الأدب الفانتازياFantasy Literature : دلاور زنكي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

للأدب مسالك ومذاهب، ومن هذه المذاهب الأدبية: الأدب الفانتازي، أي الأدب الخيالي أو الرواية الخيالية التي ترادفها في اللغة الانكليزية كلمة Fiction.

والفانتازيا في الأدب سَفرٌ أو رحلة في الذهن.. تُغرق الفكر في عالم من الصور والأوهام والكائنات التي لا تدركها حواسنا.. وتسبغ على النفس متعة تعجز عن وصفها الكلمات. ورواية "دونكيشوت" هي رحلة ذهنية تكشف عن أسرار خفيةٍ فيما وراء "السيف" سيف "دونكيشوت".

إن هذه الرحلة الذهنية تضم في طياتها قافلة عدادها من الجن والشياطين والإنس والملائكة والحوريات وكائنات غيبية" في ما وراء الطبيعة". وقد صيغت على هذا النحو قصص أسطورية رمزية. فلو أننا نظرنا في الواقع لم نجد شيئاً اسمه "المصباح السحري" أو مصباح علاء الدين، ولكن هذا الاسم ورد مراراً في كتاب قصص: "ألف ليلة وليلة" الذي تروي القصة حكايته بأسلوبها الخاص وكأنَّ هذا المصباح كان موجوداً في يوم من الأيام في حيازة فتى يدعى علاء الدين إلى آخر الحكاية. وهذه القصص الخيالية تزخرفها الأحداث الغريبة وتضفي عليها طعماً مثيراً يدعو إلى ملاحقتها حتى النهاية.

من الكتب القيمة والنادرة التي تسير في ركب الرحلة الذهبية "الفانتازيا"، هذه الكتب التي كتبت بمهارة فائقة بأسلوب بلاغي بارع، كتاب "الأوديسا" للشاعر هوميروس، ودونكيشوت لسرفانتس، ونبيل اليانسان، والخاتم السحري أو خاتم سليمان، و قصة سندباد البحري وجعبة علاء الدين وبساط الريح و وادي الجواهر.

كانت بداية السفر الذهني منذ بضعة آلاف من الأعوام في بعض هذه الكتابات الخيالية وسوف يستمر هذا السفر في ذهن الإنسان دون سأم أو ملل.

وفي فحوى قصة "نبيل اليانسان" وصف لخاتم سحري من تختم به خفي عن الأنظار ولكنّ حامله يرى الآخرين وهم لا يرونه. وفي هذه القصة من الخيال ما لا يحتاج إلى التنويه به، أو لفت نظر القارئ إليه.

وأروع ما ابتدعه فكر الأدباء ملحمة أو أسطورة "الأوديسا" التي هي في قمة هذا الفن وهي النموذج الأصيل لجميع الكتابات الأسطورية. في هذه الأسطورة خزينة مترعة بالنوازع النفسية والطموح والرغبات الجسدية، والشهوات الجنسية.. وأمام هذه الدعوات الغريزية حظرٌ وكبت، وعندئذ لا يرى بداً من اختيار أحد السبيلين، فإمّا أن يجري البطل في الرواية مع هذه الشهوات فيهلك ويموت. وإما أن لا يخفض لها هامته وأن يتصدى لها وينتصر. ففي بعض الروايات الخيالية تكون الملذات الجنسية مصدر آفات وويلات. وتحدث المآسي الهائلة.

لا نعثر في الأدب الخيالي "الفانتازي" على بعض الأمور مثل الملهاة- "الكوميديا" والمسرات، والحبور.. في هذا الفن الأدبي ذكر للموت وذكر للعودة منه وذكر للبعث، حيث يرحل البطل إلى عالم الأموات ويمكث هناك يرى الذين رحلوا قبله ثم يعود إلى عالم الأحياء. إن الأدب الخيالي "الفانتازي" يقتبس ركائزه من الأساطير اليونانية التي تتحدث عن إله الظلام وعن رحلة ذهابه. فهو يصدر عن القصص والروايات والأقصوصة الميثولوجية والأحداث التاريخية في العهود الغابرة كما يصدر هذا الأدب الخيالي عن القصص القصيرة الخيالية الحديثة.

يهتم الأدب الخيالي بأحداث لم تقع وبأمور في الطبيعة لم تحدث في يوم من الأيام ولكنها ترد وكأنها أحداث حقيقية. وللتحليل النفسي "السيكولوجيا" في هذا الفن الأدبي مكانة مرموقة عالية.. وفيه الهزل والجد.. وكثير من هذه القصص الخيالية مرقشة ومطعمة بزخرف الحديث عن الحوريات والجنيات.. وكتبها كبار الأدباء العالميين مثل: بلزاك، وهوغر، وكافكا، وفلوبرت، وموباسان. ومنذ القديم ظهرت قصص شعبية "فولكلورية" رويت على هذا النمط مثل قصص "ألف ليلة وليلة" ثم جاء بعض الكتاب فدونوها تدويناً متفرقاً وفي خاتمة المطاف جُمعتْ في كتاب واحد، وفي هذه القصص يؤدي المردة والعفاريت دوراً خطيراً ووظيفة كبيرة... ومع ان العفاريت والمردة ليست بكائنات وليس لها وجود فإن هؤلاء العفاريت والمردة من الجن هم الذين يسبغون عذوبة على جو القصة ويدفعون القارئ إلى الجري وراء الأحداث ومتابعة تسلسلها.

يقول الباحث: نوثروب فراي: إن الأدب يتأرجح بين الوهم والحقيقة وبين الخيال والواقع بين السلبية والايجابية بين العدم والوجود. إنّ "هاملت" و"فلستراف" حقيقيان أو غير حقيقيين موجودان وغير موجودين وهذه الحالة هي التي تفضي بالأدب الى حالة التأرجح والتذبدب.  ومن البدهي أن الرواية الخيالية تتناول أحداثها بل بعض أحداثها من واقع الحياة والبعض الآخر من فكر الروائي ونسجه. وهكذا تكون الرواية مزيجاً من النقيضين السالب والموجب.. الماء والسراب والوهم  والحقيقة.

وفي أيام متأخرة ظهر نوع جديد من الروايات الخيالية التي نصف الفضاء وتتحدث عن الكواكب والنجوم والمجرات وعن الرجال الآليين (الروبوت) وعن غزو العوالم المجهولة على المراكب الفضائية، أُطِلقَ على هذه الروايات اسم "حروب النجوم". وهذه الروايات التي تعرف باسم الخيال العلمي صدرت في كتب ومثلت في أفلام السينما. ومن الروايات والقصص الأسطورية التي ساهمت "الفانتازيا" في بنائها المتألق: أسطورة "الملك آرتور" وأعمال الساحر: بيلابو.

وقد استطاع الكاتب ر. تولكيين أن يترك بصماته على تاريخ أدبنا المعاصر الخيالي من خلال روايته سيد الخاتم وهو الذي تُرجمت أعماله الأدبية إلى لغات كثيرة وكانت كتبه أكثر رواجاً من الكتب الأخرى في شتى أنحاء المعمورة وأكثرها بيعاً.

إن كتب الرواية الفانتازية تُنسج من خيوط الخيال، وللخيال أهمية عظيمة في تعلق الإنسان وشغفه بالمجهول ومحاولة معرفته واستكناه ماهيته، لذلك كان هذا اللون من الأدب أكثر انتشاراً وأكثر إقبالاً عليه. والجري وراء الخيال تعبير عن السعي وراء الآمال والأمنيات، ففي رواية ج.ر.تولكيين "نبيل الياسان" يبحث أبطاله عن كنز مخفي أو مفقود. فمنذ ألف عام في عالم مصطنع "من صنع الخيال" يعيش جيل من الناس يدعى "هوبيت" وهؤلاء الناس جنس من الأقزام وأبطال الرواية هنا هم "بيلابو" و "باكينز" و "كالفالدي الساحر، وثلاثة عشر من الأقزام"، ولدى البحث عن الكنز يعثر "بيلابو" على خاتم سحري ويجلبه إلى البيت ويضعه في مكان ما من المنزل، وسر سحر هذا الخاتم أن من حمله وتختم به اختفى عن الأنظار، يرى الناس والأشياء ولكن الناس لا يرونه. وكان "بيلابو" عالماً بسر خاتمه السحري وسبق أن جرّبه واستخدمه عندما كان يريد الاختفاء عن العيون. وحرصاً عليه وخشية أن يضيع أو يسرق ثبته بسلسلة ودسه في جيبه. أما صانع هذا الخاتم فهو "السيد الأسود" ولكنه يفقده في يوم من الأيام ويضيع منه، ومن مزايا هذا الخاتم أن حامله يغدو سلطاناً على كل الأشياء ويصبح خالداً.

وفي الحقيقة ليس في بني البشر من لا يتمنى أن يمتلك خاتماً مثل ذلك الخاتم ليحقق به أمنياته. والقارئ عند قراءته لهذا النص لا بد من أن يستبيه الخيال ويستسلم لأحلام اليقظة واجياً أن يكون صاحب هذا الخاتم في يوم من الأيام فيقرؤه بكل ما لديه من عشق للقراءة وشغفٍ بها.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة