تباشير الربيع السوري ونذير الإقتتال الأهلي وطبول الحرب الإقليمية ... نوري بريمو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رغم ارتفاع حصيلة الضحايا إلى آلاف القتلى برصاص الأمن والجيش السوري وعشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين على مدى عشرة أشهر الماضية من عمر الثورة السورية، أبدت المعارضة السورية بكافة أطيافها حرصها الشديد على الالتزام بالحراك الديمقراطي قلبا وقالبا وعدم إيقاظ أية فتنة طائفية أو قومية أو غيرها، وكذا التزم الشارع قدر المستطاع بالطابع السلمي لهذه الثورة التي إنطلقت شرارتها الأولى بالأساس ضد الإستبداد وعبر التظاهر وبالوسائل الديمقراطية لتحويل سوريا إلى دولة تعددية لامركزية يسودها الحق والقانون والدستور، إلا أنّ إصرار نظام البعث على عسكرة الحلول والتمسك بالحل الأمني وتجييش الجيش والأمن ضد المدنيين واللجوء للفتنة الطائفية لتسخير الطائفة العلوية لصالح بقائه في كرسي الحكم، قد أدى إلى تحريف مسار الأحداث وانقلاب ترتيب الأولويات لجهة تحويل الثورة إلى إقتتال داخلي لا بل حرب طائفية لن يكون فيها لا غالب ولا مغلوب، بدلا من احتكام جميع المعنيين للغة الحوار حقنا لدماء السوريين بمختلف طوائفهم وقومياتهم.

وبما أنّ النظام السوري يسدّ أذنيه عن أية مبادرات صلح داخلية أو خارجية أو نصائح عربية ويواصل تصعيد حملاته الأمنيّة على المتظاهرين السلميين والنشطاء العزَّل ويقتل الناس على الهوية ويعتقل بالجملة وبلا حساب ويداهم المدن الآمنة بالدبابات والمدافع ومختلف الأسلحة الثقيلة ويستخدم الطائرات المروحية وغيرها لإستطلاع وملاحقة حركة الجنود المنشقين، فإنّ الأزمة ستنحى منحى خطير والشارع السوري من حقه أن يواصل المضي في ثورته بالشكل الذي يراه مناسبا، ويطلق نداءات الاستغاثة ويطلب الحماية الدولية، وبالمقابل فإنّ من واجب المجتمع الدولي أن يلبي نداء السوريين ويوفر لهم مناطق آمنة ومحمية دوليا، خاصة وأنّ الظاهر أنه لا خيار أمام الأسرة الدولية سوى الوقوف إلى جانب الشعب السوري لردع هذا النظام القمعي الذي ما يزال سيد الموقف في الميدان العملي فهو القوة الأكثر تسليحا وتنظيما، وفي هذا الاتجاه فإن الاتحاد الأوربي يواصل اتّخاذ عقوباته بحق النظام، وبينما يتم تكثيف الضغوط على مجلس الأمن الدولي للتحرّك بشكل أكثر جدية، فقد أعلنت جامعة الدول العربية التي أمهلت النظام أكثر من مرة بأنّها قد تجد نفسها مضطرة لتدويل الملف السوري بأسرع وقت ممكن وذلك درءا لوقوع مجازر جماعية وعمليات تطهير عرقية وأخرى مذهبية على غرار ما حصل في يوغسلافيا.

وعلى ذكر سيرة السيناريو اليوغسلافي فإن الراهن السوري الملتهب حاليا بنيران الاقتتال المذهبي يوحي إلى مستقبل سوري أكثر دموي ويشبه إلى حد كبير ما جرى في يوغسلافيا التي شهدت جرائم ضد الإنسانية، ويبدو أن الأوضاع في سوريا قد وصلت الى نقطة حرجة عنوانها (استحالة العيش المشترك بين العلويين والسنة مع الأسف الشديد) بفعل بدء اندلاع حرب طائفية تجري بين طرفين متعاديين عبر التاريخ ويبدو أنهما لن يتنازلا لبعضها مهما كانت حجم الوساطات الخارجية، ورغم أنّ المشهد مترافق بضغوط عربية ودولية تشمل عزل دبلوماسي واقتصادي مصحوب بمناوشات اعلامية فضائيه متبادلة، إلا أنّ كل ذلك لن يجدي نفعا في ايجاد أي حل يرضي الأطراف التي يبدو أنها لن تتصالح ولن تقبل بأية مبادرة حوارية سياسية عربية كما حصل في اليمن.

وإذا كان الربيع العربي قد أدى إلى اسقاط بعض الأنظمة (بن علي ومبارك والقذافي) والإبقاء على دولهم موحدة، فإنّ تباشير الربيع السوري تُظهر إلى أنه فريد من نوعه وليس له مثيل في الشرق الأوسط وقد يتحول إلى صيف ساخن يحرق أخضر ويابس البلد ويؤدي إلى إسقط نظام الأسد وانهيار الدولة السورية كما حدث في يوغسلافيا التي طغى فيها أبناء الأكثرية القومية الصربية فانهارت دولتهم وانقسمت إلى دويلات مستقلة.

وفي كل الأحوال فإنّ الازمة السورية بالغة التعقيد وقد يكون لها تطوراتها الخاصة بها، ولذا قد يكون من الصعب التكهن الى اين تسير الامور في المستقبل، إلا أنّ الاعتقاد الأكثر رجحاناً هو أنّ كافة الدروب باتت مسدودة ماعدا سيناريو التدخل الخارجي المباشر، بدءاً بفرض "الحظر الجوي وانشاء مناطق عازلة" وانتهاء بقرار "التدخل العسكري"، وفي هذه الحالة فإنّ مثل هذه الإجراءات الدولية قد تؤدي إن شئنا أم أبينا إلى "انهيار مؤسسات الدولة السورية"، مما قد يؤثر بشكل مباشر على كافة دول الجوار التي قد تجد نفسها مضطرة للخوض في حرب اقليمية تشارك فيها دول عظمى عديدة اضافة إلى تركيا وايران والعراق واسرائيل كأطراف لايمكنها إلا أن تدسّ أنفها في الشأن السوري لغايات خاصة بها، ولعل تباشير الربيع السوري الممزوجة بنذر الحرب الأهلية قد تستجلب معها بوادر حرب إقليمية يبدو أنها مقبلة وطبولها تُقرَع ومعالمها باتت واضحة، خاصة إذا أخذنا بنظر الإعتبار مدى أهمية الموقع الجيوسياسي والطائفي للدولة السورية الحالية بالنسبة لمختلف جيرانها كـ (لبنان والعراق وايران) كتوائم طائفية حاضنة لها، والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي كأشقاء عرب يحتضنونها، وتركيا واسرائيل كدولتان جارتان لهما أطماعهما وتحاولان أيضا احتضانها، وأضف إلى ذلك فإنّ سوريا تُعتبَر نقطة ترانزيت مهمة بالنسبة لكل هذه الدول الجارة ولغيرها من دول منطقتنا الشرق الأوسطية الحبلى بمختلف الثورات الربيعية والصيفية والخريفية وحتى الشتوية.

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة