ماهية الذهنية الأفقية واللاأفقية ... إدريس بيران

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

وفقاً لعجلة التغير والتطور منذ النشوء, فقد تبدل الإنسان في تفكيره وانتقل من خلال العلاقات الأفقية تباعاً, حيث تسلسل من خلال العقائد الروحية وصولاً إلى الإيديولوجية الوضعية, وتقدم من خلال الأخيرة في إنتاج نظرة عامة أكثر تقدمية حتى المراحل الأخيرة في عصرنا هذا, إلا أن عجلة التطور والتطور التكنولوجي والتقني على الخصوص, فرضت على المجتمعات في تغير أنماط تفكيرها من مجمل العلاقات الأفقية إلى العلاقات العامودية, تلك التي تتكيف من خلال عاموديتها مع مجمل الأفق الذهني والعقائديات الموجودة في العالم, وبلورة هذا التبدل الحاصل نتاج الثورة التكنولوجية وتقدمها المذهل في وسائل الاتصالات المختلفة, والتي أسرعت بدورها في نحو الانفتاح الثقافي وعولمة الثقافة الإنسانية, حيث ساهمت بشكل مذهل إلى نحو إنتاج الإقرار والقبول العام  للمجمل الموجود الثقافي الإنساني, أي في نحو القبول المتبادل للآخر واحترام ما هو عليه من ثقافة وأفاق, والتي تعد في نهاية المطاف خاصية للفرد أو الجماعة المعينة على حدا.

إذاً ما الذي يعنى بالعلاقات الأفقية والعامودية أو اللاأفقية..

العلاقات الأفقية هنا, هي تلك الذهنية الأفقية بطابعها وشكلها العام, وما يتعلق بها من منظور واجتهادات فكرية, تتمخض عنها ممارسات قيديه كابحة لحركة الحرية والاختيار, حيث أنها لا تتقبل أو لا تسمح بالخروج عن الأفق المرسوم, وهي بالتالي مجمل ما يتحدد في المنظور الفكري من أفق يعين, وسواء على صعيد الفرد أو الجماعة, أي هي كل منظور تحدد أفقاً لتطلعات الإنسان, وسواء أكان بصفة اختيارية ذاتية أو غير ذاتية, وهي تشمل بشكل عام, مجمل الأفكار والفلسفات العقائدية الروحية والوضعية, وكل ما يتحدد بشكل قطعي وما يرسم له من أفق, وهي في نهاية المطاف ومهما بلغت من درجات تبقى كابحة للحرية الطبيعية وحق الاختيار الواهب للجميع في الحياة.

أما العلاقات العامودية؛ هي تلك الذهنية الفكرية والممارساتية المتحررة من العقائدية, التي تنطلق من اللاأفقية الفكرية والثقافية, والمنطلقة من حتمية عجلة التغير والتطور المستمرين في نحو الفضاء الواسع اللامتناهي, وتلك الحتمية مبنية على اليقينية الفطرية للطموح الإنساني وسعيه المستمر نحو الأفضل, وتنطلق العلاقات العامودية بالأساس, من مبدأ الحرية وحق الاختيار الواهب للجميع في الحياة, والرافضة لمجمل التحديدات الأفقية القطعية, النظرية والإكراهية وكافة الأشكال الوصائية والسلطوية على الإنسان, وسواء أكان فرداً أو مجتمع, وذلك هو جوهر الليبرتارية, التي تسعى للتحرر من الذهنية الأفقية, التي مهما ادعت لا تنتج في نهاية المطاف سوى استمرار للأشكال السلطوية الكابحة لحق الحرية والاختيار, وبما أن الليبرتارية عامودية المنحى في علاقاتها, بالتالي تتقاطع معها مجمل الأفق, وهي محتضنة لكل الاختيارات الإنسانية وتتكيف معها من خلال مبدأ حق الحرية والاختيار الواهب للجميع في الحياة, وبعبارة أخرى أن العلاقات العامودية هي تلك العلاقات التي تتسع لمجمل الاختيارات والأفاق, ما دامت تلك الأفق والاختيارات لا تخرج عن الدائرة الخاصة بها, أي لا تكبح ولا تتدخل في حرية الآخر واختياراته, فذهنية العلاقات العامودية لا ترفض إطلاقاً الاختيارات والاعتقادات الأفقية, بقدر ما ترفض قطعاً أحوال هيمنتها على حق الحرية والاختيار بكل أشكاله, أي أن العلاقات الأفقية تُرفض عندما تأتي على حساب حق حرية الآخر واختياراته وحق الحياة المصان للجميع.

بالاستفادة من هذه القراءة, وما تطمح إليه الإنسانية اليوم بقيمه الحضارية, هو أن نتمتع جميعاً بالنظرة العامودية في علاقاتنا, ونجعل منها علاقة عامة لمجمل العلاقات والتعاملات الإنسانية, أي أن يترك كل أفقي جانبه وزاويته الاعتقادية الخاصة به لذاته, بحيث لا ينطلق منها في تعاملاته وعلاقاته مع الآخر, بقدر ما ينطلق من حق الحرية والاختيار الواهب طبيعياً للجميع, وبالاستناد على حق الحرية والاختيار, يتحقق الاحترام المتبادل بين الجميع وتنمو العلاقات بتشاركية وازدهار, كما أنه من الصحيح أن الذهنية اللاأفقية, العامودية في علاقاتها, ترفض من خلال ذاتها مجمل المنظور الأفقي أو نسبيتها, إلا أنها تحترم وينبغي أن يحترم أفقية الآخر وذهنيته, ذلك أن الذهنية اللاأفقية اللاعقائدية, تنطلق من مبدأ الحرية المصان للجميع في الحياة, وإن لم تكن الذهنية اللاأفقية كذلك, بالتالي هي تصبح ذاتاً استبدادية وبعيدة عن منحى الحرية, ذلك أن ذهنية العلاقات العامودية إذا جاز التعبير, هي البنية الفكرية المصانة لاحترام حق الجميع في الحرية والاختيار.

إدريس بيران

عامودا: 1/12/2011 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة