سوى الأسم والكرسي وما كان يمليه عليه صدام، إلى أن أسدل الستار عليه نهائيا بإجباره على الإستقالة لأسباب صحية، والتنازل عن رئاسة الحزب والدولة لصدام حسين، الذي بدأ عهد رئاسته بإعتقال جميع قياديي الحزب { محمد عايش وعدنان الحمداني ومجموعتهم التي زاد عددهم على السبعين} والذين عارضوا إستقالة البكر وتولي صدام للسلطة، قتلهم بعد أن ألصق بهم كذبا تهمة الخيانة العظمى بالتآمر مع سوريا ضد نظام البعث الحاكم في العراق. بعد ذلك تخلص صدام من البكر نهائيا بطريقة القتل التقليدية التي كان ولا يزال يمارسها خلفاء وملوك ورؤساء العرب في التخلص من خصومهم، بل وحتى أصدقائهم وشركائهم الذين يخالفونهم في الرأي، أو الذين يخشون من تنامي نفوذهم.     

نعرف جميعا ما حدث بعد ذلك للعراق في عهد صدام، ونتذكر جيدا حجم الكوارث والمآسي التي ألحقها بالعراق أرضا وشعبا، من خلال حروبه المدمرة الغير مشروعة والغير مبررة ضد إيران ودولة الكويت، هذه الحروب التي كلفت العراق الكثير وأعادته عشرات السنين إلى الوراء، وكان نتيجتها تدمير البنية التحتية وإراقة أنهار من الدماء الزكية لشباب العراق وشباب تلك الدول. لا زلنا نتذكر بألم عمليات القتل والإبادة الجماعية والأنفال، التي مارسها صدام ضد أبناء شعبنا الكوردي، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الشباب والشيوخ والأطفال والنساء، بالإضافة إلى عمليات التعريب والتهجير وحرق آلاف القرى والقصبات. لازلنا نتذكر أيضا وبحسرة مئات الآلاف من أبناء شعبنا العراقي الشيعي في محافظات وسط وجنوب العراق، الذين قتلهم صدام إنتقاما لإنتفاضتهم المباركة ضد نظامه، بعد أن إنهار نتيجة لهزيمته في حرب الخليج التي شنتها عليه قوى التحالف الدولي بقرارات من الأمم المتحدة. لازلنا إلى الآن نكتشف كل يوم واحدة أو مجموعة من المقابر الجماعية التي زرعها صدام في كل أرجاء العراق من شماله إلى جنوبه، ولا زلنا نعثر فيها على بقايا من عظام وجماجم لأحبائنا وأعزائنا الذين دفنهم في هذه المقابر.

 لست هنا بصدد الحديث عن جرائم المجرم الطاغية صدام حسين، لأنها كبيرة وكثيرة لاتعد ولا تحصى، والكل يعلم بأن هناك المئات بل الآلاف من الكتب والوثائق والأفلام التي تتحدث عن تلك الجرائم، وتكشف حقيقتها وأسرارها. لكني فقط أريد أن أذكر القارئ الكريم بها، لأن ما يحدث في العراق منذ وصول المالكي إلى السلطة كرئيس وزراء منتخب سنة 2006 ومن ثم إغتصابه للسطة سنة 2010 بعد أن تشبث بها، ورفض بالقوة تسليمها إلى أياد علاوي الذي فاز في تلك الإنتخابات، وبقي العراق دون حكومة لأكثر من سبعة أشهر، إلى أن جمع السيد مسعود بارزاني جميع الأطراف السياسية المتنازعة، وطرح مبادرته الوطنية التي حظيت بموافقة الجميع وساهمت في حل الأزمة، وأخرجت العملية السياسية من النفق المظلم الذي إنحدرت إليه بسبب تعنت المالكي، وفتحت الأبواب أمام تشكيل حكومة شراكة وطنية أو بالأحرى حكومة محاصصة طائفية يرأسها نوري المالكي، الذي وقع على إتفاقية من 19 مادة ترسم وتحدد نوعية العلاقة بين حكومة أقليم كوردستان والحكومة المركزية في بغداد، والتي على أساسها وافق الأكراد على المشاركة في تلك الحكومة. 

وأيضا مثل صدام حسين، لم يكن نوري المالكي من قيادات الصف الأول في تنظيم حزب الدعوة، ولم يكن سياسيا معروفا لا على مستوى الشارع العراقي، ولا على مستوى الأحزاب زالشخصيات السياسية، بل كان رجلا مغمورا أو قياديا من الصفوف الخلفية أو الوسط على أبعد تقدير، حتى إسمه لم يكن معلوما أو واضحا للرأي العام، فكان مرة نوري المالكي وأخرى جواد المالكي، إلى أن إستقر على إسم نوري، وأنا شخصيا أعتقد بأن جواد هو الإسم الأكثر ملائمة للمالكي، لأنه بلا شك هو الجواد الذي إمتطاه ملالي إيران للدخول إلى العراق والتحكم بسياساته ومقدراته، بل وإنتهاك سيادته أيضا.

لكنه بدهائه وتلاعباته السياسية وإرتباطه الوثيق مع إيران، إستطاع أن يزيح إبراهيم الجعفري عن الأمانة العامة لحزب الدعوة، ليصبح هو الأمين العام الجديد، والمرشح الأوفر حظا لرئاسة الوزراء التي فاز بها في 2006 كما ذكرنا. فبدأ منذ دورته الأولى في تثبيت أقدامه على بساط السلطة، وكأن لسان حاله كان يردد شعار حزب البعث البائد، جئنا لنبقى، وقد قالها فعلا وباللهجة العامية {إحنا إستلمناها أو ما راح ننطيها} فبدأ بتشكيل قوات أمنية خاصة، ومنظومة إستخبارات ووحدات عسكرية، بالإضافة إلى حمايته الخاصة التي لولا الخجل لأسماها فدائيي المالكي، جميع هذه القوات تتلقى الأوامر العليا من منه شخصيا. وهذا هو الجدار الصلب الذي إستند إليه في الدفاع عن موقعه، ومنه إستمد القوة للتشبث بالسلطة رغم عدم فوزه في الإنتخابات. وهو مبدأ القوة الذي يفرض نفسه، ويخل بمبادئ الديمقراطية.

ولإحكام سيطرته الفولاذية على جميع الوزارات والمؤسسات الأمنية، ولعدم ثقته بأي من الشخصيات السياسية الصديقة أو الحليفة، بغض النظر عن القومية أو الإتجاه السياسي أو الإنتماء الحزبي، بل حتى من قياديي حزبه المقربين منه، فقد إحتفظ لنفسه في حكومته الثانية بوزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني، وهذه حالة فريدة لا يوجد مثيل لها في أي من دول العالم، وبذلك أمسك بيده كل مفاتيح القوة والسلطة، التي تمكنه من الهيمنة على جميع مقدرات البلد السياسية والإدارية والإقتصادية، بل والتلاعب بمسار ومصير الديمقراطية ومجمل العملية السياسية في العراق، من خلال التفرد بالقرار السياسي والتصرف الأمني.

وبما أن الدستور هو العمود الرئيس، والأساس المتين للبناء الديمقراطي الجديد، والضمانة الأكيدة لإقرار الحقوق القومية والدينية والثقافية والسياسية لجميع أطياف ومكونات الشعب العراقي المتمثلة في البرلمان الجديد، وإن هذا الدستور يمثل وجه العراق الديمقراطي الجديد، وقد صيغ بالتوافق والتعاون من قبل ممثلين إختصاصيين من جميع مكونات الشعب العراقي، واقره البرلمان ووافق عليه الشعب، وهو الحكم الذي يلتجأ إليه المختلفون، ولأنه لايتماشى مع التطلعات الفردية والدكتاتورية للمالكي، ويحد من صلاحياته ويقيدها، لذلك قام بعملية إلتفاف أو إنقلاب على الدستور، حيث شن هجوما غير متوقع على هذا الدستور الذي شارك هو شخصيا في صياغته والموافقة على جميع بنوده، متهما إياه بأنه يحتوي على ألغام بدأت تتكشف وتنفجر في وجهه. ولم تكن هذه الألغام في حقيقة الأمر سوى الحقوق القومية والسياسية لباقي القوميات والقوى والمكونات التي أراد المالكي أن يقفز فوقها ويتنكر لها.

وكان في مقدمة المواد الدستورية التي تنكر لها المالكي وعمل على تأخيرها والإلتفاف عليها، هي المادة 140 التي تنص على تطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها في بعض المحافظات، مثل كركوك والموصل وديالى، والتي كان مفترضا أن يتم تنفيذها مع نهاية شهر كانون الأول 2007 لكن إلى الآن لم يحرك المالكي ساكنا في هذا الإتجاه. بالإضافة إلى محاولاته المستمرة لتأزيم الموقف والعلاقة مع حكومة أقليم كوردستان، وإفتعال أزمات جديدة بين الحين والآخر.

 لكن وبما أن المالكي وجميع قادة حزبه وإئتلاف دولة القانون الذي يرأسه يعلمون جيدا، تماما مثلما كان صدام حسين يعلم أيضا، وخاصة بعد إنتفاضة آذار المجيدة سنة 1991 بأن حكومة وشعب كوردستان على درجة كبيرة من الحكمة والدراية والحذر، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التلاعب معهم، وإن حقوقهم القومية ومكتسباتهم التي أقرها دستور العراق الجديد هي خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها، لذلك ركز جل إهتمامه وسخر كل طاقاته من أجل إحكام سيطرته على جميع مفاصل الدولة العراقية الأمنية والعسكرية، بعد أن شدد قبضته عليها جميعا وأمسك بلجامها، فأصبح كلاعب السيرك الذي يشد الدمى بخيوط ليحركها متى وكيف ما يشاء. وكنهج دكتاتوري وفلسفة حزبية ضيقة الأبعاد والمفاهيم، وبعيدة عن مبادئ الديمقراطية، أعرب المالكي عما بداخله أكثر من مرة وبوضوح تام قائلا {لا مكان في حكومتنا لمن ينتقدنا} أي بمعنى أوضح من ليس معنا فهو ضدنا. ولتحقيق هذا الهدف وبعد أن أصبحت قواته في حالة جهوزية تامة، لكن ليس كما يدعي للدفاع عن العراق ومقاومة الإرهاب، بل للدفاع عنه شخصيا وتحقيق طموحاته وتوجهاته الدكتاتورية. فقد بدأ كصدام حسين تماما بحملة واسعة لإستهداف المشاركين في العملية السياسية، بهدف التخلص من معارضيه ومنتقديه سرا وعلنا وبشتى الطرق والوسائل، من إعتقال وإبعاد وتصفيات سياسية وجسدية، بالإضافة إلى الكثير من العمليات الإرهابية كالتفجيرات والقتل الجماعي، التي جرى التكتم عليها وإخفاء ملفاتها، والتي كانت موجهة تحديدا ضد المكون السني الذي يسعى المالكي إلى تهميش وترويض دوره في العملية السياسية في العراق للإنفراد بالسلطة، مما دفع بالكثير من المحافظات إلى محاولة التخلص من سلطة المركز الجائرة، بالتوجه وإستنادا إلى الحق الدستوري نحو الرغبة في الحصول على نوع من الإستقلالية، من خلال المطالبة بنظام الأقاليم، التي إعتبرها المالكي مؤامرة بعثية لتقسيم العراق، متخذين من أقليم كوردستان نموذجا ومثالا لهم. علما بأن هذا الأقليم يختلف كليا عن باقي الأقاليم المزمع إقامتها، لأنه قائم على أسس قومية وجغرافية وتأريخية، منذ سنة 1992عندما كان المالكي لا يزال معارضا صغيرا هاربا، وإسما مجهولا لا يكاد يعرفه أحد.

أعتقد بأن المالكي الذي تربى في ظل ثلاثة أنظمة دكتاتورية قمعية {البعث العراقي والبعث السوري ونظام الملالي في إيران} بالإضافة إلى إنتمائه منذ مراحل مبكرة من عمره إلى حزب الدعوة الإسلامية، بآيديولجيته الدينية البعيدة عن الديمقراطية، ومن ثم قيادته لهذا الحزب، ولكونه لم يعش في أية أجواء ديمقراطية في حياته، ولم يتنفس هواءها، لذلك فإنه قد فهم ومارس الديمقراطية بشكل خاطئ تماما، مثل صدام حسين وبشار الأسد والقذافي ومبارك وغيرهم، الذين كانوا يتحدثون عن الديمقراطية في كل خطبهم وفي كل مناسبة، لكنهم في الحقيقة لم يكونوا سوى طغاة وجلادين، لم يحترموا الإنسان ولم يتقبلوا أبدا الآخر المختلف في الرأي، والذي كان مصيره دائما الإعتقال والتعذيب والقتل العمد بعد تلفيق تهمة، أو نتيجة حادث مدبر.

لقد أصبح واضحا لدى كل العراقيين بأن الديمقراطية التي يتحدث عنها المالكي بإستمرار هي من هذا النوع، وإن دولة القانون التي يتفاخر بها هي دولة المالكي التي أصبحت تماما مثل عراق صدام، إذا قال صدام عفوا المالكي قال العراق، وإن ملامح دكتاتور جديد ونظام إستبدادي لا يقلان خطورة عن صدام ونظامه المنهار بدأت تتشكل في الأفق. بل أعتقد بأن المالكي قد قطع أكثر من نصف الطريق للوصول إلى قمة هرم الدكتاتورية، وأعتقد أيضا بأنه وكمسؤولية وطنية وتأريخية يتوجب على كل المخلصين من أبناء الشعب العراقي، الوقوف بحزم أمام سياسات وتوجهات المالكي وذلك بإجباره على إحترام الدستور والإلتزام والعمل وفقا لبنوده، إلى حين إنتهاء مدة ولايته الحالية.

فالعراق الذي تسبب صدام بطغيانه وعنجهيته وتفرده في السلطة، في تدميره وإعادته إلى الوراء لعشرات السنين، بعد أن تنفس الصعداء وإنزاح عن كاهله ذلك الكابوس البعثي الشمولي المرعب، وبدت رياح الحرية والديمقراطية تهب على شعبه الذي إفتقدها لعقود طويلة، وإستقبلها بفرح وإبتهاج، بلا أدنى شك سيتسبب المالكي في الإجهاز على هذه الديمقراطية بل و وأدها، وسيعيد العراق إلى مربع العنف والإنقسامات الطائفية إذا إستمر في إنتهاج هذه السياسات القمعية والدكتاتورية الخاطئة، فالصراع الطائفي والسياسي بين القوى المتنفذة المشاركة في العملية السياسية، بات على أشده وخرج إلى العلن بعد إن كان في السر، خاصة بعد الخلاف الشديد بين المالكي وإئتلافه من جهة، وبين قيادات القائمة العراقية من جهة أخرى، التي تمثل شريحة واسعة وكبيرة ورئيسية من مكونات الشعب العراقي وفي هذه المرحلة بالذات، أي بعد إنسحاب القوات الأمريكية من العراق.

وبإقصاء وإبعاد صالح المطلك وفبركة وتلفيق إتهامات هزيلة لا يقتنع بمصداقيتها أي عاقل، وقيام مظاهرات شيعية مؤيدة للمالكي، وأخرى سنية مؤيدة للهاشمي والمطلك، أصبحت اللوحة ضبابية جدا والعملية السياسية على وشك الإنهيار، وتبدو في الأفق بوادر حرب أهلية مؤلمة ومدمرة، لن يكون الكورد طرفا فيها، إلا إذا قدر لهم أن يلعبوا دورا في نزع فتيل الأزمة، وإطفاء نار الحرب التي نتمنى مخلصين أن لا تندلع، لأنها ستضع العراق على حافة الهاوية، ولا تخدم مصلحة أي من الأطراف، سيخرج الكل منها خاسرين ويكون الخاسر الأكبر هو العراق.

 

المانيـــــــــا

yusufgerman@yahoo.com     

         

.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة