؛؛الشرق الاوسط الجديد؛؛ الفوضى الخلاقة وضحايا التغيير(4) ... د.علي عبد داود الزكي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الفوضى الخلاقة كلمة اصبحت تتردد كثيرا لتصف ما يجري في الشرق الاوسط منذ ما يقارب العقد من الزمان من تغيرات وتناقضات وصراعات فكرية وعرقية وطائفية ودينية واجتماعية ولازالت مستمرة ومتسارعة الحدوث والتغير في الفكر والثقافة للانسان في هذه المجتمعات. ان التغييرات التي تحدث اليوم في الشرق الاوسط ليست وليدة رغبة الانسان في هذه المجتمعات فقط وانما جاءت نتيجة تمهيد وتخطيط امريكي لذلك ورافق ذلك ازمات اقتصادية عالمية كبيرة وكأن العالم اليوم يمر في حالة مخاض لولادة عالم جديد تحت الاشراف والسيطرة الامريكية المباشرة. ان الاطراف التي تظهر في ساحة اللعب السياسي في الشرق الاوسط اليوم اغلبها لا تمثل سوى بيادق شطرنج يحركها المارد العالمي الكبير بيده حيثما يشاء بشكل مباشر او غير مباشر. كما ان هذا المارد يروج لثقافة عالمية جديدة (الامركة) ويروج لفكر الغاء المفاهيم والقدسيات الوطنية التي تم التاسيس لها فيما بعد الحرب العالمية الاولى وفقا لحدود رسمت لدول الشرق الاوسط من قبل فرنسا وبريطانيا. يبدو ان فكر العولمة عبر عالم النت والفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي اصبح اداة لهذا التغيير والذي لا نكاد ندرك معالمه الان. كما يوجد توجه شبابي وتطلعات لا يمكن ان تدرك بسهولة ولا يمكن ان تفسر وفقا للمفاهيم القديمة خصوصا وان مرحلة الفوضى عملت ولازالت تعمل على خلق اربكات فكرية وتناقضات في الرؤى القدسية وستجعل الفكر الشرقي يتجه باتجاه التغرب خصوصا وان الاجيال الجديدة اصبحت لا تدرس في مدرسة الماضي بعد ان تم فرط قيود الشباب وتحررهم وتحركهم بسرعة كبيرة في عالم الاتصالات الحديث الذي احدى اهم وجوهه الاباحية والترغيب والضبابية واللايقينية بعيدا عن المفاهيم السائدة مما سبب الكثير من الحيرة والتوهان لدى هؤلاء الشباب مشكلا قاعدة جديدة لتقبل الافكار الغريبة. ان اغلب شباب الشرق الاوسط عانوا خلال العقد الماضي من الكثير من الازمات الاقتصادية والنفسية التي سببت تجهيل كبير وتقبل وانتشار كبير للافكار الظلامية (ان الفكر الظلامي يعادي امريكا ظاهرا لكن الفوضوية التي يسببها هي لصالح امريكا المخطط الاكبر لذلك ومعتمدة بذلك على  عملائها في المنطقة) مما ولد ردت فعل كبيرة ستمهد لتقبل فكر التغرب ورفض التعصب والظلامية وبنفس الوقت ستندثر القيم والاخلاق المجتمعية لشعوب هذه المنطقة باتجاه قيم واخلاقيات جديدة لا يمكن ايقافها انها كالسيل الجارف الذي يجرف كل شي وكل من يقف بطريقه. ان من يخلق هذه الاجواء هي امريكا بنفوذها وقوتها الاقتصادية والاعلامية الكبيرة وباستخدام بقايا اقزامها في الشرق الاوسط لاستثمار قوتهم الاقتصادية في مشاريع تدمير القيم السائدة في الشرق الاوسط خصوصا وان قوى البترول العربية كانت ولازالت تعيش النعيم والرفاه والتغرب عن الشرق منذ عقود من الزمان لذا فانهم مهيئون فعلا لاستهداف القيم الشرقية وتمزيق الهويات الوطنية الاقليمية في كل بلدان الشرق الاوسط. علما بان النزعة العدائية والعنصرية بالشرق الاوسط لم تنتهي لا دينيا ولا عرقيا ولا قيميا ولا اجتماعيا لذا يمكن بسهولة استثمار هذه النزعات باشكال دموية لخلق بؤر التوتر والصراع لتدعم المخطط الامريكي للشرق الاوسط الجديد.

 ان بلدان اوربا تخلصت من داء التصارع والتنازع واصبحت موحدة بقوة اقتصادها وتوحد مصالحها رغم ان ذلك اقلق القطب المتفرد بالعالم (امريكا). ان الشرق الاوسط كان ممكن ان يتوحد لكن التدخلات الغربية والتحكم غير المباشر فيه من قبل امريكا هو ما يجعل بلدان هذه الجزء من العالم في حالة من التناقض والتناحر. بالرغم من ان حدود البلدان مثبتة رسميا ولا يمكن التجاوز عليها لكن هذه الحدود ليست هي المشكلة وانما تراكم المشاكل الدخلية والعنصرية والطائفية والعرقية والاقتصادية ومخططات دوائر النفوذ الغربي في المنطقة هي من تجعل الشرق متخبطا في دوامة صراعات لا تنتهي الا بتمزقات وانتماءات جديد وهذا قد يمهد الى استقرار دمويا وماساويا في بداياته وسيكون فيه الكثير من الظلم والدمار للكثير من مكونات شعوب الشرق الاوسط على حساب حقوقهم التاريخية. مما قد يمهد لخلق سايكس بيكو امريكية جديدة قد تعمل بعد ذلك على خلق شرق اوسط جديد بانتماءات وقدسيات وطنية واقليمية جديدة. ان امريكا قد تلغي المفاهيم الوطنية السابقة وتمهد لرؤى جديدة وقد تعمل فعلا على خلق انقلابات فكرية عالمية خصوصا بعد ان توحدت اوربا فان امريكا ستعمل على توحيد الشرق ليكون قوة حليفة ورديفة لامريكا تسيطر عليها وتحركها بالريموت كنترول لتجهض اي مشروع اوربي للسيطرة على العالم.

ان تقليم اظافر ايران باسقاط حلفاؤها سوريا وحزب الله في لبنان ثم اسقاطها لاحقا او دعم القوميين الايرانيين للوصول للحكم في ايران وعودة العلاقة بين ايران وامريكا سينهي الوحدة الاوربية وسيجعل منها وحدة لا قيمة لها كما سيجعل اوربا تابعة اقتصاديا لامريكا ولا تقوى على منافسة دولارها عالميا حتى وان تدخلت الصين لحل بعض ازمات الاقتصاد الاوربي المنهار. ان فوضى الشرق الاوسط اليوم سيتبعها تغيرات في السياسة العالمية ودوائر النفوذ في كل العالم وفي اوربا خصوصا. كما سيرافق ذلك تغيرات اقتصادية عظيمة ستمهد لتفاقم الازمات الاقتصادية لاوربا ويجعلها باضعف حالاتها. وسيسهل تصدير اي ازمة اقتصادية امريكية الى باقي دول العالم.

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة