الاسلاميون .. والاختبار الصعب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ان ماحصل في الشارع العربي من تطورات سياسية على اثر قيام الثورات العربية او مايسمى بالربيع العربي ( مجازا ) والتي افرزت الى فوز الاسلاميين او الاحزاب الاسلامية ووصولهم الى دفة الحكم ، ما هي الا نتيجة طبيعية لفشل الانظمة العربية وسياستها الفاشلة تجاه شعوبها وعدم اهتمامها بمطالبها ومعاناتها وانشغالها بالفساد والبذخ والترف وصرف خيرات وثروات البلاد في بناء فراديسهم الفاسدة التي لم يصدقوا يوما بانها سوف تنهار امام ارادة الشعوب المغلوبة على امرها .

      فقد كان جل اهتمامهم وتفكيرهم تصب في دائرة الحفاظ على كرسي السلطة والبقاء في عروشهم الى ابد الآبدين .

     ان سلوكيات الانظمة العربية قد انعكست بشكل سلبي على نفسية المواطن العربي وخلق لديه نوع من الاستياء تجاه حكامه نتيجة لتلك التصرفات سرعان ما انفجر في اقرب فرصة ممكنة .

     على اية حال ، ان المستفاد الاول من هذه الثورات العربية وعلى ارض الواقع هي الاحزاب الاسلامية التي استغلت هذا السخط والبركان الجماهيري ضد حكامها في صالحها واستطاعت الوصول الى الحكم عبر صناديق الاقتراع ولحد الآن في ثلاثة دول عربية ( تونس والمغرب ومصر ) ولاول مرة في تاريخها ، ولكن السؤال هنا هل يستطيع الاسلاميون الوقوف امام التحديات الكبيرة التي سوف تواجههم وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي ؟

       فعلى الصعيد الداخلي ، لاشك  ان حجم هذه التحديات قد يختلف من مكان الى اخر ، ففي ليبيا مثلا الخالية من الاحزاب الاسلامية ايام حكم العقيد معمر القذافي وفي حالة هي قد تكون الفريدة من نوعها في المنطقة العربية ان لم يكن في العالم ، وان الشعب الليبي وكما هو معروف متشبع بالافكار القبلية والعشائرية وان الدين له التأثير الاكبر في حياتهم ،  فان الاحزاب الاسلامية التي سوف تتولد من رحم هذه البيئة ، بالتأكيد سوف تلقى استجابة جماهيرية واسعة وبالتالي سوف تكون في مأمن من التيارات والاحزاب العلمانية او الليبرالية او اليسارية او القومية او ما شابه ذلك  والتي قد يتأخر تشكيلها في الوقت الحاضر على الاقل ، مما قد يمهد الطريق الى اقامة دولة اسلامية في ليبيا وهذا ما اكد عليه رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل من ان الشريعة الاسلامية سوف تكون المصدر الرئيسي للتشريع في ليبيا في المرحلة القادمة ما بعد القذافي .

        على خلاف الدول العربية الاخرى ، مثل تونس والمغرب ومصر ، والتي توجد فيها الكثير من الاحزاب او التيارات الاسلامية التي تسعى للوصول الى الحكم  وعلى طول الخط لكون الاسلام هي دين ودولة ( حسب رأيهم ) ، وان شعوب هذه الدول متشبعة بالافكار والثقافات الغربية ولاتزال هذه الثقافة تأخذ حيزا كبيرا من حياتهم وتؤثر فيها بشكل او بآخر  ، وان كان في مصر اقل الى حد ما ، لذا فان الاحزاب الاسلامية الوليدة بتجربتها في الحكم قد تجابه صعوبة في تنفيذ برنامجها ( الديمقراطية والحكم الرشيد ) كما ينادي بها حزب العدالة والتنمية في المغرب ، وان كان قد صرح رئيسها بن كيران بان حزبه سوف لن يتدخل في الحياة الخاصة للمغاربة ! وكما يبدوا لنا فان الديمقراطية هي مصطلح سياسي علماني اما الحكم الرشيد فهو مصطلح اسلامي صرف ، أي هما وجهين لعملتين مختلفتين ! اذن فكيف يتم التوفيق بينهما في عالم السياسة والمصالح ورأس المال !؟

        وكذلك في تونس الذي حوكم بنظام علماني على مدى عقود طويلة والذي  تجذر والى حد كبير  في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب التونسي وترك ملامحه الواضحة في حياتهم ، من اهمها منع نظام تعدد الزوجات في تونس والذي يعتبر مخالفة صريحة وواضحة للشريعة الاسلامية وهي الدولة العربية والاسلامية الوحيدة التي تجرأت ونجحت في ذلك ، وتسهيل حصول المرأة على الطلاق من خلال المحاكم بالاضافة الى منع النقاب في الجامعات وغيرها من الامور التي تؤكد على السير نحو الحياة المدنية  في  تونس  ، وبالتأكيد

 فان حزب النهضة الاسلامية الذي استطاع الوصول الى الحكم في اول انتخابات جرت بعد حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ، سوف يكون له رؤية مختلفة نابعة من منطلقات  اسلامية وبالتالي فان هذه المكاسب التي حققته شعب تونس سوف تكون في خطر  ، وقد ظهرت هذه الحقيقة وابتداءا من الايام الاولى لفوز حزب النهضة من خلال المظاهرات التي قامت وتقوم بها الاسلاميون مطالبين بفرض الحجاب والتنديد بالعلمانية بالاضافة الى مهاجمة بعض السلفيين لدور العرض والسماح للمنقبات بدخول الجامعات وغيرها من الامور  التي تعتبر قيودا في نظرهم على الممارسات الدينية ايام النظام السابق .

       اما الاسلاميون في مصر فانهم الاكثر تشددا من المغرب وتونس ، وخاصة التيار السلفي الذي عبر عن ذلك في اكثر من مناسبة ، كما يبدوا ان الاسلاميون في مصر وبجميع احزابهم وتياراتهم لهم قاعدة شعبية واسعة وقد برز ذلك من خلال فوزهم الكبير في الانتخابات البرلمانية وهذا مما يولّد الكثير من المخاوف لدى امريكا واوروبا وخاصة اذا علمنا بان مصر لها ثقلها السياسي والستراتيجي الكبير في المنطقة وخاصة بالنسبة لاسرائيل وبامكانها التأثير على موازنة النظام السياسي في المنطقة سلبا او ايجابا ، حتى قال احدى الصحف الامريكية بان فوز الاخوان المسلمين في مصر سيكون له العامل الاكبر في اعادة تشكيل نظام الشرق الاوسط بأكمله ! 

اما على الصعيد الخارجي ، وبما ان السياسة  والاقتصاد امران لايمكن الفصل بينهما ، حيث كلا منهما يؤثران ويتأثران بالآخر سلبا وايجابا  ، فكلما كانت الدولة متحررة اقتصاديا كلما ساعدت ذلك على استقرار نظامها السياسي وبالتالي انعكاسها  على الوضع الاجتماعي للافراد مما يؤدي بالنتيجة الى تحسين المستوى المعاشي للافراد وتحقيق العدالة الاجتماعية ، بعكس الحالة الموجودة في دول الربيع العربي والتي تعاني من نظام اقتصادي ضعيف وعدم وجود المؤسسات الاقتصادية القادرة على مواجهة المشاكل التي تواجهها هذه الدول اضافة الى افتقارها الى رؤية متكاملة وواضحة للاوضاعها المتفاقمة بالمشاكل الاجتماعية كالبطالة وسوء المعيشة والفساد الاداري والمالي مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان وعدم وجود خطط اقتصادية واجتماعية لغرض استيعاب هذا الكم من البشر وتوفير فرص العمل لهم وغيرها من المشاكل التي كانت السبب المباشر للقيام بالثورات العربية .

         فان هذه الدول تتميز بضعف انتاجها المحلي عدا ليبيا التي تعتمد على الثروة النفطية كمصدر وحيد دون غيره ، لذا فانها تعتمد في الكثير من وارداتها واستثماراتها في الداخل على التمويل الخارجي او الديون الخارجية مما قد تقع هذه الدول تحت طائلة السياسات المالية لهذه الدول كما حصل في المغرب عام 1983 من فرض سياسة التقويم الهيكلي والتي ادت الى مشاكل اجتماعية في البلاد مازالت تعاني منها لحد الآن ، وكما حدث مع مصر ايضا ايام حكم جمال عبد الناصر في مسألة بناء السد العالي . في نفس الوقت التي تعاني الدول الاوروبية من ازمة مالية شديدة قد تعرقل او تخفض المساعدات او المعونات الاوروبية لهذه الدول في الوقت الراهن على الاقل  . يضاف الى ذلك مسألة العولمة وتأثيراتها الكبيرة على شعوب ومجتمعات هذه الدول   الى حد لايمكن التوقف عنده او الاستغناء عنها ، بحيث اصبح هذا العالم الكبير الواسع والمتنوع بثقافاته وافكاره والمتعدد باديانه واتجاهاته مجرد قرية صغيرة وازالة الحدود الجغرافية التقليدية بين الدول بفضل وسائل الاعلام المختلفة كالانترنيت والستلايت والنقال وتأثيرها على توجيه الرأي العام وامكانية تحريكها وتهيجها في اية لحظة .

        هذه التحديات وغيرها الكثير تضع الاحزاب الاسلامية امام خيارين لاثالث لهما ، وهو اما اعتماد اسلوب الانفتاح والفصل بين الدين والدولة بالاستفادة من التجربة التركية العلمانية وهذا ما قد يتعارض مع توجه الاسلاميين ومرجعيتهم في هذه الدول ، ثم من الصعب القبول بنجاح النموذج التركي في هذه الدول وذلك لوجود اختلاف كبير في الظروف والخصوصيات بين المجتمع التركي والعربي ، او العمل بالحكم الرشيد والمستنبط من الشريعة الاسلامية والحكم بادوات اسلامية دون الاستفادة من التجارب الاسلامية الفاشلة في الحكم ، فان الاسلاميون او ما يسمى بالاسلام السياسي والذين يضعون انفسهم في موقع البديل او المنقذ للشعوب العربية والاسلامية امام اختبار صعب ، وان النهاية الحقيقية لعملهم السياسي على اقل تقدير سوف تكون مرهونة بمدى نجاحهم او فشلهم في هذا الاختبار .

 

 

                                                                                                خدر شنكالى

                                                                                     

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة