الصراعات السياسية ونجاح قوى الإرهاب في قتل المزيد من الأبرياء ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بدلاً من الاحتفال بخروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقي وبدء مرحلة جديدة في حياة الشعب العراقي, سواء لمن كان يدَّعي ممارسة "المقاومة الشريف !" ظلماً وبهتاناً بسبب وجود القوات الأجنبية في العراق, أم بالنسبة لمن كان يرغب فعلا بخروج القوات الأجنبية واستكمال السيادة والاستقلال الوطني, رفعت رايات الحزن والبكاء في أنحاء كثيرة من بغداد ومناطق أخرى لسقوط 57 شهيداً قتل بعمليات إجرامية, ومنها الانتحارية, مارستها قوى إرهابية ضد الناس الأبرياء, إضافة إلى إصابة 176 شخصاً بجروح مختلفة. إنها لجريمة بشعة وسلوك عدواني شرس وعصابة لا تملك ذمة ولا ضمير ..

لقد اتخذت العمليات الإرهابية خلال الأشهر الأخيرة وتيرة متفاقمة وسقط بمعدل 10 أشخاص يومياً في محاولة جادة من جانب قوى الإرهاب لاستثمار الصراعات السياسية بين أحزاب حكومة "الشراكة" الشكلية بسبب عدم معالجة المشكلات القائمة بين هذه الأحزاب, وخاصة بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون, بين أياد علاوي ونوري المالكي على نحو خاص. واتخذ الصراع صفة شخصية إضافة إلى طبيعته العامة.

وبالأمس تحدث رئيس الوزراء عن قدرة القوات الأمنية العراقية على حماية أمن المواطن العراقي في مؤتمره الصحفي, كم ادًّعى قبل ذاك وفي الولايات المتحدة نفس الشيء وفي أكثر من محفل سياسي وتصريح وخطاب. ولكن كل تلك التصريحات لم تستطع إقناع الشعب العراقي بما ادعاه, إذ برهن الإرهابيون أنهم قادرون على تخطيط وتنفيذ مثل هذه العمليات الإجرامية منذ فترة غير قصيرة ومتى شاءوا واينما أرادوا. فمن غير المعقول أن تتمكن هذه القوى تنفيذ 12 عملية إرهابية وتفجيرات قاتلة وتهديمية في بغداد وحدها وفي مناطق مختلفة وبصيغ مختلفة بعد إعلان قرار طلب إلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من خلال تصريحات نوري المالكي وأجهزة الإعلام وليس من خلال القضاء العراقي. إلا إن الإرهابيين, أيا كانت هويتهم السياسية والإرهابية, فإنهم استفادوا من قرار طلب اعتقال طارق الهاشمي وطلب سحب الثقة عن صالح المطلك من جانب مجلس النواب في توقيت تلك العمليات لإعطاء الانطباع وكأنها عملية انتقام ورد فعل للقرار السياسي بشأن طارق الهاشمي وصالح المطلك. وهي المشكلة التي يمكن أن تتسبب في تشديد الصراع الطائفي السياسي في العراق وانتقاله إلى الأوساط الشعبية. لو كان قرار طلب اعتقال الهاشمي قضائياً, فما سبب تدخل رئيس الوزراء والسماح له بمغادرة المطار بعد حجز دام عدة ساعات في المطار؟ لقد كان على رئيس الوزراء أن لا يتدخل بأمر القضاء إن كان القرار قضائياً بحتاً وليست مسألة سياسية بامتياز!   

كان اختيار رئيس الوزراء تفجير الصراعات السياسية المتراكمة بمثل هذه القنبلة بعد الإعلان عن الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية وبعد لقاءاته مع أوباما وعودته من الولايات المتحدة غير مناسب تماماً وبكل المعايير. إذ كان عليه أن يعلن عن ذلك في ذات الفترة التي تبين له وجود علاقة بين طارق الهاشمي ومكتبه بقوى الإرهاب أو بعمليات اغتيال لشخصيات سياسية عراقية أو تفجيرات إرهابية قبل ثلاث سنوات, كما جاء في حيثيات المسألة المطروحة ضد الهاشمي, وليس الآن, كما كان عليه أن يرفض قبل ما يقرب من عامين الموافقة على تعيين طارق الهاشمي نائباً لرئيس الجمهورية ولديه معلومات كافية, كما يقول, عن تورط الهاشمي ومكتبه وحمايته بعمليات إرهابية ضد الشعب العراقي أو ضد فصائل سياسية أخرى. كيف يمكن الموافقة على  تعيين متهم بعمليات قتل وإرهاب أو متورط بالتوجه لتنفيذها نائباً لرئيس الجمهورية العراقية؟ على رئيس الوزراء أن يجيب وأن يقنع الناس بذلك!

إن إطلاع الشعب على هذه المعلومات, إن كانت صحيحة, لا تدين طارق الهاشمي وحده, بل تدين أيضاً رئيس الوزراء بسبب سكوته الطويل على قوى إرهابية مارست القتل ودفع لها مبالغ مالية لممارسة القتل, كما جاء في الاعترافات المتلفزة لضابط في حماية طارق الهاشمي, إضافة إلى كل المسؤولين الذين عرفوا بذلك ووافقوا على السكوت عنها و"طمطمتها" بما أدى إلى المزيد من العمليات الإرهابية والقتل, كما جاء في تلك الاعترافات إن كانت تلك الاعترافات لم تنتزع بأساليب التعذيب والتهديد والتي عرفت بها أجهزة الأمن في العراق.

ليس في مقدور رئيس الوزراء الحالي تشكيل حكومة أكثرية, لأنها مناقضة لما تم الاتفاق عليه أو حتى للدستور, رغم خطأ وخطورة مثل هذا الاتفاق الطائفي القائم على المحاصصة الطائفية السياسية اللعينة. ولهذا ستفشل أي محاولة يعمد إليها رئيس الوزراء ولا تحظى بموافقة الكتل البرلمانية كافة, إذ إنها تعني بصراحة تامة التحول إلى دكتاتورية مكشوفة لحزب واحد أو شخص واحد, وهو ما ينبغي تجنبه تماماً, رغم إن بوادر هذا النوع من الحكم قائمة حالياً ويتلمسها المواطن ويعيشها يومياً.

إننا في الوقت الذي نقدم التعازي الحارة لعائلات الضحايا الشهداء ونرجو لهم الصبر والسلوان والشفاء العاجل للجرحى, نأمل أن تبدأ المشاورات والحوارات لمعالجة المشكلات بروح غير انتقامية وغير عدائية, إذ لا يمكن الوصول إلى حل مرضي للجميع دون مساومات ولكن يجب أن لا تكون على حساب الشعب ومصالحه أولاً, ويجب أن ترفع يقظة أجهزة الأمن العراقية لمواجهة محاولات قوى الإرهاب تصعيد عملياتها وتوسيعها إلى أنحاء البلاد ثانياً, والتفكير الجاد بتشكيل حكومة إنقاذ وطني حيادية ومستقلة تمارس إجراء انتخابات نيابية مبكرة, إذ لم يعد لا المالكي ولا أياد علاوي من الشخصيات المقبولة في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بسبب مسؤوليتيهما, إضافة إلى العديد من شخصيات القائمتين العراقية ودولة القانون مثل طارق الهاشمي وصالح المطلك وحيدر الملا على سبيل المثال لا الحصر, أو بعض مستشاري وقياديي حزب الدعوة الإسلامية الحاكم. 

22/12/2011                                                            كاظم حبيب                

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة